نشرة “كنعان”، 25 كانون الأول (ديسمبر) 2022

السنة الثانية والعشرون – العدد 6439

عيد ميلاد مجيد

وكل عام وأنتم بخير

في هذا العدد:

إعلام رسالته لا عروبية، عادل سماره

دروس اقتصادية وسياسية من مونديال قطر 2022، الطاهر المعز

ملف خاص في “الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي”، الجزء الأول، د. زياد الزبيدي بتصرف

  • مقابلة مع سيرجي ستانكفيتش مستشار يلتسين: هل كان من الممكن منع إنهيار الإتحاد السوفيتي؟
  • “الاتحاد السوفياتي”: سفينة تعمل بالطاقة الذرية

✺ ✺ ✺

إعلام رسالته لا عروبية

عادل سماره

إذا كان المواطن العربي لا يرى الشرطة وهراواتها وخوذ الجنود إلا في حالات الانفجارات والانتفاضات لقمعه بينما هَوام العسس والمناديب ينتشرون تحت جلده ولا يراهم لكن يُحس بهم، فإنه عرضة 24 على 24 لهراوات الإعلام.

ولأن للإعلام كل هذا الحضور المتنامي مع تطور التكنولوجيا وتطويعها لمصالح الحكام وضد الشعوب وخاصة في الوطن العربي يصبح الحذر منها أهم من مشاهدتها، سماعها، قراءتها بمعنى، أن المواطن إذا لم يكن مسلحا بالحذر الواعي من أية وسيلة إعلام فإنه سوف يعٌبُ مما تدفع إليه ليغدو جزءا منها بترويجها قصدا أو حتى خلال تسلية الوقت اي قتل الوقت بالتقوُّلات وخاصة في مجتمعات البطالة فيها أوسع من العمل والإنتاج.

مثل غيري، وربما أكثر من غيري كثيراً ما نبهت، وسأستمر، في التحذير من فضائيات تزعم أنها م.ق .ا.و.م.ة بينما هي في حالات كثيرة أداة للغير بغض النظر عن سببين:

الأول: أن لإدارتها، بأوامر مالكيها/مموليها ارتباطات لا شعبية وأحيانا لا عروبية.

والثاني: تعبئة الوقت بما هي وظيفة هذا أو تلك وضمن ذلك جهل الموظف لتجهيل الناس.

شاهدت قبل ايام برنامجاً عن الممثل السينمائي من المحتل 1948 محمد بكري، والرجل تطبيعي علانية ويفتخر بكونه من النسل التطبيعي للراحل إميل حبيبي المشهور بنعت القوميين ب “الحمير القوميجية”، وبأن نداء رقم 38 لانتفاضة 1987 بنمرة حذائه، وبأنه كان يرى نفسه حامل أختام إدخال اي شخص في الشيوعية أو رفضه ثم صار أمريكيا ونال وضع صورته على طابع بريدي للكيان.

وكانت قبل ثلاث سنوات قد استضافت نفس البكري كل من الميادين والأخبار وحتى السيدة المسرحية نضال الأشقر وضربوا بكرامة القضية العربية أي فلسطين عرض الحائط، وهناك في لقاءات البكري شتم أحد أفضل أيقونات النضال العروبي الفلسطيني بسام الشكعة والمعروف عنه الكثير، واذكر هنا أنه حين قابل الرئيس الراحل حافظ الأسد فيما يخص العراق وأصر الأسد على موقفه قال له جملته المشهورة: “والله يا سيادة الرئيس الآن أشعر انني فقدت ساقَيْ”.

حدث ذلك حينما وضع الكيان ألغاما تحت سيارات رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة بما هم في الحركة الوطنية.

قد يبدو للبعض أن ما يبثه الإعلام هو السرد وليس عليه التحليل والرد والمواجهة. وهذا خطير حقاً، فليس كل مواطن قادر على التحليل على الأقل بحكم تخصصه أو عدم تخصصه، ولذا ليس دور الإعلام هو إيصال الخبر بل تحديد موقف من الخبر، لأن عدم تحديد الموقف هو موقف وخبيث ايضاً.

إن أخطر ما تمر به سوريا اليوم هو دور الإعلام وتواشجه مع الحصار كحرب اقتصادية، اي:

·       إعلام غزير بل فائض

·       وحصار شامل اي خانق.

وذلك لكسب ما لم يحصل بالسلاح، كسبه بالتجويع والبرد والبطالة والفساد…الخ.

وهنا يلعب الإعلام دوراً يُظهر هذه الأمور بأضعاف حجمها بهدف خدمة “ثورة الإرهاب” بتحريك الناس لهدم الدولة بهذه الوسائل طالما عجز المدفع أو جرى توقيفه لفترة. فمن يدري وخاصة أن الذين أحرقوا 2 ترليون دولار لهدم سوريا هم الآن:

·       يتدلعون ويتنعفلون بأرباح وخاصة بعد أزمة كورونا وأزمة أوكرانيا

·       ولا زالوا في دورهم المناط بهم من الأعداء

·       ناهيك عن حقد البدوي حين يصبح حاكماً متاثرا بحقد الجِمال التي لا تتخلص من حقدها حتى على صاحبها، وهذه القيادات حاقدة على أمتها

·       إضافة إلى أن معظم الأنظمة العربية الأخرى تزكي أنظمة الخليج وتتعاون معها ضد سوريا ولعل أحدثها وليس آخرها   هو مؤتمر “بغداد” على شاطئ دفىء البحر الميت قبل ايام.

في أحد برامج نفس الميادين كان هناك متحدث أمريكي عن سوريا كل حديثه تبرير العدوان الأمريكي ضد سوريا، وللأمانة تصدت له المذيعة ربما بأكثر مما يُسمح لها ورد عليه الضيف السوري بأدب غير ضروري، لا سيما وأن الأمريكي كان يتحدث بتعالٍ واضح.

أما الأخطر بأن حديثه كان يوحي بأن الاحتلال الأمريكي لأراضي سورية هو أمر عادي وكأن أمريكا هناك دولة جوار وبأنها استعادت أرضها.

كان هذا في حديث الأمريكي أوضح حتى من أكذوبة مطاردة امريكا لداعش مع أنها أم داعش أكثر مما هي أم الكيان.

والمضحك أنه كان من الوقاحة بمكان بالقول: “الأسد يحكم بالقوة… الأسد يكاد يفلت”…الخ.

لا يهمني هنا أخذ القول باتجاه أن الأمريكي يتجاهل أن أمريكا ليست كما كانت، ولكن ما يهمني أن:

·       لا الضيف السوري وهو مثقف ومتزن

·       ولا المذيعة وهي شاطرة إلى حد ما

لم يقولا له: لماذا أمريكا هنا؟ وما علاقتها ودورها لصالح الكيان والأنظمة اللاعروبية.

لأن هذا بيت القصيد. هذا مع أنه وفر لهما فرصة التركيز على هذه المسألة بنفيه لحق الرئيس في الحكم…الخ.

إن أهم ما يجب على الإعلام التركيز عليه هم تفهيم ومن ثم تحشيد وشحن الشارع العربي ليدرك أن امريكا والكيان وكامل الثورة المضادة هم الذين عليه مواجهتهم وإدراك أنهم أعداء بالفطرة والحضور الفاعل. فمن لا يعرف عدوه يخالُ بأن عدوه وطنه فيشارك في الهدم.

فالاستهداف المطلق والعداء التاريخي والصراع التاريخي والحاضر والمستقبلي تشترط إعلاما مقاتلاً لا مختالاً.

✺ ✺ ✺

دروس اقتصادية وسياسية من مونديال قطر 2022

الطاهر المعز

تستخدم السُّلُطات والقوى السياسيةُ النشاط الرّياضي والبطولات والمسابقات الدولية للدعاية ولتحسين صورتها، كما حدث خلال حكم الفاشية في إيطاليا الفاشية سنة 1934 (كأس العالم لكرة القدم) أو خلال حكم النازية في ألمانيا سنة 1936 (دورة الألعاب الأولمبية في برلين) أو في الأرجنتين سنة 1978 (كأس العالم لكرة القدم) في ظل نظام الحكم العسكري الدّموي، المسؤول عن اغتيال آلاف المواطنين وتعذيب عشرات الآلاف من المواطنين والمساجين السياسيين وإعدام العديد منهم على بعد عشرات الأمتار من الملعب الذي استضاف المباراة النهائية لكرة القدم.

طَوَّرَ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ثقافة الفساد وسهّل غزو مشهد كرة القدم الحديث بالمال والإشهار التّجاري، ولم يتمكّن الإتحاد من تبرير اختيار قطر لتنظيم بطولة العالم لكرة القدم لدورة 2022، فالإعتبارات المالية هي المبرر الوحيد، لأن منتخب قطر الوطني لكرة القدم متواضع جدًّا ومعظم لاعبيه من المُجَنَّسِين الجدد، ولم يتأهل أبدًا لكأس العالم، ولم تكن بهذه الدُّوَيْلة بُنْيَة تح​​تية تَنِمُّ على وجود تراث رياضي، وتمكّن حُكّام هذه المَشْيَخَة بفضل عائدات الغاز النّتِن من ضخ 220 مليار دولارا لبناء الملاعب والبنية التحتية الضّرورية لتنظيم بطولة عالمية لكرة القدم…

في هذا السياق وبالنظر إلى ثروة قطر، فإن تأثير المال على الرياضة ملحوظ، وعلى سبيل المثال، دفعت قطر 150 مليون دولار لـ “سفير كرة القدم” ديفيد بيكهام للدّفاع عن قرار “فيفا” الذي أدّى إلى تغيير بعض القواعد، فلأول مرة في التاريخ، تقام نهائيات كأس العالم شتاءً، في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر، بدلاً من حزيران/يونيو وتموز/يوليو في فصل الصّيف، مما تسبب في اضطراب كبير في تقويم كرة القدم للأندية في معظم أنحاء العالم، واضطرّت العديد من البطولات المحلّية إلى الإنطلاق في وقت مبكر، وتقصير فترات الرّاحة للّاعبين، كما تم تقصير فترة بطولة العالم، وإرهاق اللاعبين الذين شاركوا بالبطولة، وخصوصًا الذين وصلت فِرَقُهُم إلى المراحل النهائية، ليعودوا بسرعة إلى المنافسات المحلية، ضمْن جَدْوَلٍ محموم قد يكون له تأثير خطير على صحة اللاعبين، مما يزيد من احتمالية الإصابة والإضرار بالصحة البدنية والعقلية للاعبين، وفق الإتحاد النقابي الدّولي للّاعبين المحترفين الذي انتقد “العبء الكبير والنّسَق غير المسبوق المفروض على اللاعبين الأساسيين ومعاملتهم مثل الماشية”، واعتبر الإتحاد النقابي أن الإتحاد الدّولي لكرة القدم (فيفا) يستَخِفُّ بصحّة اللاّعبين ويُضَحِّي بها بسبب العقود التجارية وبيع حقوق البث والترخيص والتسويق وعقود الرعاية التي تزود “فيفا” بجزء كبير من دخلها، حيث قُدِّرَت عائداتها من بطولة العالم “قطر 2022” بأكثر من ست مليارات دولار.

لا تزال كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية في العالم، فقد نشأت في مدن وأحياء الطبقة العاملة البريطانية، وتم إرساء قواعد اللُّعْبَة سنة 1882، وكان معظم اللاعبين والمتفرجين من الطبقة العاملة، وكان المُسَيِّرُون والإداريون كذلك من الطبقة العاملة ومُناصِرِيها، واشتهر من بينهم المدير الأسطوري لنادي ليفربول، بيل شانكلي ( 1913-1981)، ذو المُيُول الإشتراكية، خلافًا للقادة واللاعبين والمُدرّبين والإداريين وأعضاء طاقم التّسْيِير الحاليين (في عصر الإحتراف) الذين لا يهتمون سوى بالمال، مع ما ينتج عن ذلك من إهمال الجوانب الأخلاقية والاجتماعية التي انطلقت منها رياضة كرة القدم.

في هذا المناخ الفاسد والمُلَوَّث بالمال، بدأت دُوَيْلات الخليج تستثمر في كرة القدم، فوقعت مؤسسة قطر اتفاقية رعاية مع نادي برشلونة الذي كان يرفض الإشهار والإعلانات على قمصانه قبل سنة 2006، كما اشترت مشْيَخَة قطر نادي باريس سان جيرمان، واشترت الإمارات نادي مانشستر سيتي، واشترت السعودية نادي نيوكاسل يونايتد، لتصبح هذه الأندية الثلاثة (وغيرها من النوادي التي اشتراها أثرياء العالم الذين لا يفقه بعضهم قواعد كرة القدم) ثرية، تمتلك ما يكفي من المال لشراء أفضل اللاعبين والمديرين في العالم والفوز بالبطولات، رغم افتقار دويلات الخليج ومنها “قَطَر” للتاريخ أو التّراث الرياضي أو البنية التحتية الرياضية، لذلك كان من الضروري إنفاق 220 مليار دولار لبناء الملاعب في قَطَر، قبل استضافة الأدوار النهائية لبطولة العالم لكرة القدم، وهو الحدث التلفزيوني الأكثر شَعْبِيّة في العالم، لكن هذه الإستثمارات الضّخمة كانت على حساب العُمّال المهاجرين (خصوصًا من جنوب آسيا) الذين يعملون في ظروف شبيهة بالعبودية، برواتب منخفضة وسكن غير لائق…

رَكّزت العديد من المنظّمات ووسائل الإعلام الأوروبية على عدم احترام حقوق الإنسان في قَطَر، وعدم احترام حُقُوق العُمّال المهاجرين، وهي مُحِقَّة في نَقْدِها، لكن من يريد محاربة الظلم، فَلْيُحارِبْهُ في كل مكان وفي كل البلدان، ولتَتِمّ إدانةُ كل المستغلين والظالمين، بدون انتقاء، فالإستغلال والظُّلْم والإضطهاد منبوذ في كل مكان، بما في ذلك في الدّول الرأسمالية المتطورة، حيث يتجاهل الحكّام ونواب البرلمانات ووسائل الإعلام بالبلدان الرأسمالية المتطورة (“الغربية”) ظروف العمل السيئة والعنصرية والإستغلال الفاحش للعمال المهاجرين – خصوصًا من لا يمتلكون وثائق العمل والإقامة – والعديد من فئات العمّال المَحَلِّيِّين، ولذا وجب أن تبدأ الحرب ضد الهشاشة وعدم الاستقرار وظروف العمل السيئة أو العنصرية “في الداخل”، في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وفي أي مكان آخر، فلا وَطَنَ للرأسمالية والشركات العابرة للقارات، التي تخلق، حيثما حَلّت، الظّروف المُواتية لزيادة أرباحها، بفضل الاستغلال والقمع الاجتماعي. المتحدة.

تُنْفِقُ مَشْيَخَة قَطَر” عائدات الغاز في شراء الأسلحة والمعدّات الحربية من الشركات الإمبريالية، وهي موطن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إقليم “الشرق الأوسط “، ولها موقع استراتيجي قريبًا من الحدود الإيرانية، ولا تتجاوز نسبة المواطنين المَحَلِّيّين 10% من العدد الإجمالي لساكني هذه الدُّوَيْلَة التي خلقتها بريطانيا سنة 1971، فتوزّع عليهم الأسرة الحاكمة بعض المال، وتستفيد الشركات العابرة للقارات من عائدات النّفط والغاز، كما تستخدم الأُسْرة الحاكمة بقطر جُزْءًا من حصتها من عائدات الغاز لإرشاء العديد من الحُكّام والنواب والمسؤولين بالدول الإمبريالية، وتم كَشْفُ بعض القضايا (لغاية في نفس يعقوب، خلال فعاليات بطولة العالم لكرة القدم 2022) منها اتهام أعضاء البرلمان الأوروبي (11 كانون الأول/ديسمبر 2022) بتلقي “رشاوى” من حُكّام قطر، لكن لم يتم التنديد بالشركات الكبرى، حيث شكلت استضافة كأس العالم فرصة للرعاة وشركات المعدات الرياضية والشركات متعددة الجنسيات الأخرى لجني أرباح ضخمة على حساب الإستغلال الفاحش للعمال المهاجرين في قطر. إن الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة هي التي تستغل العمال – ومنهم المهاجرون – في أوروبا أو أمريكا أو في دويلات الخليج الصغيرة، والاستغلال والقمع والاستبداد ليست من سمات الأسر الحاكمة في الخليج لوحدها…

تجاهلت وسائل الإعلام “الغربية” بعض الوقائع البارزة، ورفضت التحليل والتعليق على تعبيرات التضامن القومي العربي، برفع العلم الفلسطيني في المدرجات، والدعم الكبير للمنتخب المغربي، من العرب – من المحيط إلى الخليج – ومن الأفارقة، لدى مواجهته منتخب إسبانيا، ثم المنتخب الفرنسي يوم 14 كانون الأول/ديسمبر 2022، وكانت هذه المباراة الأخيرة مناسبة لإطلاق الشعارات والممارسات العنصرية في فرنسا، حيث نفذت مجموعات اليمين المتطرف هجمات عنيفة منسقة في العديد من مدن فرنسا (باريس وستراسبورغ وكان وأنيسي ومونبلييه، حيث تم قتل مراهق بالدّهس أو ليون، وفي حوالي عشر مدن فرنسية أخرى…) ضد من يُشتَبَهُ بعروبته أو من يتجرّأُ على إظْهار دعمه للمنتخب المغربي، فقد هاجم العشرات من أعضاء الجماعات اليمينية المتطرفة بعنف النساء والرجال الذين تجَمَّعُوا لدعم الفريق المغربي، ما يُؤَكّد إنها ليست حوادث مُنْعزلة عن بعضها، أو صدامات بسيطة بين مؤيدين لفريقيْن رياضِيَّيْن متنافِسَيْن، بل إنها هجومات منسقة ومخطط لها، مُسبقًا، يتم تنفيذها في الفضاء العام، وتستمدّ شعاراتها ووسائل تنفيذها من أعمال العنف التي ارتكبها الجيش الاستعماري الفرنسي في الجزائر وبقية المُسْتَعْمَرات…

تُمثّل هذه الهجمات عنفًا إجراميًّا مع سبق الإصرار، يسمح المناخ السياسي السّائد بتنفيذها، بل يُشجّع على ارتكابها في فرنسا (كما في بلدان أوروبية أخرى)، مع ضمان عدم تتبّع ومعاقبة مرتكبيها في ظل مناخ التَّجْيِيش المُستمر ضدّ المُهاجرين –خصوصًا العرب والإفريقيين- وأبنائهم وأحفادهم ومن يُشتبَه في اعتناقهم الدّيانة الإسلامية (“المسلمين” المفترضين)، وكان الرئيس وأعضاء الحكومة الفرنسية مِنْ أوّلِ مَن استخدم لغة الحرب ضدّ المهاجرين، بعبارات “التعبئة الكبيرة”، دفاعًا عن “الوطنية الجمهورية” أو “استعادة الأرض المفقودة في المعركة ضد العدو الانفصالي” (والإنفصاليون هم المُسلمون المُفْتَرَضُون)، بحسب إيمانويل ماكرون ، خلال خطابه  ( 02 كانون الأول/ديسمبر 2022) بمدينة ( Les Mureaux ) التي يسكنها العديد من عُمّال شركة صناعة السيارات “رينو”، من أصيلِي السينغال والمغرب، وتقع على بعد ثلاثين كيلومترًا من باريس، وإذا كان منطق الرئيس ووزراء حكومته والنّوّاب الدّاعمين له يرشح بهذه العبارات العُنصرية الصّريحة، فكيف يمكن أن تُفَاجِئَنا التعليقات والاعتداءات العنصرية اليومية التي يرتكبها مناضلو اليمنظمات اليمينية المتطرفة، سواء في فرنسا أو ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا… إن مُمثِّلِي السلطات التنفيذية والتشريعية ووسائل الإعلام السّائد، تخلق جو الكراهية والحقد، لتقسيم أبناء الطبقة العاملة والفُقراء وهو السّياق الذي تتنزّل ضمنه الإعتداءات العنصرية والعُنف على هامش مباراة كرة القدم بين المغرب وفرنسا، ويمكن اعتبار هذا العُنف امتدادًا للدّعاية الإستعمارية المُتواصلة منذ القرن التاسع عشر، في فرنسا كما في مجمل الدّول الأوروبية، ولذا ليس غريبًا أن يُصبح اليمين المتطرف أقوى تيار سياسي في العديد من البلدان الأوروبية، ويحكم بعضها ويُشارك في حُكْم بعضها الآخر…

نَشَرت الصحيفة الأسبوعية الفرنسية (Le Canard enchaîné) والإنغليزية اليومية (The Guardian) والشبكة التلفزيونية ( Sky News ) رسومًا كاريكاتورية ومقالات وتعليقات عنصرية تتجاوز انتقاد القوة الرجعية لقطر أو الدول العربية الأخرى، بل قَدّمت “لُوكَنار أنْشِينيه” لاعبي الفريق القَطَرِي (كرمز للعرب) كمجموعة من الإرهابيين ذوي اللِّحِي الطويلة الكَثّة، المُسَلّحين بالأسلحة النارية والبيضاء والمُتَفَجِّرات، ما يُشكّل هُجُومًا على الشعوب العربية (خاصة الشعب الفلسطيني) وحضارة وتاريخ العرب وثقافتهم وعاداتهم. أما عن ذريعة سوء ظروف العمل للعمال المهاجرين، فإن استغلال العمال المهاجرين في أوروبا أو الولايات المتحدة لا يصدم أو يجذب انتباه وسائل الإعلام السائدة، المَمْلُوكة لنفس تلك الشركات متعددة الجنسيات التي تستغل وتضطهد العمال المهاجرين والسكان الأصليين.

✺ ✺ ✺

ملف خاص في “الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي”

الجزء الأول

د. زياد الزبيدي بتصرف

نعيش هذه الأيام الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي الذي يصادف مرور مائة عام على تأسيسه 30/12/1922-30/12/2022. وبهذه المناسبة ننشر باقة من المقالات لكتاب ومحللين روس بغرض الإضاءة على هذا الحدث الكبير في تاريخ البشرية.

“كنعان”

✺ ✺ ✺

(1) مقابلة مع سيرجي ستانكفيتش مستشار يلتسين: هل كان من الممكن منع إنهيار الإتحاد السوفيتي؟

(2) “الاتحاد السوفياتي”: سفينة تعمل بالطاقة الذرية

✺ ✺ ✺

(1)

مقابلة مع سيرجي ستانكفيتش مستشار يلتسين:

هل كان من الممكن منع إنهيار الإتحاد السوفيتي؟

 إيغور إميليانوف

صحفي ومحرر في راديو كومسومولسكايا برافدا

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

7/12/2022

كان من الممكن أن ينجو الاتحاد السوفيتي لو كانت روسيا قد أقامت تحالفًا مع كازاخستان – هذا ما افضى مستشار يلتسين وأضاف في المقابلة:

 لهذا، كان يكفي أن يوقع يلتسين اتفاقًا مع نزارباييف، وليس مع كرافتشوك وشوشكيفيتش.( بالترتيب: رؤساء روسيا و كازخستان وأوكرانيا وبيلوروسيا غداة إنهيار الإتحاد السوفيتي-المترجم).

 يتذكر سيرجي ستانكفيتش، مستشار الرئيس الأول بوريس يلتسين، الحقائق غير المعروفة لتوقيع اتفاقات بيلوفيجسكايا (8/12/1991 التي قتلت الإتحاد السوفيتي-المترجم).

 هذا ما أخبرنا به المستشار السابق لرئيس روسيا الأول، سيرجي ستانكفيتش في مقابلة مع راديو كومسومولسكايا برافدا.

  في ديسمبر 1991، لم يسافر إلى بيلوفيجسكايا، لكنه كان على علم بأن قادة روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا سيوقعون “حكم الإعدام” على الاتحاد السوفيتي هناك.

  1. ضعف جورباتشيف.
  • بحلول ديسمبر 1991 هل كان من الممكن الحفاظ على الاتحاد السوفيتي أم لا؟
    • بغض النظر عما إذا كانت اتفاقيات بيلوفيجسكايا قد تم التوقيع عليها أم لا، فإن الاتحاد السوفيتي بشكله السابق لم يعد يمكنه النجاة. هذه حقيقة مطلقة.
  • لكن كانت هناك خياراتناعمة (او سلمية) وصعبة، مثل السيناريو اليوغوسلافي؟
    • قد يكون الانتقال إلى حالة جديدة ما بعد الاتحاد السوفيتي مختلفًا.  لكن لم تكن هناك حاجة لتوقيع الاتفاقية في بيلوفيجسكايا!  لكن معاهدة جديدة للاتحاد الجديد – كان لا بد من التوقيع عليها بالتأكيد.
  • هل تعتقدون ذلك بعد 31 سنة؟
    • كان هذا موقفي حينها.  لقد أصبح يقيني أقوى فقط على مر السنين.  كان من الضروري التمسك بهيكل الدولة القائم رسميًا.  والتراجع على مراحل – عن طريق المفاوضات.  والاخذ بعين الاعتبار الظروف في كل مرحلة.
  • مثل ماذا؟
    • شروط الاعتراف باستقلال جمهوريات الإتحاد – مناقشة هذه الشروط مع كل منها.  كان الأمر يتعلق بتوحيد النموذج الكونفدرالي.  كانت هناك أمور نتشبث بها.  كان علينا أن نتشبث بكل شيء.  لكن، هنا كان ضعف تصميم وارادة جورباتشوف؟
  • فى ماذا؟
    • أن هناك روسيا في كفة – وهناك البقية في الكفة الاخرى.  والجميع كان يحاول الحصول على شيء من روسيا.  كان على موسكو أن تتلافى ذلك، لتحصل على شيء من كل جمهورية.  بشكل جوهري وحازم لتلقي ضمانات الولاء من الجمهوريات.

2) نزارباييف كضامن

          – من كان على استعداد لتقديم ضمانات؟

  • كان نزارباييف على استعداد لتشكيل اتحاد فيدرالي.  وستنضم بقية الجمهوريات وفقًا للشروط التي صاغتها روسيا وكازاخستان.  كان موقف كازاخستان آنذاك هو الأكثر تقدمًا.
    • ومن كان في ذلك الوقت الأكثر استقلالية؟
    • اوكرانيا.  في 1 ديسمبر، أصبح كرافتشوك رئيسًا لأوكرانيا.  في المحادثات التي جرت في بيلوفيجسكايا، كان يتصرف كرئيس دولة مستقلة.  على الرغم من وجود أشياء نتشبث بها حول الاعتراف باستقلال أوكرانيا.  وحاولت روسيا أن تفعل ذلك.
    • من وكيف حاول بالضبط؟
    • قمت أنا ونائب الرئيس ألكسندر روتسكوي بزيارة جمهوريات رابطة الدول المستقلة التسع التي كانت مستعدة لتوقيع معاهدة الاتحاد الجديد في 20 أغسطس 1991.  تم إنشاء فريق إنقاذ بشخصي أنا وروتسكوي.  وقمنا بالطائرة بزيارة جميع عواصم جمهوريات الاتحاد.  تم إقناعهم بعدم الإسراع في الانفصال.  عرضوا مناقشة جميع الخيارات الممكنة.
  • متى قمتم بهذه الرحلة؟
    • في خريف عام 1991.  وجدنا الرد الأكثر إيجابية في كازاخستان من نزارباييف.  كان الباقي يأخذ موقفا سلبياً بدرجات متفاوتة.  لقد كانت مهمة “جس نبض” إلى حد كبير.

بعد ذلك، كان من الضروري بدء المفاوضات مع كل جمهورية على حدة.  نحن نتحدث عن 9 جمهوريات أجرت استفتاءات على تجديد الاتحاد وكانت مستعدة للتوقيع على معاهدة اتحاد جديدة في 20 أغسطس.

  • هذا يعني أن 9 جمهوريات من اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية يمكن أن تبقى في الاتحاد الجديدبدون اتفاقيات بيلوفيجسكايا؟
    • من حيث المبدأ، نعم، كان يمكنهم ذلك.  بالضبط بدون دول البلطيق، وربما بدون منطقة القوقاز.
  • هل أدى توقيع اتفاقية بيلوفيجسكايا إلى تدمير هذا النظام الإتحادي الجديد؟
    • قُتلت معاهدة الاتحاد في وقت سابق، على يد انقلاب اب أغسطس عام 1991.  مباشرة بعد ذلك، في 24 و25 أغسطس، بدأت أعمال إعلان الاستقلال في الجمهوريات.  كل أولئك الذين كانوا مستعدين للتوقيع على المعاهدة في 20 أغسطس قالوا له لا في 24 من ذلك الشهر – أنه لن يكون هناك إتفاق.
  • كرافشوك مدمر
  • ومن كان موقفه هو الأهم والحاسم؟
    • يلتسين اعتبر موقف أوكرانيا هو الحاسم.
  • ولو قال كرافتشوك: بوريس يلتسين، فلننشئ اتحادا؟
    • كان سيحدث ذلك وكان يمكن جذب الباقي بالقوة او الإقناع.
  • لكن رئيس أوكرانيا كان قد بدا بالفعل ينظر في اتجاه آخر؟
    • بالطبع.  لقد كان، مثل ثعلب قديم في الحزب، على استعداد ليقوم بأي شيء لإرضاء مؤيدي الاستقلال الوطني لأوكرانيا.
    •  
    • لماذا لم تتواجدوا في بيلوفيجسكايا؟
    • لم يتم اصطحابي إلى هناك، كما قال يلتسين، بسبب “تعاطفي مع جورباتشوف”.  اعتقدت أنه يجب الحفاظ على شكل من أشكال الاتحاد.  كان يجب ان يحاول يلتسين وجورباتشوف معًا الانتقال إلى دولة اتحادية جديدة.  لقد كتبت بعض الملاحظات عنها. لكنها لم تعجب يلتسين.
  • هو بالذات؟
    • هذا الموقف لم يقبله يلتسين وبوربوليس إلى حد كبير.  كان الأخير آنذاك منظرا.  كان شخراي دبلوماسيًا إلى حد ما.  لبعض الوقت أيد فكرة الترادف بين جورباتشوف ويلتسين.  وفي بيلوفيجسكايا، كان يتصرف كمحام أكثر من كونه أيديولوجيًا.
  • ولكن كان من الممكن أن يكون لديك الوقت للضغط على نوع ما من عوامل التأثير؟
    • لا تبالغ في قدرات المستشار الرئاسي.  يلتسين استمع إلينا باهتمام.  ليس لأنه أذن بمهمتنا مع روتسكوي.  لكننا أظهرنا اصرارنا فوافق معنا.

 ثم سأل لاحقا: “حسناً، ماذا أحضرتم؟”  لقد استمع إلينا.  لقد أعطانا الفرصة للمحاولة.  لكن في النهاية ذهب إلى بيلوفيجسكايا، حيث لم يأخذنا أنا وروتسكوي.  وكان هذا الاتفاق خطأ كبيرا.

(2)

“الاتحاد السوفياتي”: سفينة تعمل بالطاقة الذرية

لاريسا شيسلر

 ناشطة سياسية وحزبية أوكرانية، رئيسة جمعية السجناء السياسيين في أوكرانيا، تعيش في روسيا حاليا – النائب السابق لمجلس نيكولاييف الإقليمي لأوكرانيا قبل انقلاب 2014

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

19 /12/2022

 الذكرى المئوية لتأسيس اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية-

 ليست مجرد يوبيل خاص لدولة من نوع جديد.

 لم يحدث قط في تاريخ البشرية حدوث مثل هذا الاختراق السريع في التنمية كما حدث بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى.  تطورت الثورات البرجوازية من عمق المؤسسات الإقطاعية تدريجياً، حتى الثورة الفرنسية استمرت عقدًا من الزمان.

 أثرت ثورة 1917 في روسيا على كل زاوية، كل قرية نائية وفي المصانع والمناجم، اختفت آلة الدولة الضخمة الخرقاء وكل الآليات القديمة للحكومة وكل الخيوط التي ربطت اقتصاد البلاد.

 هذا هو السبب في أن الغالبية العظمى من المهاجرين الذين فروا والبيض الذين خسروا في الحرب الأهلية كانوا واثقين من الانهيار الحتمي لتجربة غير مسبوقة: في رأيهم، فإن الكتلة الجاهلة غير المتعلمة من العمال والفلاحين لا تستطيع التعامل مع الإدارة في بلد عملاق مثل روسيا.

ومع ذلك، واصل البلاشفة التجربة، وبدأوا في بناء اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، والذي اعتبروه نموذجًا أوليًا للهيكل المستقبلي للبشرية جمعاء.

 لا يمكن بناء الاشتراكية إلا على أساس دولة قوية تصمد أمام الأعداء الخارجيين، وأصبح الاتحاد السوفياتي مثل هذه الدولة.  لم تغير هزيمة الثورات في ألمانيا والمجر وسلوفاكيا وفنلندا من ثقتهم في انتصار الاشتراكية في أوروبا.

 كان من المفترض أن يصبح اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية الذي تم إنشاؤه نموذجًا لنظام عالمي جديد، رائدًا للنظام الاشتراكي العالمي.

 لم تكن هناك سوابق في تاريخ العالم.  لأول مرة، أصبحت الدولة التي كانت إمبراطورية نواة لعالم جديد، لا تبتلع او تضطهد الأطراف، بل تمنحها قوة دفع قوية للتنمية والتطور.

 تم إنشاء الاتحاد السوفيتي بنفس طريقة بناء السفينة.

 كانت فكرة الاقتصاد الاشتراكي هي فكرة المفاعل الذري، الذي كان من المفترض أن يخترق عوائق وأكوام الأزمات الاقتصادية وعدم المساواة الطبقية، وأصبح الحزب، الذي كان في البداية أداة للثورة، هو المحرك الرئيسي للقيادة والسيطرة.

في العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين أكدت الشعارات المعروفة للجميع في الاتحاد السوفياتي “الحزب هو قائد الدفة لدينا!”، “ستالين هو قائد الدفة العظيم”، أكدت أن صورة السفينة كانت الأنسب لتسمية الدولة التي يتم إنشاؤها.

 لم يكن من السهل بناء مشروع الدولة الجديدة، فقد افترض أحد المسلمات الرئيسية للماركسية اضمحلال الدولة.  تمت إعادة التفكير في دور وأهمية الدولة خلال الحرب الأهلية، عندما أصبح من الواضح أن انتصار الثورة العالمية كان يتراجع.

لا يمكننا أن نتخيل كيف كانت ستتطور إدارة البلاد لو انضمت الجمهوريات الجديدة الى جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية كمناطق حكم ذاتي، وليس كأعضاء متساوين في الاتحاد السوفياتي الوليد.  لكن من الواضح أن الهيكل الإداري لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية كان اختراعًا عظيمًا لبناء الدولة، والذي صمد أمام اختبار كل من الحرب العالمية الثانية وإصلاحات خروتشوف الغبية.  هرم الإدارة الذي تم إنشاؤه كان يتخلل أنظمة التحكم والتغذية الراجعة – الهيئات الحزبية، والهيئات الرقابية النقابية، والسيطرة الشعبية جعلت من الممكن حل المشاكل ضمن المستوى الذي تحدث فيه. (هذا النموذج يسمى اللامركزية في الحكم-المترجم). في العهد السوفياتي، كان من الممكن حل القضايا المهمة للحياة اليومية للناس (إعادة توطين الناس أثناء حرائق الغابات، وإغلاق او افتتاح مستشفى المقاطعة، وغيرها الكثير) على مستوى سكرتير لجنة حزب المنطقة، وهذا لم يتطلب نداء جماعي لتدخل رئيس الدولة.

ولكي نفهم ما قدمه الاتحاد السوفيتي للشعوب التي عاشت فيه، يكفي أن نقارن طاجيكستان اليوم بجارتها التي لم تعرف الاشتراكية – أفغانستان. قبل مائة عام، لم يكن المسافر الذي يعبر نهر بيانج (نهر يفصل بين البلدين ويشكل حدودا بينهما-المترجم) سيلاحظ على الإطلاق أنه غادر بلدًا ما وانتهى به المطاف في بلد آخر.  في روسيا الحديثة، يُنظر إلى طاجيكستان على أنها دولة فقيرة في آسيا الوسطى، يسافر شبابها للعمل في روسيا.  ومع ذلك، بالنسبة للفلاحين الأفغان “ما وراء نهر بيانج”، حتى طاجيكستان الفقيرة نسبيًا شيء بعيد المنال، حيث توجد مستشفيات عامة ومستشفيات للولادة، وتعليم شامل للأطفال، وكهرباء في كل قرية عملياً.  تشكلت هذه الفجوة الهائلة بين البلدين الجارين خلال فترة الاتحاد السوفيتي.

 بالعودة إلى منتصف الثمانينيات، في تركيا، كان متوسط ​​دخل الفرد أقل بكثير مما هو عليه في جمهورية جورجيا السوفيتية، وكان متوسط ​​مستوى التعليم والطب ببساطة غير قابل للمقارنة مع المستوى الجورجي.  تركيا اليوم جارة ثرية وراعية لجورجيا، التي سقطت في براثن الفقر خلال ثلاثين عامًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحولت إلى مقاطعة فقيرة في شمال تركيا.

 لم تكن روسيا قبل القرن العشرين دولة متقدمة في العلوم والتكنولوجيا، وأصبح الاتحاد السوفيتي رائدًا في غزو الفضاء، وفي تطوير التكنولوجيا النووية، وفي صناعة الطائرات، وفي استكشاف القارة القطبية الجنوبية وفي غيرها من المجالات.  في قلب هذا الاختراق التاريخي كان التوسع السريع في التعليم لجميع سكان البلاد.

في الإمبراطورية الروسية عام 1914، درس حوالي 230 ألف طفل في المدارس – أقل من 2٪ من الأطفال في سن المدرسة.  حوالي 100 ألف طالب وطالبة درسوا في الجامعات والمدارس التقنية.  وفي عام 1926، تجاوز عدد الأطفال السوفييت الذين يدرسون في المدارس 10 ملايين؛ بعد عشر سنوات، زاد عدد الطلاب في الجامعات والجامعات التقنية والتربوية والطبية 10 مرات.  لقد كانت ثورة ثقافية ضخمة.

 من هؤلاء الأطفال نمت مجموعة من المخترعين والعلماء الذين خلقوا مجد العلوم السوفيتية.  في الوقت نفسه، كان لكل جمهورية من الجمهوريات السوفيتية الخمس عشرة جامعاتها ومعاهدها الطبية ومراكزها البحثية؛ غالبًا ما تجاوزت نسبة الطلاب في الجمهوريات الوطنية نسبة الطلاب في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية.

 وهناك سمة أخرى من سمات تاريخ الاتحاد السوفيتي غير مسبوقة حقًا.  على الرغم من كونه بلدا متعدد الجنسيات والعدد الكبير من الأخطاء في ترسيم الحدود الإقليمية والإدارية، كانت النزاعات العرقية غير واردة في الاتحاد السوفياتي، كانت البلاد مثالًا حقيقيًا للمساواة في الفرص لجميع الشعوب والجنسيات.

 في الذكرى المئوية، لن نتذكر الأخطاء المأساوية في تاريخ الاتحاد السوفيتي، والمفاهيم الخاطئة في تحديد المسار الذي تسير فيه هذه السفينة التي تعمل بالطاقة النووية.  لسوء الحظ، مصير أي سفينة، حتى أقوى سفينة، أمر مفروغ منه، إذا كان هناك ربان على رأسها يوجه السفينة عمداً إلى الصخور، ولا يوجد أحد حوله قادر على إيقاف هذا الشخص.  أصبح جورباتشوف “قائد الدفة”.  في هذه المرحلة، انهار نظام الحكم…

 ** *

 أنا أشك أنني الشخص الوحيد الذي يعتقد أن حقيقة تشكيل وتطور الاتحاد السوفياتي، وكذلك مسار الثلاثين عامًا بعد انهيار الاتحاد، تسمح لنا بالاعتقاد بأن الاتحاد السوفيتي ليس الماضي، ولكنه مستقبل روسيا.

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org