السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الخامس)، مسعد عربيد

  • قرار التقسيم ومسؤولية القادة السوفييت

(1)

جوزيف ستالين: ما هي حقيقة موقفه؟

(1878 – 1953)

حاول كثيرون من المؤرخين والمحللين تفسير التحول السريع في السياسة السوفييتية حيال قيام “دولة يهودية” في فلسطين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحاول بعضهم تحديد مسؤولية بعض القادة السوفييت عن إقرار هذه السياسات، وخاصة مسؤولية جوزيف ستالين الذي شغل منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي من 1922 حتى 1952، ومنصب رئيس مجلس الدولة السوفييتي من 1941 حتى 1953.

خلال الحرب الباردة وبعدها، وخاصة في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، تمّ نشر ودراسة مئات الوثائق السوفيتية حول مواقف الاتحاد السوفييتي من تقسيم فلسطين والاعتراف بالكيان الصهيوني، وتتضمن هذه الوثائق توصيات سياسية قُدمت إلى ستالين وتعليمات من وزارة الخارجية السوفيتية لدبلوماسييها، لكنها لم تكشف عن تفكير وموقف ستالين نفسه.

ليس خافياً أن هذه الفترة التاريخية كانت حبلى بتغيرات عميقة في السياسة السوفييتية وإرهاصات تبلور نظام عالمي جديد في سياق الحرب الباردة، وتثير العديد من التساؤلات:

▪️ ما إذا كان قرار دعم إقامة دولة يهودية في فلسطين قد تم اتخاذه على أعلى مستوى في القيادة السوفييتية، وهنا يكون التساؤل: إذا ما كان ستالين قد منح الأمر تفكيراً ملياً أم أنه تماشى مع ما أوصى به مستشاروه ووافق عليه في غفلة وبين انشغالاته المتعددة في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الاتحاد السوفييتي وبواكر الحرب الباردة بين المعسكرين؟

يرفض كثيرون من العارفين بالسياسة السوفييتية وشخصية ستالين هذه الفرضية، كما أن الوثائق السوفيتية تشير إلى ضعف هذا الاحتمال: ففي يوليو 1947، أكد السكرتير الأول للسفارة السوفيتية في واشنطن على أنه “لم يُسمح لغروميكو بالإدلاء ببيانه إلا بعد تحليل دقيق وشامل للوضع”، وأن جميع مستشاري السياسة الخارجية السوفييتية تقريباً كانوا يجمعون على أن دعم الدولة اليهودية من شأنه أن يثير “رد فعل غير مواتٍ” في البلدان العربية.[1]

من جانبه، يرى المؤرخ فلاديسلاف زوبوكVladislav Zubok [2] الذي درس حقبة الحرب الباردة، أن هذا التحول الكبير في السياسة السوفييتية الرسمية “لم يكن من الممكن تصوره دون قرار ستالين الشخصي…”، وينسب إلى مولوتوف، الذي كان وزير الخارجية وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك، قولة في وقتٍ لاحق أنه عندما تعلق الأمر بفكرة الدولة اليهودية، “اعترض الجميع إلا نحن – أنا وستالين”.[3]

▪️ يذهب بعضهم إلى أن مشاعر ستالين وتعاطفه مع يهود أوروبا في معاناتهم جرّاء الهولوكوست أثرت بموقفه. فعلى سبيل المثال، يرى بني موريس Benny Morris (واحد مما يُسمون “المؤرخون الإسرائيليون الجدد”) أن السوفييت، بالإضافة إلى اعتبارات البراغماتية والسياسة الواقعية، ربما “تأثروا بأهوال الهولوكوست وإحساس الصداقة الحميمة مع زملائهم الذين عانوا من أيدي النازيين”.

ولكن هناك ما ينفي هذا الاحتمال:

– يُنقل عن ستالين في مؤتمر يالطا في فبراير 1945، قوله للرئيس الأميركي روزفلت بأن اليهود “وسطاء، ومستفيدون، وطفيليون”.

– أمّا برنارد لويس فيؤكد أنه غير مقتنع بمقولة تأثر ستالين بمعاناة اليهود، ويطرح فرضية تتساوق مع المقولات الشائعة حول ستالين مفادها: أنه من الصعب تصديق أن ستالين، الذي قتل ملايين لا حصر لها في معسكرات الاعتقال الخاصة به، تأثر بالتعاطف مع محنة ضحايا هتلر الباقين على قيد الحياة.

(2)

أندريه غروميكو

(1909 – 1989)

شغل أندريه غروميكو السياسي السوفييتي والقائد الحزبي البارز، مناصب حكومية وحزبية عديدة وهامة:

▪️ فقد أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوڤييتي بدءً من المؤتمر العشرين للحزب المنعقد عام 1956؛

▪️ وفي السابعة والثلاثين من عمره، أضحى غروميكو دبلوماسياً سوفيتياً هاماً، وفي عام 1957 تولى مسؤولية وزارة الخارجية السوفييتية، وبقي في هذا المنصب لمدة طويلة خلال فترات حكم بريجنيف وكوسيغين وأندروبوف وتشيرنينكو وبداية عهد غورباتشوف.

▪️ قبل أن يتولى هذه المسؤوليات ومنذ عام 1946 شغل منصب الممثل الدائم للاتحاد السوڤييتي لدى مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة. وقد لعب بصفته هذه لعب دوراً هاماً في صياغة الموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين (1947) والتصويت عليه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

تميزت مواقف غروميكو بالصراحة والوضوح، ويمكننا القول بإنه عبّر عن موقف الاتحاد السوفييتي الذي أقر، لأول مرّة، بإمكانية إقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد كثّف موقفه وموقف حكومته من قرار تقسيم فلسطين في خطابين هامين من على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة: كان الخطاب الأول يوم 14 أيار 1947، والثاني بتاريخ 26 تشرين الثاني 1947 (أي قبل ثلاثة أيام من اتخاذ الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين). وكنا قد أشرنا سابقاً في هذه الدراسة أهم المواقف التي تضمنها هذان الخطابان.

ووفقًا للوثائق التي كُشف عنها لاحقاً، فإن وزير الخارجية السوفييتي آنذاك، فاشيسلاف مولوتوف، أرسل في 28 نيسان 1947 تعليمات تفصيلية إلى غروميكو في نيويورك تتعلق بالموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين، ولا يشك كثير من المؤرخين في أن ستالين كان مطلعاً وموافقاً على هذه السياسة. كما أن إيفان باكولين، مدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السوفييتية آنذاك، أشار في مذكرة داخلية بتاريخ 30 تموز 1947 إلى أن خطاب غروميكو الأول (بتاريخ يوم 14 أيار 1947) يعتبر مرجعاً للسياسة الخارجية السوفييتية في تأييد إمكانية إقامة دولتين في فلسطين وتسهيل هجرة مائة ألف يهودي إلى الكيان الصهيوني.[4]

في عام 1961، نشرت وزارة الخارجية السوفيتية مجلدًا من الوثائق الأساسية حول العلاقات السوفيتية العربية. وعلى الرغم من أن غروميكو نفسه كان يرأس لجنة النشر والتحرير، إلا أن الكتاب لم يتضمن أيا من خطاباته في الأمم المتحدة المؤيدة لتأسيس الكيان الصهيوني. ولم تذكر مذكراته الصادرة باللغة الروسية عام 1988 حقيقة الدعم السوفيتي لهذا الكيان خلال عامي 1947 و1948، أو دوره في إعلان ذلك، وكأن السوفييت كانوا يرغبون في نسيان موقفهم في تلك الآونة!

(3)

إيفان مايسكي

(1884-1975)

العلاقة مع فايتسمان وبن غوريون

احتل إيفان مايسكي Ivan Maisky مركزاً هاماً في العلاقة بين السوفييت وقيادة الحركة الصهيونية وخصوصاً حاييم ڤايتسمان[5] ودافيد بن غوريون. ومايسكي يهودي بولندي، كان ثورياً وقضى الحرب العالمية الأولى في المنفى البريطاني، وعاد إلى روسيا بعد ثورة 1917 وانضم إلى الحزب البلشفي وعمل منذ ذلك الحين في السلك الدبلوماسي. شغل مايسكي من عام 1932 إلى عام 1943، منصب سفير الاتحاد السوفييتي في بريطانيا، وخلال اقامته هذه في بريطانيا، بنى علاقات صداقة مع بعض شخصيات النخبة السياسية والفكرية البريطانية والصهيونية.

مع حلول عام 1943 وفي سياق إرهاصات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذ السوفييت يتحدثون عن “المشكلة اليهودية” والتي رأوا أنها ستصبح مشكلة ملحة بعد انتهاء الحرب. ففي سبتمبر 1943، التقى مايسكي ب ڤايتسمان الذي قال له إن الصهاينة كانوا “ودودين تجاه روسيا ويأملون أن تفهم الحكومة السوفيتية أهدافهم”. فكان أن أجابه مايسكي بأنه لا يمكنه إلزام حكومته، لكنه يعتقد أن السوفييت سيدعمونهم، وأن روسيا ستقف إلى جانبهم بالتأكيد. وكان هذا التصريح قد سبق خطاب غروميكو في الأمم المتحدة بثلاث سنوات ونصف.

▪️ إمكانية توطين المهاجرين اليهود في فلسطين

التقى مايسكي الزعيم الصهيوني حاييم ڤايتسمان في فبراير 1941، وفق ما جاء في مذكرات الأول، حيث أعرب عن بعض الدهشة حول أمل ڤايتسمان في توطين خمسة ملايين يهودي على أرض كان يسكنها آنذاك مليون عربي، وحين تساءل مايسكي عن هذه الإمكانية أجاب ڤايتسمان أن العربي هو “أبو الصحراء…. أعطني الأرض التي يحتلها مليون عربي، وسأوطن فيها بسهولة خمسة أضعاف هذا العدد من اليهود “. وكان ڤايتسمان في رده يستند على تقرير لمهندس ري الأمريكي يدعى والتر كلاي لودرميلك، الذي قدّر أن البلاد يمكن أن تستوعب أربعة ملايين مهاجر يهودي أوروبي.

في لقائه الثاني مع ڤايتسمان في سبتمبر 1943، كرر مايسكي قلقه بشأن “صغر مساحة” فلسطين، وفي الشهر التالي (أكتوبر 1943) أثار مايسكي القضية ذاتها مع بن غوريون مستفهماً عن قدرة فلسطين على استيعاب الهجرة اليهودية؟ فكان جواب بن غوريون “مليوني يهودي”.[6]

▪️ محاولة استمالة مايسكي “لإسرائيل” الاشتراكية

في رأي بعض المحللين أن الزعيمين الصهيونيين، ڤايتسمان وبن غوريون، حاولا استمالة مايسكي مؤكدان له أن التنظيم الاجتماعي والاقتصادي لليشوڤلم يكن متوافقاً مع الشيوعية فحسب، بل كان يشبهها أيضاً. ويُذكر أن بن غوريون شدد في أكتوبر 1941، على الرغم من أنه ليس شيوعيا، على أن الكيبوتسات “من وجهة نظر اقتصادية… كانت شيوعية”، وأن فلسطين كانت موطناً لـ “الحركة العمالية المنظمة الوحيدة في كل الشرق الأوسط” و “نواة الكومنولث الاشتراكي”.

في مارس 1943، أرسل ڤايتسمان مذكرة إلى مايسكي، تضمنت هذا المقطع:

“تتجسد ثلاثة من الجوانب الأساسية للفلسفة الاجتماعية السوفيتية في النظام الوطني الذي بنته الحركة الصهيونية في فلسطين:

(1) الرفاه الجماعي وليس المكسب الفردي هو المبدأ التوجيهي والهدف من الهيكل الاقتصادي؛

(2) أُنشئت المساواة في المكانة في المجتمع بين العاملين في المجالين اليدوي والفكري؛

و(3) بالتالي يتم توفير النطاق الكامل للحياة الفكرية وتطوير العمل. لا توجد حواجز نفسية أساسية أمام التفاهم المتبادل، ولم تشعر الحركة الصهيونية أبدًا بأنها معادية للفلسفة الاجتماعية السوفيتية.”[7]

في أكتوبر 1943، وفي طريق عودته إلى موسكو مروراً بفلسطين، زار مايسكي فلسطين والتقى ب بن غوريون وجولدا مائير ولكنه لم يتصل بالجانب العربي. وفي هذه الزيارة اصطحبه بن غوريون في زيارة للكيبوتس بالقرب من القدس، ويبدو أن مايسكي أعرب عن اهتمامه بجوانب الحياة الاجتماعية في الكيبوتس.

▪️ تقرير مايسكي عن زيارته لفلسطين

وتأثيره على القرار السوفييتي

كتب مايسكي تقريراً عن زيارته لفلسطين ظل محاطاً بالسرية. وفي حين أنه ليس هناك ما يؤكد تأثير هذا التقرير على صناعة الموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين، إلاّ أن بعض التكهنات تقول إنه (التقرير) “مليء بالإعجاب بالإنجازات التقدمية الرائعة لليهود في فلسطين”. غير أن المؤرخ غابرييل جوروديتسكي، مترجم ومحرر مذكرات مايسكي، يقول إن مايسكي “ضلل” بن ​​غوريون بالقول إنه كان يمارس نفوذاً واسعاً على السياسة الخارجية السوفيتية، ويعتقد هذا المؤرخ أن تأثير مايسكي على ستالين والقيادة السوفييتية كان ضئيلاً.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….


[1] المرجع السابق.

[2] فلاديسلاف زوبوك، روسي من مواليد موسكو، أستاذ التاريخ الدولي في الجامعات الأميركية والكندية وخبير في الحرب الباردة وتاريخ الاتحاد السوفيتي والحقبة الستالينية والتاريخ الفكري الروسي في القرن العشرين.

[3] المرجع السابق.

[4]  أنطوان شلحت: “ستالين والدولة اليهودية “.

[5] حاييم ڤايتسمان أو وايزمان (والأدق أن نقول ڤايتسمان) Chaim Weizmann (1874 – 1952)، عالم في الكيمياء الحيوية، من مواليد روسيا ومن أكبر الزعماء الصهاينة في القرن العشرين. شغل منصب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية لفترتين: الأولى من عام 1921 الى 1931، والثانية من عام 1935 إلى 1946، وكان أول رئيس للكيان الصهيوني منذ انتخابه في 16 فبراير 1949 حتى وفاته عام 1952. لعب ڤايتسمان دوراً فعالًا في الحصول على وعد بلفور من بريطانيا (1917)، وفي وقت لاحق في إقناع حكومة الولايات المتحدة بالاعتراف بدولة “إسرائيل” بعيد تأسيسها عام 1948.

[6]Martin Kramer: “Who Saved Israel in 1947?”

[7] المرجع السابق.