المسألة القومية، الطاهر المعز 

تم إعداد هذه الورقة خصّيصًا للملف الذي نَشَرته مجلة “الهدف”، في عددها السّنوي الخاص، الصادر يوم الأحد 01 كانون الثاني/يناير 2023 (العدد 1519)، بمُناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لانطلاقة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين التي تم الإعلان عن تأسيسها، يوم الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر 1967، بعد تحضيرات دامت من تموز/يوليو إلى كانون الأول/ديسمبر 1967، في منظمات “إقليم فلسطين” بحركة القوميين العرب، وتأسست الجبهة الشعبية باندماج “أبطال العودة” و”شباب الثّأر” و”جبهة التحرير الفلسطينية”، وانشق هذا الفصيل الأخير بعد بضعة أَشْهُر لتأسيس “القيادة العامة” بزعامة أحمد جبريل، وفي سنة 1969، ادّعى نائف حواتمة وشُركاؤه أن الجبهة الشعبية إطار برجوازي صغير يضيق بطموحاتهم الماركسية الثورية، ولكن، وبسرعة، أصبحت الجبهة الدّيمقراطية خاتمًا في إصبع ياسر عرفات، وأُنْبُوب اختبار لردود الفعل الشعبية على مشاريع الإستسلام، وأهمها ما سُمّي “برنامج النّقاط العشْر” أو “البرنامج السياسي المرحلي” الذي قدّمته الجبهة الدّيمقراطية خلال الدّورة الثانية عشر للمجلس الوطني الفلسطيني، من 01 إلى 08 حزيران/يونيو 1974…

شكل تاسيس الجبهة الشعبية انعطافة إلى اليسار، بحركة القوميين العرب، بقيادة “الحكيم” جورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد (العمليات الخارجية) وأحمد اليماني ومصطفى الزّبري (أبو علي مصطفى) وغسان كنفاني (الإعلام) وحسن حمّود ونايف حواتمة…  لعبت الجبهة الشعبية، حتى غزو لبنان، سنة 1982، دورًا هامّا في توعية جيل من شباب العرب وفي تعاطف منظمات اليسار العالمية مع القضية الفلسطينية وأدّت مجلة الهدف الأُسبوعية، ومُؤسّسها “غسّان كنفاني” (1936- 1972)  دورًا كبيرًا في نشر الأفكار والثقافة التّقدّمية…

تُعتَبَرُ هذه الوَرَقَة مُساهمة في الملف الذي أعدّته أُسْرة تحرير “الهدف” بمناسبة الذّكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتتعلق المُساهمة المطلوبة مني بموضوع “المسألة القومية”، على أن يقتصر المقال على 1450 كلمة، ولذلك لا يحتوي النّص المنشور بموقع “الهدف” على هذا التّقديم.

لمحة تاريخية

طُرِحت المسألة القومية في أوروبا، خلال القرن التاسع عشر، قَبْلَ انهيار الدولة العثمانية واحتلال الإمبرياليتَيْن الفرنسية والبريطانية معظم أجزاء الوطن العربي التي كانت تحتلها تركيا العثمانية، ولا تزال بعض بلداننا تحت الاستعمار المباشر والأُخرى خاضعة للإستعمار غير المباشر، ما يعني استمرار التناقض مع الإمبريالية في ظل واقع يتميز بالتقسيم والتجزئة، وبُحُكْم الفئات الكُمبرادورية الرّاعية لمصالح الامبريالية وشركاتها التي تنهب الثروات، باستخدام ترسانة القمع لوأدِ كافة أشكال المعارضة وقوى التحرر من الإستعمار المباشر وغير المباشر، وقد لا يُؤَدّي إنهاء حُكْم وكلاء الإمبريالية المحليين حتمًا إلى التحرر الإقتصادي، كما قد لا تُؤَدِّي الوحدة العربية بالضرورة إلى التحرر الوطني الديمقراطي ولا إلى وضع حدٍّ للإستغلال الطبقي ولاضطهاد فئات أو أقليات أخرى، إذا كانت الوحدة فَوْقِيّة، غير ديمقراطية.

تنطلق عقيدة القومية العربية من تشكيل سكّان الوطن العربي أمة واحدة وجب تجميعها وتجاوز التقسيم الإستعماري لاتفاقية “سايكس/بيكو” 1916 ووعد بلفور، والإستفادة من أخطاء ونواقص محاولات الوحدة الفوقية…  

يندرج طرح هذه المسألة في الفقرات الموالية ضمن الإحتفاء بالذّكرى الخامسة والخمسين لإعلان تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يرتبط تاريخها بحركة القوميين العرب، لِيُشكل ميلاد الجبهة همزة وَصْل بين المسألة الوطنية (تحرير فلسطين) والمسألة القومية (وحدة الوطن العربي)، وإثراء برنامج التحرر الوطني والقومي بُفُقٍ اشتراكي أُمَمِي. كما يندرج طرح المسألة القومية ضمن التّأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، ومقاومة الشعوب العربية لمسار التّطبيع الرّسمي للأنظمة، بل عرقلته منذ أكثر من أربعة عُقُود، من قِبَل مختلف فئات ومكونات الشّعوب العربية، لتُبْقى القضية الفلسطينية حاضرة – رغم قَمْع الأنظمة ورغم الإمبريالية وأجهزة إعلامها ومنظماتها غير الحكومية – في الساحات والشوارع والتّظاهرات المحلية، وحتى في ملاعب الرياضة…     

الوحدة العربية وصراع الطبقات والأممية 

تشكّلت حركة القوميين العرب من قبل اليسار الإشتراكي العربي الذي اعتبر نفسه امتدادًا لرواد النهضة العربية، وناضلت من أجل تحرُّر العرب من الإستعمار ووحدتهم كأمة، بينما اعتبر اليسار التقليدي – الأحزاب الشيوعية التي تبنّت موقف الإتحاد السوفييتي بشأن فلسطين والإعتراف بالكيان الصهيوني – الفكر القومي “شوفينيا”، بل ولا يزال بعضهم يستخدم عبارة “القومَجِيّة والقَوْمَجِيِّين”، استهجانًا للفكرة وللأحزاب القومية، فيما اعتبر آخرون (التيارات التروتسكية) النضال من أجل التحرر ومقاومة الإمبريالية انحرافًا عن الصراع الطّبقي وتَهَرُّبًا من مُقاومة الرأسمالية المَحلِّيّة.   

تتمثل إحدى المحاور الرئيسية لهذه الورقة في أن العُرُوبة لا تنطلق من معطيات أثنية (أو عرقية) بل من منطلقات تاريخية وجغرافية وثقافية، ومن الإنتماء القطري نحو الإنتماء القومي والأممي، ومن فرضية إننا أُمّة عربية قائمة بفعل وحدة الأرض (الإمتداد الجغرافي، من المحيط إلى الخليج) والتاريخ والثقافة (واللغة جزء منها) واستمرار العلاقات والعيش المشترك، والطموح أو الشعور الجَمْعي، منذ قُرُون عديدة، وعرقلت التجزئة والإمبريالية والأنظمة العميلة تَوَفُّر عنصر الإقتصاد المُشترك ( يستخدم البعض “وحدة السّوق” وهو عبارة رأسمالية بحتة) الذي لا يُلغي غيابه وجود الأُمّة العربية التي ليست بصدد التكوين كما يدّعي البعض، بل هي أمّة جزّأَها الإستعمار وفكّكها إلى دويلات، ما يستوجب إعادة صياغة الوعي القومي والهوية العربية، وربط الصراع الطبقي بالمسألة ​​القومية، والنضال من أجل تحرير الأراضي المحتلة، من فلسطين إلى سبتة ومليلة والجُزُر الجعفرية وجزر الخالدات، مرورًا بلواء اسكندرونة والأحواز، وإعادة توحيد أجزاء هذه الأُمّة، من أسفل (وليس بقرار فَوْقِي من الحكومات ) وتشكيل كيان مُوَحَّد، قد يكون دولة أو اتحادًا ديمقراطيا يراعي ثقافة وطموحات الأقليات، بمحتوى اشتراكي، يُحقق الوحدة الاقتصادية وإعادة النظر في نمط الإقتصاد الرّيعي، وتوجيهه نحو الإقتصاد المُنْتِج، وإعادة توزيع الثروات، لتكون الوحدة العربية منصّة للتضامن مع الشُّعُوب المُضْطَهَدة والطبقات المُسْتَغَلّة، وخطوة نحو الأممية… 

المسألة القومية والإمبريالية 

انتشرت في الوطن العربي “مُوضة” إنكار وجود الأمة العربية، وتضْيِيق المسألة القومية، باسم “التقدّمية” و”اليسار” و “العلمانية”، والمُزايدة بضرورة الإهتمام بالصّراع الطبقي، بدل التّركيز على الإمبريالية، وكأننا تجاوزنا مرحلة الإمبريالية، وتجاوزنا مسألة النضال من أجل تحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة، وركّزت هذه القوى على بعض الحقوق الفَرْدِيّة، بهدف تمزيق الرّوابط الوطنية والقومية، وتفتيت الشعوب إلى “مُكَوّنات”، وتأييد انفصال الأكراد أو البربر، بدل اندماجهم في كيان عربي ديمقراطي، فيما يعتبر العديد من العرب التّقدّميين الإتحاد الأوروبي نموذجًا يُحْتَذَى، والواقع أنه اتحاد غير ديمقراطي، يخدم مصالح الرأسماليين ضد الكادحين وصغار المزارعين والفُقراء، ولا تُمثل مؤسسات الإتحاد الأوروبي سوى مصالح المصارف والشركات العابرة للقارات، ضد مصالح الشعوب والكادحين، فيما يبقى دور نُواب البرلمان الأوروبي المُنتَخَبين صوريّا مقابل النفوذ المُطْلَق لمُمثِّلِي الحكومات، أي المُفَوّضِيّة… 

يعتبر بعض اليسار أن حركات التحرر الوطني والقَوْمي “برجوازية بطبيعتها”، بما فيها المُقاومة الفلسطينية، والمقاومة العراقية ضد الإحتلال الأمريكي، فالإمبريالية مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، تستعمر الأوطان، وتضطهد الأمم وتستغل ثرواتها باستخدام العُنف العسكري بالتوازي مع الإستغلال الطبقي، ما يجعل من النضال من أجل التحرر الوطني والقومي صراعًا طبقيّا أيضًا ضد “المركز الرأسمالي” الذي يعمل على “عَوْلَمَة” الأسواق، منذ القرن التاسع عشر، ويبقى الصراع قائمًا داخل حركات التحرر لإدماج عملية التحرر من الإضطهاد بالتحرر من الإستغلال الطبقي والإجتماعي، ومن أجل المُساواة الكاملة بين المواطنين… 

يكمن الإختلاف الجوهري بين القوى القومية التقليدية والقوى التحررية الإشتراكية، في ربْط عملية النضال من أجل الوحدة العربية بالديمقراطية وبإنجازها قاعِدِيًّا (أُفُقيّا) وليس عَمُودِيًّا وفَوْقِيًّا، وتغيير علاقات الإنتاج، وتوجيه الإنتاج نحو تلبية احتياجات المواطنين وليس للتصدير وتلبية احتياجات الأسواق الخارجية، وتأميم الثروات العربية – بدل استغلالها من قِبَل الشركات الأجنبية –  وزيادة الإنفاق على البنية التّحتيّة والتعليم والصحة والنقل والمسكن، والإستثمار في قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي والبحث العلمي، وتحويل الإقتصاد الرّيعي إلى اقتصاد مُنتج، وتوزيع الثروات بشكل عادل لتلبية احتياجات جميع المواطنين بالوطن العربي، بدل خدمة المصالح الإمبريالية أو استيراد الغذاء والأدوية والسّلاح من الدول الإمبريالية… 

تحديث أطروحات المسألة القومية 

يُحاول إعلام الإستعمار إنكار وجود الأمة العربية ومَحْوَ أي أثر للعروبة في تسمية الوطن العربي “منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، وفق صندوق النقد الدّولي، وينْسخ العديد من الأفراد ومن المنظمات والأحزاب هذه التّسمية المَسْمُومَة، عن وعي أو عن غير وعْي، في مناخ  جعل موضوع الأُمّة والوحدة يتلاشى أو يُهْمَل، ويُلْغَى من النقاشات، منذ تسعينيات القرن العشرين، بالتزامن مع هيمنة النيوليبرالية وانهيار الإتحاد السوفييتي والعدوان على العراق، بمباركة ومُشاركة جامعة الأنظمة العربية تحت هيمنة السعودية، وبالتزامن مع التنازلات والتطبيع المَجانِي لقيادات منظمة التحرير الفلسطينية، بعد انسحاب مصر (أكبر دولة عربية) من جبهة المقاومة، في ظل هيمنة القُطب الإمبريالي الواحد، بزعامة الإمبريالية الأمريكية، ليُصبح من الضّروري إعادة طرح هذا الموضوع (ومُلْحقاته) على جدول الأعمال، وخوض حوارات ونقاشات هادئة وبنّاءَة، دون تّشنّج وتخْوين… 

تستغل الرأسمالية في مرحلتها الإمبريالية ثروات وجهود سكان المُسْتَعْمَرات، ومنها البلدان العربية، وتُصدّرها إلى “المركز” حيث يتم استثمارها في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدّقيقة وتحقيق مستوى عالي من الربحية، مع توزيع جزء يسير من الثروات المنهوبة على العاملين والبروليتاريا والفئات الوُسطى، ببلدان المركز الإمبريالي، بهدف المحافظة على مستوى عيشها، وشراء السّلم الإجتماعية، على حساب شُعُوب وبروليتاريا بلدان “الأطراف”، وتُساعد تجزئة الوطن العربي على استمرار نهب الثروات، بينما يُساهم التعاون والتنسيق العربي، في التعْبِئة والنضال وفي تقريب الشعوب، باستخدامُ التراث المُشترك واللغة والثقافة، وتخطِّي الهويّات الضّيِّقَة المُصْطَنَعة التي استغلّتها الرّجعيات العربية ( المتحالفة مع الكيان الصهيوني) لتكثيف القمع الدّاخلي، من المغرب إلى البحرَيْن، ولتخريب وتدمير بلدان عربية أخرى (العراق وسوريا واليمن وليبيا…)، والتّخلّي عن فلسطين ودعم الصهاينة ضد “الإخوة” في الدّين (إيران) وفي العُرُوبة ( فلسطين وسوريا وليبيا…)، وتُمكّن التعبئة العربية الشعبية المُشتركة من توثيق الروابط بين النضال الديمقراطي (الحريات الفردية والجماعية) والمسألة الوطنية والقومية والتحرر من الإحتلال والهيمنة، ومن الأنظمة الحاكمة التي تدعمها الإمبريالية لتُمارِس احتلالاً داخليا يُعَرْقِل بل يحتَجِزُ تَطَوُّرَ المجتمع. 

اللغة والمسألة القومية 

تُيَسِّرُ وحدة الثقافة واللغة والطموحات عملية التوحيد وبناء وطن عربي كبير، بمختلف مكوناته الدّينية والأثنية والثقافية، التي تتلاشى في حالات المَدّ الثوري، أو خلال فعاليات الدفاع عن فلسطين، ويتطلّبُ إدماج الأقليات في النضال القومي (المُناهض للإمبريالية وللوُكَلاء المحليّين ) وضوح هدف القضاء على الاستغلال والإضطهاد، من أجل بناء اقتصاد عربي مُتكامل ومُشتَرَك، في ظل منظومة عربية ديمقراطية، تحقق المساواة الكاملة بين الجميع، بدل التقسيم الذي يُيَسِّرُ عملية الهيمنة، ونظرًا لضُعْف القوى التقدّمية والإشتراكية فإن إنجاز هذه الخطوات مَنُوط بالأجيال القادمة. 

تُشكّل اللغة العربية إحدى ركائز مقومات الأمة، فهي اللغة المُشتركة المكتوبة في كافة البلدان العربية، كما في شمال مالي وتشاد ومناطق أخرى، في آسيا وإفريقيا، وتَمَثَّلَ دور الإستعمار في تغذية بعض النزعات العرقية التي تعتبر أن العرب  ولُغَتَهُم دخلاء على المغرب العربي (في محاولةٍ للمُساواة بين مرحلة ما قبل الرأسمالية ومرحلة الرأسمالية الإحتكارية والإمبريالية)، ليَنْفُوا الحديث عن وطن عربي أو أمة عربية، رغم وجود شعب عربي أغلبي يعيش على مساحة جغرافية تمتد من الخليج إلى المحيط، وتربط بين أفراده عوامل متعدّدة كافية لاعتبارنا أُمّة قائمة، تضُمُّ مجموعات أو أقليات قومية لها حقوق وواجبات، وعلينا أن نعمل على تحقيق مطالبها في العدالة والمُساواة، دون تدخّل امبريالي، باسم “حقوق الإنسان”…

إن اللغة ليست مُجرّد وسيلة تخاطب واتّصال، بل جزء من الهوية، وَوِعاء ثقافي ذي خلفية تاريخية وحضارية، ليندرج الدفاع عن الثقافة واللغة العربيتَيْن ضمن مشروع أرْحَبَ، يجعل من وحدة الوطن العربي والأمة العربية خطوة نحو الأُمَمِيّة – خلافًا لدعوات الإنقسام وسلخ الإنسان العربي عن هويته وتراثه- ما يستوجب إحياء أو تفعيل حركة التحرر العربي، وبلورة الوعي القومي العربي، ضمن مشروع تقدّمي قاعدي، ينطلق من الأسفل من خلال التنسيق بين القوى المناضلة التي تخوض النضال الوطني، ويقوم (المشروع) على بناء قاعدة شعبية عربية مناهضة للإستعمار المباشر وغير المباشر وللرجعية الحاكمة… 

خصوصية المسألة القومية العربية 

نحن أمة مُضْطَهَدَة، مُقسّمة إلى دول خلق الإستعمار معظمها وفتّتها ورَسَمَ حُدُودَها، وعرقل تطورها، وزرع الكيان الصهيوني على أرضها، لمَنْعِ تحرُّرِها وَوِحْدَتِها الاقتصادية والسياسية، لذا لا نزال في مرحلة النضال من أجل التحرّر الوطني والقومي ضدّ الإمبريالية والصهيونية، وعُملائهما المحليين، لتكون الوحدة تقدّمية وديمقراطية، ذات مضمون اجتماعي يُنْصِف الكادحين والمُنْتِجِين، يندَرِج ضمن مسارٍ أَرْحَبَ يشْمَلُ نضالات شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، والكادحين بالبلدان الرأسمالية المتطورة، ضد الإستعمار والإضطهاد والإستغلال، لتكون عملية التّحرّر والوحدة خطوة نحو الإشتراكية، وهو ما ترفُضُهُ أو تعجز عن تحقيقه “الرأسمالية الوطنية”، رغم رَفْعِ بعض فئاتها الشعارات “التّقدّمية” و “الإشتراكية”.  

نحن بحاجة إلى صياغة مشروع عربي تقدّمي، مقاوم للإستعمار المباشر، واعتبار القضية الفلسطينية قضية وطنية وقضية قومية، فالإستعمار الإستيطاني الصهيوني يستهدف الوطن العربي ككل، وشمل عدوانه العسكري بلدانًا عربية عديدة من تونس إلى العراق، ويقاوم المشروع كذلك الإستعمار غير المباشر، ووكلاءَهُ من الأنظمة الكمبرادورية، ويقاوم كافة مظاهر الهيمنة والتبعية والاستغلال والإضطهاد ونهب الموارد، ويتطلب هذا البرنامج إعادة صياغة مسألة الوحدة العربية، ضمن شكل تختاره الشعوب، لتندرج ضمن حق الشعوب والأمم المضطهدة في تقرير مصيرها، ولذا فهي لا تُمثّل انحرافًا عن مهام الصراع الطبقي، بل جُزْءًا من النضال ضد الرأسمالية الإحتكارية (الإمبريالية) ومن نضال شعوب الأمم المُضْطَهَدَة من أجل الإستقلال والتحرر من الهيمنة الإمبريالية، وعدم الإكتفاء بالإستقلال السياسي، بل استكمال الإستقلال الإقتصادي، وتطوير القُوى المنتجة، ضمن تحالف يضمن استقلالية الطبقة العاملة ومنظماتها عن الإيديولوجيات والقوى الشوفينية، لتتمكّن من مكافحة الإنحرافات وتطوير مكاسبها والنضال من أجل مجتمع يطالب من كل شخص القيام بواجباته ليُمَكِّنَهُ من الحصول على ما يحتاجُهُ…  

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….