نشرة “كنعان”، 31 كانون الأول (ديسمبر) 2022

السنة الثانية والعشرون – العدد 6444

أحر التهاني بالعام الجديد

وكل عام وأنتم بخير

في هذا العدد:

تناسل الأنجزة من آباء: ألمانيا مثلاً، عادل سماره

العلاقات السورية التركية إلى أين؟ محمود فنون 

ملف خاص في “الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي”، الجزء الخامس، إعداد د. زياد الزبيدي

  • وصية لينين الأخيرة
  • دور الاتحاد السوفيتي في تاريخ العالم للقرن العشرين

تناسل الأنجزة من آباء: ألمانيا مثلا

عادل سماره

كان في العرب قبل الإسلام زواج المرأة جماعياً. لذا، حينما تاهت الرجال في إحدى القبائل عن والد مولود قالوا” لنسميه زياد إبن أبيه فكان من دُهاة العرب الأربعة: زياد بن ابيه، عمرو بن العاص، المغيرة بن شُعبه، ومعاوية بن أبي سفيان. ولكل منهم بصمته في التاريخ العربي وخاصة في فترة مجد الأمويين وخاصة معاوية مؤسس أول دولة قومية عربية. لكن مواليد الأنجزة بلا اي مجد قط، وحتى بدهاء مكشوف.
منظمات الأنجزة في الأرض المحتلة جميعها “بنت أبيها” لأن الاباء كُثر.
لكن في العرب سابقًا كان الأمر علاقات متنوعة/متعات ولا شروط.
أما في الأرض المحتلة فآباء الأنجزة لا يدفعون مهراً/صُداقاً بلا شروط. والشروط متدرجة طبقاً للظروف.
وما يحدد الشروط هو هدف المانح أي الرُخ (لنستخدم عبارة هرون الرشيد) والمتلقي هو (البيدق).

أولاً الهدف: هدف الأنجزة هو التطبيع وفك من يتلقى هذا النوع من المهر عن أي عمل وطني في عملية تدجين تأخذ من البعض وقتاُ حتى يركع ومن غيره لا يحتاج بالعامية سوى “غَلوة واحدة”. وخلال التلقي يبدأ الجنين الحرام في الكٍبر في رحم المتلقي. وحين يُطلب منه توقيع ورقة ضد ما يسمى الإرهاب اي نضال شعبنا، يتدرج المتلقي بين:
* الاستغراب
* العتاب
*طلب التأجيل
*ادعاء الرفض
*القبول سراً
وأخيرا حين يضع له المانح الخيار بين الحُقن المالية وبين القطع فيركع ويوقع وحتى يستقبل الأنجزة التي في الكيان ويأخذ معها الصور في مركز العاصمة المؤقتة _إن شاء الله” رام الله” لأن هذا هو الشرط.

في الأمر والركوع ينطبق بيت شعر لعمر ابو ريشه، مع تغيير الموقع حيث تصبح هي الموجب وهو السالب:

” طلَبَت فأعطى، واشرأبت فانحنى، وقسَت فلان”
وحينها يكون المتلقي قد غادر موقعه المسمى يساراً وصار لبرالياً من طراز “يا أبت إفعل ما تؤمر.”

ثانياً: المتلقي: وهو يسار بلا خلفية يسارية، هشاشة وطنية، يبحث عن دخل يقتلعه من ظروف اليسار التي بها الفقر وربما السجون والأهم الجاهزية للقبض.
ويزداد هؤلاء اندلاقاً كلما هبط السقف الوطني، فيتحول هؤلاء إلى ناقدين للفصائل والعرب والقومية والماركسية وحتى الهتاف للمثليين…الخ حتى ليَخال من يسمعهم حتى لو كان جيفارا بأنه يمينياً أو لبرالياً جديداً.
المعضلة إذن ليست في المانح الشبِق بل في المتلقي المريض باستقبال الفحل.
وكلما غرق المتلقي في هذه اللُجَّة كلما انقطع عن البيئة المجتمعية والثقافية حيث يتأورب، يتخارج، يعيش من دخل أعلى يقوده إلى رفض التخلي عن هذا الدخل والرجوع للخلف مليمتراً واحداً ويصبح من شريحة اسميها “شريحة العائدات غير المنظورة”.
وخلال عمل بعض في هذه الأنجوزات، يكتشف من به شبق أعلى للمال أن بوسعه الانشقاق عن الأنجوزة الأم فيدخل على خدر الفحل ويُنشىْ أنجوزة جديدة. وبالطبع يكون الفحل سعيداً بتعددهنَّ تحت فرجه لأن هذا هدفه اصلاً.
ومع ذلك لا يتخلى المتلقي عن:
1- مواصلة الرطن يساراً
2- ادعاء الجذرية ضد السلطة والفصائل.
3- التآخي مع أنجزوات الكيان
4- شطف الأنجوزات المانحة زاعماً أنها يسارية.
أخطر ظاهرة هي الأنجزات المحلية المتلقية من الفحل الألماني حزب “ديلنكه اليساري” الذي يعتبر التطبيع شرط “الفسق” عبر مأمورة “الأنكحة” فرعه المسمى “روزا لكسمبوررغ” مستخدماً هذا الاسم الماركسي المعروف من أجل أنجس علاقة .
وتُدير كل هذه العلاقات هنا وفي الأردن ولبنان إدارة روزا هذه في المحتل 1948.

شاهد هذا النص اليوم ما صدر من سلطة ألمانيا التي قررت عدم تمويل اي نشاط ينتقد الكيان، واعتبار ذلك “لاسامية”.

(أنظر:  https://t.me/mayadeenchannel)

ماذا سيفعل الذين يرضعون هذا السُم؟ ويحقنون الثقافة المحلية به وخاصة لأن كل رضيع يسمي نفسه:

“مركز/مؤسسة/مرصد/مقر …التنموي!

ولا يقوم إلا بتوليد نصوص نظرية من الطراز الحادي والعشرين.

والبعض يصل إلى طلب الزعامة فينشط في المطالبة بانتخابات “ديمقراطية” في ظل الكيان ويزعم أن هذا مطلب الشعب!! والبعض يطلب انتخابات إلكترونية، والبعض له مكاتب في تركيا…ويا قلبي لا تحزن.

يُسعف هؤلاء أنفسهم باستخدام أكاديميات/يين من الطراز الضحل حيث يتقيئن/ون ابحاثا لا في العير ولا في النفير، وهذا أمتع للفحل!!!

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

✺ ✺ ✺

العلاقات السورية التركية إلى أين؟  

محمود فنون 

28/12/2022م 

هل من تغير في العلاقات العدائية التي سادت أكثر من عشر سنوات؟ 

ورد في نشرات الاخبار اليوم أن اجتماعا عقد ضم وزراء الدفاع الروسي والتركي والروسي، وذلك بعد تمهيد ودعوات، وتفهم لفكرة اللقاءات بما فيها إعلان أردوغان المتكرر عن استعداده للقاء الرئيس السوري بشار الأسد. 

ما هو التغير المطلوب في هذه العلاقات؟ 

كي نرصد التغيير المحتمل لا بد من العودة إلى الاساس، أي العلاقات القائمة منذ اندلاع الأزمة في سوريا وحتى اليوم: 

اولا: نسجل أن تركيا هي في حلف الناتو، أي في اصطفاف سياسي وعسكري متناقض تماما مع اصطفاف كل من سوريا ورو​​سيا وإيران. علما أن إيران وروسيا هما من مهدتا لعقد اللقاءات التي تمت اليوم والتي من الممكن أن تستكمل لاحقا كما هو متوقع. 

ثانيا: إن تركيا من موقعها هذا قد مارست دورا عدائيا ضد سوريا الوطن والشعب. وكان الموقف التركي يستهدف الوصول إلى اسقاط سوريا وتقسيمها بالإضافة إلى إيقاع اكبر قدر من الدمار في اقتصادها وبنيتها التحتية وتخريب مجتمعها وكل ما من شأنه ان يضر بها. وكانت القيادة التركية تنتظر اليوم الذي يسقط فيه النظام والدولة في سوريا. 

ثالثا: ارتباطا بذلك دخلت تركيا الحرب ضد سوريا بأشكال مختلفة سياسيا ودعم لا محدود لفصائل وقوى التخريب شمل التدريب والاعداد والتسليح وتسهيل إدخالهم إلى الاراضي السورية، وترتيب أوضاعهم وتبع ذلك التدخل العسكري المباشر واحتلال أراضي سورية وقصف أراضي سورية وحماية الفصائل المجرمة التي عبثت ولا زالت تعبث بسوريا. 

رابعا: سهلت للمنشقين عن الوطن السوري ومن جاء لدعمهم كل ما يلزمهم من تشكيلات قيادية وتسهيل وصول الدعم المالي وكل ما يخص ضمان ترتيباتهم القيادية لتفعيل دورهم في الداخل السوري. 

وهذا ليس كل شيء. 

وقبل أيام قليلة كانت تركيا تجهز قواتها للتوسع في الشمال السوري وإدخال قوات جديدة.  

المهم هنا كانت تقف تركيا منذ بداية الازمة السورية وحتى هذه الايام. 

فما هو التغير المطلوب؟ 

علينا ان ننتبه اولا ان سوريا تعاني من اوضاعها الامنية الداخلية ومن عناصر التخريب المدعومة من تركيا وأمريكا بشكل مباشر ومن العدو الاسرائيلي بشكل مباشر وغير مباشر ومن الرجعيات العربية التي بذلت كل ما تستطيع لإسقاط سوريا بكل الوسائل بما في ذلك تجنيد الدين وقوى الدين السياسي وعلى رأسهم الإخوان المسلمين وكل من تم استقدامه من بلاد المسلمين ليخرب ويقاتل في سوريا تحت راية الاسلام. 

وننتبه أن الصراعات التي جرت وبالشكل التي جرت فيه دمرت الكثير الكثير من الطاقات الاقتصادية في سوريا وان الحصار الامريكي الداخلي حجب النفط والمحاصيل الزراعية والخيرات التي كان يتمتع بها الشعب السوري وعلى شكل تجريف وتقويض من الداخل من الجزيرة وأنصار تركيا حجبوا خيرات الشمال. 

ولكن ما الذي يجري الآن؟ 

لا بد من التسجيل أولا أن القيادة السورية صمدت في وجه كل هذه الاعاصير ومعها الجيش والقوى المشاركة في القتال وحققت صمودا بطوليا وتقدمت إلى الامام من انتصار إلى انتصار , أي أن الاهداف التي شكلت الموقف التركي لم تتحقق بل حصرت وحوصرت , 

وأن التدخل الروسي والايراني النزيهين شكلا روافع جدية في صمود سوريا وانتصاراتها وتقدمها. 

وإذا بدأت مفاوضات جدية بين الأطراف فالسوريون يفاوضون على قاعدة الصمود فإن التغيير المطلوب هو في الموقف التركي وموقف القيادة التركية أساسا وليس الموقف السوري. 

على تركيا أن تسلم: 

أولا: ان برنامجها فشل فشلا ذريعا دون أن يقلل هذا من حقيقة ما نتج عن هذا البرنامج من صراعات ودمار واستنزاف للطاقات العسكرية والبشرية والاقتصادية. ويتوجب أن نؤكد على ذلك كي لا تدخل لغة الانشاء والخطاب كنوع من التغني بالفشل التركي وكأنه الدافع الأساس لتغيير المواقف أو كأن شيئا لم يحصل. 

ثانيا: وعليه يتوجب أن تعلن تركيا تأييدها والتزامها بوحدة الاراضي السورية وسيادة الدولة السورية عليها بحرية وتشطب شعار اسقاط النظام نهائيا. 

ثالثا: سحب القوات التركية من الاراضي السورية ووقف أي تهدي للسيادة السورية ووقف أي شكل من الحماية لفصائل تدمير سوريا في الشمال وغير الشمال.  

رابعا: وقف كل أشكال الدعم للقوى المعادية لسوريا وسحب الفئات المرتبطة بتركيا مباشرة. 

خامسا: فتح الحدود للاجئين السوريين ليعودوا إلى وطنهم بحرية. 

سادسا: إعادة الممتلكات السورية المنهوبة إلى سوريا. 

سادسا: عدم التقيد بقانون قيصر. 

لم تكن العلاقة بين تركيا وسوريا علاقات صداقة فسوريا في حلف وتركيا في حلف آخر ولكن يمكن أن تكون علاقة طبيعية أو عادية مثل أي علاقة بين أي دولتين.و هذا قد يحتاج إلى سنة أو اثنتين أو أكثر فالمهم ان تكف تركيا عن ممارسة العداء من أجل أن يقف النزيف في سوريا وتستعيد السيادة على أراضيها وتعيد إعمارها   وأن لا تقدم سوريا جزءا من كرامتها أو سيادتها على مذبح هذه العلاقات. 

✺ ✺ ✺

ملف خاص في “الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي”، الجزء الخامس، إعداد د. زياد الزبيدي

  • وصية لينين الأخيرة
  • دور الاتحاد السوفيتي في تاريخ العالم للقرن العشرين

■ ■ ■

(8)

وصية لينين الأخيرة

فاليري بورت، صحفي، مؤرخ، كاتب وناشر

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

26 /12/ 2022

في الذكرى المئوية لتأسيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

 تفاقم مرض لينين الذي أصابه في ربيع عام 1922، لكن رئيس مجلس مفوضي الشعب استمر في العمل (هكذا كان يسمى رئيس الوزراء-المترجم).  لم يستطع لينين أن يتحول إلى مراقب غير مبال بالأحداث.  كان الشيء الرئيسي في ذلك الوقت هو تشكيل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.  كان من المقرر مناقشة القضية في نهاية ديسمبر في أول مؤتمر لعموم مجالس السوفيات في روسيا.

 لقد حان وقت توحيد الجمهوريات السوفياتية.  لقد تغلبت جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية والتشكيلات السياسية الأخرى التي نشأت على أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة خلال الحرب الأهلية بشكل مؤلم على الدمار الذي أعقب الثورة.  كان من الضروري إعادة الصناعة، والقضاء على الأمية، وتنمية الثقافة، وإقامة علاقات مع العالم الخارجي.  كان من الأسهل بشكل لا يضاهى حل مهام الدولة هذه معًا، وكان من الصعب تحقيق الاعتراف الدولي بشكل منفصل.

 في خريف عام 1922، ظهرت طريقتان لفكرة التوحيد.  اقترح ستالين أن تصبح الجمهوريات جزءًا من جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية باعتبارها مناطق حكم ذاتي.  تم دعم مشروع الحكم الذاتي من قبل عدد من القادة السوفييت الآخرين – كيروف، دزيرجينسكي، كويبيشيف، مولوتوف. بينما دعا الشيوعيون في أوكرانيا وجورجيا إلى الحفاظ على استقلال الجمهوريات، واتفق معهم بوخارين وتروتسكي، معتقدين أنه من الخطر ممارسة الكثير من الضغط على الجمهوريات – فقد تواجه معارضة شديدة وتتسبب في انفجار.

 كانت وجهة نظر لينين هي أنه كان من الضروري إنشاء دولة فيدرالية تتكون من جمهوريات متساوية تحتفظ بسمات الاستقلال.

 في أكتوبر 1922، أجرى لينين مقابلة مع مراسل الأوبزرفر مايكل فاربمان.  وكتب الصحفي: “لو لم أكن أعرف بمرضه، لما كنت أشك في أنه مريض”.  لينين “بدا مليئا بالحياة والصحة”، تحدث للصحفي “بجدية بالغة”.

 شدد لينين على أن “الاهتمام الكبير، فقط، بمصالح الدول المختلفة يقضي على النزاعات، ويزيل انعدام الثقة المتبادل، ويزيل الخوف من المؤامرات…”.  وجد هذا الكلام انعكاسا له في التشريعات وفي الوثائق.

 شمل النموذج الأول من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية أربع جمهوريات – جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية والأوكرانية والبيلاروسية وجمهورية القوقاز السوفيتية التي تشكلت في مارس 1922، والتي ضمت جورجيا وأرمينيا وأذربيجان.  نص إعلان تشكيل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية على أن الطريق إلى التوحيد مفتوح أمام “جميع الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، سواء الموجودة منها أو التي ستنشأ في المستقبل”.

اقترح لينين، في رسالة إلى كامينيف في سبتمبر 1922، أن يطلق على الاتحاد الجديد للدولة اسم “اتحاد الجمهوريات السوفياتية في أوروبا وآسيا”.  كان هذا تعبيرا عن الإيمان بانتصار الثورة العالمية. في ذلك الوقت، اهتزت أوروبا بسبب الاضطرابات الشعبية.  ظهرت بافاريا السوفياتية، وجمهورية بريمن السوفياتية، وجمهورية ساكسونيا السوفياتية، وجمهورية المجر السوفياتية، وإن لم تعمر لفترة طويلة.  خلال الحرب بين روسيا السوفياتية وبولندا، ظهر شعار “أعطونا وارسو، أعطونا برلين!”.  لم يكن انتصار الثورة العالمية بعيد المنال…

 لأول مرة سمع اسم الدولة الجديدة – اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية – في مؤتمر مجالس السوفيات لعموم أوكرانيا في ديسمبر 1922 في خاركوف. في تحيته للمندوبين كتب لينين: “إن أحد أهم الأسئلة التي يجب أن ينظر فيها المؤتمر هو مسألة توحيد الجمهوريات.  يعتمد التنظيم اللاحق لجهاز الدولة على الحل الصحيح لهذه المشكلة… “

 في غضون ذلك، أوصى الأطباء لينين بالانتقال إلى ضواحي موسكو والانخراط بشكل كامل في العلاج.  قبل المغادرة إلى غوركي في 15 كانون الأول (ديسمبر)، كتب القائد رسالة إلى أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الثوري (ب): “لقد انتهيت الآن من تصفية شؤوني ويمكنني المغادرة بهدوء. لا يزال هناك موضوع واحد فقط يقلقني إلى حد كبير للغاية – وهو استحالة التحدث في مؤتمر مجالس السوفيات.  يوم الثلاثاء سيكون لدي الأطباء وسنناقش ما إذا كانت هناك فرصة ضئيلة لمثل هذا الحديث.  كنت سأعتبره إزعاجًا كبيرًا، على أقل تقدير، إذا رفض الأطباء ذلك.  كنت قد كتبت بالفعل ملخصًا للخطاب قبل أيام قليلة…

 توصل الأطباء إلى استنتاج مفاده أن لينين لن يكون قادرًا على التحدث في مؤتمر مجالس السوفيات.  في ليلة 22-23 ديسمبر / كانون الأول، ساءت حالته، لكنه حصل على إذن من الأطباء للإملاء على موظفة الاختزال لمدة 30-40 دقيقة في اليوم.

 على أمل التعافي، كان لينين يأمل بالتحدث في المؤتمر الثاني عشر للحزب في أبريل 1923، حيث كان يخطط إلى لفت الانتباه إلى خطر الانحراف الشوفيني للدولة الكبرى في عملية التوحيد والمطالبة بدعم المساواة الرسمية من خلال المساواة الفعلية.

 الإعلان والمعاهدة بشأن تشكيل الاتحاد السوفياتي، والتي تضمنت الجمهوريات السوفياتية من الاتحاد الروسي وأوكرانيا وبيلاروسيا واتحاد القوقاز، قرأهما ستالين في 30 ديسمبر 1922 في أول مؤتمر لعموم مجالس السوفيات في روسيا.  نصت المعاهدة على أن السلطات العليا في الدولة العتيدة ستكون مسؤولة عن السياسة الخارجية والقوات المسلحة والميزانية والتجارة الخارجية والداخلية والنقل والشؤون البريدية والبرقية والقضاء والرعاية الصحية والتعليم العام والإجراءات القانونية.

… كان تشكيل الاتحاد السوفياتي آخر رغبة للينين.

(9)

بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الاتحاد السوفيتي: دور الاتحاد السوفيتي في تاريخ العالم للقرن العشرين

أوليغ خلوبوستوف، كاتب روسي مشهور، عقيد متقاعد من المخابرات، مؤرخ وناشر

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

25/12/2022

1 – يحتل الاتحاد السوفياتي في تاريخ القرن العشرين مكانة بارزة ومستحقة بجدارة.

 استلهم مبدعو الاتحاد مبادئ كانت عبارة عن مجموعة من الأفكار والمشاريع الاجتماعية والسياسية المتقدمة في عصرنا.  من المهم أن نلاحظ أن الغرب لسنوات عديدة كان ينظر إلى الاتحاد السوفيتي على أنه “روسيا الكبرى”، وريث الإمبراطورية الروسية.

 2. ولد بعد الانتصار في الحرب الأهلية على “حملة 14 دولة”، أثار الاتحاد السوفياتي اهتمامًا وتعاطفًا كبيرًا في الغرب، وسبب نمو الاتجاهات اليسارية في المجتمعات الغربية.

 فيما يتعلق بالعقيدة الشيوعية التي ألهمت مبدعي اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، كتب أحد علماء السياسة المشهورين عالميًا في الثمانينيات: “ولد من مثالية متسرعة رفضت ظلم النظام الحالي، هو (المثال الشيوعي) – سعى من أجل مجتمع أفضل وأكثر إنسانية… لقد عكس بتفاؤل إيمانًا بقدرة العقل على خلق مجتمع حديث.  باسم الهندسة الاجتماعية ذات الدوافع الأخلاقية، حشد أقوى المشاعر – حب الإنسانية وكراهية القهر. وبهذه الطريقة نجح في أن يأسر العقول اللامعة والنفوس الأكثر مثالية “(1).

 3. كانت الأفكار والمبادئ الاجتماعية – الاقتصادية التي قام عليها تشكيل الاتحاد السوفياتي بديلاً لتطور العالمين القديم والجديد بعد الحرب العالمية الأولى.

 أثارت الأزمة الاقتصادية العالمية في 1929-1939 اهتمامًا إضافيًا بتجربة اجتماعية اقتصادية غير مسبوقة في الاتحاد السوفياتي.  تمت دراستها باهتمام من قبل الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز John Maynard Keynes(2)، الذي زار الاتحاد السوفياتي مرارًا وتكرارًا في الثلاثينيات، ودرس وتابع “المعجزة الروسية”.

تمت دراسة العالم السوفياتي البديل لوجهة نظر “ثنائية الأسود والأبيض” من قبل العديد من العلماء والكتاب الأجانب.

قدم كتاب جوزيبي بوفا Giuseppe Boffa، الذي عمل في الأرشيف السري السوفياتي، للقراء، بمن فيهم “الموجودون في قائمة خاصة” لكبار المسؤولين السوفيات، معلومات عن “الاختراق الحضاري” الذي حققته البلاد، والذي جعل ممكنًا في أقصر وقت الارتقاء بالعلم والتكنولوجيا إلى مستوى غير مسبوق، وإنشاء صناعة قوية وثقافة عالمية المستوى وأدب، والتي حافظت على أفضل تقاليد الإلهام الروحي للمثقفين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (3).

 تمت دراسة “المعجزة الروسية” أيضًا من قبل صانعي الأفلام الوثائقية الألمان Anneli و André Thorndijk (4).

 رأى عالم الاجتماع الشهير سوروكين التقدم الذي أحرزته البشرية في استعارة أفضل نتائج النظامين الاجتماعيين في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتناقضات التنمية (التقارب الإيجابي).

 4. زاد التعاطف مع الاتحاد السوفياتي بشكل ملحوظ خلال الحرب العالمية الثانية.  في ذلك الوقت، اضطر قادة بريطانيا العظمى والولايات المتحدة إلى إنشاء تحالف عسكري سياسي مع الاتحاد السوفياتي من أجل محاربة الفاشية الألمانية.

خلال سنوات الانفراج، تحدث صانعو الأفلام الوثائقية السوفيات والأمريكيون عن هذا التعاون في الفيلم الوثائقي الروسي الإنجليزي: الملحمة الوطنية العظمى (الحرب المجهولة) (The Unknown War). تم إنتاج ما مجموعه 20 حلقة مدة كل منها 50 دقيقة. بدأ العرض التلفزيوني للملحمة في وقت واحد في الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في 9 مايو 1979.

 5.في الولايات المتحدة في 1946-1951، كبديل لطبيعة التطور الثقافي للاتحاد السوفياتي، أدى الاهتمام الذي أبدته العديد من دول العالم بالأفكار والتجارب الاشتراكية للاتحاد السوفياتي إلى تطوير استراتيجية “الحرب السرية” ضد الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى.

 في وثيقة بعنوان “تنبؤات بالتطورات المحتملة للوضع السياسي في العالم حتى عام 1957”  (11 ديسمبر 1947)، أطلقت لجنة التخطيط الاستراتيجي المشتركة على “الصراع الأيديولوجي وتضارب المصالح بين الكتلة السوفياتية والقوى الديمقراطية الغربية” كأحد أهم العوامل في التنمية العالمية، حيث “لا يوجد نظام آخر متناقض للغاية مع أهدافنا، يظهر هذا الثبات والتصميم في غاياته، مثل النظام الاشتراكي “.

 كما نص توجيه مجلس الأمن القومي رقم 68 الصادر في 14 أبريل 1950، “مهام وبرامج الأمن القومي للولايات المتحدة” بشكل لا لبس فيه على أن “أساس المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي هو “تضارب في المعتقدات والأفكار”. وفي هذا الصدد، تم الاعتراف بصراحة: “يجب… أيضًا أن نحاول تغيير الوضع في العالم بطريقة تستبعد الحرب.  يجب أن نجتهد في تدمير مخططات الكرملين والإسراع في انهيار النظام السوفياتي!”

 6. حولت فكرة التعايش السلمي للأنظمة الاجتماعية المختلفة التي طرحتها القيادة السوفياتية في الخمسينيات من القرن الماضي الاتحاد السوفياتي إلى منافس جيو-اقتصادي وجيوسياسي جاد للولايات المتحدة على المسرح العالمي.

 أدى هذا الوضع، المستند إلى عدم الثقة في مبادرات السلام السوفياتية 1954-1957، إلى تكثيف التجسس والتطلعات التخريبية للدول الغربية، والمعروفة باسم سياسة “الحرب الباردة”.

 تم تقديم تفسيرها الغريب في العمل الشهير لصمويل هنتنغتون “صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” (5).

 والممتهن مناهضة الشيوعية زبغنيو بريجنسكي لم ينكر في الماركسية “الجوانب المثمرة وحتى البناءة للسعي من أجل مجتمع مثالي”، وأعرب عن أمله في أن تجعلها الديمقراطيات التعددية الحديثة في القرن العشرين جزءًا من أنظمتها (6).

 كان جوهر المواجهة الأيديولوجية في الغرب مفهومًا جيدًا.  لذلك، في حديثه يوم 8 يونيو 1982 في خطاب “الديمقراطية والشمولية” في البرلمان البريطاني، وصف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان محتوى ومنطق الحرب الإعلامية ضد الاتحاد السوفياتي على النحو التالي: “العامل الحاسم في الصراع الدائر الآن في العالم ليس القنابل والصواريخ، ولكن اختبار الإرادة والأفكار، اختبار للشجاعة الروحية، اختبار للقيم التي نمتلكها، والتي نعتز بها، والمثل العليا التي نكرسها”.

 في عام 1998، قُدِّم إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تقرير عن تصاعد الحرب المعلوماتية الاستراتيجية لمؤسسة RAND (“الأهمية المتزايدة لمواجهة حرب المعلومات”)، والذي صاغ المهام التالية:

 – استبدال القيم الأخلاقية والمبادئ التوجيهية التقليدية لمواطني الدول الأجنبية من خلال خلق جو من الافتقار إلى الروحانية، وتدمير التقاليد الروحية والأخلاقية   الوطنية، وتنشئة موقف سلبي تجاه التراث الثقافي والتاريخي؛

 – التلاعب بالوعي العام والتوجه السياسي للفئات الاجتماعية من أجل خلق جو من التوتر والفوضى؛

 – تضليل السكان حول عمل أجهزة الدولة، وتقويض سلطتها، وتشويه سمعة الهيئات الحكومية؛

 – تقويض الهيبة الدولية للدولة وتعاونها مع الدول الأخرى.

دعونا ننتبه إلى أول هذه المهام – “استبدال القيم الأخلاقية والمبادئ التوجيهية التقليدية، وخلق جو من الافتقار إلى الروحانية، وتدمير التقاليد الروحية والأخلاقية الوطنية، وتنشئة موقف سلبي تجاه الثقافة والتراث التاريخي”.  هذه كانت جوهر الفكرة الواردة في “خطة دالاس نحو الاتحاد السوفياتي” الشهيرة.

 في ديسمبر 1999، تمت الموافقة على “التوصيات الإستراتيجية لحرب المعلومات من الجيل الثاني” كتوجيه من قبل مجلس الأمن القومي الأمريكي.

 دعونا نؤكد أن توم داين، الذي كان رئيس راديو أوروبا الحرة / راديو الحرية (RFE / RL) ** في 1997-2005، اعترف في ديسمبر 2015: “الآن، الغرب وروسيا في حالة حرب إعلامية.”  وأشار إلى أن RFE / RL تعمل في 23 دولة بـ 28 لغة.  ست من هذه البرامج اللغوية تخدم جمهور الاتحاد الروسي.

 كما أقر توم داين أنه في عام 2005 تم تخصيص المزيد من الأموال لعمل أدوات “الحرب الباردة” أكثر من أي وقت مضى: 94 مليون دولار في 2015، و 106 مليون دولار في 2016، و 2017 كان مخططًا لها 120 مليون دولار.

 في الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، تتم دراسة تجربة “الحرب الباردة” ضد الاتحاد السوفيتي وتحليلها و “معالجتها بشكل خلاق” لمزيد من “التطبيق العملي”. دراسة هذا الجانب “وراء الكواليس” من وجهة نظر العلاقات الدولية ذات أهمية عملية كبيرة اليوم.

المراجع: كان هذا نص خطاب المؤلف: خطاب في 22 ديسمبر 2022 في المؤتمر العلمي والعملي الدولي في موسكو “الاتحاد السوفيتي كمحاولة لبناء حضارة شيوعية جديدة”.

(1)  الفشل العظيم: ولادة وموت الشيوعية في القرن العشرين. تأليف زبغنيو بريجينسكي.  الطبعة الروسية، نيويورك، دار ليبرتي للنشر، 1989، ص.  216.

(2) انطباعات كينز جي إم عن روسيا السوفيتية.  ينبغي للدولة أن تدير الاقتصاد.  م، خوارزمية 2015.

(3) بوف جوزيبي اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.  من الخراب إلى القوة العالمية.  اختراق السوفياتي.  م، خوارزمية، 2015.

[4) المعجزة الروسية (الألمانية: Das russische Wunder) هو فيلم وثائقي من جزأين من عام 1963 من إنتاج جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

(5) هنتنغتون س. صراع الحضارات.  م، AST، 2003.

(6) الفشل العظيم: ولادة وموت الشيوعية في القرن العشرين. تأليف زبغنيو بريجينسكي.  الطبعة الروسية، نيويورك، دار ليبرتي للنشر، 1989، ص.  241.

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org