زيلينسكي في أميركا: نقطة تحوّل وسط تباين الرؤى، د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

            ارتفع منسوب التكهّن السياسي في واشنطن لسبر أغوار  زيارة الرئيس الأوكراني “العاجلة” لها، وما تُضمره من نيات لدى الطرفين وأهدافهما في المديين القريب والمتوسط، وخصوصاً أمام إعلان البيت الأبيض مسبقاً عن تقديمه “حُزم دعم مالية وعسكرية” لأوكرانيا، علاوة على تسريبات مباشرة من كبار القادة العسكريين، ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميللي، والسياسيين المخضرمين أمثال هنري كيسنجر، بأن وجهة الحرب ينبغي أن تفضي إلى “تفاوض” على حل سياسي.
            لم ينتظر المرء طويلاً، إذ سارع زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إلى حسم الجدل وعناء التمحيص بتأكيده أن هدف “الدعم” الأميركي للحرب في أوكرانيا يأتي في صلب استراتيجية الهيمنة الأميركية، وقوله: “دعمنا المتواصل لأوكرانيا ليس صحيحاً أخلاقياً فحسب، لكنه أبعد من ذلك. إنه استثمار مباشر لتعزيز المصالح الأميركية الحيوية (موقع ماكونيل الإلكتروني في مجلس الشيوخ، 21 كانون الأول/ديسمبر 2022).
            ولكي لا تبقى تفسيرات الدعم الأميركي لأوكرانيا حبيسة التكهنات أو المزايدات السياسية التقليدية، فقد ارتفعت أسعار أسهم كبريات شركات صناعة الأسلحة الأميركية بنسب ملحوظة في الفترة الزمنية الراهنة، لتؤكد مرة أخرى أن “الحروب تشكل فرصة مثالية لتكديس الثروة”. مثلاً، ارتفعت قيمة أسهم شركات “بي أيه إي BAE 37%، نورثروب غرومان Northrop Grumman 39%، جنرال دايناميكس General Dynamics 15%”.
            على الرغم من شبه إجماع أعضاء الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، على معاداة روسيا واستنزافها عسكرياً، وتمهيد الرئيس بايدن وزعماء الكونغرس الأجواء بتقديم 45 مليار دولار مساعدة لأوكرانيا، فإن مشاعر القلق بدأت تتسرّب لدى البيت الأبيض من “إمكانية” معارضة بعض أعضاء الكونغرس تمويل كييف وآلية تمرير أموال الدعم المقصودة كجزء مدرج في الميزانية السنوية التي كانت بانتظار التصويت النهائي عليها قبل عطلة أعياد الميلاد، وغياب بعض أعضاء الحزب الجمهوري عن الجلسة المشتركة لدواعي العاصفة الثلجية القاسية.
            وهنا، يشير المراقبون إلى استغلال رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، نفوذها بدعوة “عاجلة” للزائر الأوكراني إلى إلقاء خطاب في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، أسهمت بدورها في تقليص حجم “تحفظ” البعض عن إدراج بند الدعم ضمن الميزانية السنوية، تفادياً لما قد تفرزه موازين القوى في الدورة المقبلة لمجلس النواب بعد فوز الحزب الجمهوري برئاسته.
            لم يكن مستبعداً تقاطع توجّهات البيت الأبيض مع مفردات الرئيس الزائر بشأن إثارة نزعة العداء لروسيا لدى الأميركيين، وإشارته في مؤتمر صحفي مشترك مع بايدن بأن الشعب الروسي “همجي ولا إنساني”، أتبعها بخطاب شبيه أمام الكونغرس بأن روسيا “دولة إرهابية”، لقي صدى عند بعض أعضاء الكونغرس بالهتاف: “المجد لأوكرانيا”، سواء أدركوا أم لم يدركوا بأنه شعار حلفاء النازية من “القوميين” الأوكرانيين.
            ويرى بعض المراقبين ما هو أبعد مما تقدم من مبرّرات رسمية بأن الرئيس جو بايدن وجّه دعوة إلى زيلينسكي لزيارة واشنطن كإجراء ضروري لحشد التأييد الشعبي الأميركي في مواصلة الحرب “مهما طال بها الزمن”، بحسب تعبير بايدن، وأيضاً لاختبار قبول الأميركيين قراره بتصعيد “وتيرة المواجهة العسكرية ضد روسيا في أوكرانيا”، وتسويق الحرب محلياً بأنها “حرب مفيدة” وتمثّل امتداداً للحرب العالمية الثانية.
            أشار الرئيس جو بايدن بشكل غير مباشر إلى طبيعة قلق المؤسسة الرسمية الأميركية من إطالة أمد الحرب في مؤتمره الصحفي المشترك مع زيلينسكي، لافتاً إلى محاذير تقديم أسلحة أميركية متطورة لأوكرانيا بأن أعضاء حلف الناتو “لا يتطلعون إلى حرب مع روسيا أو إلى نشوب حرب عالمية ثالثة” (صحيفة “واشنطن بوست”، في مقالة رأي بعنوان “تباين رؤى زيلينسكي وبايدن بشأن المسار المقبل لأوكرانيا”، 22 كانون الأول/ديسمبر 2022).
            بعبارة أشد وضوحاَ، شملت الزيارة مراجعة معمّقة لتداعيات الحرب وآفاقها قادها الطرف الأميركي، استناداً إلى “التسريبات” الداخلية المقصودة بالبحث عن سبل بديلة للحرب، أبرزها مسار ديبلوماسي متجدد، كما أشار  بذلك مباشرة رئيس هيئة أركان القوات الأميركية المشتركة، مارك ميللي.
            في الطرف المقابل، سعى معسكر الحرب في الحزبين لاستغلال أجواء الزيارة بإعلان الدعم الأميركي بمبلغ يصل إلى 45 مليار دولار  واستثمارها في تأجيج الحرب مع روسيا، إرضاءً لغرائز العداء المتجذر لها، وتعبير اً عن رفض زعزعة نفوذ “القطب الواحد” على المسرح العالمي، وربما الأهم ضمان سيرورة آلة انتاج أسلحة الحرب الأميركية.
            ما يعزّز استنتاج التوجه الديبلوماسي المحتمل هو ما أسفرت عنه مطالب زيلينسكي بدعم عسكري أميركي “بأسلحة متطورة” وضرورة رفع مستوى أداء القوات الأوكرانية لشن هجمات كبيرة العام المقبل، كما يروّج، بيد أن الحصيلة الفعلية لحزمة أسلحة “عيدية الميلاد” جاءت بعكس توقعاته، إذ أعلنت الولايات المتحدة عدم موافقتها على تقديم مدرعات حديثة من طراز “أم 1 آبرامز”، تعدّ، بحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” بالغة التعقيد كسلاح نوعي في المعركة الجارية، وأن “لدى أوكرانيا ما يكفي من المدرعات” (يومية “واشنطن بوست”، 21 كانون الأول/ديسمبر 2022).
            “عيدية الميلاد” الأميركية، بالرغم من ضخامة المبالغ المقدمة (45 مليار دولار)، التي توازي مجموع الدعم الفيدرالي الأميركي لنحو “43 ولاية” مجتمعة، شملت بطارية “يتيمة” من نظام الدفاع الصاروخي “باتريوت”، معززة بـ 8 منصات إطلاق، ستستغرق برامج التدريب عليها نحو “6 أشهر على الأقل”.
            أما حصة أوكرانيا من المبلغ الإجمالي، 45 مليار دولار، فقد أوضحت بعض جوانبه سفيرة كييف لدى واشنطن، أوكسانا ماركاروفا، وقالت إنه يمثّل مجموع الدعم الأميركي لعام 2023، يُقطتع نحو 7 مليارات دولار رواتب “للمستشارين” الأميركيين العاملين لمصلحة أوكرانيا، وتتسلّم كييف حصتها البالغة 13 مليار دولار، إما بصورة سيولة مصرفية أو بصيغة بضائع مختلفة. وبناء عليه، سيبلغ مجموع الأموال الأميركية المخصصة “لدعم أوكرانيا” ما يفوق 100 مليار دولار.
            ثمة مسألة أخرى تتعلق بالميزانية السنوية للحكومة الأميركية التي أقرها مجلس النواب، والتي بلغت “1.7 تريليون دولار”، منها نحو 62% مخصصة للإنفاق على القوات المسلّحة وأجهزة الأمن المتعددة. وبما يخص المواطن العادي “دافع الضرائب”، فإن ما نسبته 65% من ضرائب الدخل الفيدرالية يذهب للإنفاق على الحروب الخارجية، والحرب على المخدرات، وكلفة الجدار الفاصل مع المكسيك (مرشح حزب الخضر  لمنصب سيناتور عن ولاية نورث كارولينا، ماثيو هو، 28 كانون الأول/ديسمبر 2022).
            سرت مشاعر الرضى لدى معسكر الحرب في واشنطن عقب استهداف القوات الأوكرانية أهدافاً حسّاسة بعيدة داخل الأراضي الروسية في الآونة الأخيرة، كثمرة قرار تصعيد واشنطن للحرب، ونتيجة مباشرة لزيارة زيلينسكي، وترجمة أيضاً لتصريحات الطرفين بضرورة تنفيذ “هجمات وقائية”.
            أضاءت كبرى الصحف الأميركية على الجسارة الأوكرانية بالقول: “أوكرانيا تقصف بجرأة في عمق الأراضي الروسية، استناداً إلى تقييمها بأن القوات العسكرية لموسكو تقاتل إلى أقصى حدود قدراتها التقليدية. وباستثناء الخيار النووي، فإن الأسلحة الروسية لم تعد مؤثرة” في البنى التحتية أكثر مما هي عليه الآن (يومية “نيويورك تايمز”، 26 كانون الأول/ديسمبر 2022).
            والجدير بالذكر في سياق التصعيد المتبادل ما كشف عنه وزير الخارجية الروسي،في نفس اليوم الذي نشرت فيه الصحيفة الأميركية، 26 كانون الأول/ديسمبر، بأن موسكو لا تزال تضع مسألة “تغيير نظام كييف” في جدول الأعمال، مطالباً الحكومة الأوكرانية ضرورة تطبيق الشروط الروسية المتمثلة بنزع سلاحها وتطهير الأراضي التي تسيطر عليها كييف من النازية … أما سوى ذلك، “فالمسألة ستتكفّل بتحقيقها القوات الروسية”.
             على الرغم من اشتداد نبرة الخطاب الإعلامي لدى كل من موسكو وكييف وواشنطن، فإن من المنتظر ارتفاع أسهم الدعوات الداخلية إلى “الخيار الديلوماسي” التفاوضي. وقد يطرح هذا الخيار نفسه بقوّة في الساحة الأميركية في الفترة المقبلة، يعزّزه انشغال الشعب الأميركي “مجدداً” بتأمين مقوّمات الحياة اليومية التي تتدهور معدلاتها بوتيرة ثابتة، بصرف النظر عن البيانات الرسمية المفرطة في تفاؤلها لأداء الاقتصاد الأميركي، التي تنفيها تزايد معدلات العاطلين من العمل، الذين أضحوا خارج حسابات البيانات الرسمية بسبب طول مدة الانقطاع، مع ارتفاع مستمر لأسعار المواد الأساسية.

:::::

مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن

الموقع الإلكتروني:

http://thinktankmonitor.org/

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/