مأزق “القوميات الكردية” قرَّب سمير أمين من القومية العربية، عادل سماره

في هذا العدد:

مأزق “القوميات الكردية” قرَّب سمير أمين من القومية العربية، عادل سماره

السؤال الكردي آنذاك والآن، سمير أمين

النص الإنكليزي لمقالة سمير أمين

✺ ✺ ✺

مأزق “القوميات الكردية” قرَّب سمير أمين من القومية العربية

عادل سماره

للتجربة السورية في مواجهة الثورة المضادة دروسا عديدة بالوجهين السالب المدمر والموجب البنَّاء. وبالطبع كل يحدد موقعه ارتكازاً على موقفه. صمود سوريا، القيادة، السلطة عموما، الجيش، والشعب، والحلفاء أحدثت تغييرات كثيرة في أوساط وقوى وشخوص، كانت قد تربت على العداء لسوريا من مدخل التشبُّع بالقطرية، أو بأكاذيب آلة الإعلام الغربي الرأسمالي الصهيوني، أو وقفت مواقف وسطية بناء على موتورية حزبية تنظيمية أو فكرية، أو مواقف نقدية بها درجة من إما عدم التدقيق أو تلافي نقد المركزانية اليسارية الغربية. وهذا الأخير ربما موقف الزميل المفكر الراحل سمير أمين.

في ما اطلعت عليه من إنتاج سمير أمين في المسألة القومية وخاصة المسألة القومية العربية، ظل يقف إلى حد كبير رافضا لها، وفي افضل مواقفه متذبذبا وغامضاً. هذا رغم وضوح الرؤية لديه طبقيا، وخاصة في الاقتصاد السياسي والنظام الرأسمالي العالمي.

لكن، على ما يبدو، فإن تجربة الأزمة السورية، وطبقية الاصطفافات وصمود البلد، وتورط أنظمة الريع وطبقات الكمبرادور وافتضاح قوى الدين الإسلامي السياسي دفعت موقفه إلى وضوح وإيجابية أكبر. ونظراً لأهمية سمير أمين، أناقش هنا موقفه من مسألة القومية العربية، وإن كانت المقالة التي كتبها (أنظر أدناه) هي في نقد أو تفنيد القومية في المسألة الكردية.

نشر الزميل سمير أمين مقالة في مجلة مونثلي ريفيو اليسارية، وهو أحد كتابها منذ عقود، مقالة عن الكرد والمسالة الكردية.

http://monthlyreview.org/2016/10/01/the-kurdish-question-then-and-now/.

قدَّم أمين في هذه المقالة أفكاراً جديدة أضاءت على تطورات المسألة الكردية حيث ابانت تفارقا كبيرا بين أهداف وتوجهات كل تجمع كردي في كل من العراق وإيران وسوريا وتركيا. وربما أبرز ما اشار إليه أن “… 

حزب العمال الكردستاني يريد دولة ثنائية القومية واشتراكية وديمقراطية”. وهذا ما يفسر علاقة هذا الحزب لسنوات طويلة مع المقاومة الفلسطينية وتلقي مقاتليه التدريب في قواعد المنظمات الفلسطينية في لبنان، ويفسر ايضا احتضان سوريا لزعيمه عبد الله أوجلان بمعنى ان الكرد السوريين لم يعتبرهم حزب العمال هذا جمهوره بالمعنى القوم مما يؤكد ضبابية “قومية كردية جامعة حقاً”.

ما يهمني من مقالة سمير أمين هو تعاطيه مع المسألة القومية من منظور أقل عدائية وأكثر تركيزاً مما كان عليه موقفه من المسألة القومية وخاصة القومية العربية.

المفكر سمير أمين نتاج تجربة طويلة منذ بداياته في الحزب الشيوعي المصري، ثم تأثره بالمدرسة الماوية والتجربة الصينية وصولا إلى علاقاته مع اليسار العالمي وخاصة الأوروبي.

وهنا أغامر بالاستنتاج بأن هذه التجربة والعلاقات بقدر ما مكَّنت امين في التحليل الاقتصادي السياسي وتماسك موقفه وخاصة فيما يخص التحليل المادي التاريخي وعدم التراجع عن هذا التحليل الذي يؤكد علمية التوجه الإنساني للاشتراكية، ولا يهم متى، فإنها أربكت تفكيره السياسي تجاه الوطن العربي وخاصة تجاه المسألة القومية العربية.

لذا، ظل امين على حافة العروبة، مراوحاً بين اعتبار ان هناك قوميات لكل قطر عربي وخاصة المكتمل كتشكيلة اجتماعية اقتصادية ثقافية اي مصر، وهو في هذا يتقاطع مع أطروحات حزب العمال الشيوعي المصري المنحل بالقمع، وبين إخضاع العروبة للإسلام في عملية قراءة معكوسة للتاريخ بتوليد العروبة من الإسلام علماً بأن العرب أمة قديمة لها حضارة ما قبل الإسلام كما أن مختلف الحضارات القديمة وخاصة في سوريا والعراق هي الجذور الأقدم للأمة العربية، وإلا من اين أتت: سومر، وبابل، وآشور، وكنعان، وآرام….الخ؟

بل ربما اذهب ابعد من هذا بأن أقول أن امين كثيرا ما اربكته الهجمات التروتسكية ضد العروبة والوحدة العربية مما انتهى به إلى موقف متردد من هذه المسألة، وكأنه يشعر بحرج ناجم عن علاقات او صداقات ما، وبالطبع لم يتنبه إلى الجذر الصهيوني في كثير من المنظمات التروتسكية، ناهيك عن عدائها للكتلة الاشتراكية وتورطها في العلاقات السرية بالإمبريالية وصولا إلى المحافظين الجدد أي الدين المسيحي السياسي. (أنظر كتابي: المحافظية الجديدة وظلال يهو/صهيو/تروتسكية : الصادر 2014).

لكن، في مقالته المشار إليها أعلاه، ينحو سمير أمين منحى جديداً أكثر وضوحاً ويدل في الحقيقة على قدرته على التخلص من إرث ثقيل أربك موقفه من المسألة القومية. وهو ارتباك كنت دائما استغرب وقوعه فيه، وهو ذو نهج مادي وعقل تحليلي متميز، وقريب من المدرسة الماوية وخاصة موقفها من القومية، ناهيك أنه كعربي لم يلتقط أن القومية العربية كمسألة ليست هي الأنظمة التي حكمت باسم القومية العربية، هذا مع انهاـ رغم أخطائها، ظُلمت بمعنى أن الثورة المضادة استخدمت نقدها لهذه الأنظمة للتعتيم على كوارث الأنظمة العربية الرجعية القروسطية الكومبرادورية التابعة والتي ليست صدفة أنها انتهت متصهينة.

يقول أمين في مقالته هذه:

“… في عصر القومية في القرن 19 لم تكن هناك قومية كردية…. القوميات البلقانية والسورية العربية….. القومية العربية والبلقانية لم يفهمن انهن يدعمن القوى الإمبريالية ضد الباب العالي”.

هنا، ورغم تبنيه موقفاً أكثر وضوحا تجاه القومية العربية عامة والسورية العربية منها، إلا أنه يخلط مسالتين معاً دون مبرر لذلك:

الأولى: حيث يخلط بين المسالة القومية وبين قوى قومية و/أو انظمة قومية الاتجاه.

والثاني: بأن الخلل ليس في توجه هذه القوى قومياً، قوى القرن التاسع عشر، بل في تكتيك التحالف مع الإمبريالية. اي مع استعمار رأسمالي ضد استعمار ما قبل رأسمالي إلى حد كبير.

وبالطبع، يكون النقاش، هل كان التحالف ضروريا؟ أم أنه كان على هذه القوى أن تفهم بان الاستعمار العثماني إلى هزيمة وأن عليها أن تجهز نفسها لمقارعة الاستعمار الرأسمالي الغربي في مرحلة الإمبريالية؟

هذا ما:

  • لم يتوصل إليه تحليلها
  • أو أن كثيرا من هذه القوى هي اساساً مخترقة من الاستعمار الغربي فلم تصل قامتها إلى الموقف المستقل، ولذا رضيت ب سايكس-بيكو
  • ولذا جرى تنصيبها كحكام على كيانات تابعة وبقيت على ذلك حتى اليوم. 

 ورغم أن مقالته هي عن الكرد، إلا أن موقفه تدرَّج إيجابيا من القومية العربية في مقالته المذكورة. ففي تعداده الإمبراطوريات كتب ” الخلافة العربية الإيرانية” ثم ذكر “القومية العربية” وليس القوميات العربية.

بينما لو رجعنا إلى ما كتبه في كتابه “ثورة مصر 2011” (ص 225) في رده على موقفي من المسالة القومية العربية حيث يراوح بين موقف استعلائي مطلق ضد القوميين بقوله: “وما أخشاه هو أن الخطاب القومي بصفة عامة (أي أقوال معظم القوميين إن لم يكن جميعها فرداً فرداً) يُحل قصة عروبية خرافية محل القصة الخرافية الأخرى الأوروبية التمركز، فهذه الأخيرة في تعبيراتها المتطرفة تُسقط ملاحظاتها لظواهر حقيقية خصَّت الدولة العثمانية المنحطة على ماضي العرب، و”الشرق” بصفة عامة”.

 وبين ما انتهى إليه في نفس الكتاب بقوله ” فأرجو أن يوجّه القوميون نقدهم (وهو مرحب به) إلى ما كتبته، ولا إلى ما “نسبه” إليَّ العروبيون. فالقومية العربية بالنسبة إلى هي مشروع يسعى إلى إنجاز الوحدة العربية القادرة على مواجهة تحديات العصر، وليست “واقعاً موروثاً”. هذا هو التباين الحقيقي في تناولنا للمشكلة.”

لا يخفى الفارق بين جملته الأولى التعميمية أي “قصة عروبية خرافية” وجملته الثانية المؤيدة لقومية عربية وحدوية…الخ.

لست أدري لماذا ينكر وجود واقع مورث للأمة العربية كأمة قديمة كالصينية والهندية؟ وكأنه متأثر بأطروحة ستالين بأن “الأمة العربية أمة في طور التكوين” بينما اعترف الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين بالكيان المستجلب من مئة قومية!

ولكن، فإن القومية العربية اليوم أبعد وأقدم مما توصل إليه الزميل سمير أمين:

– أبعد بمعنى أن الوحدة العربية تشتمل بل وتقوم اساساً اليوم على المصلحة المادية للطبقات الشعبية العربية، اي الأكثرية الشعبية في الوحدة والتحرر والاشتراكية (أنظر عادل سمارة: دفاعا عن دولة الوحدة/ دار الكنوز الأدبية –بيروت 2003).

– وأقدم، لأن الوجود العربي سابق على الإسلام، بل ومن الخطورة بمكان ربط الوجود، أو إن شئت الحضور العربي بالإسلام لأن هذا يأخذنا إلى سلفية دينية وهابية نعاني منها اليوم بالدم ناهيك عن أنها مخالفة للرواية التاريخية وتقترب من الرواية الدينية. ولا يقلل من صحة استنتاجي هذا إذا ما صرخ أمين اليوم قائلا: لا ليس هذا ما اقصد!

بإمكان أمين إنكار وجود موروث عروبي، ولكنه هنا يخالف تماما تاريخية الماركسية، تماما كما يخالف التروتسك تماما هذه التاريخية بتورطهم في اعتبار الكيان الصهيوني امتدادا للقبيلة العبرية قبل ثلاثة آلاف سنة وتنافق لهم الأكاديميا المركزانية الأورو-أميركية.

في رده على ما كتبته ذهب أمين إلى إطراء طرح سلامة كيلة أحد المروجين للحرب على سوريا عبر انتظام الأخير في معسكر الثورة المضادة بقيادة امريكا وتركيا والوهابية ولكن باسم الماركسية ايضا وبزعم أن الإرهابيين هم ثورة بروليتارية (انظر نقد أمين وردي في كتابي (ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة، منشورات دار فضاءات، عمان 2012 انظر الملحق 1 ص ص 285-290). وعلى فرض أن صح الطرح النظري لسلامة كيلة، هل يمكن لأمين أن يشرح لنا موقف صاحبه وموقعه اليوم في قطر؟ طبعا هذا قبل ا، يرحل سلامه كيله.

القوميات الكردية

لا شك أن أمين يحاول مغادرة القراءات الاستعلائية و/أو الحرفية وخاصة التروتسكية للمسألة القومية وكذلك من قبل كثير من الماركسيين حيث ذكر في مقالته:

“…يجب ان لا نخلط بين القومية العصرية الضد امبريالية وبالتالي تقدمية، وبين مختلف التعبيرات للحركات القومية غير الضد امبريالية سواء كانت مستوحاة وتحت تأثير الطبقات الحاكمة للأمم الإمبرياليةكالتي في البلقان”.

لست أدري إن كان يقصد أن هناك أمما إمبريالية بكاملها. لكنه صحيح في عدم الخلط بين قومية ضد إمبريالية وأخرى ليست ضد إمبريالية.  ولكن أمين لا يدفع موقفه إلى مداه الضروري وهو أن القوميات الخاضعة للاستعمار، وخاصة العربية الخاضعة لعدة أشكال من الاستعمار هي تقدمية وثورية. فهل توقف أمين عند “القومية العصرية” كي لا يجد نفسه مضطرا لقول كلمة حق لصالح ح.ز.ب ا.ل.ل.ه..حيث بخل بذلك سابقا؟

هذا وإن حاول في نفس المقالة الفصل بين: ” الإسلام السياسي وبين الإسلام السياسي الرجعي”.

إن تسمية الإسلام السياسي هي خطاب مركزاني غربي منافق في مستويين:

  • في مستوى علمي بمعنى القبول بتسييس الدين لتبرير تحكمه بالحياة كونه دينا
  • وفي مستوى التغطية على الدين السياسي لدى ا.ل.ي.ه.و.د.ي.ة أول دولة تعتمد الهوية الدينية في العصر الحديث، وكذلك التغطية على الدين السياسي/ تسييس الدين في المسيحية أي “المحافظية الجديدة”، وبالتالي تحصر تسييس الدين في الإسلام وحده!

أعتقد أن التعبير الأدق هو “الدين السياسي أو تسييس الدين” كأن نقول ” أنظمة وقوى الدين السياسي”.

عود إلى القومية، فقد اثبتت تجارب النضالات ضد الاستعمار أن القومية كأية فكرة أو حتى مشروع يمكن استخدامها كأداة تحرر أو أداة تبعية.

فالطبقات الحاكمة في الوطن العربي تزعم انها قومية ولكنها تابعة وقطرية وتعيش ببقاء التجزئة، بينما قومية الطبقات الشعبية هي القومية الكامنة ذات المصلحة في التحرر والوحدة والاشتراكية (أنظر كتابي “دفاعا عن دولة الوحدة” 2003).

ينتقد أمين، بحق، قومية الكرد بأنها ليست ضد إمبريالية. وأعتقد أن هذه النقطة ايضا بحاجة إلى تطوير، كي تكتمل على صعيد عالمي. فلا يكفي التصنيف ضد الإمبريالية او معها، وإن كان التصنيف صحيحا.

لقد هيمن الخطاب المركزاني الأوروبي في مستويات عدة منها المسالة القومية حيث حشر تاريخ البشرية قوميا في ما اسماه عصر القوميات أي منتصف القرن التاسع عشر حاصرا الأمر في التطورات الاجتماعية الاقتصادية لأوروبا الغربية.

إن ما أُسمي زورا وتكبراً ب “عصر القوميات” لا ينطبق إلا على أوروبا المركز الرأسمالي الغربي وليس على العالم بأسره. فعصر القوميات في أوروبا الغربية هو الموجة القومية الأولى التي قادتها البرجوازية هناك والتي كتب ماركس نقده اللاذع فيها نفسها. لكن مشكلة مقرئي ماركس من متتلمذين وبسطاء وخبثاء سحبوا هذا النقد ليعمموه على المسألة القومية في كل عصر وموقف.  إنها القومية البرجوازية لدول بل أمم أوروبا الغربية هي التي لعبت دورا استعماريا مُهلكا للبشرية. ولعله من المضحك أن كثيرين لا يزالون ينظمون الغزل الإنساني في الثورة الفرنسية التي اسست لفرنسا الاستعمارية مأخوذين بها كثورة متعامين عن نتاجها الاستعماري! بينما الموجة القومية الثانية هي تحررية في المحيط وإن لم تكن جذرية بما يقود إلى القطيعة مع المركز الرأسمالي العالمي فانكفأت في كثير من بلدان العالم إلى تابعة تقودها طبقات الرأسمالية الكمبرادورية. أما ما حصل في حقبة العولمة وبعد تفكك الكتلة الشرقية، فهي الموجة القومية الثالثة التي بدأت تابعة وتصنيع مزدوج بين الإمبريالية وشرائح كمبرادورية لبنى إثنية وقومية غير مكتملة الملامح ولكن مكتملة الجاهزية لتكون أداة للإمبريالية.  (أنظر كتاب :”هزائم منتصرة وانتصارات مهزومة الصادر في عمان 2020).

إن ما تسمى القومية الكردية اليوم هي من الموجة الثالثة هذه. وأوضح تمظهراتها حكم عشيرة البرازاني لكرد العراق، وهي النظام الذي لا يفتح منطقته للكيان الصهيوني وحسب، بل يسرِّبهم إلى كل الجسد العراقي (انظر فضيحة نقله قبل ايام لفريق القناة العاشرة الصهيونية من كردستان العراق إلى البصرة)، وجماعة صالح مسلم في سوريا الذين تتم تزجيتهم بين مخالب امريكا، وروسيا، والكيان الصهيوني وتركيا. هذا ناهيك عن أن موطن الكرد أصلا هي تركيا.

لقد ربط أمين حراك الكرد: “… بدعم واشنطن لهم في سوريا والعراق… وتوصل إلى أن قوميتهم ليست ضد إمبريالية”، وهذا صحيح اليوم فيما يخص الموجة “القومية” الثالثة كتصنيع إمبريالي، لكنه لم ينتبه إلى علاقات مصطفى البرازاني بالكيان الصهيوني وأمريكا منذ خمسينيات القرن العشرين.

لقد كانت إشارة أمين إلى: “… لا توجد لغة كردية بل لغات متقاربة متجاورة” هي إشارة دقيقة وهامة مما يؤكد توزعهم حسب البلدان التي هم فيها، وينفي وجود مشترك قومي حقيقي بينهم، إلى أن يصل إلى الاستنتاج بأن: “… العرب والفرس جددوا قومياتهم عصرنوها الكرد لا” وهذا ما أوصله إلى نتيجتين إيجابيتين:

  • إقراره بوضوح أكثر بالقومية العربية
  • دعوته القوميات الكردية لتناضل مع العرب والإيرانيين ضد الامبريالية.

وهذا موقف متقدم على طريق تقويض السيطرة الإمبريالية على المنطقة، وإن كان ربما بالصدفة، لم يُشر ولو بكلمة إلى دور الكيان الصهيوني وهو إغفال في غير محله لأن الحضور الإمبريالي الوحشي للكيان الصهيوني لا يمكن نسيانه.

■ ■ ■

السؤال الكردي آنذاك والآن

بقلم سمير أمين

تعريب عادل سماره

(Oct 01، 2016)

سمير أمين هو مدير منتدى العالم الثالث في داكار. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “روسيا والانتقال الطويل من الرأسمالية إلى الاشتراكية” (Monthly Review Press، 2016).

ترجمه من الفرنسية جيني برايت.

1

يتم التعبير عن الفوضى السياسية التي هيمنت مؤخرًا على المشهد في الشرق الأوسط، من بين نواحٍ أخرى، من خلال الانبعاث العنيف للمسألة الكردية. كيف يمكننا أن نحلل، في ظل هذه الظروف الجديدة، نطاق مزاعم الأكراد – الحكم الذاتي، والاستقلال، والوحدة؟ وهل نستنتج من التحليل أن هذا الادعاء يجب أن تدعمه جميع القوى الديمقراطية والتقدمية في المنطقة وفي العالم؟

المناقشات حول هذا الموضوع تنتج ارتباكًا كبيرًا. وذلك لأن معظم الممثلين والمراقبين المعاصرين يلتفون حول رؤية غير تاريخية لهذه القضية والقضايا ذات الصلة. لقد أصبح حق الشعوب في تقرير المصير حقًا مطلقًا، يجب دعمه لجميع الناس في جميع الأوقات الحالية والمستقبلية، وحتى في الأزمنة الماضية. يعتبر هذا الحق أحد الحقوق الجماعية الأساسية، وهو غالبًا ما يُعطى أهمية أكبر من الحقوق الجماعية الأخرى ذات النطاق الاجتماعي (الحق في العمل والتعليم والصحة والمشاركة السياسية وما إلى ذلك). ومع ذلك، لم يتم تحديد موضوعات هذا الحق المطلق بدقة. قد يكون موضوع هذا الحق بعد ذلك أي “مجتمع” أو أغلبية أو أقلية داخل حدود الولاية أو المقاطعة؛ جماعة تُعرِّف نفسها على أنها “خاصة” في لغتها أو دينها، على سبيل المثال، وتدعي، عن صواب أو خطأ، أنها ضحية للتمييز أو الاضطهاد. سأقدم وجهة نظر معاكسة لهذه الرؤية العابرة للتاريخ للقضايا الاجتماعية و “الحقوق”، والتي من خلالها تعبر الحركات الاجتماعية في الماضي والحاضر عن مطالبها. على وجه الخصوص، سأولي أهمية قصوى للانقسام الذي يفصل ازدهار العالم الرأسمالي الحديث عن عوالم الماضي.

وقد اتخذ التنظيم السياسي لتلك العوالم السابقة أشكالًا متنوعة، بدءًا من بناء السلطة التي تمارس على مساحات شاسعة، والتي توصف بالتالي بأنها “إمبراطوريات”، إلى تلك الممالك الأصغر، أو الأكثر أو الأقل مركزية، دون استبعاد التجزئة الشديدة للسلطات التي بالكاد تتجاوز أفق القرية في ظروف معينة. من الواضح أن مراجعة هذا الخليط من الأشكال السياسية التي سبقت الحداثة الرأسمالية ليست موضوع هذا المقال. سأشير هنا إلى عدد قليل فقط من المباني الإمبراطورية في المنطقة: الإمبراطوريتان الرومانية والبيزنطية، والخلافة العربية الفارسية، والإمبراطورية العثمانية.

إن التوصيف المشترك لهذه الإنشاءات – الإمبراطوريات – مضلل أكثر من كونه مفيدًا، على الرغم من أنها تشترك جميعًا في خاصيتين: (1) نظرًا لنطاقها الجغرافي، فقد جمعت بالضرورة شعوبًا ومجتمعات مختلفة حسب اللغة والدين وأنماط الإنتاج والحياة الاجتماعية. و (2) أن المنطق الذي سيطر على إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية والاقتصادية لم يكن منطق الرأسمالية، ولكن ضمن ما أسميته عائلة من أنماط الإنتاج الرافدة (التي يطلق عليها عمومًا “الإقطاعية”). لهذا السبب أعتبر استيعاب كل هذه الإمبراطوريات التاريخية شكلاً فريدًا يسمى “إمبراطورية” أمرًا سخيفًا، بما في ذلك: (1) تلك التي يُنظر إليها هنا فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وغيرها مثل الصين؛ و (2) الإمبراطوريات الإمبريالية التي بنتها القوى الرأسمالية الكبرى، سواء كانت إمبراطوريات استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا، أو إمبراطوريات حديثة بدون مستعمرات رسمية مثل الولايات المتحدة. تنتمي أطروحة بول كينيدي المعروفة عن “سقوط الإمبراطوريات” إلى عالم هذه الفلسفات التأملية العابرة للتاريخ.

2

أعود إلى الإمبراطورية التي تتعلق مباشرة بالمسألة الكردية: الإمبراطورية العثمانية، التي بنيت عندما بدأت أوروبا في الانفصال عن ماضيها ودخول الحداثة الرأسمالية. كانت الإمبراطورية العثمانية نفسها ما قبل رأسمالية. إن تصنيفها على أنها إمبراطورية تركية غير دقيق ومضلل. كانت حروب الاستيلاء على القبائل التركمانية شبه البدوية من آسيا الوسطى مفيدة في التدمير المزدوج للإمبراطورية البيزنطية وخلافة بغداد، ومعظم المستوطنات في الأناضول وتراقيا الشرقية. لكن سلطة سلطان الإمبراطورية امتدت إلى ما هو أبعد من أراضي الأرمن والأكراد والعرب واليونانيين وسلاف البلقان. إن وصف هذه الإمبراطورية بأنها “متعددة الجنسيات” يؤدي إلى إسقاط غير صحيح لواقع مستقبلي على الماضي، حيث أن القوميات البلقانية والعربية (المناهضة للعثمانيين) هي في شكلها الحديث نتاج تغلغل الرأسمالية في الإمبراطورية العثمانية.

جميع شعوب الإمبراطورية العثمانية – الأتراك وغيرهم – تم استغلالهم واضطهادهم بنفس الطريقة، بمعنى أن أغلبية الفلاحين خضعت لنفس سياسة الضرائب الباهظة، وجميعهم مضطهدون من قبل نفس القوة الاستبدادية. من المؤكد أن المسيحيين تعرضوا بالإضافة إلى ذلك لتمييز معين. لكن لا يجب أن نرى هنا أشكال من الاضطهاد “القومي”،

سواء ضد المسيحيين أو ضد المسلمين غير الأتراك (الأكراد والعرب). كان لدى الطبقة الحاكمة المرتبطة بسلطة السلاطين في صفوفها شخصيات مدنية وعسكرية ودينية من جميع أنحاء الإمبراطورية، بما في ذلك جنين البرجوازية الكومبرادورية التي نتجت عن التغلغل الرأسمالي، وخاصة اليوناني والأرمني.

الخصائص المحددة للنظام العثماني المذكورة هنا ليست فريدة من نوعها لهذه الإمبراطورية الشرقية. يجد المرء تعبيرات مماثلة في إمبراطوريات قديمة أخرى، كما هو الحال في الإمبراطوريات النمساوية المجرية والروسية. أو حتى في إثيوبيا منليك وهيلآسي سيلاسي: لم تكن سلطة ملك الملوك مرتبطة بهيمنة أمهرة ؛ لم يعامل فلاحو الأمهرة أفضل من الآخرين ؛ تم تجنيد الطبقة الحاكمة من جميع مناطق الإمبراطورية (شملت، على سبيل المثال، عددًا كبيرًا من الإريتريين الأصليين).

لم يكن هناك شيء مثله في الأنظمة الإمبريالية الحديثة. تم بناء الإمبراطوريات الاستعمارية لبريطانيا العظمى وفرنسا، مثل الإمبراطورية الأمريكية غير الرسمية، بشكل منهجي، على أساس التمييز الحاد بين سكان العاصمة وأولئك من المستعمرات والتابعات، الذين حرموا من الحقوق الأساسية الممنوحة للأول.. لذلك أصبح نضال الشعوب التي تسيطر عليها الرأسمالية الإمبريالية نضالًا من أجل التحرر الوطني، ومناهضًا للإمبريالية بالضرورة. يجب ألا نخلط بين هذه القومية الحديثة، المعادية للإمبريالية وبالتالي التقدمية، مع التعبيرات الأخرى للحركات القومية غير المناهضة للإمبريالية، سواء كانت قومية مستوحاة من الطبقات الحاكمة للأمم الإمبريالية أو الحركات القومية غير المناهضة للإمبريالية – مثل شعوب البلقان التي سأعود إليها لاحقًا. إن دمج هياكل الإمبراطوريات القديمة وتلك الخاصة بالإمبراطوريات الرأسمالية الإمبريالية، وتشويشها في مفهوم زائف عام لـ “الإمبراطورية”، من شأنه أن ينتهك المتطلبات الأساسية لتحليل دقيق للمجتمعات التاريخية.

3

حدث ظهور الأيديولوجيات القومية داخل الإمبراطورية العثمانية في وقت لاحق. تم تشكيلهم فقط في القرن التاسع عشر، في البلقان، في سوريا، بين الأرمن، وفيما بعد بين الروميليين الأتراك، كرد فعل على الآخرين. ثم لم يكن هناك أدنى تلميح لظهور القومية الكردية. ارتبط ظهور هذه القوميات ارتباطًا وثيقًا بالتحضر الجديد وتحديث الإدارة الحكومية. كان بإمكان الفلاحين أنفسهم الاستمرار في التحدث بلغتهم، وتجاهل لغة الإدارة العثمانية، التي ظهرت في الريف فقط لتحصيل الضرائب وتجنيد الجنود. ولكن في المدن الجديدة، وخاصة بين الطبقات المتوسطة المتعلمة الناشئة، أصبح إتقان اللغة المكتوبة ضرورة يومية. ومن هذه الطبقات الجديدة تم تجنيد الجيل الأول من القوميين بالمعنى الحديث. يفسر الطابع الريفي للمناطق الكردية المأهولة بالسكان، مثل منطقة الأناضول الوسطى التركية، التأخر في تشكيل القومية التركية (الكمالية) وحتى تشكيل القومية الكردية في وقت لاحق.

سيساعد الموازاة مع الإمبراطورية النمساوية المجرية في تفسير طبيعة العملية التي ستدمر هاتين الإمبراطوريتين في النهاية. تشكلت الإمبراطورية النمساوية المجرية قبل ظهور الرأسمالية الأوروبية. لكنها كانت أقرب جار لها، وأعيد بناء بعض مناطقها (النمسا، بوهيميا) على أسس جديدة للرأسمالية. وهكذا ظهرت “المسألة القومية” الجديدة هناك في القرن التاسع عشر. نحن مدينون للماركسيين النمساويين (أوتو باور وآخرون) بتحليل جيد لهذا البعد من التحدي الاشتراكي، ومقترحات السياسة التي أعتبرها الأكثر تقدمية في ظل ظروف العصر: حماية فوائد العظماء. دولة ولكن تسريع تحولها من خلال التقدم الاشتراكي (الراديكالي أو حتى الديمقراطي الاجتماعي)، مما يخلق أممية للشعوب على أساس سياسة صارمة للمعاملة العادلة للجميع، إلى جانب سياسة حقيقية للاستقلال الثقافي. لم يسمح تسلسل الأحداث بنجاح مثل هذا المشروع لصالح قومية برجوازية متواضعة.

انتصرت القوميات البلقانية والسورية العربية، التي ظهرت لاحقًا في أشكال متواضعة مرتبطة بالرأسمالية المحيطية في المناطق، وساعدت في إزالة الإمبراطورية العثمانية. لكن نقاط الضعف الخاصة بهذه القوميات أجبرت مروجيها على السعي للحصول على دعم القوى الخارجية – وخاصة بريطانيا العظمى وروسيا – ضد الحكم العثماني. لقد دفعوا الثمن: الدول الناتجة ظلت في أحضان القوى الإمبريالية المهيمنة: بريطانيا وفرنسا للعرب وبريطانيا وألمانيا في البلقان.

في أرمينيا، حيث ازدهرت حضارة مستقلة جميلة قبل دمجها في الإمبراطورية العثمانية، هُزِم التجديد القومي بسبب الإبادة الجماعية عام 1915. لقد كانت قومية ممزقة بين برجوازية المهاجرين الأرمن الجدد في مدن روميليا (القسطنطينية، سميرنا، وغيرها)، الذين شغلوا مناصب مفضلة في قطاعي الأعمال والمال الجديد، وبين أعيان وفلاحين الأراضي الأرمنية.. إن دمج جزء صغير من هذه الأراضي في الإمبراطورية الروسية (إقليم السوفياتي وأرمينيا المستقلة فيما بعد) زاد من تعقيد الأمور، لأنه أثار الخوف من التلاعب من سانت بطرسبرغ، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى. ثم اختارت السلطات العثمانية طريق الإبادة الجماعية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأكراد عملوا كعملاء ومستفيدين رئيسيين من المجزرة: لقد ضاعفوا مساحة أراضيهم بأكثر من الضعف من خلال الاستيلاء على القرى الأرمنية المدمرة.

القومية التركية الحديثة هي حتى أكثر حداثة. تم تشكيلها أولاً مع أولئك الذين لديهم خلفيات عسكرية متعلمة نسبيًا والإدارة العثمانية لمدن روميليا (القسطنطينية، سميرنا، ثيسالونيكي) ردًا على القوميات البلقانية والسورية العربية، ولم تجد صدى حقيقيًا في الفلاحين الأتراك (والأكراد). وسط وشرق الأناضول. وخياراتها التي ستصبح خيارات الكمالية معروفة: أوربة، معاداة العثمانية، وتأكيد الطابع التركي للدولة الجديدة وأسلوبها العلماني. أقول “علمنة” وليس “علمانيًا”، لأن المواطن التركي الجديد يتم تعريفه من خلال الطابع الاجتماعي للانتماء إلى الإسلام (لم يُقبل عدد قليل من الأرمن الذين نجوا من المذبحة، إلى جانب اليونانيين في القسطنطينية وسميرنا). ومع ذلك، فإن الإسلام المعني يتحول إلى مؤسسة عامة تسيطر عليها وتتلاعب بها الحكومة الجديدة في أنقرة.

سمحت الحروب التي قادها الكماليون من عام 1919 إلى عام 1922 ضد القوى الإمبريالية لجماهير الفلاحين الأتراك (والأكراد) في الأناضول بالتجمع مع القومية التركية الجديدة. لم يتم تمييز الأكراد عن الأتراك: لقد قاتلوا معًا في القوات المسلحة الكمالية. أصبحت القومية التركية الكمالية معادية للإمبريالية بقوة الظروف. فهمت أن العثمانية والخلافة لم يحموا شعوب الإمبراطورية (الأتراك والأكراد والعرب). على العكس من ذلك، فقد سهّلوا تغلغل الإمبريالية الغربية واختزال الإمبراطورية إلى مكانة منطقة رأسمالية هامشية ومهيمنة. لم تفهم القومية البلقانية ولا القومية العربية ذلك في ذلك الوقت: لقد دعوا علنًا إلى دعم القوى الإمبريالية ضد سلطة الباب العالي. بعد ذلك، وجهت القومية الكمالية المعادية للإمبريالية الضربة الأخيرة للعثمانية.

4

ومع ذلك، سرعان ما ضعفت الشخصية المناهضة للإمبريالية للنظام الكمالي الأصلي. كان الخيار الأصلي لصالح رأسمالية الدولة ذات المهنة المستقلة المتمحورة حول الذات يفقد الزخم، بينما كان نمط من التطور الرأسمالي المحيطي التابع يتقدم. لقد دفعت تركيا ثمن وهم قوميتها البرجوازية، ثمن ارتباكها الأصلي. اعتقد القادة الكماليون أن بإمكانهم بناء أمة تركية رأسمالية على صورة تلك الموجودة في أوروبا الغربية. لم يفهم أن تحقيق هذا المشروع محكوم عليه بالفشل، في تركيا وأماكن أخرى في جميع مناطق الرأسمالية المحيطية. عداءها للاشتراكية، الذي تفاقم بسبب الخوف من الاتحاد السوفيتي، دفع أنقرة إلى طلب الدعم من الولايات المتحدة: انضم جنرالات تركيا الكماليون – مثل الكولونيل اليوناني – على الفور إلى الناتو وأصبحوا عملاء لواشنطن. انعكس تسارع تطور الرأسمالية المحيطية في ظهور زراعة رأسمالية جديدة في الأناضول، لصالح طبقة من الفلاحين الأغنياء، وفي إنشاء صناعات التعاقد من الباطن.

أدت هذه التغيرات الاجتماعية إلى تآكل شرعية الكمالية. عززت الانتخابات متعددة الأحزاب التي بدأت منذ عام 1950، والتي شجعتها واشنطن بقوة، القوة السياسية لطبقات الفلاحين والكومبرادور الجديدة، المنبثقة من ريف الأناضول التقليدي والغريبة عن علمانية الطبقة السياسية الكمالية الرومانية. وكانت النتيجة ظهور الإسلام السياسي التركي والنجاح الانتخابي لحزب العدالة والتنمية. لم تؤد هذه التطورات إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على المجتمع، ولكنها على العكس أكدت التطلعات الديكتاتورية للرئيس أردوغان وعودة العثمانية المستغلة، مثل سابقتها، من قبل القوى الإمبريالية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة. أدت هذه الأحداث في وقت واحد إلى ظهور القضية الكردية في تركيا.

شهد التحضر في شرق الأناضول هجرة جماعية للفلاحين المدمرين نحو المدن الغربية، مما أدى إلى ظهور القضية الجديدة لأكراد تركيا، الذين يدركون الآن أنهم ليسوا “أتراك الجبال”، لكنهم يتميزون بلغتهم الخاصة، من أجل التي طالبوا باعتراف رسمي. كان من الممكن حل المشكلة من خلال منح استقلال ثقافي حقيقي لكردستان التركية، إذا كانت الطبقة الحاكمة الجديدة قد تطورت في اتجاه ديمقراطي. لكن الأمر لم يكن كذلك، وما زال كذلك. ثم أُجبر الأكراد، في ظل هذه الظروف، على الرد على القمع (الذي تفاقم بسبب مزاعمهم) بالقوة المسلحة. من المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا أن حزب العمال الكردي (PKK)، المنظمة التي تقف وراء هذا النضال اليوم، يطالب بتقليد اشتراكي راديكالي يقترحه اسمه، ربما يرتبط بتجنيد البروليتاريا الجديدة في المدن التركية. قد يتخيل المرء أنهم اختاروا خطاً من السلوك الدولي، وحاولوا ربط البروليتاريين الأكراد والأتراك في معركة مشتركة من أجل الاشتراكية والديمقراطية والاعتراف بدولة ثنائية القومية. لم يفعلوا.

5

على الرغم من احتلال الأكراد لأراضي مستمرة (شرق الأناضول، شريط رفيع على طول الحدود السورية، شمال شرق العراق، جبال إيران الغربية)، طُرحت المسألة الكردية في إيران والعراق بعبارات مختلفة عما كانت عليه في تركيا. تقاسمت الشعوب الكردية – الميديون والبارثيون في العصور القديمة – اللغات الهندية الأوروبية المجاورة مع الفرس. يبدو، ربما بسبب ذلك، أن تعايش الأكراد والفرس لم يكن مشكلة في الماضي. ظهرت المسألة الكردية مرة أخرى مع التحضر الأخير في المنطقة. علاوة على ذلك، فإن المذهب الشيعي، الذي أصبح رسميًا في إيران أكثر من أي وقت مضى، هو أيضًا مصدر الانزعاج الذي تعاني منه الأغلبية السنية من أكراد إيران.

العراق، ضمن الحدود التي حددها الانتداب البريطاني، فصل الأكراد في شمال البلاد عن الأكراد في الأناضول. ولكن استمر التعايش بين الأكراد والعرب مرة أخرى، ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى النزعة الأممية الملتزمة لحزب شيوعي قوي نسبيًا في مدن المنطقة وفي البروليتاريا متعددة الجنسيات. لسوء الحظ، أدت الشوفينية العربية لدكتاتورية البعث إلى انتكاسة الكثير من هذا التقدم.

المسألة الكردية الجديدة هي نتاج الإستراتيجية الأمريكية الأخيرة، التي أعطت لنفسها هدف تدمير الدولة والمجتمع في العراق وسوريا، بينما تنتظر مهاجمة إيران. لقد أعطت ديماغوجية واشنطن، التي لا علاقة لها بالديمقراطية المزعومة، الأولوية القصوى لممارسة “حق المجتمعات”. وبالتالي، فإن الخطابات التي تدافع عن “حقوق الإنسان” والتي تفعل الشيء نفسه والتي أشرت إليها في هذا المقال، وثيقة الصلة بالموضوع. وهكذا تم تدمير الحكومة المركزية العراقية (على يد غوليتر بريمر في السنة الأولى من احتلال البلاد) وخصائصها منوطة بأربع دول زائفة، اثنتان منها تستندان إلى تفسيرات مقيدة ومتطرفة للنسختين الشيعية والسنية من الإسلام، اثنان آخران عن خصوصيات مزعومة لـ “القبائل الكردية” في العراق! ساهم تدخل دول الخليج، دعمًا – خلف الولايات المتحدة – للإسلام السياسي الرجعي الذي أدى إلى ما يسمى بخلافة داعش، في نجاح مشروع واشنطن. يكاد يكون من الممتع أن نلاحظ أن الولايات المتحدة دعمت أكراد العراق باسم “الديمقراطية”، ولكن ليس باسم تركيا، حليف مهم في الناتو. معايير مزدوجة كالعادة.

هل الحزبان السياسيان يمارسان السلطة على أجزاء مختلفة من إقليم كردستان العراق “ديمقراطي” أم أن أحدهما أفضل من الآخر؟ سيكون من السذاجة تصديق دعاية واشنطن هذه. إنها فقط مسألة مجموعات من السياسيين أو أمراء الحرب الذين يعرفون كيفية إثراء أنفسهم بهذه الطريقة. إن “قوميتهم” المزعومة ليست معادية للإمبريالية. تتطلب مناهضة الإمبريالية محاربة الوجود الأمريكي في العراق، وليس أن تكون جزءًا منه لتحقيق مكاسب شخصية.

ربما يفسر التحليل السابق بشكل أفضل طبيعة القوميات الكردية السائدة اليوم، والقيود التي تفرضها بتجاهل متطلبات المقاومة المعادية للإمبريالية في المنطقة، والإصلاحات الاجتماعية الراديكالية التي يجب أن تصاحب هذا النضال، وكذلك الحاجة. لبناء وحدة جميع الشعوب المعنية – الأكراد والعرب والإيرانيين – ضد عدوهم المشترك: الولايات المتحدة وحلفائها المحليين، سواء كانوا إسلاميين أو غيرهم.

ملاحظات

1. ↩بول كينيدي، صعود وسقوط القوى العظمى: التغيير الاقتصادي والصراع العسكري من 1500 إلى 2000 (نيويورك: راندوم هاوس، 1987).

2. أنا أتحدث عن القومية الكردية بصيغة الجمع، لأن أهداف الحركات (المسلحة غالبًا) التي تعمل اليوم باسمها غير محددة: دولة كردية مستقلة كبيرة؟ دولتان، ثلاث، أربع أو خمس دول كردية؟ جرعة من الحكم الذاتي في الولايات كما هي؟ يمكن العثور على أحد الأسباب المحتملة لهذا التشتت والضبابية في التاريخ اللغوي الكردي. قام العرب والفرس بتجديد رائع للغاتهم الخاصة في القرن التاسع عشر. فعل الأتراك ذلك لاحقًا، في 1920-1930. لم يتم وضع الأكراد في ظروف تتطلب منهم ذلك. لا توجد لغة كردية واحدة. هناك لغات مجاورة ولكنها متميزة، ربما لا ترقى إلى متطلبات العالم الحديث. وجد هذا الضعف نظيره في الاستيعاب اللغوي من قبل النخب الكردية، التي تبنت الفارسية والعربية والتركية في السراء والضراء.

■ ■ ■

النص الإنكليزي لمقالة سمير أمين

The Kurdish Question Then and Now

by Samir Amin

(Oct 01, 2016)

Source: Monthly Review, October 2016Volume 68, Issue 05

Samir Amin is director of the Third World Forum in Dakar. His most recent book is Russia and the Long Transition from Capitalism to Socialism (Monthly Review Press, 2016).

Translated from the French by Jenny Bright.

1

The political chaos that has recently dominated the scene in the Middle East is expressed, among other ways, by the violent resurgence of the Kurdish question. How can we analyze, in these new conditions, the scope of the claims of the Kurds—autonomy, independence, unity? And can we deduce from analysis that this claim must be supported by all democratic and progressive forces, in the region and in the world?

Debates on the subject produce great confusion. This is because most contemporary actors and observers rally around a non-historical vision of this and related issues. The right of peoples to self-determination has been made into an absolute right, to be upheld for all people at all present and future times, and even past times. This right is considered one of the most fundamental collective rights, one that is often given greater prominence than other collective rights of social scope (the right to work, education, health, political participation, and so on). However, the subjects of this absolute right are not precisely defined. The subject of this right may then be any “community,” majority, or minority within the boundaries of a state or a province; a community defining itself as “special” in its language or religion, for example, and claiming, rightly or wrongly, to be a victim of discrimination or oppression. I will offer a counterpoint to this transhistorical vision of social issues and “rights,” through which the social movements of the past and present express their demands. In particular, I will attribute paramount importance to the divide that separates the thriving of the modern capitalist world from past worlds.

The political organization of those previous worlds has taken diverse forms, from the construction of power exercised over vast areas, thus qualified as “empires,” to that of smaller, more or less centralized monarchies, not excluding the extreme fragmentation of powers barely exceeding the village horizon in certain circumstances. A review of this patchwork of political forms preceding capitalist modernity is obviously not the subject of this article. I will refer here to only a few of the region’s imperial constructions: the Roman and Byzantine empires, the Arab-Persian Caliphate, and the Ottoman Empire.

The common qualification of these constructions—empires—is more misleading than helpful, although they all shared two characteristics: (1) given their geographic scope, they necessarily collected different peoples and communities by language, religion, and modes of production and social life; and (2) the logics that controlled the reproduction of social and economic life were not those of capitalism, but within what I have called a family of tributary modes of production (commonly called “feudal”). For this reason I consider as absurd the assimilation of all these historical empires as a unique form called “Empire,” including both: (1) those considered here with respect to the Middle East region, and others such as China; and (2) imperialist empires built by the major capitalist powers, whether they be colonial empires like those of Britain and France, or modern empires without formal colonies such as that of the United States. Paul Kennedy’s well-known thesis on the “fall of empires” belongs to the realm of such transhistoric, speculative philosophies.1

2

I return to the empire that directly concerns the Kurdish question: the Ottoman Empire, built when Europe began to break with its past and enter capitalist modernity. The Ottoman Empire was itself pre-capitalist. Its qualification as a Turkish Empire is inaccurate and misleading. The wars of conquest of the Turkoman semi-nomadic tribes from Central Asia were instrumental in the double destruction of the Byzantine Empire and the Caliphate of Baghdad, and most of the settlement of Anatolia and Eastern Thrace. But the power of the Sultan of the Empire extended well beyond, over the territories of Armenians, Kurds, Arabs, Greeks, and Balkan Slavs. To describe this empire as “multinational,” leads to an incorrect projection of a future reality onto the past, as Balkan and Arab (anti-Ottoman) nationalisms are in their modern form products of the penetration of capitalism into the Ottoman Empire.

All the peoples of the Ottoman Empire—Turks and others—were exploited and oppressed in the same way, in the sense that peasant majorities were all subject to the same policy of heavy taxation, and all oppressed by the same autocratic power. Certainly Christians were additionally subject to specific discriminations. But we should not see here forms of “national” oppression, whether against Christians or against non-Turkish Muslims (the Kurds and Arabs). The ruling class associated with the Sultans’ power had in its ranks civilian, military, and religious notables from all parts of the empire, including the embryo of comprador bourgeoisies produced by capitalist penetration, particularly Greek and Armenian.

The specific characteristics of the Ottoman system mentioned here are not unique to this eastern empire. One finds similar expressions in other ancient empires, as in the Austro-Hungarian and Russian empires. Or even in the Ethiopia of Menelik and Haile Selassie: the King of Kings’ power was not associated with an Amhara domination; Amhara peasants were not treated better than the others; the ruling class was recruited from all regions of the empire (it included, for example, a good number of native Eritreans).

There has been nothing like it in modern imperialist systems. The colonial empires of Great Britain and France, like the informal U.S. empire, were built systematically, on the basis of the sharp distinction between the people of the metropolis and those of the colonies and dependencies, who were denied the basic rights granted to the former. The struggle of peoples dominated by imperialist capitalism therefore became a struggle for national liberation, and necessarily anti-imperialist. We must not confuse this modern nationalism, which is anti-imperialist and therefore progressive, with other expressions of non-anti-imperialist nationalist movements, whether it be nationalism inspired by the ruling classes of the imperialist nations or non-anti-imperialist nationalist movements—such as those of the Balkan peoples, to which I will return later. To conflate the structures of ancient empires and those specific to the imperialist capitalist empires, and to confuse them in a general pseudo-concept of “empire,” would violate the basic requirements of a rigorous analysis of historical societies.

3

The emergence of nationalist ideologies within the Ottoman Empire occurred later. They were formed only in the nineteenth century, in the Balkans, in Syria, among the Armenians, and later among the Rumelia Turks, in reaction to others. There was not then the slightest hint of emergence of a Kurdish nationalism. The emergence of these nationalisms was closely associated with the new urbanization and the modernization of government administration. The peasants themselves could continue to speak their language, and ignore that of the Ottoman administration, which appeared on the countryside only to collect taxes and recruit soldiers. But in the new cities, and particularly among the emerging educated middle classes, mastery of a written language became a daily necessity. And it was from these new classes that the first generation of nationalists in the modern sense would be recruited. The rural character of the Kurdish populated areas, such as the Turkish Central Anatolia, explains the late formation of Turkish (Kemalist) nationalism and the even later formation of Kurdish nationalism.

A parallel with the Austro-Hungarian Empire will help explain the nature of the process that would eventually destroy these two empires. The Austro-Hungarian Empire was formed before the emergence of European capitalism; but it was its closest neighbor, and some of its regions (Austria, Bohemia) were rebuilt on the new foundations of capitalism. The new “national question” thus emerged there in the nineteenth century. We owe to the Austro-Marxists (Otto Bauer and others) a good analysis of this dimension of the socialist challenge, and policy proposals that I consider to have been the most progressive possible under the conditions of the time: safeguarding the benefits of the great State but accelerating its transformation by socialist (radical or even social-democratic) advances, creating an internationalism of peoples based on a rigorous policy of fair treatment for all, combined with a genuine policy of cultural autonomy. The sequence of events has not allowed the success of such a project, to the benefit of a mediocre bourgeois nationalism.

Balkan and Syrian-Arab nationalisms, which appeared later in mediocre forms associated with peripheral capitalism in the regions, triumphed and helped remove the Ottoman Empire. But the weaknesses specific to these nationalisms compelled their promoters to seek the support of outside powers—particularly Great Britain and Russia—against Ottoman rule. They paid the price: the resulting states remained in the lap of the dominant imperialist powers: Britain and France for the Arabs, Britain and Germany for the Balkans.

In Armenia, where a beautiful independent civilization had thrived before being incorporated into the Ottoman Empire, national renewal was defeated by the 1915 genocide. It was a nationalism torn between that of the new Armenian emigrant bourgeoisie in the cities of Rumelia (Constantinople, Smyrna, and others), who held positions of choice in the new business and financial sectors, and that of the notables and peasants of Armenian lands. Incorporating a small part of these lands into the Russian Empire (the territory of Soviet and later independent Armenia) further complicated things, because it aroused fear of manipulation from Saint Petersburg, especially during the First World War. The Ottoman authorities then chose the route of genocide. It should be noted here that the Kurds acted as agents and the main beneficiaries of the massacre: they more than doubled the size of their territory by seizing the destroyed Armenian villages.

Modern Turkish nationalism is even more recent. It was formed first with those of relatively educated military backgrounds and the Ottoman administration of the cities of Rumelia (Constantinople, Smyrna, Thessaloniki) in response to Balkan and Syrian-Arab nationalisms, and found no real echo in Turkish (and Kurdish) peasants of Central and Eastern Anatolia. Its options, which would become those of Kemalism, are known: Europeanization, hostility towards Ottomanism, and affirmation of the Turkish character of the new state and its secularizing style. I say “secularizing” and not “secular,” because the new Turkish citizen is defined by the social character of belonging to Islam (the few Armenians who survived the massacre, along with the Greeks of Constantinople and Smyrna, were not admitted). Nevertheless, the Islam in question is reduced to the status of public institution dominated and manipulated by the new government in Ankara.

The wars led by the Kemalists from 1919 to 1922 against the imperialist powers allowed the Turkish (and Kurdish) peasant masses of Anatolia to rally with the new Turkish nationalism. The Kurds were not distinguished from the Turks: they fought together in the Kemalist armed forces. Kemalist Turkish nationalism became anti-imperialist by force of circumstance. It understood that Ottomanism and the Caliphate did not protect the empire’s peoples (Turks, Kurds, and Arabs); on the contrary, they facilitated the penetration of Western imperialism and the reduction of the empire to the status of a capitalist, peripheralized, and dominated region. Neither Balkan nor Arab nationalism understood this at the time: they openly called for the support of the imperialist powers against the power of the Sublime Porte. Anti-imperialist Kemalist nationalism, then, gave the final blow to Ottomanism.

4

The anti-imperialist character of the original Kemalist system nevertheless rapidly weakened. The original option in favor of a state capitalism with an independent self-centered vocation was losing momentum, while a mode of dependent peripheral capitalist development was progressing. Turkey paid the price for the illusion of its bourgeois nationalism, of its original confusion. Kemalist leaders thought they could build a Turkish capitalist nation in the image of those of Western Europe; it did not understand that the realization of this project was doomed to failure, in Turkey and elsewhere in all regions of peripheral capitalism. Its hostility to socialism, compounded by the fear of the Soviet Union, led Ankara to seek support from the United States: Turkey’s Kemalist generals—like Greece’s Colonels—immediately joined NATO and became Washington’s clients. The acceleration of the development of peripheral capitalism was reflected in the emergence of a new capitalist agriculture in Anatolia, to the benefit of a class of rich peasants, and in the establishment of subcontracting industries.

These social changes eroded the legitimacy of Kemalism. The multi-party elections starting from 1950, strongly encouraged by Washington, strengthened the political power of the new peasant and comprador classes, issued from the traditional Anatolian countryside and stranger to the secularism of the Roumelian Kemalist political class. The emergence of Turkish political Islam and the electoral success of the Justice and Development Party (AKP) were the result. These developments have not favored the democratization of society, but on the contrary have confirmed the dictatorial aspirations of President Erdogan and the resurgence of an instrumentalized Ottomanism, exploited, like its precursor, by the major imperialist powers, namely the United States. These events simultaneously drove the emergence in Turkey of the Kurdish question.

The urbanization of Eastern Anatolia saw the mass emigration of its ruined peasants toward the western cities, fueling the emergence of the new issue of Turkey’s Kurds, now aware that they were not “Turks of the mountains,” but distinguished by their own language, for which they demanded official recognition. The issue could have been resolved by granting a genuine cultural autonomy to Turkish Kurdistan, if the new ruling class had evolved in a democratic direction. But that was not the case, and is still not. The Kurds were then constrained, in these circumstances, to respond to the repression (worsened by their claims) with armed force. It is interesting to note here that the Kurdish Workers’ Party (PKK), the organization behind this struggle today, lays claim to a radical socialist tradition suggested by its name, probably associated with recruitment of the new proletariat of Turkish towns. One might imagine that they chose a line of internationalist conduct, and attempted to associate the Kurdish and Turkish proletarians in a shared fight for socialism, democracy, and the recognition of a binational state. They did not.

5

Although the Kurdish peoples occupy a continuous territory (Eastern Anatolia, a thin strip along the Syrian border, the northeast of Iraq, the western mountains of Iran), the Kurdish question was posed in Iran and Iraq in different terms than it was in Turkey. The Kurdish peoples—the Medes and Parthians of antiquity—shared neighboring Indo-European languages with the Persians. It seems that, perhaps because of this, the coexistence of Kurds and Persians had not been a problem in the past. Again the Kurdish question emerged with the recent urbanization in the region. Moreover, Shiism, more official in Iran than ever, is also the source of discomfort suffered by the Sunni majority of Iranian Kurds.

Iraq, within the borders defined by the British Mandate, separated the Kurds in the north of the country from those of Anatolia. But again coexistence between Kurds and Arabs continued, thanks in part to the committed internationalism of a relatively powerful Communist Party in the region’s cities and in the multinational proletariat. The Arab chauvinism of the Ba’ath dictatorship unfortunately set back much of this progress.

The new Kurdish question is the product of recent U.S. strategy, which has given itself the goal of destroying the state and society in Iraq and Syria, while waiting to attack Iran. Washington demagogy, unrelated to the invoked alleged democracy, has given the highest priority to the exercise of the “right of communities.” Discourses defending “human rights” that do the same and to which I referred in this article, are thus very relevant. The Iraqi central government was thus destroyed (by Gauleiter Bremer in the first year of the occupation of the country) and its attributes vested in four pseudo-states, two of them based on restricted and fanatical interpretations of Shiite and Sunni versions of Islam, the other two on the alleged particularities of the “Kurdish tribes” of Iraq! The intervention of Gulf countries, supporting—behind the United States—the reactionary political Islam that gave rise to the so-called Caliphate of Daesh contributed to the success of Washington’s project. It is almost amusing to observe that the United States supported the Iraqi Kurds in the name of “democracy,” but not those of Turkey, an important NATO ally. Double standards, as usual.

Are the two political parties exercising power over different parcels of Iraqi Kurdistan territory “democratic,” or is one better than the other? It would be naive to believe this Washington propaganda. It is only a question of cliques of politicians or warlords who know how to enrich themselves in this way. Their alleged “nationalism” is not anti-imperialist; anti-imperialism requires fighting the U.S. presence in Iraq, and not being part of it for personal gain.

The foregoing analysis perhaps better explains the nature of the Kurdish nationalisms at work today, the limits that they impose by ignoring the requirements of anti-imperialist resistance in the region, and the radical social reforms that must accompany this struggle, as well as the need to build unity of all the peoples concerned—Kurds, Arabs, Iranians—against their common enemy: the United States and its local allies, whether Islamists or others.2

Notes

  1. Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000 (New York: Random House, 1987).
  2. I speak of Kurdish nationalism in the plural, for the objectives of (often armed) movements that act today in its name are not defined: a large independent pan-Kurdish state? Two, three, four or five Kurdish states? A dose of autonomy in the states as they are? One possible reason for this fragmentation and blur can be found in Kurdish linguistic history. Arabs and Persians carried out a splendid renovation of their respective languages in the nineteenth century; the Turks did so later, in 1920–1930. The Kurds were not placed in conditions that required them to do so. There is not a single Kurdish language; there are neighboring but distinct languages, probably not up to the requirements of the modern world. This weakness found its counterpart in linguistic assimilation by Kurdish elites, who adopted Persian, Arabic, and Turkish, for better or for worse.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

  1. https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/