نشرة “كنعان”، 12 يناير 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6453

في هذا العدد:

حرب الخليج الثالثة … ورياضة بلا روح رياضية! عادل سماره

شتاء الغضب السوري، رشاد أبوشاور

البيان الشيوعي: النبوءة المذهلة لعالمنا المعاصر،  يانيس فاروفاكيس، ترجمة رامي وسيم

✺ ✺ ✺

حرب الخليج الثالثةورياضة بلا روح رياضية!
عادل سماره

يدور منذ ايام جدل حامي الوطيس عن تسمية الخليج العربي بعد قرار دائرة الرياضة الإيرانية تقديم شكوى إلى الفيفا ضد العراق لأنها لم تسميه الخليج الفارسي مما أفقد مباريات “الخليج 25” كاس الخليج بهجتها حيث اشتعلت معركة الكتابة والكتابة المضادة سواء علمياً أو تحريضاً أو حتى شوفينيةً.
بداية يجب معرفة حقيقة ديمغرافية جغرافية قائمة وهي أن العرب يسكنون ضفتي الخليج منذ قديم الزمان ، و هذا ما زال متواصلاً حتى يومنا هذا ، حيث يحد الخليج من الشمال والغرب العراق وإقليم الأهواز العربي الذي تحتله إيران وتعتبره إيرانياً ، و من الجنوب والشرق الدول العربية الخليجية .ولنقل أن الخليج حالة من التشاطؤ بين العرب والإيرانيين.
وإن كنت أحبذ تسمية الخليج العربي ، إلا أني لا أرى أن الموضوع يجب أن يكون خلافياً لدرجة أن تحتج إيران رسمياً على الأمر ، كون التسميات الجغرافية تختلف بإختلاف الشعوب ومسمياتها لدى بعضها البعض، فلم يحتج العرب على تسمية إيران له بالخليج الفارسي.
وبمعزل عن أي الأمتين اقدم هناك تاريخياً وأيهما لها شواطىء أطول، فإن ما يجب أن يشغل الناس هو الواقع الحالي وليس ما مضى إلا بمقدار ما يسمح بعلاقات أفضل من الماضي نفسه.
و من هنا ، فليسمي الإيرانيون هذا البحر بالخليج الفارسي و هذا حقهم الذي لا نجادل فيه ، و سنسميه نحن بالخليج العربي، فلماذا كل هذا الصخب والعودة للماضي بكل أثقاله! .
لماذا لم نتعلم من الأعداء المشتركين لنا ولهم. هل تقتتل دول أوروبا اليوم على تسمية من هذا الطراز؟ خذ قناة المانش بين بريطانيا وفرنسا حيث تسميها بريطانيا القنال الإنجليزي، فهل على فرنسا الاشتباك مع بريطانيا على هذا؟
كأمم منتجة/ سواء نحب أنظمتهم أم لا تختلفان على الصيد مثلاً في بحر الشمال، وليس على الأسماء.
اللافت أن العرب منذ زمن يسمونه الخليج العربي، والفرس يسمونه الخليج الفارسي، فلماذا اثار الفرس هذا الأمر اليوم؟ ليس شرطاً أن نقول بأن النظام الإيراني وراء الإشكالية، ولكن كما أعتقد أن الأمر متعلق بالهيمنةالإيرانية على العراق عبر نظام يحكم العراق على نهج طائفي فاسد ومتعاون مع الجميع إلا مع الشعب العراقي وتحديداً إلا مع عروبة العراق.
ولعل هذا ما يكمن في لا وعي الرياضة الإيرانية التي لا ترى العراق إلا من منظور حزب الدعوة كحزب دين سياسي لا عروبي بالمطلق وراس الطائفتين كرأس مزدوج وفاسد قاده المالكي والعبادي والكاظمي …الخ من ساكني المنطقة الخضراء. ولذا، حين مسَ الإعتراض الجذر القومي في العراق اختلف الأمر لأن الشعب شيء والسلطة شيء مضاد آخر.
والسؤال: هل كان على العراقيين أن يردوا وتشتعل التهم المتبادلة من طراز، المقبور والمجوس…الخ. أم أن إهمال الأمر كان أفضل.
يعود الأمر للعراقيين الأقدر على فهم واقعهم بالطبع.
ولكنني اضع الأمر في سياق أوسع وهو سياق إشغال العرب والمسلمين في قضايا يمكن قتلها بإهمالها وهذه إحدى هذه القضايا وكذلك غضب عرب في المغرب على مزاعم أمازيغيين أن اصلهم ليس عربياً، أو غضب مسلمين على جريدة المثليين شارلي أبيدو في مسِّها بالرسول أو السيد خامينئي…الخ.
حبذا لو يتم تكريس الجهد لإسقاط النظام الفاشل الفاسد التابع في العراق لأن هذا وحده مدخل إنقاذ عروبة العراق وكل ما يمس البلد هو بسبب هذا النظام المعين أمريكياً أكثر مما هو تطرف أو تعالي بعض الإيرانيين قوميا أو طائفياً. ليس لدينا كعرب فائض جهد لهذه الأمور الجانبية لأنها تمتص الجهد الذي يجب حصره في القضية المركزية.
ومن جهة ثانية، فإن على إيران أن تدرك أنها حتى لو هيمنت على العراق، فهذا ليس مستداماً، فما من شعب يفقد اصالته، ولذا، كان يجب على السلطة في إيران لجم دائرة الرياضة، لأن المطلوب اليوم هو ترميم محور المقاومة وليس اشتباكه ذاتياً.

✺ ✺ ✺

شتاء الغضب السوري

رشاد أبوشاور

أنا أعرف قسوة الشتاء في دمشق، فقد عشت في دمشق لعقود، ولم أنقطع عنها في أشّد أيام الحرب قسوة، أي عندما كانت تُقصف من جوبر وداريا، وكنت مهددة باجتياح الإرهابيين لها وهم يطبقون عليها من عدّة جهات.

في شتاء هذا العام، وبعد أن مرّت عليهم عدّة شتاءات تحملها السوريون رغم قسوة الحصار، جاء الشتاء هذا العام أشد وطأة، وهو ما أبدته وجوه السوريين المهمومة، الحزينة، التي كظمت قهرها لسنوات، وتشبث بعروبتها، ولم تكفر بها رغم اشتداد الحصار اللئيم، وهو أمريكي صهيوني وخليجي وتركي ويطبق على سورية من حدود تركيا وعبرها، ومن حدود الأردن وعبرها بإدارة غرفة( الموك) التي افتضح أمرها وفاحت رائحتها النتنة والتي برز فيها دور الضبع السعودي( الأمير) بندر الذي فشل دوره ودور ما يمثله بصمود جيش سورية العربي الذي سحق جيوش المرتزقة المجلوبين من قرابة المائة دولة من دول العالم..وبكّل لحاهم، وأسماء فصائلهم ( الإسلاموية) التضليلية.

اثنتى عشرة سنة وشعب سورية يقاوم حربا عالمية استهدفت وطنه عسكريا وسياسيا واقتصاديا وإعلاميا، وهو يصمد بقيادته وجيشه..وبدعم حلفائه، وفي مقدمتهم إيران، وحزب الله، وقوى فلسطينية عاشت وتمت رعايتها في سورية، منها جيش التحرير الفلسطيني، ولواء القدس..ثم في عام 2015 تعزز صمود سورية بدعم روسي لمواجهة سعار الحرب العالمية الإمبريالية الصهيونية وأدواتها التي تموّل جيوش المرتزقة بأموال الغاز والنفط.

وإذا كانت سورية تصمد وتقاوم ويتحمل شعبها ضنك العيش، والغلاء الفادح مع انهيار سعر الليرة السورية أمام الدولار، وهذه حرب اقتصادية تشن بالترافق مع حرب جيوش الإرهاب، فإن الحرب تتواصل من إدلب وضواحيها، وشمال شرق سورية، حيث زجّت أمريكا بوحداتها العسكرية لحماية ورعاية(المشروع) الكردي الإنفصالي، والذي يشكل غطاء لعملية نهب النفط والغاز السوري ووضع اليّد على ثروة القمح في منطقة الجزيرة، وهذا ما شدد الحصار الخانق على الشعب السوري، والهدف تجويع الشعب السوري ودفعه لمعاداة دولته وجيشه البطل.

وضع اليد على ثروات سورية النفطية والغازية شدد الحصار على سورية، وظهرت آثاره القاسية على الشعب السوري في موسم الشتاء هذا، بحيث لم تعد الدولة قادرة على تزويد الأسر السورية بالحصص المتواضعة من المازوت للتدفئة في الشتاء الأشد قسوة في هذا العام، وهو ما يتبدى معاناة ثقيلة في حياة الأسر السورية.

السوريون لا يعتبون على (أعراب) يملكون الثروات ويبددونها في التآمر عليهم، أو على كرة القدم، ولا يطالبون من يجحدون أخوّة الدم ويتحالفون مع صواريخ الكيان الصهيوني التي تقصف دمشق، ويواجهون قسوة الشتاء التي تشتد وتزداد مع قسوة قلوب وموت ضمائر من يريدون لدمشق الخراب والركوع والتمزّق إلى دويلات تحاكي دويلاتهم القزمة…

القوى التي تظهر بشكل واضح فاضح في مشهد التآمر على سورية هي قوى تابعة لأمريكا والكيان الصهيوني، فقد سقطت اللحى الزائفة عن الوجوه، وسقطت شعارات المُضلله في وقت مُبكّر، منذ ظهر السفير الأمريكي في حماة في زفّة ثورية تبشّر بالتغيير والديمقراطية!..ولم تنطل شعارات التضليل على كثيرين، ومبكرا انكشفت الأدوار بين آكلي الأكباد، وقاطعي الرؤوس، ومهدمي الكنائس، ومُحتلي أعرق المساجد الذين حولوها إلى خرائب بقصفهم، أو مستودعات لسلاح القتل والخراب…

صمدت سورية، ومن تآمروا عليها وأنفقوا المليارات لم يتوبوا و..لكنهم يعانون الخيبة والياس لعجز مخططات من قادومهم ووجهوهم وأمروهم بإنفاق المليارات على الحرب التدميرية لسورية آخر حواضر العرب العريقة التي تحفظ للعروبة مكانا تنبثق منه من جديد في نهضة لا بد آتية.

ما أقوله لعرب سورية الأقحاح الصبورين العريقين: أخوتنا، وأهلنا..مضى الكثير وبقي القليل. سيتهاوى المتآمرون عند أقدام سورية العروبة، بعظمة صبركم وتضحياتكم وسيتوافدون مطأطئي الرؤوس خزيانين مما فعلوا، ودمشق لن تغفر تدمير أوابد تدمر، وتصحير أراضي سورية، وخراب مدارسها وجامعاتها، ولكنها ستعيد البناء، ومنها سيشّع النور…

ستكنس سورية الدبابات الأمريكية من شمال شرقها، من فوق حقولها، وستدفعهم ثمن قمحها ودم أبنائها وبناتها…

من احتموا بدبات أمريكا وعساكرها لن يكون لهم كيان انفصالي على الجغرافيا السورية، بعد أن أتيح لهم أن يكونوا أخوة واهلا فكفروا بنعمة المواطنة…

سورية قادمة، وشتاء البرد القاسي سينهيه ربيع الغوطة، وخصب سهل حوران، وسهول الجزيرة وعودة حقول نفطها وغازها، وثروات إدلب…

سورية قادمة يعني العروبة قادمة، وهي ليست جامعة (الدول) العربية، فجامعة الدول العربية الحقيقيّة هي ما تجمع فلسطين ومقاومتها، ومقاومة شعب لبنان، ومقاومة اليمن، ومقاومة شعب البحرين، ومقاومة الجزائر، ومليونيات المغرب، وألوف العرب الذي شكّلوا المفاجأة للمطبعين وللصهاينة في مونديال الدوحة…

مرّ الكثير يا أهلنا في سورية، وبقي القليل، وأنتم أساتذة في الصبر، والبرهان كلامكم عن قسوة الشتاء وأنكم تتدثرون بالبطانيات لتدفئة أجسادكم وأنكم تتحملون من أجل سورية، فالمدافع والصواريخ لم تهزمكم..والشتاء مجرّد فصل، وربيع دمشق آت لا محالة…   

✺ ✺ ✺

البيان الشيوعي: النبوءة المذهلة لعالمنا المعاصر

 يانيس فاروفاكيس

ترجمة رامي وسيم

في تقدّيمه لـ«البيان الشيوعي» الذي كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز في العام 1848، يشير وزير المالية اليوناني الأسبق، يانيس فاروفاكيس، إلى النبوءة شديدة الدقة للمفكرين الألمانيين الشهيرين. ويشير إلى مفارقة أنه ربما لولا سقوط الاتحاد السوفييتي ما كانت لتتضح الدقة المذهلة للنبوءات التي أشار لها البيان. أما عن سؤال «ما العمل»، فيجيب عليه فاروفاكيس بأنه لا يكمن أبدًا في الاكتفاء باحتقار الرأسمالية، ولا في اشتهاء عالم ما قبل الحداثة.

نترجم هنا إلى العربية المقدمة المنشور في جريدة الجارديان البريطانية، والتي تحوي على استبصارات شديدة الأهمية والمفاجأة، بخصوص البيان الأهم المكتوب في القرنين الأخيرين.

شرط نجاح أي بيان أن يخاطب قلوبنا، مثل قصيدة شِعر، ويصيب العقل بصور وأفكار جديدة ومذهلة، أن يفتح عيوننا على الأسباب الجوهرية للتغيّرات المثيرة والمربكة والمزعجة التي تدور حولنا، وأن يكشف الإمكانات التي يحملها واقعنا الحالي، أن يشعرنا بضيق بصيرتنا كوننا لم نر هذه الحقائق البديهية بأنفسنا، أن يرفع الستار عن إدراكنا المترنح لكوننا لعبنا دور المتواطئين التافهين في إعادة إنتاج ماض بلا مستقبل. وفي النهاية أن تكون له قوة سيمفونية كمثل التي لبتهوفين، تحثّنا على أن نكون وكلاء لمستقبل ينهي كل المعاناة الكبرى ويلهم البشرية تحقيق إمكاناتها في كسب حريتها الاصيلة.

لم ينجح بيان في تحقيق كل هذا مثلما نجح البيان المنشور في فبراير 1848، من 46 شارع ليفربول بلندن. بتكليف من الثوريين الإنجليز كتب البيان الشيوعي (أو بيان الحزب الشيوعي كما نُشر لأول مرة)، شابان من ألمانيا؛ كارل ماركس الفيلسوف ذو الـ29 ربيعًا، المطعم بروح مذهب المتعة الأبيقوري والعقلانية الهيجلية، وفريدريك إنجلز ذو الـ28 عامًا، وريث مصنع للغزل والنسيج بمانشستر.

كعمل من أعمال الأدب السياسي، يظل البيان منقطع النظير. وتتمتع جمله الأشهر، بما فيها جملته الافتتاحية «شبحٌ ينتاب أوروبا – شبح الشيوعية» ببلاغة شكسبيرية. فكما واجه هاملت شبح أبيه القتيل، يكون على القارئ مواجهة تساؤله: «هل أنصَاع وأخضع للنظام القائم معانيًا من مقاليع وسهام مصير شنيع، يجثم عليّ من قِبل قوى التاريخ الجارفة، أم ينبغي عليّ الانضمام إلى تلك القوى، حاملًا السلاح ضد الوضع الراهن، و بمعارضته يولد عالم جديد شجاع؟».

بالنسبة للقراء المعاصرين لماركس وإنجلز، لم يكن البيان بمثابة معضلة أكاديمية تُناقَش في صالونات أوروبا، بل كان نداءً للعمل. والاستجابة لاستدعاء هذا الشبح تعني في معظم الأحيان الاضطهاد والملاحقة، أو في بعض الأحيان السجن المطُول. اليوم تواجه الشباب نفس الحيرة: الانصياع لنظام مستتب ومتداع وغير قادر على تجديد نفسه، أم معارضته بكلفة شخصية باهظة، لنكتشف سُبلًا جديدة للعمل واللعب والعيش معًا؟ فرغم اختفاء الأحزاب الشيوعية بالكامل تقريبًا، إلا أن الروح الشيوعية الموجهة للبيان أثبتت استحالة إخراسها.

طموح أي بيان هو رؤية ما وراء الأفق، لكن دقة توصيف عصر سيأتي بعد قرن ونصف، من قِبل ماركس وإنجلز، بالإضافة إلى تحليلهما للتناقضات والخيارات المتاحة أمامنا اليوم، يعد نجاحًا مذهلًا. ففي أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر، كانت الرأسمالية متعثرة ومحلية الطابع، مفتتة وخجولة. وبرغم ذلك استطاع ماركس وإنجلز النظر بعيدًا والتنبؤ برأسمالية مالية معولمة ترقص وتغني صخبًا داخل مدرعاتها. كان هذا هو المخلوق الذي ظهر بعد عام 1991، أي في نفس الوقت الذي أخذت فيه النُخب الحاكمة تعلن موت الماركسية ونهاية التاريخ.

دائمًا ما كان التكهن بسقوط البيان الشيوعي بالطبع مبالغًا فيه. أتذكر كيف كان حتى الاقتصاديون اليساريون في مطلع سبعينيات القرن العشرين يطعنون في التنبؤ المحوري للبيان بأن الرأسمالية ستتمكن «من أن تُعشعش في كل مكان، ومن أن تنغرز في كل مكان، ومن أن تقيم علاقات في كل مكان». اعتمادًا على الحالة البائسة لما كان يُطلق عليه آنذاك «دول العالم الثالث»، فقد جادلوا بأن الرأسمالية قد فقدت فوارنها قبل أن تتمدد إلى ما بعد «عواصمها»، في أوروبا وأمريكا واليابان.

بالتجربة كانوا على حق: كانت الشركات متعددة الجنسيات، الأمريكية والأوروبية واليابانية، والعاملة بـ «الأطراف» في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تحصر نفسها في دور المُستعمِر مستخرج الموارد، وفشلت تمامًا في نشر الرأسمالية هناك. فبدلًا من صبّ تلك البلدان بالتنمية الرأسمالية، وبدلًا من أن «تشدّ الكل، حتى الأمم الأكثر تخلفًا، إلى الحضارة»، أخذت تزعم أن رأس المال الأجنبي كان يعيد إنتاج نمو التخلف في دول العالم الثالث.

كان الأمر كما لو أن البيان وضع الكثير من الثقة في قدرة رأس المال على الانتشار في كل زاوية وركن. ومعظم الاقتصاديين، بمن فيهم المتعاطفين مع ماركس، شككوا في تنبؤ البيان بأن استغلال البرجوازية «للسوق العالمية، طبَّع الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوزموبوليتاني».

كما تبين لاحقًا، كان البيان على حق، وإن كان متأخرًا. فلتأكيد صحة تنبؤاته، تطلب الأمر انهيار الاتحاد السوفييتي وإدخال ملياريْ عامل صيني وهندي إلى سوق العمل الرأسمالي. وبالطبع، حتى تتمكن الرأسمالية من العولمة بشكل كامل، كان يجب أولًا إخضاع، وتمزيق كل الأنظمة التي تعهدت بالولاء للبيان. هل أنتج التاريخ أبدًا مفارقة أكثر إثارة للسخرية من تلك؟

يصاب أي مَن يقرأ البيان اليوم بالدهشة، مكتشفًا صورة لعالم يتشابه كثيرًا مع عالمنا اليوم، والمترنح خوفًا على حافة الابتكار التكنولوجي. في زمن البيان، شكّل المحرك البخاري التحدي الأكبر لإيقاع وروتين الحياة الإقطاعية. دُفِعَ بالفلاحين دفعًا وسط عجلات وتروس هذه الماكينة. واغتصبت طبقة أسياد جديدة، مكونة من أصحاب المصانع والتجار، السيطرة على المجتمع من نبلاء الأراضي. اليوم، يلوح في الأفق الذكاء الاصطناعي والأتمتة (AUTOMATION) مشكلَيْن تهديدات مدمرة، ومبشرة باجتياح كامل لكل «العلاقات الجامدة الصَّدئة» في المجتمع. صرّح البيان أن التطوير الفائق و«الدائم لأدوات الإنتاج» سيتسبب في قلب «علاقات الإنتاج المجتمعية»، موضحًا أن «الانقلاب المتواصل في الإنتاج» سيؤدي إلى «التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمين».

بالنسبة لماركس وإنجلز، وجب الاحتفاء بهذه الاضطرابات. إذ أنها تعد عامل التحفيز للدَفعة النهائية التي تحتاجها البشرية للتخلص من أحكامنا المسبقة المتبقية، معززة الانقسام الكبير بين أولئك الذين يملكون الآلات، وأولئك الذين يصممونها ويشغلونها ويعملون بها ومعها.

«وكل جديد ينشأ يهرم قبل أن يصلُب عوده، والتقسيم الفئوي القائم يتبدد هباء، وكل ما هو مقدّس يدنّس»، أما عن تأثير التكنولوجيا، فقد كُتب في البيان «والناس يُجبرون في النهاية على التفرّس في وضعهم المعيشي، وفي علاقاتهم المتبادلة بأعين بصيرة». بتبخير أفكارنا المسبقة ويقيننا الباطل بلا رحمة، يجبرنا التغير التكنولوجي، ركلًا وصياحًا، أن نواجه كيف صارت علاقة بعضنا ببعض مثيرة للشفقة.

تتضح هذه الحالة اليوم في ملايين الكلمات، المطبوعة وعبر الإنترنت، التي تناقش مساوئ العولمة. وبينما يُحتفى بكيفية تحويل العولمة للمليارات من الفقر المدقع إلى الفقر النسبي. تشكو الصحف الغربية الموقرة ومشاهير هوليوود ومستثمرو وادي السيليكون والأساقفة، وحتى المليارديرات الرأسماليون، من بعض عواقب العولمة: عدم المساواة غير المحتملة، الجشع الخسيس، التغيّر المناخي، واختطاف ديمقراطياتنا البرلمانية من قِبل المصرفيين وفائقي الثراء.

لا ينبغي على قارئ البيان أن يفاجئه أي من هذا. فالبيان يصرح: «المجتمع كله ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متجابهتين مباشرة». مع ميكنة الإنتاج، يصبح هامش الربح لمالكي الماكينات هو الدافع لحضارتنا، فينقسم المجتمع بين حاملي أسهم غير عاملين، وعاملين غير مالكين. وتتحول الطبقة الوسطى الى ديناصور حبيس، مصيره الانقراض المحتم.

في نفس الوقت يصاب فاحشو الثراء بالذنب والتوتر من جراء رؤيتهم لحياة الآخرين تغطس في غياهب عدم الاستقرار وغياب الأمان في عبودية العمل المأجور. تنبأ ماركس وإنجلز بفشل هذه الأقلية فائقة القوى، «فهي عاجزة عن السيطرة، لأنها عاجزة عن تأمين عيش عبدها، حتى في إطار عبوديته». متحصنين في مجتمعاتهم المسورة، يجدون أنفسهم مستَهلَكين تمامًا من القلق، وغير قادرين على التمتع بثرواتهم. البعض منهم، ممَن يتمتعون بالذكاء الكافي لتحقيق مصالحهم الشخصية على المدى الطويل، يعترفون بأهمية دولة الرفاهية باعتبارها أفضل بوليصة تأمين مطروحة عليهم. وبرغم ذلك، يشرح البيان أن بسبب طبيعة تكوين تلك الطبقة، ستلجأ دائمًا إلى التلكؤ والبخل في دفع قسط ذلك التأمين، أي أنها ستطرق كل السبل بلا كلل لتتجنب دفع الضرائب المقررة عليها.

أليس هذا هو ما أسفرت عنه حياة فاحشي الثراء؟ حفنة ممَن يعانون غياب الأمان المستمر، زمرة من دائمي التذمر، مرتادين دائمين  لعيادات استخراج السموم، باحثين بلا هوادة عن المواساة عند الدجالين والأطباء النفسيين ورجال الدين، بينما يكافح كل مَن عداهم من أجل وضع الطعام على موائدهم ودفع المصاريف الدراسية، وتسديد الديون بديون جديدة أو محاربة الاكتئاب. نتصرف كما لو كانت حياتنا خالية من الهَمّ، مدعين أننا نحب ما نعمل ونعمل ما نحب، ولكننا في الواقع نبكي حالنا يوميًا حتى المنام.

يتجاوب كل فاعلي الخير وسياسيي المؤسسات الرسمية والأكاديميين الاقتصاديين المتعافين مع هذا المأزق بنفس الطريقة، حيث يصدرون إدانات نارية للأعراض (عدم المساواة في الدِخل) بينما يتجاهلون المسببات (الاستغلال الناجم عن عدم المساواة في حقوق الملكية للآلات والأراضي والموارد). هل ثمة شك أننا في طريق مسدود، وغارقون في يأس لا يخدم إلا الشعبويين الباحثين عن استحضار أسوأ ما في غرائز الجماهير؟

مع التواتر السريع للتكنولوجيا المتقدمة، نقترب جميعًا من اللحظة التي علينا أن نقرر فيها كيف نتقارب من بعضنا بطريقة عقلانية ومتحضرة، ونكف عن الاختباء وراء حتمية العمل والقواعد الاجتماعية القمعية التي يستلزمها.

يمنح البيان قارئه في القرن الحادي والعشرين فرصة للنظر عبر تلك الفوضى وتحديد ما يجب عليه فعله لتهرب الأغلبية الساحقة من قاع السخط إلى رحاب نظام اجتماعي جديد، تكون فيه «التنمية الحرة لكل فرد شرطًا للتنمية الحرة للجميع». فرغم غياب خارطة طريق لكيفية الوصول إلى هناك، يظل البيان الشيوعي مصدرًا للأمل لا يمكن إغفاله. إذا كان البيان يحمل نفس القدرة على أن يبعث بنا الاثارة والحماسة والخجل التي بعثها عام 1848، فذلك لأن الصراع بين الطبقات الاجتماعية قديم قدم الزمن نفسه. وضع ماركس وإنجلز ذلك في 13 كلمة جسورة «إن تاريخ أي مجتمع حتى هذه اللحظة، ليس شيئًا سوى تاريخ الصراعات الطبقية».

من الأرستقراطيات الإقطاعية إلى الإمبراطوريات الصناعية، يظل محرك التاريخ هو التضارب بين التطوير الفائق والدائم للتقنيات، وبين النظام الطبقي السائد. فمع كل اضطراب يحدث في التكنولوجيا المستخدمة بالمجتمع، يتغيّر شكل الصراع بيننا. طبقات قديمة تتلاشى، ولا تبقى في النهاية سوى طبقتين فقط: الطبقة التي تملك كل شيء والطبقة التي تملك لا شيء؛ البرجوازية والبروليتاريا.

هذا هو المأزق الذي نجد فيه أنفسنا اليوم، فبينما نحن مدينون للرأسمالية كونها تخلصت من شتى الفروق بين الطبقات واختزالها في الفجوة الكامنة بين مَن يملك ومَن لا يملك، يريد منّا ماركس وإنجلز إدراك أن الرأسمالية غير متطورة بالشكل الكافي الذي يجعلها تنجو من التقنيات التي تنتجها. فمن واجبنا تمزيق مفهوم الملكية الخاصة القديم لوسائل الإنتاج والدفع بعملية تحوّل كبيرة، تدشن الملكية الاجتماعية للماكينات والأراضي والموارد، الآن، عندما يُطلَق العنان لتقنيات جديدة مُكبَلة بعقود عمل بدائية يليها حتمًا بؤس عظيم. في كلمات لا تُنسى يقول البيان «إن هذا المجتمع البرجوازي الحديث الذي أبدع كما في السِّحر وسائل الإنتاج والتبادل الضخمة، يُشبه المشعوذ الذي فقد سيطرته على التحكُّم بالقوى الجهنمية التي استحضرها».

يتخيل المشعوذون دائمًا أن تطبيقاتهم، ومحركاتهم البحثية، وأناسهم الآليين، وبذورهم المعدّلة وراثيًا، ستجلب الثروة والسعادة على الجميع. ولكن بمجرد إطلاقها في مجتمعات مقسمة بين المُلّاك والعاملين بأجر، ستدفع تلك الأعاجيب التكنولوجية الأجور والأسعار إلى مستويات تحقق أرباحًا منخفضة لمعظم أصحاب الأعمال. الرابح الحقيقي من جراء كل ذلك هو الشركات الكبرى القليلة، العاملة في مجال التكنولوجيا والأدوية، التي تفرض سلطتها السياسية والاقتصادية الاستثنائية علينا. إذا واصلنا القبول بالعقود بين الموظف وصاحب العمل، سيصير حق الملكية الخاصة هو المتحكم، وسيدفع بالرأسمالية إلى نهايات غير إنسانية بالمرة. فقط عندما نلغي الملكية الخاصة لآلات الإنتاج الكثيف ونحلّ محلها نوعًا جديدًا من الملكية التشاركية، التي تعمل متزامنة مع تقنيات جديدة، سنتمكن من خفض عدم المساواة، ونجد السعادة الجماعية.

وفقًا لنظرية الـ 13 كلمة لماركس وإنجلز المذكورة أعلاه، فإن المواجهة الحالية بين العامل والمالك كانت دائمًا حاضرة. يقول البيان بخصوص البرجوازية: «انهيارها وانتصار البروليتاريا، أمران حتميّان». حتى الآن لم يحقق التاريخ تلك النبوءة، ويتناسى النقاد أن البيان، كأي قطعة مكتوبة بهدف الدعاية السياسية، يقدّم «الرجاء» في شكل «اليقين». مثلما حشد اللورد نيلسون قواته قبل معركة ترافلجار بإعلانه أن إنجلترا «تتوقع» منهم القيام بواجبهم (حتى لو كانت لديه شكوك جسيمة في أن يفعلوا)، فإن البيان يتوقع من البروليتاريا بأن يقوموا بواجبهم تجاه أنفسهم، ملهمًا إياهم أن يتَحدوا ويحرروا بعضهم بعضًا من أغلال عبودية العمل المأجور.

هل سيفعلون ذلك؟ في الظروف الراهنة، يبدو هذا من غير المحتمل. لكن دعونا نتذكر أنه كان علينا انتظار ظهور العولمة في تسعينيات القرن المنصرم، لكي نشهد إمكانات الرأسمالية كاملة كما قدّرها البيان. أليس من الجائز أن تكون البروليتاريا العالمية الجديدة، المتذبذبة بشكل متزايد، محتاجة للمزيد من الوقت لكي تقوم بدورها التاريخي الذي توقعه البيان؟ في حين أننا لم نتيقن من شيء بعد، يقول لنا ماركس وإنجلز إننا إن خشينا من خطاب الثورة، أو حاولنا تشتيت انتباهنا عن واجبنا تجاه بعضنا البعض، فسنجد أنفسنا عالقين في دوامة ومصابين بدوار ترتوي منه الرأسمالية، وتبهت الروح البشرية. الأمر الوحيد الذي علينا التأكد منه، بحسب البيان، هو أنه إن لم يُطرح رأس المال للتشارك فسنعاني تطورات شديدة الوضاعة.

على سيرة الوضاعة، يتساءل القارئ المتشكك: ماذا عن تواطؤ البيان نفسه في إضفاء شرعية على أنظمة استبدادية وتصفيح روح حراس معسكرات العمل (الجولاجات)؟

بدلًا من الرد الدفاعي بالإشارة ألا أحد يلوم آدم سميث على فوائض وول ستريت، أو يلوم العهد الجديد على محاكم التفتيش الأسبانية، يمكننا التكهن بكيفية رد مؤلفي البيان على هذه التهمة. أعتقد أنه بعد الاستفادة من الإدراك المتأخر، فإن ماركس وإنجلز سيعترفان بالخطأ في التحليل، ألا وهو نقص التأمّل. وأقصد بذلك أنهما لم يفكرا بشكل كافٍ، والتزما بصمت حصيف فيما يخص تأثير تحليلهما على العالم الذي يحللانه.

سَرَدَ البيان قصة جبارة بلغة لا هوادة فيها، تهدف إلى تحريك شعور القراء من حالة اللا مبالاة. ما فشل ماركس وإنجلز في التنبؤ به هو أن النصوص القوية والتشريحية التي كتباها لها القدرة على تجييش التلاميذ والمؤمنين بها، بل حتى إقامة كهنوت حولها، وأن هؤلاء المؤمنين قد يستخدمون القوة التي منحها لهم البيان لتحقيق مصالحهم الخاصة. باسم البيان قد يستغلون رفاقهم، قد يبنون قاعدة نفوذ خاصة بهم، قد يمنحون أنفسهم مواقع نفوذ، قد يخدعون طالبي العلم المرهفين إلى مخادعهم، قد يستولون على المكاتب السياسية الحزبية، وقد يسجنون كل معارضيهم.

وبالمثل، فشل ماركس وإنجلز أيضًا في تقدير تأثير كتاباتهم على الرأسمالية نفسها. فبنفس القدر الذي ساهم به البيان في تشكيل الاتحاد السوفييتي والدول التابعة له في أوروبا الشرقية، وكوبا كاسترو، ويوغوسلافيا تيتو، كذلك ساهم في تشكيل عدة حكومات ديمقراطية اجتماعية في الغرب.

ألن تتسبب تلك التطورات في خلق سلسلة من ردود الفعل، من شأنها تعكير صفو تنبؤات وتحليلات البيان نفسه؟ فبعد الثورة الروسية والحرب العالمية الثانية، دفع الهلع من الشيوعية الأنظمة الرأسمالية إلى تبني برامج المعاشات، والتأمينات الصحية العامة، وحتى فكرة جعل الأغنياء يدفعون فاتورة المصاريف الدراسية للطلاب الفقراء والبرجوازيين الصغار كي يتخرجوا من جامعات ليبرالية أنشئت لأغراض بعينها. وفي المقابل، أدى العداء الشديد ضد الاتحاد السوفييتي إلى جنون الارتياب وخلق مناخ من الخوف كان بمثابة التربة الخصبة لظهور شخصيات على شاكلة جوزيف ستالين وبول بوت.

أعتقد أن ماركس وإنجلز كانا ليجزعان، كونهما فشلا في تخيّل تأثير بيانهم على الأحزاب الشيوعية التي تنبّآ بها. كانا ليركلان أنفسهما ركلًا، كونهما تجاهلا طبيعة الديالكتيك الذي اُفتتنا بتحليله، والذي بقدر تحويله للدول العمالية إلى استبداديات متصاعدة في مواجهة عدوان الدول الرأسمالية، حوّل الدول الرأسمالية إلى مزيد من التحضر في مواجهة فزعها من شبح الشيوعية.

طوبى للمؤلفين الذين تنجم أخطاؤهم عن قوة كلماتهم، بل طوبى أكثر لمَن تصحح أخطائهم نفسها بنفسها. في حاضرنا هذا حُلَّت الأحزاب الشيوعية، أو تحوّلت إلى فوضى كاملة، كذلك اختفت تقريبًا الدول العمالية، مدعية الولاء للبيان، مفسحة المجال تمامًا للرأسمالية العالمية لكي تتصرف كما لو أنها مصممة على استحضار وخلق العالم الذي برع البيان في وصفه بدقة متناهية.

ما يجعل البيان شديد الإلهام اليوم هو توصيته لنا، هنا والآن، في عالم تتشكل فيه حياتنا بما وصفه ماركس سابقًا في «المخطوطات الاقتصادية والفلسفية (1844)»، والمعروفة بـ «مخطوطات باريس»، إذ يقول: «هذا الاقتصاد السياسي يكشف بالتالي عن طاقة كوزموبوليتية، كلية، تطيح بكل قيد ورابطة حتى تضع نفسها مكانها باعتبارها السياسة الوحيدة، والكلية الوحيدة، والقيد الوحيد، والرابطة الوحيدة». فمن سائقي «أوبر» ووزراء المالية إلى مديري البنوك والفقراء البائسين يمكننا جميعًا التماس العذر لأنفسنا من فرط انغمارنا بتلك «الطاقة». الانتشار الواسع للرأسمالية يجعلنا عاجزين تمامًا عن تخيل العالم بدونها. تفصلنا خطوة صغيرة بين الشعور بالعجز، وبين الوقوع ضحية لفكرة غياب البديل. ولكن بشكل مدهش، يخبرنا البيان، أنه عندما نكون على وشك الاستسلام التام لهذه الفكرة، تلوح البدائل في الأفق.

ما لا نحتاجه في هذا المنعطف من تاريخنا هو العظات حول الظلم في كل شيء، وصرخات الإدانة لعدم المساواة المتزايدة، أو الوقفات الاحتجاجية ضد تلاشي سيادتنا الديمقراطية كذلك لا ينبغي علينا اشتهاء الهروب إلى الخلف، بالدعوات الصارخة للرجوع إلى دولة ما قبل الحداثة وما قبل التكنولوجيا حيث نستطيع التشبث بأحضان الوطنية. إن ما يروّج له البيان، في لحظات الشك والخضوع تلك، هو تقييم موضوعي واضح للرأسمالية وأمراضها، بعيون العقلانية الحادة الباردة. يؤكد البيان أن مشكلة الرأسمالية ليست في كونها تنتج كثيرًا من التكنولوجيا أو كثيرًا من الظلم، بل كونها غير عقلانية وغير منطقية. تنتشر الرأسمالية بالتراكم سعيًا للتراكم في حد ذاته، ويتسبب ذلك في تشغيل العمال مثل الماكينات مقابل مبلغ زهيد، بينما يُبرمج الإنسان الآلي على إنتاج سلع لا يقدر العمال على شرائها ولا يستهلكها الإنسان الآلي. بذلك يفشل رأس المال في الاستخدام الرشيد للآلات الرائعة التي أبدعها، تاركًا أجيالًا كاملة في مستنقع الحرمان، والبيئة المتداعية، والبطالة المقنعة، والغياب الكامل للراحة والاستجمام، فهي تجري لاهثة وراء التوظيف والبقاء على قيد الحياة بشكل عام. حتى الرأسماليون يتحولون إلى بشر آليين مثيرين للقلق. إذ يعيشون في خوف دائم من أنه ما لم يتعاملون مع إخوانهم البشر، كسلع قابلة للبيع والشراء، لن يصيروا رأسماليين وسينضمون بذلك إلى ركب الطبقات المتزايدة من البروليتاريا المهمشة.

إذا كانت الرأسمالية تبدو غير عادلة فذلك بسبب استعبادها للجميع، الأغنياء والفقراء، وتبديدها الموارد البشرية والطبيعية. نفس «خط الإنتاج» الذي ينتج ثروة لا حصر لها، ينتج كذلك عدم رضا وسخطًا عميقًا على نطاق واسع. لذا فإن مهمتنا الأولى، كما يوصينا البيان، هي التعرف على ميل هذه «الطاقة» لتقويض نفسها بنفسها.

عندما يسألني الصحفيون: مَن الذي، أو ما الذي، يهدد الرأسمالية اليوم؟ ألتفّ حول توقعاتهم مجيبًا: رأس المال! وبالتأكيد أسرق هذه الفكرة من البيان منذ عقود.

بالنظر إلى أنه من غير الممكن، أو المرغوب فيه، التخلص من «طاقة» الرأسمالية، فإن الخدعة هي أن نساعد في تسريع وتيرة التنمية الرأسمالية (بحيث تحترق مثل نيزك هاو عبر الغلاف الجوي) بينما نقاوم في المقابل (من خلال العقلانية والعمل الجماعي) ميولها لسحق روحنا البشرية. باختصار، فالبيان يوصينا بدفع الرأسمالية إلى منتهاها، مع الحد من عواقبها والتجهيز لدخولها طور التشاركية.

نحتاج لمزيد من البشر الآليين، ألواح الطاقة الشمسية الأكثر كفاءة، القدرة اللحظية على التواصل، وشبكات المواصلات الخضراء المعقدة. ولكننا نحتاج، بالتوازي، لتنظيم أنفسنا سياسيًا للدفاع عن الضعفاء، وتمكين الأغلبية، وتمهيد الطريق للتخلص من سخافات الرأسمالية. من الناحية العملية، علينا معاملة فكرة غياب البديل بالاحتقار الذي تستحقه، بينما نرفض كل الدعوات إلى «العودة» إلى حياة أقل حداثة. لم يكن هناك أي شيء أخلاقي في العيش تحت سقف الأشكال السابقة للرأسمالية. المسلسلات التلفزيونية، التي تستثمر بكثافة في الحنين للماضي، مثل «Downtown Abbey» يجب أن تجعلنا سعداء بالعيش في زمننا، بينما تشجعنا على تسريع وتيرة التغيير.

يُعد البيان من النصوص العاطفية التي تحدّث كلًا منّا بشكل مختلف، وفي أوقات مختلفة، حسب ظروفنا الخاصة. أطلقت على نفسي منذ بضع سنوات «ماركسيًا ضالًا متحررًا»، واستخفت بي بشكل واسع الدوائر الماركسية وغير الماركسية على حد سواء. وبعدها بفترة وجيزة، وجدتُ نفسي مقحمًا في منصب سياسي شديد الحساسية، أثناء فترة الصراع بين الحكومة اليونانية آنذاك، وبعض من أقوى وكلاء الرأسمالية. كانت إعادة قراءة البيان، بغرض كتابة هذه المقدمة، بمثابة دعوة أشباح ماركس وأنجلز للصراخ بخليط من اللوم والدعم في أذني.

«بالغون في الغرفة.. Adults in the Room» هو عنوان مذكراتي عن الفترة التي توليت فيها منصب وزير مالية اليونان عام 2015، وتحكي قصة سحق الربيع اليوناني بواسطة مزيج من القوة الغاشمة (من جانب مُقرِضي اليونان) وجبهة مقسمة داخل حكومتي. كتبتها بصدق ودقة بقدر استطاعتي. ولكن إذا نظرنا إليها من منظور البيان، نرى الوكلاء التاريخيين الحقيقيين، وقد اقتصر ظهورهم الصوري على دور الضحايا شبه السلبيين. أستطيع سماع ماركس وإنجلز يصرخان فيّ: «أين البلوريتاريا في قصتك؟ ألم تكن عليهم مواجهة هؤلاء الوكلاء الأكثر ضراوة بينما تدعمهم أنت من الخطوط الجانبية؟»

ولحسن حظي، قدّمت لي إعادة قراءة البيان بعض العزاء، فقد أكدّت رؤيتي له كنص متحرر، أو بالأحرى كنص تحرري.

عندما ينتقد البيان فضائل الليبرالية البرجوازية، فإنه يفعل ذلك تفانيًا في هذه القيم وحبًا لها. الحرية، السعادة، الاستقلال الذاتي، الفردية، الروحانية، والتنمية الموجهة ذاتيًا، كلها بمثابة مثلٌ عليا وضعها ماركس وإنجلز فوق كل شيء. وإذا كانا قد صبا جَمّ غضبهما على البرجوازية، فذلك لأنها تسعى لحرمان الأغلبية من أي فرصة للتحرر. نظرًا لالتزام ماركس وإنجلز بفكرة هيجل الرائعة، بألا أحد يعتبر حرًا طالما شخص واحد في الأغلال، فإن نزاعهما مع البرجوازية يتمحور حول تضحيتها بحرية الجميع وخصوصيتهم على مذبح التراكم الرأسمالي.

رغم عدم كون ماركس وإنجلز من الفوضويين، إلا أنهما كرها الدولة وإمكانية التلاعب بها من قِبل طبقة معينة لقمع أُخرى. في أحسن الأحوال، رأيا الدولة شرًا لابد منه، وسيستمر في المستقبل المشرق ما بعد الرأسمالية لتنسيق مجتمع بلا طبقات. إذا كانت هذه القراءة للبيان منطقية، فالسبيل الوحيد لكي يصير المرء شيوعيًا هو أن يصير تحرريًا. إن تبني نداء البيان «اتحدوا!» لا يمكن أن يستقيم أبدًا مع حمل بطاقة هوية ستالينية، أو السعي إلى إعادة تشكيل العالم على شاكلة الأنظمة الشيوعية المنحلة.

بعد كل ما قيل، ما هي خلاصة البيان؟ ولماذا يهتم اليوم أي أحد، وخاصة الشباب، بالتاريخ والسياسة وما شابه؟

اعتمد ماركس وإنجلز في بيانهما على إجابة بسيطة ومؤثرة: إن السعادة الإنسانية الأصيلة، والحرية الحقيقية التي يجب أن ترافقها، هي ما يهم حقًا. لا يعتمد بيانهما على استدعاءات واجب جرمانية صارمة، أو مناشدات لمسؤوليات تاريخية لإلهامنا بالفعل، كما لا يصدر أحكامًا أخلاقية أو يشير بأصابع الاتهام. حاول ماركس وإنجلز تخطي ثوابت الفلسفة الأخلاقية الألمانية ودوافع الربح الرأسمالي، بعقلانية، مستخدمَيْن نداءً يروق للأسس المشتركة لطبيعتنا البشرية.

مفتاح تحليلهما هو الاتساع المستمر للفجوة بين مَن ينتجون، ومَن يملكون أدوات الإنتاج. إن الترابط الإشكالي بين رأس المال والعمل المأجور يمنعنا من الاستمتاع بالعمل والمصنوعات التي ننتجها، ويحوّل أصحاب العمل والعمال، الأغنياء منهم والفقراء، إلى قطع شطرنج مرتعشة وطائشة، تُحرّكها قوى لا سيطرة لنا عليها بسرعة، وتسيّرها نحو وجود بلا معنى.

ولكن لماذا نحتاج إلى السياسة للتعامل مع كل هذا؟ أليست السياسة خانقة، وخصوصًا الاشتراكية منها، كما وصفها أوسكار وايلد «تستهلك أمسيات طويلة»؟ يرد ماركس وإنجلز: لأنه لا يمكننا القضاء على تلك الحماقة بصفة فردية، لأنه لن يظهر معمل لإنتاج مضاد سموم لهذا الغباء. إن العمل السياسي الديمقراطي الجماعي هو فرصتنا الوحيدة للحرية والمتعة، وعليه، تبدو الليالي الطوال ثمنًا بخسًا ندفعه.

قد تنجح البشرية في تأمين ترتيبات اجتماعية تسمح بـ«التنمية الحرة لكل فرد»، كشرط لـ«التنمية الحرة للجميع». ولكن مرة أخرى، قد ينتهي بنا المطاف إلى «الهلاك المشترك» في حرب نووية أو كارثة بيئية أو سخط مؤلم. لا ضمانات من أي نوع في الوقت الراهن. يمكننا الرجوع للبيان للإلهام والحكمة والطاقة، ولكن في النهاية، يظل ما سيسود هذا العالم معتمدًا علينا بشكل كامل.

:::::

المصدر: موقع
اشتراكية

21 مايو 2018

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org