نشرة “كنعان”، 15 يناير 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6456

في هذا العدد:

أحداث البرازيل الأخيرة كما يراها الإعلام الروسي، ملف خاص من إعداد د. زياد الزبيدي

  • الرجل الأبيض غاضب مرة أخرى
  • فشل الانقلاب في البرازيل
  • هل سيتحول دا سيلفا نحو روسيا؟
  • الاحتجاجات في البرازيل؟ (1) منهجية المذبحة، (2) فوائد غير واضحة
  • الاضطرابات في البرازيل: من المستفيد؟

الصهيونيّة والنازيّة… تعاون وتكامل أدوار، سعيد محمد

  • قراءة في كتاب: «الصهيونيّة أثناء الهولوكوست»

✺ ✺ ✺

أحداث البرازيل الأخيرة كما يراها الإعلام الروسي

ملف خاص من إعداد د. زياد الزبيدي

  • الرجل الأبيض غاضب مرة أخرى
  • فشل الانقلاب في البرازيل
  • هل سيتحول دا سيلفا نحو روسيا؟
  • الاحتجاجات في البرازيل؟ (1) منهجية المذبحة، (2) فوائد غير واضحة
  • الاضطرابات في البرازيل: من المستفيد؟

▪️▪️▪️

الرجل الأبيض غاضب مرة أخرى

تاتيانا مونتيان، قانونية، ناشطة سياسية واجتماعية، كاتبة وناشرة

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

9/1/2023

ما زلت أراجع كل المعاني الجديدة لعبارة “المعايير المزدوجة”.  أدان رئيس المجلس الأوروبي، تشارلز ميشيل، الاضطرابات في البرازيل، حيث استولى أنصار الرئيس السابق بولسونارو على عدد من المباني في الحي الحكومي في عاصمة البلاد احتجاجًا.

 بالطبع، عندما يدور الحديث عن البرازيل (ناهيك عن الولايات المتحدة)، فإن القفز حول المباني الحكومية ذات الطراز الأوكراني هو “هجوم على المؤسسات الديمقراطية”.  وعندما يحدث نفس الشيء بالضبط، في الواقع، في أوكرانيا أو على سبيل المثال في بيلاروسيا وروسيا، فهذه هي بالضبط الديمقراطية، وتُعلن الإجراءات ضد المتظاهرين أنفسهم “هجومًا على الديمقراطية”.

 في الوقت نفسه، في عام 2016، دعمت الولايات المتحدة بنشاط “الميدان” في البرازيل ضد الرئيسة ديلما روسيف، زميلة لولا وخلفه في الحكم آنذاك.  حينها بدا لهم أن حزب بولسونارو أفضل من اليساريين الضالين في أمريكا اللاتينية.  لكن بعد ذلك أصبح بولسونارو صديقًا لترامب وتحول فورًا، في نظر الحزب الديمقراطي الأمريكي، إلى هامشي خطير.

 لا نفهم، هل اختلف الأمر هذه المرة؟  لا، انه نفس الشيء.  أما “الميدان”، غير المصرح به من وزارة الخارجية الامريكية، فيُعتبر غير صالح للعمل. 

▪️▪️▪️

فشل الانقلاب في البرازيل

ألكسندر دودتشاك، ناشط سياسي واجتماعي أوكراني يعيش في روسيا، دكتوراه في الاقتصاد

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

9/1/2023

لم يكن هناك دعم خارجي كافٍ – فبعد كل شيء، كانت القوة الدافعة الرئيسية هي الأوليغارشية الداخلية، وليس الولايات المتحدة.

تمكنت السلطات البرازيلية من السيطرة على الوضع في عاصمة البلاد، حيث كان المتظاهرون قد استولوا في السابق على مبنى البرلمان والقصر الرئاسي.

 وتم القبض على حوالي أربعمائة من مثيري الشغب.  ووصفت أفعال المتظاهرين بأنها هجوم إرهابي، ووعدت بمعاقبة مرتكبيها.  أوقفت المحكمة محافظ منطقة العاصمة عن العمل لعجزه عن التصرف فيما يتعلق بالمحتجين.

أظهر الرئيس قوة الإرادة، بل كلا من القوة والإرادة بالقضاء على احتجاجات قاسية.

 عرضت الأرجنتين وتشيلي على البرازيل رسميًا إرسال قوات خاصة إلى العاصمة لمساعدة الشرطة البرازيلية في قمع أعمال الشغب.

 وأدان الرئيس السابق بولسونارو نفسه أفعالهم.

 كما أدان ممثلو الأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة وكندا ودول أخرى هذا التخريب – أوه، معجزة!  وقال رئيس المكسيك إن الأوليغارشية كانت وراء محاولة الانقلاب.

لو كان هذا هو الحال في أوكرانيا في عام 2014، فربما لن تكن لتندلع هناك حرب الآن.

▪️▪️▪️

هل سيتحول دا سيلفا نحو روسيا؟

فاليري بورت، صحفي، مؤرخ، كاتب وناشر

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

14/1/2023

عادت الحياة في البرازيل إلى طبيعتها تدريجياً، بعد المظاهرات الجماهيرية التي اندلعت مؤخرا، ومع ذلك، ستستمر مناقشة الأحداث الصاخبة بداية العام الجديد في أكبر دولة في أمريكا الجنوبية لفترة طويلة.

اسمحوا لي أن أذكركم بأن زعيم التحالف الاشتراكي، لولا دا سيلفا البالغ من العمر 77 عاما، فاز في الانتخابات الرئاسية في البرازيل.  لقد تفوق بفارق ضئيل على اليميني الشعبوي البالغ من العمر 67 عامًا جاير بولسونارو، الذي شغل منصب رئيس الدولة، وبذلك أصبح دا سيلفا رئيسًا للبرازيل للمرة الثالثة.

ومع ذلك، لم يعترف بولسونارو بالهزيمة، قائلاً إن “نظام التصويت الإلكتروني البرازيلي عرضة للتزوير” وطالب بإلغاء بعض الأصوات.  رفضت أعلى محكمة انتخابية في البلاد الطلب، وفرضت غرامة على المبادرين بالشكوى.

بدأت المشاعر “تسخن” وبعد تولي دا سيلفا لمنصبه تم التعبير عنها في الشوارع.  اندلعت أعمال الشغب، وبدأ أنصار بولسونارو ومن انضموا إليهم بالاستيلاء على المباني الحكومية.  وعلى وجه الخصوص، اقتحم أشخاص مسلحون بالعصي والحجارة مباني البرلمان والمحكمة العليا وقاموا بمذبحة هناك.

واشتبك المتظاهرون مع الشرطة.  أعلن دا سيلفا حالة الطوارئ حتى نهاية يناير. باشرت الشرطة التحقيق في الأحداث.

تم إدانة تصرفات المتظاهرين في العديد من دول العالم، بما في ذلك روسيا.  كتبت رئيسة مجلس الاتحاد فالنتينا ماتفيينكو على قناتها على Telegram: “أنا متأكدة من أنه بفضل المصداقية السياسية العالية للولا دا سيلفا، سيتم التغلب على عواقب الاضطرابات بسرعة، والحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي والوحدة الوطنية للبلاد”.  وأشارت إلى أنه خلال فترة رئاسته في 2003-2010، قدم دا سيلفا مساهمة كبيرة في تطوير العلاقات الثنائية مع روسيا ويعتبر بحق أحد مؤسسي البريكس.

يميل الكثيرون إلى رؤية البصمة الأمريكية فيما حدث.  وفقًا للسيناريو نفسه تقريبًا، تم اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن قبل عامين، عندما اقتحم أنصار دونالد ترامب مبنى الكونغرس في يناير 2021.  كانت محاولة لمنع إقرار الموافقة على فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية.

تتم مقارنة بولسونارو مع ترامب – فهو مثله غريب الأطوار تمامًا. جدير بالقول أنه قبل تتويج دا سيلفا، زار بولسونارو مقر إقامة ترامب الخاص في مارالاغو في فلوريدا.  “يشير هذا بشكل أكبر إلى فكرة أن الاحتجاجات في البرازيل هي نوع من” مرحبًا بأمريكا الجنوبية “من “الشمال”، كما يقول الناشط بافيل دوبرافسكي.  وأشار إلى أن بولسونارو كان يُطلق عليه غالبًا “ترامب المناطق الاستوائية”.

ومع ذلك، بعد فشل الاحتجاجات، فقد أدانها بولسونارو شخصيا.

يعتقد الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس أيضًا أن الولايات المتحدة متورطة في الأحداث في البرازيل، لكنه ينظر إلى ما حدث من زاوية مختلفة: “السياسة الأمريكية تواجه الفشل خاصة عندما تتراجع الإمبراطورية، وهي تميل إلى العنف. عندما تفقد الإمبراطورية هيمنتها، تتحول إلى “الرصاص…”.

وأشار موراليس إلى أنه في أوائل ديسمبر / كانون الأول، حكمت المحكمة على نائبة الرئيس الأرجنتيني كريستينا كيرشنر بالسجن ست سنوات ومنعتها من تولي منصب عام مدى الحياة في قضية فساد.

في نفس الوقت، قام رئيس بيرو، بيدرو كاستيلو، بحل البرلمان، الذي كان من المفترض أن ينظر في قضية عزله للمرة الثالثة.  ومع ذلك، اجتمع النواب وقرروا اقالة رئيس الدولة.  ألقي القبض على كاستيلو بتهمة تنظيم تمرد وإساءة استخدام السلطة.  انتقلت السلطة إلى نائبة رئيس بيرو، دينا بولوارت.

يعتبر موراليس الأحداث في الأرجنتين وبيرو والبرازيل حلقات في نفس السلسلة.

في عام 2017، لفت موراليس الانتباه إلى حقيقة أن عددًا من قادة دول أمريكا الجنوبية تم تشخيص إصابتهم بالسرطان – دا سيلفا، الرئيس السابق للبرازيل آنذاك، زعيمة البلد آنذاك ديلما روسيف و الرئيس السابق لباراغواي، فرناندو لوغو، كلهم عولجوا من  السرطان، لكن هوغو شافيز فشل في النجاة منه…

بشكل عام، تعتبر انتصارات الاشتراكيين في أمريكا الجنوبية اتجاهًا ملفتا للنظر.  يمكن التذكير بأن خليفة هوغو شافيز، نيكولاس مادورو، في السلطة في فنزويلا.  في عام 2018، تولى لوبيز أوبرادور، زعيم حركة النهضة الوطنية، رئاسة المكسيك.  في العام الماضي، أصبح رئيس كولومبيا لأول مرة ممثلاً لليسار، المتمرد السابق غوستافو بيترو.  من غير المحتمل أن تتمكن هندوراس الصغيرة من التأثير بشكل جدي على السياسة العالمية، ولكن حتى هناك فاز ممثل القوى اليسارية، زيومارا كاسترو، بالسلطة.  وفي تشيلي، يشغل غابرييل بوريك، ابن المهاجرين الكرواتيين، أعلى منصب حكومي.

من الصعب توقع أن يصبح هؤلاء وغيرهم من الساسة اليساريين في أمريكا اللاتينية أعداء للولايات المتحدة.  بدلا من ذلك، سيتعين عليهم المناورة.  لكن يمكن للمرء أن يتوقع منهم خطوات ودية تجاه روسيا.

▪️▪️▪️

الاحتجاجات في البرازيل؟

قناة ريبار على تيليغرام

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

الجزء الأول: منهجية المذبحة

14/1/2023

بعد أيام قليلة من اقتحام المركز الإداري للعاصمة البرازيلية وسلسلة الأحداث التي تلت ذلك، بدأ الكثيرون في الكتابة والحديث عن أوجه الشبه مع الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021.

وأيضًا يطرح السؤال بقوة – من يملك القدرة لتنظيم مثل هذا الاستعراض ومن الذي يستفيد منه؟

هذه المرة، هناك ثلاثة “مشتبه بهم” في نظر الجمهور: الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو، والرئيس الحالي لولا دا سيلفا، وكذلك الجانب الأمريكي المجرد.

 لكن معظمهم لا يأخذ في الاعتبار الفروق الدقيقة التالية:

لقد تم بالفعل الهجوم على المركز الإداري في برازيليا وفقًا للأنماط الأمريكية المؤكدة – أو، على وجه الدقة، أنماط أمريكية “جمهورية أمريكية” مؤكدة. ها هو”ترامب الاستوائي” جاير بولسونارو، غير راضٍ عن نتائج الانتخابات الرئاسية، وسلوك المتظاهرين، وتنظيمهم، وعمل المحرضين، وحتى المشاهد التوضيحية للمذابح في مؤسسات الدولة.  بناءً على هذا وحده، يمكن القول إن المنظمين لجأوا إلى فريق من الخبراء الأمريكيين، الذين وفقًا لسيناريوهاتهم تم اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي.  أو أرادوا حقًا خلق مثل هذا الانطباع.

في الوقت نفسه، لم يكن الأشخاص الذين لجأوا إلى الاستراتيجيين السياسيين الأمريكيين “مؤثرين” جدًا بحيث يضعوا سيناريو جديدًا لهم أو تعديل تنفيذه وفقًا للواقع المحلي.  كانت النتيجة نسخة سيئة من اقتحام مبنى الكابيتول. ومسرحية من الدرجة الثالثة.

يتطلب تنفيذ مشروع بهذا المستوى تكاليف كبيرة للغاية من المنظمين.  حتى لو تم استخدام التقنيات التي تم اختبارها بالفعل في الولايات المتحدة للبرازيل، فإن التحضير للاحتجاجات وتنسيق المشاركين وعمل النشطاء والمفاوضات مع المسؤولين ودعم المعلومات تتطلب أموالاً طائلة.  يمكن أن يتحمل الملياردير دونالد ترامب هذا في عام 2021.  هل يستطيع فريق جايربولسونارو أو لولا دا سيلفا، اللذان أنفقا مؤخرًا وبقوة خلال السباق الانتخابي، إنفاق الكثير؟  مشكوك فيه جدا.

 “الجزء الثاني: فوائد غير واضحة”

على الأرجح، تم تجميع المحتجين في البرازيل معًا بالمعنى الحرفي للكلمة – لقد قدم حاشية بولسونارو شيئًا ما حقًا، ودفع ممثلو الشركات الأجنبية في البرازيل (الفرنسيون مثلا) حصتهم كنوع من “التأمين ضد الأضرار”، ولكن الجزء الأكثر أهمية جاء من مجموعة منفصلة من السياسيين الأمريكيين.

بالحكم على الموقع الحالي لوجود بولسونارو وبعض مؤيديه – في ولاية فلوريدا – من الواضح أن شيئا لم يكن ليحدث بدون مشاركة حاكم الولاية السياسي الصاعد رون ديسانتيس.

 علاوة على ذلك، في هذه الحالة نتحدث عن مجموعة منفصلة من السياسيين الأمريكيين.  لم تشارك الوكالات الحكومية الأمريكية في ما حدث (على عكس الأحداث الأخيرة في المكسيك) – نعم، البرازيل ليست البلد الذي يتطلب مثل هذا الحجم من العمل.

من المحتمل جدًا أن تكون شخصيات من فريق بولسونارو متورطة بشكل مباشر في تنسيق عمل المحتجين.  الوضع الذي يتفاعل فيه أنصار لولا دا سيلفا مع أنصار بولسونارو معقد للغاية، والموارد المالية التي يتم إنفاقها على ذلك لا تتناسب مع الفوائد المحتملة.

‼️ بالمناسبة، حول فوائد هذه الاحتجاجات.

بالنسبة لبولسونارو ولولا دا سيلفا – إنه أمر غير واضح على الإطلاق.

 في الوقت الحالي، قام شركاء وأنصار الأول بإعداد أنفسهم بقوة، والثاني وجد للتو عددًا مثيرًا للإعجاب من الأعداء بين هياكل السلطة (خاصة الجيش) والشركات المحلية في البرازيل.  وهذا في بداية الفترة الرئاسية.

 مثل هذه النتائج السلبية (إذا لم نقل “خسر” بولسونارو عن عمد غالبية مؤيديه) يمكن تبريرها بحقيقة أن الفائدة المكتسبة ستكون رائعة للغاية.

على الرغم من حقيقة أن الإدارة الأمريكية الحالية وجميع حلفائها تقريبًا قد أدانوا الاحتجاجات وأظهروا دعمًا إعلاميًا للولا دا سيلفا، لم يتم اتخاذ أي إجراءات مهمة حتى الآن ضد بولسونارو.

 ويبقى بولسونارو نفسه وأنصاره بعيدون عن الأنظار ويعلنون عن عودة وشيكة إلى البرازيل، على الرغم من الملاحقة الجنائية المحتملة.

‼️ شخصية الرئيس البرازيلي لا تهم السلطات الأمريكية.

“سواء لولا أو بولسونارو قبله، على أي حال، فهم مضطرون للتعامل مع واشنطن، ومن موقع الضعف.  دعم لولا من قبل الحزب الديمقراطي شيء رسمي إلى حد كبير.

 لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل نهاية هذه القصة بأكملها مع الاحتجاجات في برازيليا.  لقد فقد الكثير من الأفراد – والذين كانوا حتى وقت قريب أعضاء محترمين في المجتمع – وظائفهم وسمعتهم (في المقام الأول قوات الأمن). (ولاحقا وزير العدل-المترجم)

من المحتمل أن يضطر العديد منهم في المستقبل القريب للبحث عن أشكال جديدة للدخل: قد يلتحق شخص ما بالجريمة المنظمة المحلية، ولكن قد يُعرض على البعض الذهاب “بشكل قانوني” إلى أوكرانيا.!!

خلاصة القول: على الرغم من أن الهدف المحدد للمنظمين ليس واضحًا تمامًا، إلا أنه في النهاية يعود الأمر كله إلى محاولة زيادة مواردهم الخاصة.  ومن النتائج الواضحة – أن كلا بولسونارو ولولا دا سيلفا سيضطران إلى تسوية المشاكل التي نشأت والبدء في أن يحسب كل منهم حسابا لإمكانيات الاخر.

▪️▪️▪️

الاضطرابات في البرازيل: من المستفيد؟

يلينا بانينا، سياسية روسية، عضو البرلمان الاتحادي

مديرة معهد الدراسات الاستراتيجية في السياسة والاقتصاد

تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف

11/1/2023

 توقفت أعمال الشغب التي اندلعت فجأة في البرازيل، ولحسن الحظ، لم تقع إصابات.  ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا حول لماذا ولصالح من كل هذا حدث.

 كثيرا ما نسمع في وسائل الإعلام أوجه شبه مع “اقتحام مبنى الكابيتول” في واشنطن، والذي حدث تقريبًا قبل ذلك بعامين.  ومع ذلك، فإن هذا التشبيه سطحي للغاية.

وقعت الأحداث في الولايات المتحدة قبل تنصيب جو بايدن، وطرح المتظاهرون مطالب عقلانية، سعياً إلى إعادة فرز الأصوات وإلغاء نتائج الانتخابات.

بينما اندلعت أعمال الشغب في البرازيل بعد أسبوع من أداء لولا دا سيلفا اليمين وتوليه الرئاسة رسميًا.  وهذا ما يجعل كل ما حدث غير منطقي على الإطلاق.

يجب الاعتراف بأن الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي اتهمته وسائل الإعلام الليبرالية الأمريكية بالفعل بتنظيم “انقلاب فاشي”، كان كل ما حدث غير ضروري تمامًا وغير مفيد سياسيًا له.

لو كان يريد حقاً حشد أنصاره في الميدان، ثم تحريك الجيش وتنظيم انقلاب، لكان قد فعل ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) أو كانون الأول (ديسمبر) – فور إعلان نتائج الانتخابات.  كانت خيوط السلطة في ذلك الوقت بين يديه كرئيس حاكم.

ومع ذلك، فإن بولسونارو، على الرغم من محاولته الطعن في نتائج التصويت في المحكمة، ذهب في النهاية إلى انتقال سلمي للسلطة.  من المحتمل أن السياسي الشعبوي، البالغ من العمر 68 عامًا فقط، كان يتوقع أن يحافظ على ارثه السياسي وينتقم في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لكن الآن، بعد أعمال الشغب، سيكون من الصعب للغاية القيام بذلك – على الرغم من حقيقة أن بولسونارو أدان مثيري الشغب وكان عمومًا خارج البرازيل في تلك اللحظة، في فلوريدا.

إذا اعتبرنا ما حدث استفزازًا بهدف إخراج بولسونارو من اللعبة، فسيصبح كل شيء منطقيًا.

الآن وسائل الإعلام الليبرالية في جميع أنحاء العالم، وكذلك أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء الكونجرس من الحزب الديمقراطي الأمريكي، سوف يشوهون سمعته بوصمه على أنه “منظم انقلاب”.  أكثر المتحمسين يطالبون بالفعل بتسليم بولسونارو إلى البرازيل ومحاكمته.

كما قام زعماء معظم بلدان أمريكا اللاتينية، حيث توجد حكومات يسارية في السلطة،  بإدانة “الانقلابيين”.  كان الرئيس التشيلي غابرييل بوريك مجتهدًا بشكل خاص عندما هدد بإرسال قوات خاصة إلى البرازيل لاستعادة النظام.

حقيقة أن بوريك، اليساري من النوع الجديد، الذي يجمع بين الخطاب الاشتراكي وتنفيذ جميع “التعليمات القيمة” من واشنطن، والتي لوحظت في النسخة البرازيلية الجديدة من “اقتحام مبنى الكابيتول” ليس من قبيل الصدفة.  تعمل الولايات المتحدة بنشاط لإعادة تجنيد اليسار من أجل منع ظهور كاسترو وتشافيز جديدين في أمريكا الجنوبية.

البرازيل ليست استثناء، حيث ترسخت الولايات المتحدة بعمق في الحركة اليسارية وتسعى للسيطرة عليها.

ومع ذلك، يؤثر الأمريكيون أيضًا بشكل فعال على اليمينيين في البرازيل – من خلال العسكريين المتقاعدين والعاملين وممثلي الأجهزة الخاصة.  وهكذا، في اللحظة المناسبة، يمكن لواشنطن دائمًا أن تمسك بالخيوط الصحيحة للحصول على النتيجة الصحيحة.  تقريبًا كما هو الحال الآن، خلال أحداث 8 يناير.

عانى بولسونارو من أضرار سياسية كبيرة من أعمال الشغب، لكن لا يمكن القول أن دا سيلفا عزز موقفه في نفس الوقت.  تفريق المتظاهرين لا يسمح له بوضع نفسه كزعيم وطني، ومواقفه أصبحت حتى أقل استقرارًا من ذي قبل.

البرازيل، كقوة قوية ذات اقتصاد متطور، لا يحبذ المهيمنون الأمريكيون وجود علاقات قوية لها مع الصين وروسيا من خلال البريكس، وهو مسار سياسي مستقل يصاحبه دور زعامة إقليمي في أمريكا اللاتينية.  ما تحتاجه أمريكا، على العكس من ذلك، هو برازيل ضعيفة وغير مستقرة وممزقة بسبب التناقضات الداخلية.  كما رأينا هذا البلد في الثامن من يناير.

✺ ✺ ✺

الصهيونيّة والنازيّة… تعاون وتكامل أدوار

سعيد محمد

  • قراءة في كتاب: «الصهيونيّة أثناء الهولوكوست»، لمؤلفه توني غرينستاين

قد يكون كتاب اليساري البريطانيّ المتحدّر من أصول يهوديّة توني غرينستاين عن «الصهيونيّة أثناء الهولوكوست» (2022) أدقّ سجلّ تاريخيّ موثّق حول موقف الحركة الصهيونيّة وسياساتها في فترة ما بين الحربين العالميتيْن. يكشف المؤلّف عن حجم التوظيف السياسيّ الرخيص من قبل القادة الصهاينة لعذابات يهود أوروبا خلال الحرب العالميّة وتعاون قادتهم مع النازيّة لمصلحة تدعيم المشروع الغربيّ بإنشاء دولة يهوديّة في فلسطين وفقاً لادّعاءات دينيّة مسيحيّة متطرفة وعلى حساب سكان المنطقة. قراءة ضروريّة لفهم السياق التاريخي والإمبرياليّ لسرديّة الهولوكوست كما تطرحها دولة الاحتلال اليوم، وتستعيدها الأذرع الصهيونيّة عبر العالم كغطاء أخلاقيّ لمحاربة كل تشكيك في شرعيّتها أو انتقاد لسياساتها في التطهير العرقيّ والفصل العنصري والاستيطان الممنهج

تطرح الدولة العبريّة نفسها بوصفها حارسة الذاكرة اليهوديّة المرتبطة بالهولوكوست، وتعمل ماكينة دعايتها بلا توقّف لإظهار الحركة الصهيونيّة كأنّها كانت تحاول إنقاذ يهود أوروبا من النازيّة، وشريكة للحلفاء الغربيين في محاربة الفاشيّة عشيّة الحرب العالميّة الثانية. لكنّ توني غرينستاين، المناضل اليساريّ المعتّق الذي ولد لأسرة بريطانيّة من اليهود الأرثوذكس، يرى أنّ ذلك محض تزوير، لا بل قلب تامّ للحقائق. لذلك، قرّر أن يضع كتاباً استهلك من عمره سنوات يوثّق الدور الذي لعبته الحركة الصهيونيّة خلال تلك المرحلة، نقيضاً للرواية الملفّقة التي تبنّاها الثلاثي الإسرائيلي- الأميركي- الألمانيّ. وبالفعل، صدر الكتاب حديثاً من دون ناشر لأسباب معروفة، إذ لا يجرؤ أي تاجر كتب بريطانيّ أو أميركي على نشر ما يناهض سرديات الحركة الصهيونيّة.

الكتاب المثير بكل تفاصيله حمل عنوان «الصهيونيّة أثناء الهولوكوست: توظيف الذاكرة كسلاح في خدمة الدولة والأمّة» (Zionism during the Holocaust: The weaponization of Memory in the service of the State and Nation)، مشيراً إلى أنّ الحركة الصهيونيّة في فترة ما بين الحربين، سعت بكل طاقتها إلى ضمان أن محنة يهود أوروبا تحت بساطير النازيين، لن تصرف الانتباه عن الهدف الرئيس للصهيونية في إطلاق دولة يهودية في فلسطين بعد الحرب. هكذا، عملت مع كل الأطراف، بمن فيهم النازيون أنفسهم، على توظيف تلك العذابات كي يجد أصحابها في النهاية أن طريق النجاة الوحيد المفتوح أمامهم ينتهي في القدس، لا في أيّ مكان آخر. يقول غرينستاين إنّ مؤتمر بلتمور (الولايات المتحدة) الصهيوني في أيار (مايو) 1942 الذي صيغت فيه للمرة الأولى المطالبة باعتراف العالم بدولة يهوديّة في فلسطين تحديداً، لم يرد فيه أيّ ذكر لمحنة يهود أوروبا، لا الضحايا، ولا اللاجئين. ولم يُطرح الموضوع أصلاً للنقاش: «لم يكن الأمر ببساطة على جدول الأعمال». هناك اقتباس مشهور جداً عن بن غوريون من 9 كانون الأول (ديسمبر) 1938، قاله في خطاب ألقاه أمام «حزب عمال أرض إسرائيل» اليساري بعد شهر على «ليلة الكريستال»، وهي مذبحة نازية في ألمانيا قُتل فيها ما يقرب من 100 يهودي وأُحرق كل كنيس يهودي في البلاد تقريباً وتم نقل ثلاثين ألف يهودي إلى معسكرات الاعتقال». جاء في الاقتباس: «إذا كنت أعرف أنه سيكون من الممكن إنقاذ جميع الأطفال اليهود في ألمانيا من خلال إحضارهم إلى إنكلترا، ونصفهم فقط عن طريق نقلهم إلى أرض إسرائيل، فسأختار البديل الثاني، لأننا يجب أن نفكّر ليس فقط بحياة هؤلاء الأطفال، ولكن بالأهم: تاريخ شعب إسرائيل». تصفيق».

حتى بعد انتهاء الحرب، ووصول الجنود السوفيات إلى معسكرات الاعتقال النازية التي شهدت عذابات اليهود، ضمن غيرهم من ضحايا النازيين والفاشيست، فإن الحركة الصهيونيّة لم تجد نفسها معنيّة بما اصطُلح على تسميته حينئذ بالهولوكوست. وحتى في الدولة العبريّة نفسها، فإن ضحايا النازية من اليهود اعتُبروا عاراً على التاريخ اليهوديّ، ونقيضاً تاماً للمسادا (المتطرفون اليهود الذين ــ وفق رواياتهم ــ فضّلوا الانتحار على التسليم للرومان في قلعة المسادا 74 م). لقد كان يُنظر إلى ضحايا الهولوكوست اليهود على أنهم نموذج لكل ما هو سيّئ في يهود الشتات الذين «سيقوا مثل الخراف إلى مذبحهم»، وبالكاد تمّ الحديث عنهم في مناهج تدريس التاريخ في الدولة التي أسّستها الصهيونيّة في فلسطين. ينقل غرينستاين عن ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، قوله: «لديّ شعور حقيقيّ بالاشمئزاز من الحياة اليهودية في الشتات، وذلك التناقض الصارخ بين الأمة السليمة المتحدرة من اليهود الذين يتجمعون في أرض إسرائيل، وذلك العجز المشوّه للكتلة الجبانة من اليهود الذين بقوا في أوروبا ليتم ذبحهم».
ومن الجليّ أنّ الحركة الصهيونية خشيت أيّ حلّ لمسألة اللاجئين اليهود، لا يتعلق بترحيلهم إلى فلسطين، إذ إنه في حال قبول دول أخرى مثل بريطانيا وأستراليا والولايات المتحدة اللاجئين اليهود من ألمانيا أو بولندا، فما الداعي عندها لوجود دولة يهودية في فلسطين؟ لقد كان ذلك بمثابة كابوس وخطر استراتيجي، ولذلك بذلت الأذرعة الصهيونيّة جهوداً هائلة لدى حكومات الغرب طوال فترة الحكم النازي لمنع قبول اللاجئين اليهود، وهي اعتبرت «مؤتمر ايفيان» في عام 1938 الذي دعا إليه الرئيس الأميركيّ فرانكلين دي روزفلت لمناقشة أوضاع اللاجئين اليهود، بمثابة تهديد حاسم للمشروع الصهيوني.
يزعم غرينستاين أن الهولوكوست لم تكتسب أي أهمية في الدعاية الإسرائيلية أو الصهيونية إلا بعد محاكمة أدولف أيخمان (في عام 1961) الذي اختُطف من الأرجنتين واقتيد إلى الكيان العبري حيث أُعدم. كانت عمليّة الاختطاف والمحاكمة أقرب إلى مسرحيّة صورية نُفّذت بعناية لأغراض البروباغندا. ربما لم يكن أيخمان بريئاً، وقد يتحمل قدراً من المسؤولية عن جانب من الهولوكوست، لكنّ القضاة الإسرائيليين كما لو كانوا يحمّلونه المسؤولية الكاملة عن الهولوكوست، ويبرئون ضمنياً أدولف هتلر والقيادات النازية العليا. تلك المحاكمة، كما يقول الصحافي الإسرائيلي توم سيغف، لم تكن حقاً تتعلق بأيخمان، بقدر ما كانت مهمة للدولة العبريّة من أجل محو فضيحة رودولف كاشتنر التي كُشفت (خلال المداولات القضائيّة لمحاكمة مالكيل غروينوالد) عن تآمر صريح لقيادات الحركة الصهيونيّة مع النازيين. كانت الحكومة الإسرائيلية قد رفعت دعوى عام 1950 ضد غروينوالد بتهمة التشهير بعدما اتهم كاشتنر علناً بالتعاون مع النازيين، علماً أنّ كاشتنر كان الزعيم الصهيوني في هنغاريا خلال الحرب العالمية الثانية، وفي «إسرائيل»، وعضواً بارزاً في «حزب ماباي». وجدت المحكمة وقتها أن غروينوالد قال الحقيقة، وبرّأته من تهمة التشهير، لكنّها ضمنياً أدانت كاشتنر، ومعه الحركة الصهيونيّة برمّتها. لم ينجح اغتيال كاشتنر لاحقاً في تغييب الدور القذر الذي لعبته قيادات الصهيونيّة وقتها ضد يهود أوروبا. لقد كان تصوّر هؤلاء عشيّة الحرب (العالمية الثانية) وأثناءها أن المذبحة اليهودية يمكن أن تكون بمثابة رافعة سياسية تخدم الأغراض السياسيّة للصهيونيّة، وأنه، كما نُقل عن بن غوريون، «من مصلحتنا استخدام هتلر لبناء دولتنا». ولذلك، فإن ماركة الهولوكوست ببساطة لم تكن رائجة، واتُّهم بالشيوعية كلّ مَن يتحدث بشأنها ـــ وهو أمر مشين في أزمنة الخوف المكارثيّ في الخمسينيات ــــ لأنها لم تتوافق بداية مع المصالح الإمبريالية الأميركيّة في تأسيس دولة يهوديّة في فلسطين.

لكن في وقت لاحق، اكتشف الصهاينة القوّة الدعائيّة الهائلة الكامنة في فكرة الهولوكوست، فتلاقت جهود إسرائيليّة وأميركيّة وبريطانيّة وألمانيّة على تحويل مأساة اليهود وغيرهم خلال الحرب الكبرى إلى سلاح ثقيل للإمبريالية، ودرع لإقصاء كل من يعادي الدولة العبريّة. لقد أعيد تدوير الضحايا اليهود لخدمة تدعيم تحصينات قلعة إسرائيل المزروعة في قلب الشرق، وأصبحت الدولة العبريّة وكيل تحصيل تعويضات عنهم. وهكذا أبرم قادة ألمانيا الجدد، الذين ربّتهم المخابرات المركزيّة الأميركيّة، صفقةً للتعويض عن ذنب النازيين مقابل إعادة استيعاب ألمانيا (الغربيّة) في التحالف الغربيّ الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتيّ، تضمنت تسليح الجيش الإسرائيلي وتزويد تل أبيب بالغواصات والتكنولوجيا النووية ومليارات الدولارات. لقد كانت الهولوكوست بهذا المنطق جيّدة لمصلحة المجهود الحربيّ الغربيّ خلال الحرب الباردة، وأصبحت حجر الزاوية في إعادة صياغة الرواية التاريخيّة حول الحرب العالميّة الثانية من صراع إمبرياليات متنافسة، استكمالاً لذات الصراع في الحرب العالمية الأولى، إلى مقارعة بين تحالف الديمقراطيّات والفاشيست الأوغاد.
في هذه السرديّة التاريخيّة الملفّقة، ينقسم العالم إلى أخيار وأشرار. ولذلك، فإن النازية مجرمة ويتم التشنيع بها بسبب الهولوكوست، لكن مذبحة التجويع البريطانيّ المتعمّد للبنغال في عام 1942 حيث قضى خمسة ملايين شهيد بأوامر مباشرة من «البطل القومي الرمز» ونستون تشرشل لا يكاد يسمع بها أحد.
يشير غرينستاين إلى بعض جوانب من مساحات إعادة صياغة تلك السرديّة في ما يرتبط بالحركة الصهيونيّة مثل دور الحركة في إطار المقاومة اليهوديّة ضد النازيين، إذ يروّج لمشاركة منتسبي الصهيونية في تنفيذ أعمال معادية للنازيين على أكثر من جبهة، لكنّ الحقيقة أن الأفراد القليلين من أعضاء الحركة الذين قاتلوا فعلاً، فعلوا ذلك تمرداً على التعليمات التي تلقّوها من قياداتهم بعدم المشاركة في المقاومة، وكان عليهم، بدلاً من ذلك – وفق التعليمات – أن يحاولوا الوصول إلى فلسطين حيث الحاجة إليهم ماسّة.

لقد ترأّس الجاليات اليهودية عبر أوروبا خلال الحرب أعضاء من الحركة الصهيونية، وهؤلاء تعاونوا – أو أُجبروا على التعاون – مع الحكومات التي هيمن عليها النازيون في جمع الذهب والأثاث من منازل اليهود الفارين، وإعداد قوائم بأسماء المناسبين لمعسكرات العمل. ولذلك، فإن مشاعر معظم الجماهير اليهودية تجاه الفكرة الصهيونية كانت سلبيّة للغاية. كان هؤلاء الصهاينة خونة لأهلهم وجنوداً لمشروع إمبريالي ليس يهودياً أصلاً، بل نتاج مطابخ المصنع الاستعماري الصليبيّ المتطرّف في الفضاء الإنغلو ساكسونيّ. حاول بعض الناشطين الأوروبيين اليهود الذين هربوا لاحقاً إلى «إسرائيل»، فضح تلك الممارسات الخيانية لقادة الحركة الصهيونيّة، إلا أن أصواتهم كُتمت وزوّرت مذكّراتهم المنشورة، وأخفيت خطاباتهم العلنية من الأرشيف.

ومع ذلك، فإن أكبر تزوير يبقى هو إعادة توظيف الهولوكوست للأغراض السياسيّة. لقد شرعت إسرائيل – دولة الحركة الصهيونيّة – باستخدام الهولوكوست بصفاقة ضد أعدائها. تحدث أبا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، مثلاً عن الخط الأخضر بين الضفة الغربية وحدود «إسرائيل» لعام 1948 على أنه «حدود أوشفيتز». أما ما علاقة الفلسطينيين الضحايا بالهولوكوست، فذلك ليس بالأمر المهم. لاحقاً، تم اختطاف مصطلح معاداة السامية (القروسطيّ) للخلط بينه وبين معاداة الصهيونية التي هي ظاهرة حداثيّة بامتياز. إن التعريف الصهيوني لمعاداة السامية الذي يروّج له التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست اليوم ويتبناه الإعلام الغربيّ وحكومات وأحزاب غربيّة لا علاقة له بالعداء لليهود كيهود. لقد أصبحت معاداة السامية اليوم تهمة معلّبة جاهزة تُلقى في وجه كل معارضة لما تفعله إسرائيل من جرائم بحق الفلسطينيين وجيرانها العرب.

أهميّة هذا الكتاب للسجلّ التاريخيّ لا جدال بشأنها، ومعرفة غرينستاين الموسوعيّة بموضوعه وقدرته على حشد التوثيق، تمنحانه مصداقية لا غبار عليها. لكنّه في الإطار العربيّ يكتسب أهميّة استثنائيّة كبرى كأداة لفهم منهجيات العدو الصهيونيّ وتفكيك ادّعاءاته ودحض حججه، وأيضاً تعرية كل تلك المبادرات التي يتقدّم صهاينة العرب المرتبطون بأنظمة السلالات الحاكمة للتطبيع مع الكيان الشاذ أو القبول بمشاريع – تعدّدت ألوانها – لدولة واحدة مع المستوطنين الغزاة. ولذا، لا بد من ترجمته إلى العربيّة بشكل عاجل، ونشره على أوسع نطاق.

:::::

“الأخبار”، 14 كانون الثاني 2023

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org