نشرة “كنعان”، 20 يناير 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6460

في هذا العدد:

العمامة: وتغييب ما لا يُغيَّب، عادل سماره

  • تباً للمحلل المنشبك

الحرب الاقتصادية على سوريا، رجا اغباريه

قراءة في رواية:

رشاد أبو شاور في “الحب وليالي البوم”، د. حسين جمعة

✺ ✺ ✺

العمامة: وتغييب ما لا يُغيَّب
تباً للمحلل المنشبك
عادل سماره


في حديثه أمس عن الخيارات أو السيناريوهات تجاه فلسطين حصرهما في خيارين:
1- حل الدولتين وفشله
2- خيار الصراع حتى النهاية وخاصة مع سلطة جديدة في الكيان انقلب فيها السياسي على القانون الأساس وعلى الحداثيين والمثليين…الخ.
صحيح أن خيار الدولتين وُلد بلا أمل حتى قبل اغتيال رابين. بل وصحيح ايضاً أن جماعة الدولتين كلما تأزَّموا يلوذون إلى الصراخ:
إن لم تتساهلوا معنا سنلجئ إلى حل الدولة الواحدة! ولكن هؤلاء، على الأقل، يطالبون بحصة من الوطن أو اقتسام الوطن مع العدو، أما جماعات الدولة الواحدة فلا يطلبون شيئاً سوى أن ينبطحوا تحت فرج الكيان! نعم هناك من الرجال والنساء من لا يناموا إلا كفراش تحت الذكور. ولذا من بين ثرثراتهم التغنج بأن الكيان يمارس التمييز العنصري!!! ولكن الكيان ليس بحاجة إلى عبيد ولا إلى”جارية، قيان، قادين، إقبال” وهذه درجات النساء في قصور سلاطين العثمانيين.
وهذا يذكرني بملهاة 1958 ومأساة 1961. أما الملهاة فهي أن أبرق الإمام البدر من اليمن إلى عبد الناصر حينما أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا نصُّها: “ضُمُّونا إليكم قبل أن تنفضُّوا”. جملة مختصرة وبليغه ولكنها غير قابلة للصرف ولا للتطبيق. فأُسميت الوحدة الكونفدرالية.
وحينما جرت خيانة الوحدة من البرجوازية السورية والنظام الأردني وأنظمة عربية أخرى بقيادة الإمبريالية ولصالح الكيان، ذهب الإمام البدر إلى المأساة حيث نظم قصيدة هجاء لعبد الناصر. كانت وحدة كونفدرالية بدأت ببرقية وفُكَّت بقصيدة هجاء. إلى أن جاء عبد الله السلال وأسقط الإمامية ودعمه عبد الناصر فلجأ الإمام لدعم السعودية والغرب والكيان ضد الجيش المصري الذي دعم السلال. طبعاً لا أحد اليوم يذكر السلال قط!!!!! وبالطبع اعتمد الإمام على القبائل التي كانت تقول له:
“يا دِقيق يا بنجمهر” أي إما ان تعطينا طحين أو ننحاز للجمهوريين أي للسلال.
هذا يمكن ترجمته في “تهديد” جماعة الدولتين بأن يذهبوا لخيار الدولة الواحدة إن لم يحصلوا على حل الدولتين.
لا أدري لماذا لم يتحدث صاحب العمامة عن هذا الخيار الخطير والذي عمره مئة عام ولم يمت!
غير معقول بأن حصافته وفطنته فقدت التقاط هذا الأمر الخطير. بل هناك اليوم حديث عن دولة فدرالية واحدة من القاهرة لغزة للقدس المحتلة إلى عمان والهدف تذويب فلسطين في هذا الزواج المتعدد بل المشاعي.!!!
لا يشغلني أن يتحقق هذا أم لا. لكنه يندرج في ما كتبت عنه منذ ثلاثين عاماً بعنوان “اندماج الكيان في الوطن العربي اندماجا مهيمناً”. وهذا يتجلى في تسونامي التطبيع الجاري هذه الأيام.
هناك فيالق من مثقفي الطابور السادس وحتى المثقفين المنشبكين الذين يشتغلون بإشراف صهيمريكي ليل نهار على هذا، وقد اخترقوا حتى أنظف اليسار الذي بات بعض قادته يتغنجون بهذا الشعار ولم يبق إلا أن يكتبوا بالعبرية.
خطورة هذا الشعار، أي الدولة الواحدة، هي في الصمت والانتظار لأن هذا برأيهم “حتمية تاريخية”. ياللهول من هكذا تمركُس!. هؤلاء لا يقلقون على كم من العذاب سنواجه حتى تحصل الحتمية ويتجاهلون أن الناس تصنع ظروفها ايضاً. ولا يفهمون أن هذه “رؤية” لا يأتي زمانها بغير الكفاح. لكنهم يحقنون الكفاح بالخِضاء.
إن نفس هؤلاء “المثقفين” هم الذين مثَّلهم عزمي بشارة ما بين 1991 وحتى 2011 وخلال هذه الفترة كان في حضن الشام وحتى يتدفّىء بحضن العمامة حيث زُيَّن للعمامة بأن هذا عبقري وليس عضو كنيست! واليوم فرّخ هؤلاء جيوشاً من المتثاقفين ووصلوا حتى إلى شعار: “دولة مع المستوطنين” وزعيم هذا الشعار يعيش في بيروت المدعو د. يحيى غدار الذي يزعم تجمعه الدولي أنه مع خيار المقاومة ومع دولة مع المستوطنين! وهو بلا شك مدعوم ممن يرون الحل في فلسطين حلاً بين الأديان الثلاثة، وهذه طبعة من الإبراهيمية وإن كان اصحابها يزعمون انهم ضد الإبراهيمية!!! طيِّب كييييييف! فاي عمى أو خبث! أليس هذا عجيباً! يناسب هذا قول فيروز: “وك يا جِديْ”.
هذا يقودنا إلى السؤال: ماذا يفعل مستشارو العمامة؟ لماذا يغيِّبون توسع هذا السرطان عنه؟ بل وماذا يفعل أو يقول “المحلل المنشبك”. فالمحللون المنشبكون حين يحللوا اقوال العمامة يحصرون أنفسهم في ما قال وفقط، هم في الحقيقة يُسبِّحون لا اكثر. وهذا ضار للرجل، هذا وفاء انتهازي. شاهدت أحدهم أمس على الميادين يكاد يرقص وهو يمدح العمامة. صحيح أن العمامة تستحق المحبة والمديح ولكن هناك ما يجب أن يُقال. وعلى الأقل أن تتعظ الناس من سوءات مستشاري عبد الناصر وخاصة هيكل.
ذكَرني هذا المحلل المنشبك بالراحل محمود درويش حين التقاني أحد أفضل المثقفين والشعراء هنا. سألته إلى اين:
قال: رايح على جلسة نقرأ لمحمود درويش من اشعاره”!!! قلت له “الله لا يجبرك”
أيها السادة حريق البخور لا يُضيف لقداسة المعبد شيئاً.
قوى التسوية والتطبيع والدين السياسي بل وكل الثورة المضادة لديها نفس خبث الرأسمالية التي تتلوّن كثيراً كي تخرج من مأزقها فتُخرج لنا كالحاوي أفاعي من فمها. والدولة الواحدة سواء بإضافة كلمة المستوطنين إليها ام لا،هي إحدى هذه الأفاعي. والدولة الواحدة لبشارة وصرخة غدار لدولة مع المستوطنين هي أفعلا وإن كُتبت بخطاب “ماركسي” مضحك فهو يشتم سلطة الحكم الذاتي ويمسح تاريخ كل الفصائل بزعم الجذرية ويرتمي في حضن الكيان.
وعدم تذكير الرجل بهذا هو خبث وربما تواطؤ مع اصحاب هذه الخدعة.
من يؤمن بمحور ا.ل.م.ق/أو/م/ة عليه أن يُنير لها كامل المشهد. لا أن يقول لها ما تُحب وحسب.

✺ ✺ ✺

الحرب الاقتصادية على سوريا

رجا اغباريه

عضو المكتب السياسي لحركة “أبناء البلد” وأمينها العام السابق

كانت حركة “أبناء البلد” في الداخل الفلسطيني المحتل منذ عام 1948 هي التنظيم الأول الذي قرأ لوحة الصراع في المنطقة بشكل دقيق، ما سمي في حينه “الربيع العربي”، خاصة بعد سقوط النظام القومي الليبي على ايدي الناتو.

كنا قبل ذلك مع اسقاط النظامين الفاسدين في مصر وتونس، وقد اعتبرنا هذا ايضاً يندرج ضمن سياسة أمريكا الرامية الى تحديث الأنظمة الموالية لها في مصر وتونس، بأنظمة مقبولة على الشعب أو نتاج تحرك شعبي هناك، حيث قطف “الاخوان المسلمون” ثمرة انتفاضات شعبية حقيقية لم يبادر لها الإخوان، بل انضموا بحذر وضمن اتفاق واضح مع الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم زمام السلطة في هاتين الدولتين للإخوان، بصفتهم القوة الأكبر المنظمة في هذه الدول.

إلا أن عملية اسقاط النظام الليبي رغم أي انتقاد له على أيدي “الناتو” مباشرة، تحت مظلة ما سمي زوراً وبهتاناً بالربيع العربي، كشف النوايا الاستعمارية الناتوية الحقيقية وراء إطلاق ودفع القوى النيوليبيرالية والإسلاموية التي تدور في فلك امريكا لتخترق صفوف الجماهير العربية المنتفضة، ولتختلط فيها مع القوى القومية واليسارية المتعطشة للثورة الحقيقية على هذه الأنظمة الفاسدة الموالية للغرب و”إسرائيل “، كذلك فعلت بتريث قوى الدين السياسي المتمثلة أولاً بالإخوان المسلمين. وقد تعلمنا الدرس واستنتجنا النتائج السياسية الصحيحة، ووقفنا مع سورية دون تلعثم او تردد كما فعل البعض الفلسطيني والعربي..

وجاء دور دمشق بصفتها العاصمة العروبية التي كانت وما تزال تمثل قلب العروبة النابض، العاصمة التي احتضنت المقاومة الفلسطينية عندما كانت مقاومة حقيقية، وحتى يومنا هذا، بما في ذلك الصفح لحماس مؤخراً عن مشاركتها في بداية العدوان الدولي على سوريا عام 2011 .

دمشق، العاصمة العربية التي احتضنت لاجئي فلسطين عام 48 وعاملتهم كمواطنين سوريين في حياتهم اليومية مع الحفاظ على هويتهم الفلسطينية كي تؤمن ديمومة مشروع المقاومة في العودة والتحرير لفلسطين.

دمشق هي العاصمة العروبية التي وقفت مع الشعب العراقي أثناء الغزو الأول والثاني للعراق واستقبلت اللاجئين العراقيين وتقاسم معهم الشعب السوري لقمة العيش، كما فعلوا مع الفلسطينيين واللبنانيين اثناء الحروب الامبريالية والصهيونية عليهم.

دمشق، العاصمة التي تشترك مع فلسطين المحتلة بحدود سورية محتلة ايضاً، هضبة الجولان ومشتركة معها في هدف تحرير فلسطين والجولان وكل أرض عربية تحتلها دولة الكيان الصهيوني من أرض الأمة العربية.

دمشق العاصمة التي بنت دولة مستقلة اقتصادياً، غير مدينة للغرب ولا للبنك الدولي وعندها اكتفاء ذاتي في الزراعة والصناعة والنفط، ملكت حتى بدء العدوان عليها، كما افصحت مصادر غربية احتياطي نقدي يكفي سوريا عشر سنوات تحت الحرب. ولم يكن صدفة أن سوريا التي فقدت في البداية نحو 80% من أرضها، استمرت تتصرف كدولة وصرفت رواتب موظفي الدولة والجيش والشرطة والمرافق العامة، في الأراضي التي سيطر عليها مسلحو “داعش” و”النصرة” وباقي قوى العدوان الذين أدخلوا للأراضي السورية من تركيا والأردن ولبنان والعراق ..

نعم هذه دمشق التي أوقفت العدوان الدولي على أبوابها، ثم صدته، لتتمكن من تحرير معظم أراضيها.

ما يزال نحو 30% من الأرض السورية تحت الاحتلال الأمريكي – صهيوني – تركي – كردي ، الأمر الذي يحتم على الجيش العربي السوري أن يبقى على أهبة الاستعداد حتى تسمح الظروف الدولية التي تحدد رتمها ومسارها روسيا وأمريكا ، في معسكرين جديدين صنعتهما دمشق التي أخرجت روسيا من حدودها لتعيد العالم الى متعدد الأقطاب، الأمر الذي أوضحت معالمه العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ، التي تم التصدي فيها للهيمنة الأمريكية النووية على أبواب موسكو .

هذه سورية التي تصنف إمبريالياً وصهيونياً أنها اخطر دولة عربية على وجود دولة الكيان الصهيوني، صنيعة ومدللة الغرب وقاعدته الاستعمارية المتقدمة في المنطقة، حيث يشرعنها ويلتزم ببقائها معظم دول العالم بما فيها روسيا (وهذا موضوع آخر)، بما فيها الكيانات العربية العميلة التي تشبه نشأتها ودورها، نشأة ودور الكيان اليهودي الصهيوني التوراتي في فلسطين، التي كشفت عمالتها التاريخية المخفية مؤخراً واظهرتها للعلن عبر اتفاقات ” ابراهام ” ..

وعندما صمدت سوريا عسكرياً بدعم من شعبها وجيشها وحلفائها في محور المقاومة، إيران وح زب ال ل ه وروسيا وبعض القوى الفلسطينية والعربية، امام كل هذا الطوفان الاستعماري العالمي العولمي، المعنون بأكذوبة” حقوق الانسان والديمقراطية وحرية التعبير والرأي” .. الخ، وجميعها أقوال حق يراد بها باطل، هدف وما يزال الى إسقاط الدول العربية القومية تحديداً التي قالت لا للاستعمار ولـ”إسرائيل”، حيث ما زالوا يسعون الى تفكيكها في اقل انجاز ممكن للاستعمار ، بهدف توسيع مساحة سايكس بيكو الامبريالية التي أسست للكيانات العربية الموجودة ولـ”إسرائيل” .

لقد هدفوا لإسقاط الدول والأنظمة القومية وتفكيك دولهم الى كيانات طائفية، رغم أي نقد داخلي صحيح عليها – وأنا في هذا المقام أردت ان أرى وامتحن هؤلاء المتفذلكين الذين ينتقدون عجز الأنظمة القومية العربية في عدم التمكن من توفير الحياة الكريمة المطلوبة وبحق، في إطار انتهاج سياسة سيادة الوطن وصون كرامة الشعب امام دول العدوان. كيف كانوا سيفعلون ذلك، بغير الارتماء باحضان أمريكا والاستعمار، الأمر الذي رفضته العراق وسوريا وليبيا.

معروفة هي تجارب الدول الأخرى التي خضعت لإملاءات أمريكا، انظروا اليها، هل تتمتع بوضع اقتصادي مزدهر أكثر من سوريا! لا والله!

هناك ثمن للاستقلال والسيادة ومعاداة الاحتلال والاستعمار تدفعه الشعوب المعنية من خلال الحصار الاستعماري الجائر عليها، انظروا إيران وروسيا وحتى الصين، جميعها يتعرض ايضاً لحصار ولعقوبات.. إنها حرب كونية بين الاستعمار وأعداء الاستعمار. لكن هذا لا يعفي الانظمة الحاكمة من إيجاد الطرق وتشكيل التحالفات والتعاون الاقتصادي فيما بينها كي تصمد وتواجه اقتصادياً ايضاً دول الاستعمار، وهذا فعلاً ما يحصل، لكن هذا يحتاج الى وقت ، لا يوفره لنا الاستعمار الذي يفتح لمعسكرنا جبهات جديدة كلما هزم في أي جبهة  ، في أي مكان بالعالم .

إنها الدول المعنية التي قالت نعم للاستقلال الاقتصادي ونعم للديمقراطية الوطنية المستندة إلى تلك اللاءات للاستعمار ونعم للسيادة الوطنية، نعم لتحرير العرب من الاستعمار الخارجي وادواته الداخلية، نعم لتحرير الأرض العربية المحتلة، وفي المقدمة منها قضايا العرب الأولى فلسطين وسوريا واليمن وليبيا والعراق …

عندما فشلوا في تحقيق مآربهم الاستعمارية عسكرياً وتقهقروا على معظم الأرض السورية، فتحوا الحرب الاقتصادية من خلال “قانون قيصر” الأمريكي ومن خلال حصار عسكري جائر تتصدره أمريكا، بدون أي قرار دولي  ومعها  كل دول العدوان ودول عربية وتركيا، يتكالبون جميعاً لتجويع الشعب السوري ودفعه هذه المرة لإسقاط نظامه المعادي للاستعمار وتفكيك جيشه وكل مرافق الدولة  الصامدة . انهم يحاولون تكرار النموذج “الديمقراطي جداً” في العراق وليبيا، الذي قسم البلاد الى مناطق نفوذ طائفية وولاءات عشائرية جله مرتبط عبر رموزه بالاستعمار الأمريكي، باستثناء قوى المقاومة هناك.

سوريا اليوم تعاني من انقطاع المياه والكهرباء والقمح والنفط، وكل هذا متوفر على ارض سوريا، لكنه منهوب من دول العدوان والاستعمار الأمريكي، التركي والعربي والصهيوني …  انها الحرب الاقتصادية المستمدة من العدوان العسكري عليها، الأمر الذي يذكرنا بحصار العراق من عام 1993 حتى تم انهاكها واحتلالها بعد عقد من هذه الحرب الاقتصادية.

نعم هذا هو حال سوريا اليوم.

فلنتحد جميعاً، احباب العروبة وسوريا واليسار والإسلام المقاوم للاستعمار، كي لا نسمح بعراق جديد ولا ليبيا مقسمة جديدة. ولنمتثل لصوت شعوب الامة العربية الذي انتفض في مونديال العرب، حيث خيبوا آمال” إسرائيل” وكيانات التطبيع العربي، وقالوا لهم” لا يوجد إسرائيل، يوجد فلسطين فقط “، ونحن نقول لدمشق، باسم كل فلسطيني حر ومقاوم للاستعمار الصهيوني والعالمي، اننا نقف مع سورية ليس منة، بل وفاءً مع الدولة التي وقفت مع فلسطين وكل أحرار الأمة.

واخيراً نقول للمترددين والمخدوعين نحن مع سوريا ايضاً لأننا مع فلسطين.

ليرفع الحصار عن سوريا وغزة فوراً. ليسقط الاستعمار في سوريا وفلسطين وكل الوطن العربي والإسلامي، الاستعمار العسكري المباشر والاستعمار بالوكالة. إنها أمة عربية واحدة، قلبها النابض دمشق، شاء من شاء وأبى من أبى.

:::::

موقع الراية

20 يناير، 2023

✺ ✺ ✺

قراءة في رواية:

رشاد أبو شاور في “الحب وليالي البوم”

د. حسين جمعة

يتابع رشاد أبو شاور في روايته «الحب وليالي البوم» تدشين مشروعه الإبداعي الذي انطلق في ستينيات القرن الماضي، وانكب فيه على تقصيّ مأساة شعبه الفلسطيني، بحيث أضحت الكتابة عنده – نموذجَ سلوك، وشكلاً من أشكال التأمل والتفكير والإحساس المتوتر النابض بمجريات الحياة وواقع الناس المعيشي والاجتماعي والسياسي. وأبو شاور وهو يجتاح عالم اللاجيء الفلسطيني، ويتجسس على المرارات التي كابدها في مسيرته التعيسة من بداية تشرده إلى استقراره في مخيمات الذل والعار، لم يكن بحاجة إلى استلهام رهيف أو خيال غامر مخيف؛ لأن مادة أعماله زاخرة بكل غريب وعجيب؛ فمصيبة وطنه أعظم من أن تحتمل سواء أكانت من العدو الغاصب أو من الجوار الموارب.. فالمادة الخصيبة عوضته عن البحث عن أدوات تشكيلية مكافئة لما جرى ويجري، وجعلت من الواقع المشؤوم القاسي مادة خاصة توميء إلى منهجه المتفرد المشحون بجرأة في القول والتعبير، وفي طرح الإشكاليات الحارقة؛ فالاشتباك مع النكبة الفلسطينية لا يحتاج إلى خيال فسيح ولا إلى قريحة شكسبير لتجسيد أغوار المأساة وإيقاف صديد تقرحات المكابدات الحزينة التي غمرت الروح، وغزت القلوب وكتمت الأنفاس.

ومن هذا المنطلق كان ميله إلى بلوغ أقصى درجات المصداقية في تجسيد النكبة، وإعادة هيكلة وجهها الحقيقي، وجلاء الأجواء القاتمة للكارثة الفلسطينية على مختلف المستويات بإيراد أدق تفاصيل الأحداث ومجرياتها، والاجتهاد في تقديم بانوراما تاريخية شاملة تنتظم وحدة مصير الشعب وكفاحه العنيد عبر الشخوص الفاعلة والملابسات القائمة. وعليه، يُعتبر هذا العمل رواية شخوص وأحداث في ظروف قاهرة، وفي غاية من التعقيد وفقدان الوطن والأمل في استرداده.. أي أنه تجسيد لحياة شعب في لحظات انعطاف حادة من التطور التاريخي، حياة زاخرة بالآلام والحيرة والضياع، تتلاعب بمصائر شخوصها الأهواء والعواصف العاتية، بحيث تتبدى درامية الأحداث وسخونتها، وضبابية مآلاتها من خلال تنظيم مجرى الوقائع وبناء السرد لتدعيم سياق جدلي يربط الأحداث بمصير الشخوص في وحدة متماسكة ذات ملامح مشتركة عامة، تتجلى فيها هذه الشخوص والوجوه الفاعلة في تيار التقلبات التاريخية الفعلية بنصوع تام، وشاعرية ملموسة توحي بإحساس نابض بتاريخ الشعب وتراثه وما يحمله من عادات وتقاليد تسري في دم الأجيال، وتشحن مكامن البطولة في نفوسهم.

يبدو أن رشاد أبو شاور بعد أن تحصّن وتقوّى بخبرات السنين في الحياة وفي الكتابة، أراد أن يتخفى في زي ضمير الغائب، ليستوفي ما تم السكوت عنه من المصائب التي حلّت بالشعب الفلسطيني، ويستبيح بعض المناطق المعتمة والمغيّبة، التي تكشف الستار عن الشقاء والمعاناة في ظل التهجير القسري من قبل العصابات الصهيونية الغادرة للفلسطينيين، وتشتت شملهم وعائلاتهم في مخيمات بائسة وملابسات لا إنسانية فائقة؛ فلجأ إلى رواية ما عايشه طفلاً، واستقر في مخزون ذاكرته الثاقبة، وما تحصّل عليه من محيطه ومن والده بالذات عما صادفهم في هذه المسيرة المظلمة، في عمل فني يقع في 450صفحة من القطع المتوسط، ينير فيه طيفاً من مجريات الكارثة، وشدة الصدمة وعظم الفجيعة التي حاقت بشعب كامل لتمرير المشروع الصهيوني في خدمة المصالح الإمبريالية في المنطقة. 

ذاكرة الطفولة – ذاكرة مرهفة تتذكر كل شيء ولا تنسى أي صغيرة أو كبيرة، لا سيما إذا كانت حصيلة زمن قاسٍ متخاذل ماحق للشخصية الإنسانية؛ مما يستثير الرؤية الطفولية لتنسج ما هو واقعي يقيني وتاريخي ملموس وتدمجه بما هو شاعري عبر منظارها الخاص المتفرد، وتزينه باللحن الرومانسي لتصنع عالمها الذاتي المخصوص الذي تجلى على أنصع وجه في هذه الرواية التسجيلية التي أقامت الجسور المتينة بين الإنسان والطبيعة.

الطفل رشاد عاش مأساة النكبة بكل جوارحه وهمومه من موت والدته وشقيقته، وعيشه مع والده وحيداً إلى ما تعرض له هذا الأب من محنٍ وسجنٍ وتعذيب وهروب من المخيم إلى ساحة أخرى، وحتى غدا مع الزمن كاتباً مرموقاً ومعروفاً، تولدت عنده رغبة عارمة في القص عن نفسه وحياته ومصيره ووسطه الاجتماعي، وعن كيفية عيشه ومسيرة حياته. وقد كان للبيئة التي احتضنته صغيراً، وللمصير الذي آل إليه شعبه، وكذلك سنوات طفولته الممزوجة بالحرمان والقلق المربك، تأثير متعاظم على مستقبله، وأفضت إلى شحن الطفل بالجرأة، وسكبت في عضده قوة وشدة ظاهرة بعد أن فتحت ذهنيته على التعرف على العالم وعلى المصائب التي نالت من شعبه ومنه شخصياً. أمضى رشاد – الكاتب – حياة سلوكية انفعالية من أولى خطواته وبدء معاناته مع شعبه إلى أن أصبح يافعاً، حياة ترافقت مع مسار النكبة الفلسطينية المظلّلة بالقسوة والمكابدات الشديدة، والمشحونة بدرامية مزعجة. معاناة الكاتب جزء لا يتجزأ من معاناة شعبه، وظاهرة من ظواهر الزمن التاريخية الحادة – فوجب عليه أن يكتب تاريخه وتاريخ زمنه، بحيث تعود الذاكرة حية ناصعة تتوسع في نقل المعلومات الوثائقية شبه الدقيقة، وتغدو لحناً حزيناً للإنسان الطائر في الزمان والمكان، تدعم تحليل نفسيات الأبطال والشخوص المشاركة في الأحداث واستبطان نذر الملابسات التاريخية الملتفة حول مصائرهم، والدالة على سلوكهم وتصرفاتهم؛ فجاءت الرواية لوحة فنية متقاطعة ومتشابكة من الروابط العائلية والحزبية، تقدم صورة أصلية شبه تامة لحالة التشرد الفلسطيني والعيش خارج الوطن في ظروف مخيمات الإذلال والتجويع والرعب الدائم، وكل ما ورد في الرواية من أسماء وشخوص- هي وجوه حقيقية لأناس عاشوا المرحلة واكتووا بنيرانها ولظاها الحارق.     

في لجة استخذاء الجيوش العربية وهزيمتها المخجلة أمام العصابات الصهيونية المنظمة والمعدة إعداداً صارماً، توصل الفلسطينيون إلى قناعة تامة بأن وطنهم قد ضاع، وهم في المغاور والكهوف وتحت الأشجار في فصل الشتاء المرعب، فكان لا بد من البحث عن حل بعيداً عن التعويل على الغير الذي اعترف بتقصيره وعدم كفاءته، وأنه غير قادر على استرداد ما سلبه وتمت السيطرة عليه، وفي هذا الشأن يقول الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى):

زعماء! دنّسوا تاريخكم

 وملوك شردوكم دون ذنب

وجيوش غفر الله لها

 سلمت أوطانكم من غير حرب

بعد أن أجهزت هذه الجيوش على المقاومة الفلسطينية، وصادرت سلاحها بحجة عدم تمتعها بالخبرات اللازمة للحرب. إذن، ما العمل؟! رأى بعضهم، ويمثله بعض المخاتير أن الحل في رفع الراية البيضاء والعودة إلى القرى المهجورة، والعيش مع اليهود جنباً إلى جنب، لأن الفلسطيني لم يرتكب أي جريمة أو ذنب بحق هؤلاء الأغراب. وعليه، يمكن أن يسمحوا لهم بالعودة إلى بلداتهم وقراهم. وقد احتشد عدد من المشردين في مجموعة حملت الرايات البيض، وتوجهوا حيث تواجدت المجموعات اليهودية. لكن، ما إن اقترب الحشد من بعض الأحراش حتى انهال الرصاص المكتوم عليهم؛ فقتل شخص وجرح آخر، وطلب منهم العودة، وإلا فالموت المحتوم في انتظارهم. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل أن هذه العصابات المارقة قامت بطرد الفلسطينيين عن سابق إصرار، وليس في نيتها التعايش مع الفلسطينيين، وأبلغ إثبات على ذلك مذبحة دير ياسين ومذبحة الطنطورة، ومذابح الدراويش في قرية حتا وفي بلدة الدوايمة وغيرها. ولذكر الدوايمة هنا وقع خاص، إذ أن سالم الدوايمي كان صاحب الحل الثاني، وهو ومعه جماعة من المسلحين الآخرين، الذين لم يرفعوا الرايات البيض، ولم يستسلموا لا للعدو ولا للصديق. وكان عليهم أن يسعوا إلى التغلب على الطرفين بشتى الطرق الكفيلة بإنجاز مهماتهم وواجباتهم الكفاحية. ومع الأسف، فإن هذا التوجه لم يجد من يسنده ويدعمه، وألمع من ذلك فقد وُجد من تصدى له وعمل على إخفاقه، كما تبرز الرواية الأثر المعطل لهذا الحل جراء مؤتمر أريحا الاستباقي الخياني ووحدة الضفتين، ووقوع الفلسطينيين في قبضة الأجهزة الأمنية القمعية للنظام في الأردن، التي ارتكبت من المظالم ما لا يطاق تحت عنوان فرض «هيبة الدولة»، لخدمة المشروع الصهيوني وتثبيته في أرض فلسطين. وكان لاستلهام هذه الحيثية الأثر البالغ في سلوك الشخصية الرئيسة في الرواية، ورفضه المشاركة في مؤتمر أريحا المشؤوم، انطلاقاً من تلقائية وعيه بأن هذا المؤتمر مؤامرة على الشعب الفلسطيني، وعلى كفاحه في سبيل استرداد أرضه وكرامته. ولعل نشاطه الروحي هذا نشأ وتبلور في نطاق نفسيته التي قامت على إمكانية إعادة إنتاج الانطباعات الماضية التي حركت أحاسيسه، وأضحت معالم من الأفكار الحبيسة التي تحتاج إلى مفجر أو آمر أخلاقي أو اجتماعي لاشتعالها. شخصية محمود شاور (أبو رشاد) شخصية حقيقية تشكلت في ذكرين، وكبرت حدّ الهرم في مخيمات الذل والهوان، وقطعت مشواراً عامراً باللدغات والجروح النازفة. تعرف على عصبة التحرر الوطني الفلسطينية، واقترب من بعض مؤسسيها، وبعد النكبة وتأسيس الحزب الشيوعي الأردني، انتسب إليه وانضم إلى تشكيلاته التي شرعت تعمل في الخفاء في معظم مناطق البلاد؛ مما عرضه للسجن ولأبشع ألوان التعذيب الجسدي والنفسي، وحرمه – هو وابنه- من أسباب العيش البسيطة. ناهيك عن التهم المجانية التي كان يبثها حراس النظام وسماسرته وجلاوزته عن الفساد الأخلاقي والأسري والسلوك الإباحي للشيوعيين، وانتهاكهم للمثل الإسلامية، والقيم المتعارف عليها في المجتمع؛ مما كان يعرضه للإحراج والإيماءات الخبيثة، واللمز الخفي على فعلته الشنيعة، بانتسابه لحزب مجرّد من الأخلاق والمواصفات الحميدة.

لم تكن علاقة أبو رشاد بالحزب الشيوعي علاقة تسليم بكل ما يصدر عن الحزب من تعليمات وأوامر، فقد راودته الحيرة من بعض المواقف، ومنها تسمية الحزب بالحزب الشيوعي الأردني، وتساءل: أين فلسطين؟ كما لم يسلّم تماماً بما جاء في بيان تشكيل الحزب الذي لم يأت على ذكر فلسطين، وإنما اقتصر على عدد من المطالب الاجتماعية والسياسية، ورفض فكرة ضم قطاع غزة إلى إسرائيل، التي طرحها بعض أعضاء الحزب، والتي لم تجد لها أي صدى عند معظم من تم أخذ رأيهم في هذا الشأن. وعبَّر داخلياً عن احتجاجه على عدم ترشيح الدكتور عبد الرحيم بدر إلى الانتخابات النيابية بعد أن كان يرافق الدكتور زيادين في الانتخابات السابقة على انتخابات عام 1956 التي أفرزت مجلساً نيابياً لم يتكرر في تاريخ الأردن، الذي أفضى إلى وصول سليمان النابلسي إلى رئاسة الوزراء لمدة قصيرة، حيث تمت الإطاحة به بالتآمر على الشعب وعلى الحكومة، وجيء بحكومة سمير الرفاعي التي أعلنت الأحكام العرفية وحالة الطوارئ في البلاد، وانقضت على الحركة الوطنية، وأدخلت معظم الناشطين الوطنيين في السجون والمعتقلات، ومن لم يقع في قبضتها هرب إلى سوريا ليصبح لاجئاً سياسياً، ومن بين هؤلاء كان أبو رشاد وابن أخيه أحمد. وأحمد هذا هو الشيوعي المعروف أحمد أبو شاور، الذي لم يكن يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، لكن السلطات لم تكن ترحم أحداً آنذاك. لم يكن موقف أبو رشاد من ضبابية طروحات الحزب حول بعض القضايا، لا سيما القضية الفلسطينية فريداً، فقد شاركه كثير من الشيوعيين هذا الموقف. لكن، ما يهمنا هنا، هو استغراق السارد في باطن الشخصية الرئيسة، والتوغل في أعماقها جراء الأحداث المتسارعة التي كانت تغزو الساحة الأردنية والعربية كي يبلغ القصد الفني الذي أراد أن يبلوه ويتحرّاه، وهو ما كان يؤرقه ويتساءل عن الدرب المستقيم الذي ينبغي أن يسير عليه، وما يتماشى مع سياسة الحزب ومواقفه، حتى في حبه وكرهه، مع أن الطهارة الملائكية غير ممكنة، وأن البطل المثالي هو من يستطيع تجسيد المثال الجمالي إلى الحد المعقول الذي يتسق وواقع الشخصية الإنسانية، والبيئة الاجتماعية التي يتحصن فيها، ويحيى في إطار مثلها وأعرافها، حيث يتلازم صدق الحياة مع صدقية الفن.

الرواية عامرة بالتفاصيل الدقيقة، والرصد الثاقب لكل ما جرى من أحداث ووقائع من بداية أيام النكبة إلى مغادرة الشخصية الرئيسية البلاد إلى الخارج، وكان المؤلف يهيمن على مادة السرد، ويحاول إخضاعها للحالات المشحونة بالدرامية لإنجاز المهمة التي أراد توصيلها للقاريء والمتلقي، ويقول له كم عانى الفرد الفلسطيني من مكابدات وإذلال وحرمان من أبسط ألوان العيش، والتعدي على كرامته الشخصية والمعنوية، وأن مشواره في الحياة لا يزال شاخصاً حياً ما دام لم يسترجع وطنه ويعود إلى أرضه المسلوبة.

ومن هنا ترك المؤلف النهاية مفتوحة لشتى الاحتمالات، وكأنه يقول: الإنسان
– وأخص الإنسان الفلسطيني – عابر سبيل تائه في الزمان والمكان، يقطع المسافات ويجتاز العقبات، ولا يعرف متى النهايات.   

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم… تابع القراءة….

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:

https://kanaanonline.org/

  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org