نشرة “كنعان”، 19 يوليو 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6593

في هذا العدد:

عادل سماره:

  • محاكمتي…التطبيع…من يجلب الشاهد!
  • تسمين “الفتية…خيانة”
  • سؤال بحريني

زمن الغضب، موفق محادين

قمة “الناتو” لأوكرانيا: استمروا في القتال والعضوية مؤجلة، د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

✺ ✺ ✺

د. عادل سماره:

  • محاكمتي…التطبيع…من يجلب الشاهد!
  • تسمين “الفتية…خيانة”
  • سؤال بحريني

✺ ✺ ✺

(1)

محاكمتي…التطبيع…من يجلب الشاهد!

ورد في نص النيابة العامة بتاريخ 2 تموز 2023 لتجديد محاكمتي في محكمة النقض نقداً للمحاكم من باب أنها لم تستدعي شهوداً ضدي.

أترك هذا للسادة القُضاة للرد.

لكنني أتعجب جداً من أن المحكمة اصدرت على مدار خمس سنوات استدعاء للشاهد محمد جميل شريتح من قرية المزرعة القبلية/رام الله ليمثلُ أمام المحكمة ولم يفعل! ولا أدرى ما هو الجهاز الكفيل بجلب الشهود طالما أن القانون يُرغمهم على الحضور.

أنا الذي طلبت هذا الشاهد، وهو خصمي ومع ذلك لم يتم إحضاره.

وهو الذي قال لي بأن المدعية طلبت منه أن يتصل بها هاتفيا ويهددها على أنه د. عادل سماره وبأنها سوف تفتح له محل تجاري على حسابها وملكيته مناصفة.

جاء لمكتبي وأخبرني بهذا وقال لن افعلها لأنك كاتب ومفكر ومناضل…الخ. ووعد أن يحضر المحكمة ويشهد بما قاله لي. ومع ذلك لم يحضر إلى المحكمة ولم يتم إحضاره!

  كنت ولا زلت أرى من حقي أن يتم إحضاره لأن حضوره مهما قال سوف يكشف ما يُسقِط القضية حتماً.

كل ما يتعلق بما أوردت أعلاه موجود في شهادتي في المحكمة.

لذا، من حقي تفعيل إحضار هذا الشخص.

ملاحظة: أنا لست حقوقياً، لكنني استغرب ان النيابة العامة تقف فورا في جانب المشتكي قبل التيقن إن كان صادقاً أم لا. هكذا موقف يعني أن يُعتقل المُدَّعى عليه وإذا ثبتت براءته يُفرج عنه ربما ب: ناسف!

أعتقد ان المفترض أن تقف السلطة على الحياد إلى أن يُثبت المدعي صحة مزاعمه.

(2)

تسمين “الفتية…خيانة”


هي تسمية أطلقتها بشكل اساسي على أدوات فلسطينية من المحتل 1948 تخدم الكيان وخاصة قدرتها على الظهور بمظهر وطني وثقافي ومن ثم احتضانها خارج الأرض المحتلة وتعاليها على المحور إلى أن تنكشف ووصول المحور إلى عشق أعمى لهؤلاء حيث لم يسمعوا ولم يقرؤا في المحور حتى صُفعوا، وللأسف تكون الصفعة للوطن. ليس عزمي بشارة وحده الذي “فعلها في المحور” وحين بدأت أكشف دوره منذ 1994 انتفض كثيرون بأن هذا تجنياً، وآخرون لم يقرؤوا وأقفل على قلوبهم وبصيرتهم وقال متطفلون على الفكر: “انت تغار منه”!!! بل هناك عزميون كُثر يجولون لصالح الكيان.
حين تقرأ مقالا بعنوان لافت عن الكيان، ولا تعرف أن كاتبه طبَق نموذج “دولة” مع المستوطنين حيث عاش في الموشاف مع سيدة منهم لذا اسميته “فتى الموشاف” وحين سألت الرفيق الراحل احمد حسين عنه قال حرفياً:” ليس لدي علم باي شيء إلا أنني اشتبهت اشتباها بأنه مفتوح على كل أنواع العلاقات وقد أدى هذا إلى توقف علاقتنا”.
ثم أصبح يُسمَّى هذا استاذا وكاتبا وتتلقف مقالاته مواقع إلكترونية تعيش كطفيليات على أموال المحور يشرف عليها اشباه متعلمين! ثم يُقال “يساراً”! وهناك من ادعوا انهم صنعوا انتفاضة ثالثة واستقبلهم المحور كفاتحين/ات … وهناك وخاصة في الأردن فلسطينيين يقومون بشطف وتسويق هؤلاء الفتية. حين ترى كل هذا الهُزال لا يجدر بك سوى الضحك المُر.

ملاحظة: لأن كثيرون في المحور فقراء فكريا ونظريا وثقافيا، فهم ينبهرون باي خطاب، فيكون الخطاب حصان طروادة.

(3)

سؤال بحريني

سألني الصديق محمد مراد من البحرين الشقيق سؤالاً من شقين:

• ما رأيك في إعدام النظام السعودي لشباب عرب من الطائفة العربية الشيعية ، وهل كتب احد عن ذلك؟

• وما رأيك في صمت إيران على ذلك؟

ربما بوسعي الإجابة عن السؤالين معاً لأنني أعتقد أن هدف السؤال هو: كيف أرى تأثير التغيرات في موقف إيران من النظام السعودي بعد التوافق بين البلدين؟

من حيث موقفي الشخصي، أنا ضد النظام السعودي عروبيا وثقافيا وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا ونفسيا، وقد كتبت ونشرت صور بعض الشهداء الذين أعدمهم النظام السعودي بتهم زائفة.

أعتقد أن الإجابة على السؤال متعلقة بتغير العلاقة بين النظامين السعودي والإيراني. وحين تتوافق الأنظمة يتم التنازل المتبادل أو المرونة في قضايا إحداها لصالح هذا والأخرى لصالح ذاك. وفي هذا الخضم كثيراً ما يذهب المتوهم و/أو الضعيف ضحية.

قبل التوافق كانت إيران تُعرِّي النظام السعودي حتى في أصغر الأمور.

إعدام شباب بتهم عمالة وتخريب وطائفية…الخ ليس سوى قرار السلطات السعودية الفتك بالوعي الاجتماعي والوطني للعرب الشيعة والسنة في السعودية.

وهذا أمر كما يبدو تتجاوز عنه إيران، وأترك تقييمه لغيري كي لا يهب المأجورون الفلسطينيون خاصة وبعضهم مصبوغ يساريا ويصرخوا أنت تهاجم إيران. أو يهب من لا يقرأ إلا وضع القطر الذي هو منه.

إن واجب الوقوف ضد السعودية وخاصة في إعدام شباب عرب شيعة هو واجب شعبي وواجب القوى الثورية على ضعفها، لأن هدف النظام السعودي: أن يفتك بالعرب الشيعة كي تتعمق الطائفية البغيضة والمتخلفة بين الطائفيين في كل مكان وهذا التعميق يخدم بقاء قوى وأنظمة الدين السياسي.

إن لأي اتفاق بين نظامين، ضحايا وأطراف يلحقها أذىً نتيجة تغير الموقف السياسي، ولذا، فإن توافق النظامين على المبادرة العربية هو ضرب لفلسطين وللعروبة.

ملاحظة: أعتقد أن من الضروري وجود منظمة شعبية حقوقية تدافع عن المضطهدين العرب داخل الوطن العربي وليس منظمات محصورة في جغرافية قطرها.

✺ ✺ ✺

زمن الغضب

موفق محادين

على مدار القرون الأخيرة اتضح البعد الفكري للصراعات السياسية بصفتها صراعات بين الهيمنة الغربية باسم التمدين والعقل، وبين سائر الشعوب والأمم في العالم، والتي تقوم كل مرة باستدعاء مخزونها، روحياً وقيمياً، في مواجهة التغريب الاستعماري.

“زمن الغضب”، كتاب راهن للغاية، وسياسي بامتياز، على رغم أنه يقارب موضوعه من زوايا وشهادات فكرية على مدار القرون الأخيرة، بحيث يستحضر البعد الفكري للصراعات السياسية بصفتها صراعات بين الهيمنة الغربية باسم التمدين والعقل، وبين سائر الشعوب والأمم في العالم، والتي تقوم كل مرة باستدعاء مخزونها، روحياً وقيمياً، في مواجهة التغريب الاستعماري.

وإذا كانت ألمانيا القرن التاسع عشر أخذت مكانة القوى العالمية المقاومة للطبعة الفرنسية البريطانية من التنوير برسم الهيمنة، فإن دائرة الملامح العامة لزمن الغضب أوسع من ذلك، وتمتد اليوم إلى كل الشرق في مقابل الغزو الرأسمالي.

الكتاب يغيّب أسماء كثيرة بقدر ما يتناول أسماء أكثر، ويدخل في تناقض مع نفسه أحياناً حين يضع المحتجين في دائرة الدوغما، مع اعتراف بدورهم كلاعبين كبار وحاسمين، مثل بوتين ومودي الهندي والقيادة الإيرانية والرئيس الصيني، لكنه على وجه العموم كتاب يستحق الاهتمام، ويُلقي الضوء على مساحات واسعة وضرورية في صراع العالم في جبهة مثل الجبهة الفكرية.

يناقش كتاب “زمن الغضب”، الصادر حديثاً عن عالم المعرفة، للمفكر الهندي بانكاج ميشرا، الذي يعمل في الجامعات الأميركية، التجاذبات النظرية والسياسية والاجتماعية لفكرة التقدم وبين من قدمها كدين خلاص جديد، من أركانه العقلانية التقنية والعلمانية الجافة، وبين من تعامل معها كوهم وصنم آخر من أصنام التنوير التي جرى تعميمها (كحقائق مطلقة) ومقياس حضاري.

فيما يخص التيار الثاني، الذي حول فكرة التقدم والتنوير إلى مقياس وحيد لدخول العصر، وبرّر الاستعمار باسم التمدين، استقوى منذ البداية (بالسلطة)، وخصوصاً الأباطرة والملوك، الذين حولوا بلاطهم إلى وجهة وقبلة لمثقفي التنوير (التقدم)، مثل الإمبراطورة الروسية، كاترين، والملك البروسي (الألماني) فردريك. وتحولت (المحاكاة) لهذا النموذج إلى تيار واسع شرقاً وغرباً، فأصبحت ألمانيا واليابان مهتمتين بتقليد فرنسا وبريطانيا، وأصبح الشرق مهتماً بتقليد الغرب.

وجرى ذلك وفق خلفيات متعددة، ليبرالية أو في إطار خطابات التحرر نفسها، على غرار أتاتورك ونهور وغيرهما.

ولا يذكر الكتاب تجربة أخرى قدمتها مجالات مدرسة فك التبعية، عندما حولت التصنيع إلى (صنم جديد) للنهضة، قبل أن تلاحظ أن التصنيع من دون سياسات اجتماعية وثقافية عمّق التبعية.

وبالعودة إلى الكتاب، فإن المحاكاة المذكورة وهوس القياس بسوق السيارات والأجهزة الكهربائية والمظاهر الأخرى كانت صورة جديدة لما كتبه الروائي الروسي، دوستويفسكي، عن قصر الزجاج في لندن.

من الأشكال الأخرى غير الاقتصادية لعالم (التمدين والتقدم) عبر المحاكاة، ما سمّاه الكاتب الفرنسي بيير بايل بجمهورية الآداب العالمية، وكان يقصد بها في حينه انتشار الثقافة أو الفهم الفرنسي للتقدم والتنوير، كما رافق حملة نابليون. وكان من عناوين هذه الجمهورية الثقافية:

–       ديكارت (يغيب تقريباً عن مقاربة جادة في الكتاب) ، علماً بأن ديكارت يربط بين الروح والعقل.

–       فولتير (سنتطرق إليه لاحقاً).

–       الفرنسي الآخر، توكفيل، وذلك قبل استقراره في الولايات المتحدة، والذي ركز على (الاستعمار من أجل التمدين)، والأدق الاستعمار بذريعة التمدين. وكان توكفيل، مثل ميل الإنكليزي، من أشد أنصار استعمار الجزائر وتنويع الهيمنة الغربية وتوسيعها، بدلاً من زاوية واحدة، كما حدث خلال (الحروب الصليبية).

وكما يلاحظ كتاب “زمن الغضب”، فاللعبة المذكورة لم تقتصر على القرن التاسع عشر، إذ أخذت أشكالاً أخرى في القرن العشرين حتى اليوم، على غرار كتابات سلمان رشدي ونايبول. ومن الولايات المتحدة فريد زكريا (من أصل هندي) وفوكوياما (من أصل ياباني). فالعالم المتمدن، بالنسبة إليهما، هو العالم المتأمرك.

مثقفون يكسرون الاتجاه: الروح في مقابل التنوير

ألمانيا: على الرغم من أن الفيلسوف الألماني (كانط) يُعَدّ الأب الروحي لمفهوم التنوير، فإن ألمانيا تحولت إلى أرض الرومانسية، ولم يفطن الكتاب (زمن الغضب) للملاحظتين المذكورتين.

فعلى خلفية سياسية، تتعلق بالمسافة الواسعة بين تداعيات تفسخ الإمبراطورية الجرمانية (سلف ألمانيا) مع صعود فرنسا وبريطانيا وتطور الثقافة الألمانية في الآداب والفلسفة، بسيطرة فرنسية نابليونية، تشكل فضاء فكري وثقافي ألماني ضد النموذج الفرنسي والبريطاني للتنوير والتقدم، واتسم هذا الفضاء بخليط من الفلسفة واستدعاء الروح الألمانية وإضفاء بُعد أسطوري عليها.

وإذا كان نيتشه ذهب أكثر نحو الروح البدائية البرية في مقابل الأبولونية، العقلانية الإغريقية (الأمر الذي لم يلاحظه الكتاب أيضاً)، فإن الفلاسفة الألمان الآخرين أنتجوا أو توقفوا عند عناوين أخرى، ووفق مستويات متعددة:

–       كيركفارد، في تصويره (العقل) الغربي بمثابة كهف أفلاطوني جديد محصّن بأوهام التحرر هذه المرة.

–       فيخته، في خطبه للأمة، حذر من الفراغ الثقافي الذي يعمل عليه مفكرو التنوير الفرنسي البريطاني حتى يتمكّنوا من استنساخ نسخة ثقافية على شاكلتهم، مؤكداً أن الروح الألمانية تتعدى الجغرافيا الألمانية لتكون روح العالم. وأكثر من ذلك، قطع فيخته دروس تلاميذه في جامعة برلين ودعاهم إلى القتال حتى الموت أو الحرية.

–       هردر، كما عدد من الفلاسفة الألمان، انتقل من الإعجاب بالثقافة الفرنسية ونابليون وفولتير إلى الاشتباك معهم، بتأكيده أن تواريخ الأمم وتقدمها لا تقاس بمعيار التنوير السائد، فلكل أمة خصائصها، وكل أمة تتحدث بالطريقة التي تفكر فيها.

–       شيلر، الذي ركز على البعد الاقتصادي – الاجتماعي لحالة التنوير الفرنسية، منتقداً المجتمع التجاري وما ينتجه من عقل (غير نقدي) أقرب إلى العقل الوظيفي ونزعة التخصص.

–       فاغنر، (موسيقي وفيلسوف)، فبعد جولة في باريس أخذ موقفاً من صالونات الأرستقراطيين شبه المثقفين، ومن سيطرة (الموسيقى اليهودية) عليها، وربط هذه الموسيقى وفلسفة التنوير باليهودية (بما يذكّر بموقف ماركس في المسألة اليهودية، والذي ربط تحرر العالم من الرأسمالية بالتحرر من الربوية اليهودية). وبلغ الأمر بفاغنر أن انخرط مع الحركة الفوضوية بزعامة الروسي، باكونين، وشارك في انتفاضة مسلحة في مدينة دردسن الألمانية عام 1918.

من الأسماء الألمانية المهمة، التي لم يتناولها كتاب “زمن الغضب”، كما تستحق في هذا الحقل بالذات:

–       الفيلسوف الكبير، هيغل، الذي قامت أطروحته بأكملها على فلسفة الروح وانبثاقها في عالم الطبيعة وسيرورتها نحو الحضارة، الروح الموضوعي، وصولاً إلى الروح المطلق.

–       ظاهرة الرومانسية الألمانية، وخصوصاً الرومانسية الشعرية، في مقابل الكلاسيكية، وتمجيدها العقل إلى حد الصنمية.

–       كما يشار إلى نقد هذه الحقبة من تاريخ الفلسفة الألمانية، والذي قدمه لوكاتش في رباعيته (تحطيم العقل).

فرنسا: على الرغم من أن الفلاسفة الألمان بالغوا في ربط النموذج التنويري، الذي اشتبكوا معه، بفرنسا، فإن فرنسا نفسها ما إن دخلت مناخات تشبه ألمانيا بعد هزائمها حتى أنتجت خطابات تشبه الخطابات الفلسفية الألمانية.

ففي مقابل الرومانسية الشعرية الألمانية، أنتج الفرنسيون رومانسية روائية تستعيد العوالم المثالية والروحية في مقابل سطوة المادية الوصفية باسم التنوير والعقل والتقدم، ومن ذلك أعمال بلزاك وستاندل وشاتوبريان (عبقرية المسيحية)، ولاحقاً بيرغسون فيلسوف الحدوس، وبروست (البحث عن الأمن المفقود).

بريطانيا والمجتمع الأنغلوسكسوني: أيضاً، إن بريطانيا والولايات المتحدة، التي أنتجت مدارس الوضعية المنطقية والبراغماتية، أنتجتا فضاءات رومانسية ضد سطوة هذه الوصفية، على غرار قصائد اللورد بايرون وإليوت، الذي كتب عام 1938: إن المجتمع الأوروبي، الذي شيدناه، ليس سوى مجموعة بنوك وبورصات وشركات تأمين. وكذلك جورج سانتايانا، الذي وصف الثقافة الأميركية بالفردانية العدوانية.

آخرون: يتناول الكتاب (“زمن الغضب”) عشرات الأسماء من الفلاسفة والأدباء، الذين تجاوزوا التأصيل الصنمي الجديد للتنوير والتقدم، أياً تكنت خلفياتهم، مثل الروائي المكسيكي أكتافيوباث، المناهض لليبرالية (حائز جائزة نوبل)، ومثل الروائي الياباني ميشيما، ومثل المفكر الإيطالي سوريل، الذي يُعَدّ مصدراً لأفكار موسوليني بشأن الحرب والشرف والمجد.

ويذكر من العرب الروائي المغربي إدريس شرايبي في عمله (ورثة الماضي)، ومن آسيا الروائي الإيراني جلال آل احمد، وعمله (تسمم الغرب)، قبل أن تورطه المعارضة في دعوة إلى زيارة الكيان الصهيوني، الأكثر تعبيراً عن همجية الغرب إزاء الشرق.

يُشار إلى أن الفيلسوف الفرنسي، فوكو، قدم مقاربة (بشأن إيران بعد الثورة)، يمكن أن تكون مقاربة أساسية في تحري بحث الشرق عن مكانة داخل العالم المعاصر، بعيداً عن التأويلات التغريبية للتنوير وفكرة التقدم في نسختها الأوروبية – الأميركية. فالمنوذج الإيراني للثورة، بحسب فوكو، نموذج يتخطى النموذج الغربي من حيث ما يقدمه بشأن السلطة والمجتمع والتحديث والهوية، إذ إن (ثقافة السلطة الجديدة) ليست منبثقة من سياق شعبي عمره آلاف الأعوام، وتستند إلى تراث فكري اجتاز امتحانات عسيرة داخلية، وفي محيطه، قبل أن يستقر تقريباً على مزيج من الأفكار الإمامية ومقاربات لمفكرين مثل ابن سينا.

حالة فولتير وروسو ودوستويفسكي:

كما مر معنا، إذا كانت ألمانيا ثم روسيا هما الأرض والموطن للنزعات الروحية والرومانسية، في مقابل حالة التنوير، التي صنّمت العقل، فإن فرنسا أنتجت حالة تجاذب بين تيارين، فولتير وروسو، بالإضافة إلى الحالة الروسية عبر دوستويفسكي.

لم يتوانَ فولتير عن كيل المديح للأباطرة والملوك المتحمسين للتنوير بالقوة، مثل فردريك البروسي (الألماني)، وكاترين الروسية، كما لم يتوانَ عن مديح بورصة لندن كتتويج للمجتمع الجديد.

في المقابل، أخذ روسو ودوستويفسكي مواقف مغايرة تماماً، إذ وصف روسو باريس بمدينة الأقنعة، حيث لا وجوه. وبدلاً من أن تساهم المعرفة في تطوير العقول أفسدتها عندما ربطت هذه المعرفة بهيمنة الثقافة التجارية، التي تعيد إنتاج العبودية في شكل مستحدث لمصلحة الأقلية المالية وحكوماتها وقوانينها.

وفي نقده مديح فولتير لبورصة لندن، أكد روسو أن كلمة مالية، في حد ذاتها، تحيلنا على عبودية جديدة، وأن الأنظمة المالية ليست سوى أدوات لصناعة الأرواح الفاسدة المرتشية واللصوصية.

انطلاقاً من ذلك، شنّ حملة على الليبرالية والنسخة التنويرية منها، والتي تعيد صياغة الإنسان بمنطق التشيّؤ والسوق، وانتهى من كل ذلك إلى الخلاصات التالية:

–       لا معنى للحرية الحقيقية إلّا بتحررها من تأويلات نظريات العقد الاجتماعي عند لوك وهوبز، والتي تحصرها في تداول أو مشاركة سياسية تحت سيطرة النخب.

–       ربط الحرية بالألم الاجتماعي الجمعي.

–       نقد صالونات باريس ومثقفيها وعوالمهم الخاصة.

–       نقد المفكرين أمثال فولتير، والذين يدافعون عن استبداد الأباطرة بذريعة التنوير.

–       تحذيره من السخرية بالإيمان عند الفقراء.

–       تبني مجتمع إسبارطة الصارم المكتفي بذاته ووطنيته المقاتلة الرافضة للروح التجارية.

أمّا الروائي الروسي، دوستويفسكي، فبدّدت رحلته إلى أوروبا عام 1862 ما بقي من أوهام عن أوروبا (مخلصة العالم)، وتصنيم العقل والتنوير والتقدم، وكتب عن قصر الزجاج في لندن، والذي يُخفي عالماً متوحشاً من استرقاق حديث للبروليتاريا، وحرية لأصحاب الملايين مقنّعة بكثير من الأكاذيب، ومواطنة ليست سوى أقنعة لنظام ضريبي، وأرواح تشبه قطع الشمع الصغيرة.

وكتب أيضاً عن الروس المغفلين إزاء بريطانيا وثقافتها (السائحون منهم يذكّرونني بالكلاب الصغيرة التي تبحث عن أسيادها).

ما يبعث على المفارقة أن ما كتبه دوستويفسكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصوصاً في روايته “الشياطين”، التي غابت عن كتاب “زمن الغضب”، على رغم أنها صوت ضد الليبرالية وتصنيم العقل الأوروبي، يتكرر صداه اليوم في أعمال المفكر الروسي ألكسندر دوغين وكتاباته، ومن ذلك كتابه “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”، الذي يتحدث فيه عن صراع بين نظامين من القيم، وليس بين نظامين سياسيين فحسب: قيم الشرق، ذات الطابع الروحي، وقيم الغرب وليبراليته، التي تزداد جفافاً وتوحشاً.

:::::

“الميادين”، 16 يوليو 2023

✺ ✺ ✺

قمة “الناتو” لأوكرانيا: استمروا في القتال والعضوية مؤجلة

د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

            حسم الرئيس الأميركي جو بايدن سريعاً توقّعات أوكرانيا المفرطة بشأن قبول عضويتها رسمياً في حلف الناتو، قائلاً ما مفاده أن الأمر يمكن إعادة النظر فيه بعد انتهاء الحرب ضدّ روسيا، بينما أعلنت دول الحلف الأخرى موافقتها عندما “تستوفي أوكرانيا الشروط” المعروضة، وتطبيق الإصلاحات البنيوية المطلوبة.

تزامن التباطؤ الأميركي لدخول أوكرانيا عضوية الحلف مع تنامي الانتقادات الداخلية في أركان المؤسسة الحاكمة، سياسيا وعسكرياً وأمنياً، لفشل “الهجوم الأوكراني المضادّ”، والذي دأبت كل الأطراف على التعويل على نجاحه، وخصوصاً تزويد أقطاب الحلف أوكرانيا بمعدات وذخائر عسكرية متواصلة وحديثة، آخرها إعلان واشنطن تسليمها قنابل عنقودية.

لكن الأمر عينه لم يحظ بإجماع دول الحلف، إذ أعرب البعض، ومن بينهم ألمانيا، عن تحفظه عن تقديم الدعم العسكري بسبب ما قد يفضي إليه من مواجهة مباشرة مع روسيا، وذلك بعد انقضاء عام على “قمة مدريد” لحلف الناتو، وتبنيها مفهوماً استراتيجياً، وُصف بأنه جديد كون “روسيا تشكّل تهديداً مباشراً” لأعضائه.

كما أن التزام كبار أعضاء الحلف، أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، توفير معدات وذخيرة متطورة لأوكرانيا “سيكون خارج إطار حلف الناتو”، بحسب تحفظات بعض النخب السياسية الأميركية، في ظل اشتراط واشنطن على سائر الأعضاء تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري “بحلول عام 2024″، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية الداخلية في عموم أوروبا الغربية.

بيد أن تلك “الاستراتيجية الجديدة” وسّعت دوائر الخطر المحدقة بالحلف “والتحديات غير المسبوقة”، لتشمل “الإرهاب والتقنيات الجديدة وتحديات المناخ”، جنباً إلى جنب مع التهديدات العسكرية التقليدية.

على الرغم من تصدّر جدول أعمال الحلف البت في عضوية أوكرانيا، حقّقت السويد طموحها بشأن الانضمام إلى الحلف، بعد تراجع تركيا عن شروطها السابقة، في مقابل “وعد أميركي بتقديم دعم اقتصادي” للحيلولة دون انزلاق أدائها الاقتصادي وتعزيز قدرتها على توفير استثمارات أجنبية ضرورية لمعدلات النمو الطموحة.

وقدّمت أنقرة أوراق اعتمادها إلى الجانب الأميركي بالإفراج عن “فوج من قادة آزوف” المحتجزين لديها، مخالفةً ترتيبات سابقة عقدها الرئيس أردوغان مع الرئيس الروسي بوتين، في هذا الشأن.

في المقابل، أقلعت واشنطن عن تحفظاتها السابقة بخصوص صفقة الطائرات المقاتلة لأنقرة من طراز أف-16، الأمر الذي يمهّد الأجواء لاستئناف الأخيرة دورها بالانضمام إلى مجموعة مختارة من حلفاء الولايات المتحدة للمساهمة في عملية إنتاج مكوّنات تدخل في صناعة المقاتلة الأميركية الأحدث، أف-35.

تراجعت تلك الإرهاصات والوعود الأميركية للحلفاء بتصريح للرئيس جو بايدن، خلال مقابلة أجرتها معه شبكة “سي أن أن”، بشأن تطورات الحرب في أوكرانيا، شكا فيه من نقص معدلات الذخائر في الترسانة الأميركية.

وقال الرئيس بايدن إن ” ذخيرة الأوكرانيين تنفد. هذه حرب تتعلق بالذخائر، وذخيرتهم تنفد، وما لدينا منها أصبح قليلا”.

وانتقدت يومية “وول ستريت جورنال”، بتاريخ 10 تموز/يوليو الحالي، إقرار الرئيس بايدن بنقص الذخيرة بأنه يشكل “وصمة عارٍ في حاجة إلى إصلاح عاجل”.

وأضافت أن الولايات المتحدة زوّدت كييف بما يزيد على مليوني قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم، والبنتاغون يقول إن أوكرانيا تستهلك 3 آلاف قذيفة يوميا، مطالبة البيت الأبيض ببذل “جهد وطني جديد لتوسيع نطاق إنتاج الأسلحة والذخائر”.

يشار، في هذا الصدد، إلى تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، مطلع العام الجاري، كشفت فيه “خطراً استراتيجياً يواجه الولايات المتحدة، بحيث انخفضت مخزونات الأسلحة لديها، و أن شركات صناعة الأسلحة ليست مجهّزة لتجديد المخزون بسرعة، وتعمل بآلية أكثر ملاءمة لبيئة زمن السلم”، معرّجة على خشية كبار العسكريين الأميركيين من “سرعة نفاد ذخائر الجيش الأميركي في نزاع محتمل مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”. (“وول ستريت جورنال”، 23 كانون الثاني/يناير 2023).

ومنذئذ دقت وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، المرئية والمقروءة، جرس الإنذار لما استشعرت من ثُغَر بنيوية في الاستراتيجية الأميركية الكونية، وخصوصاً في مواجهتها الصين، أو احتوائها.

وأبرزت نشرة مختصة بالشؤون العسكرية تحديات نقص الإمدادات والذخيرة في الترسانة الأميركية، وبأن “مسار التوريد لأوكرانيا يشكّل مقدّمة لطبيعة القيود الصناعية، التي قد تعرقل الفعالية العسكرية الأمريكية إذا اشتبكت مع خصم ، مثل الصين ، التي ستتسبب بخسائر فادحة في المعدات والأفراد” (نشرة “وور أون ذا روكس -War on the Rocks”، 16 آذار/مارس 2023).

وانضم أحد أكبر مراكز الأبحاث النافذة في صنع القرارين السياسي والعسكري الأميركيين، مبكراً، إلى الجدل الدائر بشأن نقص الذخيرة، قائلاً إنه “بمجرد أن يتم استهلاك مخزون الترسانة، لا تستطيع وزارة الدفاع ببساطة شراء المزيد من الذخائر، وقد يستغرق تصنيعها أعواماً” (دراسة بعنوان “النضوب السريع للذخائر يشير إلى تبنّي تغييرات  ضرورية” عن “مؤسّسة هاريتاج”، 20 كانون الأول/ديسمبر 2022).

الإقرار الأميركي المتواصل بنقص معدلات الذخيرة إلى نِسَب مقلقة، له أكثر من بُعد، إذ لا يجوز تجاهل دور صناعة الأسلحة في ترويج تراجع المخزون طمعاً في حثّ الكونغرس على تخصيص ميزانيات إضافية وعاجلة لعملية إنتاج مكثفة، يشترك فيها بعض الدول المؤيدة لسياسات واشنطن، مثل تركيا.

وفي الشق المقابل، يشير إلى ما سمّاه بعض الخبراء العسكريين مخاطر سياسة خصخصة الانتاج الحربي وتراجع دور الدولة المركزية وإشرافها على وجهة الإنفاق، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

للدلالة على عمق الأزمة البنيوية والنفوذ الطاغي لكبريات شركات الأسلحة، نشر مؤخراً تقرير يتضمن كلفة البنتاغون لشراء “سلة مهملات بسعر  51،600 $” من شركة بوينغ، والتي كانت تبيعها وفق المواصفات نفسها بتكلفة 300 دولار (تقارير ووكالات، 22 حزيران/يونيو 2023).

ترافق ذلك الكشف مع تقرير تدقيق مالي قدّمه البنتاغون لمجموع إنفاقاته للعام الحالي، يشير إلى “خطأ حسابي أسفر عن توافر مبلغ ،قيمته الصافية بلغت 6،2 مليارات دولار” سيتم الإنفاق منه على المعدات العسكرية المخصصة لأوكرانيا (وكالات، 20 حزيران/يونيو 2023).

لم تتم محاسبة قادة البنتاغون من قبل مجلس النواب الذي يصادق على حجم ميزانيات الدفاع سنوياً. واكتفى “4 أعضاء في مجلس الشيوخ” بتقديم مذكرة شديدة اللهجة إلى وزير الدفاع، لويد أوستن، يطالبونه بتقديم تفسير لـ”الخطأ الحسابي”، المشار إليه، باستنادهم إلى تخصيص الكونغرس “أكثر من 113 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا لتاريخه”، واتهامه بتفضيل “معاملة أوكرانيا على حساب المصالح الحيوية للولايات المتحدة” (مذكرة بتاريخ 11 تموز/يوليو 2023).

ما تَقدّم يشكل غيضاً من فيض في معدلات الإنفاق على “المسائل العسكرية” الأميركية والهدر المتواصل من دون آليات مراقبة حقيقية أو محاسبة مرتكبيها. بل كرّر الرئيس جو بايدن، في قمة حلف الناتو الأخيرة، ضرورة زيادة أعضاء الحلف نسبة الإنفاق على الشأن العسكري، وأوضح الأمين العام للحلف أنه يتعيّن على الدول الأعضاء تخصيص ما لا يقل عن 2% من الناتج القومي العام لكل منها “لشؤون الدفاع”.

وعليه، فإن كلمة السرّ الأميركية هي المضي في مواجهة كل من روسيا والصين، وتوزيع التكلفة على حلفائها من دول الناتو، وبعض الدول النفطية، بما فيها العربية، عبر حثّها على شراء معدات عسكرية لا تستطيع استيعابها، فضلاً عن استخدامها في أجواء الانفتاح السياسية الأخيرة نسبياً في المنطقة العربية.

:::::

مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن

الموقع الإلكتروني:

http://thinktankmonitor.org/

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org