نشرة “كنعان”، 24 أكتوبر 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6655

24 تشرين الأول (أكتوبر) 2023

في هذا العدد:

من قاعدة إلى محمية: لماذا هرول الغرب إلى الكيان؟ حلقة (3)، عادل سماره

  • فقرر الحضور الاستراتيجي

طوفان الأقصى: الامبريالية والصهيونية والرجعية في القرن الواحد والعشرين، حسن حرب

“الحرب المقيدة” في جبهة جنوب لبنان: طبيعتها وأهدافها، العميد د. أمين محمد حطيط

✺ ✺ ✺

من قاعدة إلى محمية: لماذا هرول الغرب إلى الكيان؟

حلقة (3)

  • فقرر الحضور الاستراتيجي

عادل سماره

خسائر الغرب عالمياً

أخطر ما تتعرض له أمة إقرأ أن يقود بُسطاءها /جماهيرها من لا يقرأ وإن قرأ لا يفهم وإن فهم أخفى بخبث خدمة لسيده قديماً كان أو جديداً. لذا يهرف كثير من هؤلاء القادة بأن الصراع مع عنصرية الغرب ولونه الأبيض وكرهه للإسلام ومع ديانات الغرب تماماً كما حقنهم الغبي جورج دبليو بوش:”العرب يكرهوننا ويحسدوننا ويغارون من طبيعة حياتنا”! هؤلاء طبعة عن بوش لا اكثر. بينما نفس هذا الغرب يقصف المشفى المعداني وكنيسة غريغوريوس في غزة ويبصق المستوطنون على العرب المسيحيين في القدس!

ليس الغرب ضد كل طبعات الإسلام، فهو مؤلف الإسلام الأمريكي والوهابي والسلفي والعثماني…الخ هو ضد الإسلام الجوهري اي العربي لأنه يقود إلى التحرير والوحدة العربية وبالتالي اقتلاع الغرب مصلحيا من الوطن الكبير.

الاختلاف أو الجديد هو علانية الهرولة الغربية إلى الكيان اليوم فالغرب خالقه وحاميه وكفيله حتى يُقتلا معاً. منذ بداية القرن الجاري يتعرض الغرب إلى انحسار سيطرته مما يدفعه للقتال هنا ولو بحزِّ الحلاقيم.

تقول أرقام الغرب والشرق بأن حصة بريكس من الإنتاج العالمي وصلت 31% بينما الغرب 29% هذا قبل أن احتوى بريكس ست دول جديدة، وإن كان قد خذل الجزائر، وهذا يجب أن لا ننساه! لماذا؟ لأنه حتى بريكس نفسه لا يريد التعامل مع وطن عربي واحد بل فُرادى، وهذا يجب أن نناضل ضده لأن المطلوب ولو بالموت كتلة عربية كبرى واحدة وإلا فتبعية جديدة حتى لو مع غير الإمبريالية الغربية لأن التبعية هي تبعية وفي التحليل الأخير ضد التنمية وارتباط جديد إذا ما تم فك الارتباط  الحالي والذي هو بالغرب.

إذن مواقع الإنتاج العالمي تتركز خارج الغرب وخاصة في الصين والهند وبلدان النمور والتنينات، بينما يغوص الغرب في المضاربات، ومراكمة الأموال الكسولة في الملاذات الآمنة، اي الجزر التي هي مغاسل للأموال المغسولة والتي لايرغب ناهبوها في استثمارهاإنتاجيا، وبالطيع سيدة التهريب سويسرا مغسلة  أموال منهوبة من مختلف بلدان المحيط أي ثروة الأمم. وحين يستثمر الغرب وبعض اثرياء الخليج فذلك في مناطق زراعية في إفريقيا حيث يشترون الأرض ويُشغلون المحليين كالأقنان. وشراء الأرض هو شكل جديد من الإقطاع طالما يملك الأرض وقوة العمل (أنظر بهذا الصدد:

وبالطبع تراجع الإنتاج في الغرب نتيجة الإغلاق خلال قرابة عامين على كوفيد 19 بينما لم يتأثر الإنتاج كثيرا في الصين التي حاصرت الوباء سريعا رغم عدد سكانها الهائل, وكمثال، توفي في الصين بسبب كوفيد عشرين ألف صيني بينما توفي في أمريكا مليون شخص رغم أن عدد سكان أمريكا قرابة ربع سكان الصين! وعليه، فإن خسائر الغرب بسبب كوفيد يدفعه للتمسك أكثر  باستغلال الوطن العربي تعويضاَ عن خسائره.

تراجع الغرب في الإنتاج والتجارة الدولية يعني فقدان السيطرة المطلقة على الأسواق الدولية أي تراجع النهب والتقشيط والتبادل اللامتكافىء وهي تتحول عنه لصالح البريكس وبالتالي توسع التبادل مع بريكس وبالطبع شروط بريكس أفضل.

وحتى النقل والتأمين الدوليين فقد إتضح عجز الغرب عن محاصرة التجارة الروسية وخاصة نقل النفط بحرياً إلى الهند التي إذ تشتريه من روسيا تُساهم في فك الحصار عن روسيا، وتبيعه بسعر أعلى خاصة  بعد وجود شركات نقل غير غربية أو تابعة للغرب وتعمل خارج الحاجة لضمانات شركات التأمين الغربية. كما لم يعد الغرب قادر على ضرب ناقلات النفط غير الغربية ولا مسيطراً على شركات التأمين مما ساهم في تخفيف المقاطعة على روسيا وسهَّل التبادل بين بلدان العالم في خروج، ولو نسبي بعد، عن التحكم والاحتكار الغربي وقد أشرنا في الحلقة السابقة أهمية تراجع التبادل بين بلدان كثيرة في العالم بالدولار لصالح عملات قوية أخرى أو العملات المحلية بين بلد وآخر. فلم تعد عملة الدولار هي الوحيدة في التبادل والادخار الدوليين. فبعد أن كان التبادل الدولي بنسبة 90% بالدولار اصبح اليوم قرابة 60% وهذا يعني تعميق المديونية الأمريكية وصعوبة سدادها إذا ما حانت تلك اللحظة! وتحرر سوق العملات الدولي بدرجة كبيرة من الدولار حيث التبادل بعملات أخرى اليوان،  والين، واليورو، والإسترليني  ناهيك عن الترتيبات الجادة ولكن الحذرة لاعتماد عملة بديلة للدولار أو إستقرار العالم على سلة عملات بدل الاحتكار الدولاري.

لذا قرر الغرب الحضور الاستراتيجي

نأمل أن لا يُفهم من قولنا بأن الكيان أُقيم ليكون  استثماراً إستراتيجياً في الوطن العربي بأن الغرب لم يكن هنا أيضاً. بلى، فهو موجود ولكن بشكل مغطى ومغلًفاً. كيف لا! أليست الثورة المضادة موجودة تحت جلد الوطن العربي؟ ألم تقفز على الحراك التقدمي في البلدان العربية لتحوله إلى الخريف الإرهابي وقويض الجمهوريات!

في حالة الربيع العربي ولَّد الغرب إرهاب قوى الدين السياسي أو الاستشراق الإرهابي والذي إعتمد على:

·       القوة البشرية الإرهابية الشابة من ابناء الأمة

·       والإنفاق المالي على الإرهاب من ثروة الأمة.

·       وسيطرة أنظمة الصهيونية التابعة على بقية المجتمع بالخوف والإرهاب الأمني الداخلي.

أي باختصار فقدت حركة التحرر العربية جمهورها الذي كان الوطن يمور به في الحقبة الناصرية.

ما نقصده أن إرهاب قوى الدين السياسي كان ايضا، ولا يزال له ذيوله، كاستثمار إستراتيجي في الوطن العربي لم يهلك الثروة وحسب بل قوًض إلى درجة عالية التماسك العروبي . كيف لا، وقد أصبح طبيعياً عدوان قطر عربي ضد آخر في خدمة الغرب الإمبريالي وبالتالي إجتثاث العروبة.

صحيح أن تراجع قوى الإرهاب والمغازلة الشكلية لأنظمة الصهيونية العربية لسوريا اشعرت الإمبريالية ببعض الضيق فأمرت الأنظمة بالتوقف وحصل. أي لم تخرج هذه الأنظمة عن طوع الإمبريالية.

لكن الاختراق في الكيان يوم 7 تشرين الأول هو المتغير الحاد الذي أقنع الغرب بأن الكيان أعجز بذاته عن مواصلة دوره.

وبعد، إذا وضعنا أمامنا لوحة خسائر الغرب عالمياً في  تراجع الإنتاج وفي التجارة والسوق والتامين والدولار..الخ، نفهم أهمية عودته للسيطرة المباشرة على الوطن العربي الذي يشكل مخزونا ثرواتيا هائلا مباح للغرب سواء مختلف الثروات بما فيها النفط نفسه وريع النفط، والسوق العربية الواسعة.

لذا، من الطبيعي أن يُخاطر الغرب بالسيطرة العلنية والمباشرة على الوطن العربي كي لا يفقد هذه المصالح الاستراتيجية ومن هنا معنى حضوره الاستراتيجي والذي يأخذ علانية شكل الاستعمار المباشر لتكون الأنظمة العربية أدوات علنية ومباشرة له على بلدانها أي وكلاء له على مستعمرات.

وقد يؤكد هذا المؤتمر الذي عُقد في القاهرة بين أنظمة عربية وممثلي الغرب وممثل الكيان يوم 20 تشرين 2023 حيث كانت تُصب النار على مواطني قطاع غزة ولم يجرؤ الحكام العرب على إصدار بيان حتى عاطفي مع الفلسطينيين. فقد حضر الغربيون سادة واستقروا سادة!

يردنا هذا الأمر إلى تحليلات البعض على مدار السنوات ربما الخمس الماضية بأن الغرب على طريق الخروج من ما يسمى الشرق الأوسط لانشغاله ضد الصين ! والذي جادلنا دوماً ومن مدخل التحليل الاقتصادي السياسي بأن الغرب لن يرحل بل يُقتلع.

لم يفهم هؤلاء المتعجلين بأن انشغال الغرب ضد الصين يزيد حاجته لاستغلال الوطن العربي وليس العكس، وهذا ما إتضح في الحرب في أوكرانيا.

 بل إن إعداد الغرب للعدوان ضد الصين، وتراجع نفوذه في أمريكا اللاتينية أمام القوى التقدمية الجديدة، وتراجع نفوذه في إفريقيا الوسطى،يدفعه للتمسك بمنطقة الثروة والخنوع العربية أكثر من اي وقت مضى. قد يقول البعض بأن الغرب بينه تناقضات مثل حلول أمريكا محل فرنسا في افريقيا الوسطى أو أخذ امريكا صفقة الغواصات لأستراليا من فرنسا، ولكن في حالات وجود خصم للجيع يتآخى اللصوص /والقول لماركس كما هو في أوكرانيا واليوم في فلسطين.

✺ ✺ ✺

طوفان الأقصى: الامبريالية والصهيونية والرجعية في القرن الواحد والعشرين

حسن حرب

في 7 أكتوبر 2023، قام ما بين000 2 إلى 3000 مقاتل فلسطيني من مختلف الفصائل السياسية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها بكسر الحصار المفروض على غزة منذ 16 عاما. لقد فعلوا ذلك لشن معركة ملحمية في الأراضي الجنوبية المحتلة من فلسطين التاريخية، في محاولة لإشعال حرب التحرير من نير الكيان الصهيوني (إسرائيل). لقد دخلنا اليوم الثامن من الحرب، التي شهدت إدانة فورية وإجماعية للفلسطينيين من قبل جل الغرب، الذي تسارع لحماية حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وبالتركيز فقط على حماس باعتبارها الفصيل الوحيد الذي يقود المعركة، اجتمعت الطبقات الحاكمة الغربية الجماعية في وصف هذه العملية التاريخية بأنها “عملية إرهابية” ذات وحي إسلامي. لقد أعطى تصوير الفلسطينيين كإرهابيين إسلاميين الضوء الأخضر الضروري للحكومة الإسرائيلية لقصف غزة بشكل متواصل والاستعداد لغزو بري. لقد أظهر الغرب بجله الوحدة المطلقة والدعم لدعوات الإبادة الجماعية الإسرائيلية لـ “محو غزة” وقطع الغاز والمياه والكهرباء، في حين نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بفخر على تويتر / X قصف مسكن مدني في قطاع غزة.

طبول الحرب مستمرة، والمقاتلون الفلسطينيون ما زالوا منخرطين في المعركة، ومع بدء الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية في مواجهة قوات الاحتلال، قد ينضم لاعبون إقليميون آخرون، مثل إيران وسوريا وحزب الله، إلى الحرب في اية لحظة. في هذه المقالة، أحاول التفكير في حجم الحرب وأهميتها على المستويين الإقليمي والعالمي، بالاعتماد على الأدوات النظرية التي غالبا ما وجّهت شعوب العالم الجنوبي لفهم محنتهم ونضالاتهم. وهذا يعني أنني أعتقد أنه من المهم العودة إلى مفهوم تآلفي ثلاثي، أي الإمبريالية والصهيونية والرجعية، من اجل مركزة هذه المعركة التاريخية في اطر خارجة عن القيود المعرفية المماثلة لسجن غزة المفتوح. وفي القيام بذلك، يجب علينا أن نعتمد على هذه المفاهيم، ولكن مع الارتقاء بها إلى العصر الحاضر، لفهم الطبيعة الجدلية لهذه الحرب في عالم يشهد الانحدار البطيء (ولكن الثابت) للإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة.

الإمبريالية: نهاية اللحظة الأحادية القطبية للولايات المتحدة

تشير الإمبريالية إلى نظام عالمي لاستخراج القيمة الفائضة،[1] حيث يتم تقسيم التنمية بشكل غير متكافئة على أسس عرقية وطبقية. إنها مجموعة من علاقات الاستغلال المادية بين دول الشمال والجنوب العالمي، والتي تتم من خلال عملية التعاون الطبقي بين الطبقات الحاكمة في المركز والكومبرادور (الأنظمة المتواطئة) في الأطراف. يعتمد التراكم إذن أكثر فأكثر على درجة قمع واستغلال البلدان الإمبريالية للدول النامية.[2] وهذا يستلزم، على سبيل المثال، استخدام الهيمنة العسكرية والسياسات التي تمنع البلدان النامية من تسخير مواردها الداخلية لغرض التنمية الإقليمية أو الشعبية. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التراكم التاريخي الغير المتكافئ للثروة لا يستلزم تكديس السلع والموارد الطبيعية فحسب، بل يشمل أيضًا كتلة من الأفكار التي تتوافق مع منطق رأس المال الإنتهاكي والتجاوزي. وبعبارة أخرى، فإن الإمبريالية، كظاهرة اجتماعية، تعمل كأداة مادية وأيديولوجية في آن واحد.[3]

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عززت الولايات المتحدة نفوذها السياسي والمالي في جميع أنحاء العالم، لتصبح القوة الإمبريالية الكبرى. وباعتبارها دائناً لفرنسا وبريطانيا أثناء الحرب، حاولت الولايات المتحدة إعادة هيكلة النظام العالمي في أعقاب انسحاب الاستعمار الأوروبي من أفريقيا وآسيا بسبب العجز.[4] استندت هذه المهمة إلى المجالات المترابطة للتجارة والتوسع العسكري. وفيما يتعلق بالمسائل التجارية، سعت إدارة ترومان ما بعد الحرب إلى إنشاء سياسة “الباب المفتوح” الهادفة لإزالة الحواجز التجارية والمالية، والكتل التجارية الحصرية، والسياسات التقييدية من كل نوع.[5] تم تصوير هذه الترتيبات التجارية الجديدة على أنها محايدة وتسهل حرية السوق والتبادل الدولي، هذه السياسة في الواقع أدت إلي أمركة النظام العالمي وتسخيره لتلبية احتياجات رأس المال الأمريكي المطروحة في أواخر الأربعينيات. قام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المنشآن حديثاً بتنظيم التجارة العالمية بموجب عملة مشتركة هي الدولار الأمريكي. وقد وفرت عملية إعادة البناء الاقتصادي في أوروبا الغربية بعد الحرب للمصدرين الأميركيين أسواقاً ناشئة؛ كما سمح للتنسيق العسكري مع الإمبريالية البريطانية المتراجعة للشركات الأمريكية بالوصول المتميّز إلى الموارد الرئيسية للعالم الصناعي، أي النفط. ومن المحتم أن تكون أسطورة “الاستثنائية الأمريكية” هي التي ساعدت في الحفاظ على سياسات الهيمنة هذه. جسدت هذه الأساطير السياسية الحماسة التبشيرية والاستعمارية التي بررت الإبادة الجماعية في الأمريكتين[6] ونشرت اعتقادًا دينيًا رسّخ فكرة أن الولايات المتحدة لديها دور فريد تلعبه في تاريخ العالم، بينما دور الدول الأخرى ومجرد اتباع أمريكا.

ومع ذلك، فإن الصعود الاقتصادي التدريجي للصين والتدخلين العسكريين الروسيين على التوالي لدعم الحكومة السورية في عام 2015 وضد تعديات الناتو في أوكرانيا في عام 2022 دفع الولايات المتحدة وحلفائها، أوروبا واليابان، بشكل حاسم إلى كابوس جيوسياسي. لقد دخلت الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة مرحلة تاريخية من الانحدار السياسي. إن اللحظة الأحادية القطبية تنهار، في حين أصبحت الكتل السياسية الجديدة من العالم الجنوبي، مثل مجموعة البريكس، أكثر حزما في تشكيل نظام دولي يمنع إذلالها، بل يعاملها على قدم المساواة. وإلى جانب هذه العمليات، شهدنا أيضًا موجة من الانقلابات العسكرية في غرب أفريقيا ضد الاستعمار الفرنسي/الغربي الجديد، وزيادة حزم إيران في غرب آسيا وتعاونها مع روسيا، في حين صمدت كوبا وفنزويلا لعقود من العقوبات والانقلابات التي رعتها الولايات المتحدة. يتزايد الضغط على الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفائها، وكان رد الفعل الفوري على الإدراك الواعي لانحدارهم هو موجة متجددة من الخطابات الأيديولوجية الفاشية الصارخة. بدءاً من انتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة عام 2016، كانت السمة الأكثر لفتاً للانتباه في أوروبا الفاشية الجديدة هي إعادة التأهيل الكامل للنازية في أوكرانيا كشكل من أشكال المقاومة الشعبية ضد روسيا “الدكتاتورية”. ومن جورجيا ميلوني في إيطاليا إلى إيمانويل ماكرون في فرنسا، فإن الطبقات الحاكمة الأوروبية مستعدة للتضحية بشعوبها وبلدانها بأي ثمن من أجل الولايات المتحدة الجبارة.

الصهيونية والرجعية: من الوحدة العربية إلى المقاومة

وفي سياق كهذا احتلت المنطقة العربية دورًا فريدًا في الجيواستراتيجية الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، خاصة بسبب ثروتها النفطية. كونها موردًا طبيعيًا رئيسيًا لاقتصادات البلدان الإمبريالية، فإن أفضل وسيلة لضمان هذا الوصول المضمون كانت تتمثل في تأمين السيطرة السياسية على المنطقة.[7] ولتحقيق هذه الأهداف، عملت الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة في تعاون وثيق مع حليفين مخلصين – إسرائيل. وممالك الخليج الرجعية.

اما بالنسبة للكيان الصهيوني، أصبح هذا الكيان فعليًا موقعًا عسكريًا أمريكيًا في المنطقة.[8] وكما كتبت شيلا رايان،[9] من عام 1948 حتى منتصف عام 1973، “تلقت إسرائيل مبلغًا مذهلاً يزيد عن 8 مليارات دولار من المساعدات الاقتصادية من مصادر أجنبية مختلفة، أو 3500 دولار لكل إسرائيلي – بمتوسط 233 دولارًا سنويًا للفرد من المساعدات. وهكذا، فإن المواطن الإسرائيلي العادي يتلقى كل عام من المساعدات وحدها أكثر من ضعف دخل الفرد المصري (102 دولارًا في عام 1969)”. بين عامي 1943 و2023، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات بقيمة 160 مليار دولار (او ما يعادل حوالي 260 مليار دولار عند اخذ التضخم في عين الاعتبار)،[10] دون النظر إلى ضمانات القروض العادية المقدمة للكيان والتي تبلغ قيمتها المليارات. هذه المساعدات لإسرائيل هي استثمار في النزعة العسكرية للإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة. تكمن خصوصية الكيان الصهيوني في كونه تشكيلًا استعماريًا استيطانيًا، مثله مثل الولايات المتحدة، يحتضن نمطًا من الوعي المعزز لقيم الإمبريالية ويضمن هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة. من خلال امتلاك الأسلحة النووية ومن خلال هجماتها العسكرية العديدة وغزواتها لدول أخرى في المنطقة – مثل العراق[11] ولبنان وسوريا،[12] أصبحت إسرائيل القوة الرئيسية وراء تراكم رأس المال الإمبريالي ونتيجته الطبيعية المتمثلة بتراجع التنمية العربية. وكما أكدت باستمرار الأوساط اليسارية الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فإن الصهيونية هي رأس حربة الإمبريالية في المنطقة. وبقدر ما يشكل تحرير فلسطين نضالاً ضد الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة والتي تعمل إسرائيل نيابة عنها كجندي، فإن الهجوم على إسرائيل يشكل محاولة لتقويض المصالح الأساسية للولايات المتحدة وحلفائها الرجعيين في المنطقة بشكل مباشر.

وكما هو الحال في ممالك الخليج الغنية بالنفط، فإن سيطرة الطبقات الحاكمة على هذه التشكيلات السياسية ضمنت سيادة الدولار الأمريكي على المستوى الدولي من خلال مبيعات النفط المقومة بالدولار،[13] والتي تم إعادة تدويرها بعد ذلك في شراء سندات الخزانة الأمريكية والأسلحة. وفي السنوات الأخيرة، وفي أعقاب الهجمات المختلفة على سيادة الجمهوريات العربية العلمانية (العراق وليبيا وسوريا)، بالتنسيق مع أموال وأسلحة دول الخليج، دفعت الولايات المتحدة أيضا بأجندة التطبيع مع إسرائيل. كلما زاد الاعتراف الرسمي بإسرائيل في المنطقة، كلما أصبحت مصالح الإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة أكثر أمنا.

ومع ذلك، فقد تكشفت عمليتان أخريان هزتا التوازن الجيوسياسي في المنطقة. فأولا، في حين شهد عام 2011 نجاح عملية تغيير النظام التي قادها حلف شمال الأطلسي في ليبيا، أظهر تدخل روسيا في سوريا عام 2015 ــ والذي كان مدفوعا جزئيا بتجاربها مع غزو ليبيا ــ أن التوازنات الإقليمية والجيوسياسية قد تغيرت. ثانياً، إن قدرة جمهورية إيران الإسلامية على تحمل عقود من العقوبات (كما فعلت كوبا وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وفنزويلا) سمحت لها بالنمو لتصبح لاعباً سياسياً مهماً في المنطقة، وأصبحت عدو رقم واحد للكيان الصهيوني. ومن خلال تقديم الدعم للتشكيلات الاجتماعية والسياسية الأخرى في المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، يمثل الحزم السياسي والعسكري لإيران تحولاً حاسماً في طبيعة المسيرة الأيديولوجية للمنطقة ضد الصهيونية. ومع ترسيخ أيديولوجية المقاومة، تجنب كل من إيران وحزب الله إلى حد كبير إنتاج رؤية طائفية إقصائية يقودها الشيعة للمنطقة. بعبارة أخرى، لقد تجنبوا الخطر الذي انتجه الداء الأمريكي عن طريق دعمه للمجموعات السنية الرجعية – ومجاهدي أفغانستان خير مثال. على العكس من ذلك، حافظت المقاومة جدلياً على الاستمرارية التاريخية والأيديولوجية للمنطقة، منتقلة من الوحدة العربية إلى الوحدة الإسلامية. ولم ترفض الماضي استنباطيا. وبدلاً من ذلك، قامت بدمج الماضي مع الحاضر، وخلقت نظامًا أيديولوجيًا جديدًا يدعو الهوية العربية والإسلامية للمنطقة إلى القتال ضد الحرب الطبقية والأيديولوجية التي أطلقها المضطهدون الأجانب على سيادة كل دولة في المنطقة. وكما قال سيد حسن نصر الله ذات مرة:

في مشروع الهيمنة الأمريكية.. لا يجوز أن توجد دولة قوية.. دولة قوية بمعنى الدولة المستقلة، دولة تتخذ قراراتها بنفسها، دولة تراعي مصالح شعبها، دولة تستفيد وتوظف مواردها من اجل اقتصادها ، دولة تتطور علميا وفنيا وثقافيا وإداريا على كافة الأصعدة. في مشروع الهيمنة الأمريكية [مثل هذه الدولة] ممنوع وجودها.

مع تراجع النظام العالمي الأحادي القطب، تشهد المقاومة تجسد محور الدفاع الذي يقف بثبات لدرء الهجمات الإمبريالية على المنطقة. كما يمكن أن يخلق مساحة لعمليات إعادة التنظيم المستقبلية وغير المتوقعة. في الواقع، في حين أشبعت التحليلات السائدة الرأي العام الغربي بصورة الانقسام بين السنة والشيعة، واضعة المملكة العربية السعودية في مواجهة إيران، باعتبارها تحدد المنطقة ويبدو أنها مضطرة إلى تشكيل مستقبلها، فإن جمهورية الصين الشعبية سجلت هدفا سياسيا مهما. التحرك للتوسط في اتفاق دبلوماسي بين هذين البلدين في عام 2023. ماذا لو تمكنت إيران والسعودية من تشكيل مسار مشترك معًا في المستقبل للمنطقة؟

ومع ذلك، فإن الرجعية لا تزال حية ونشطة في المنطقة. لا تزال مصالح الطبقات الحاكمة في مختلف الأنظمة الكومبرادورية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برأس المال الامبريالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وخاصة الأردن ومصر والإمارات العربية المتحدة. لكن طوفان الأقصى أدى إلى تسريع هذه التناقضات القائمة بين الدول الرجعية في المنطقة وشعوبها، وكذلك داخل النظام المتعدد الأقطاب الناشئ. وفي حين قامت الإمارات بالتطبيع بالفعل مع الكيان الصهيوني، فإن المملكة العربية السعودية ترد الآن بتجميد أي نقاش مستقبلي حول التطبيع، بينما تتواصل (لأول مرة) مع إيران بشأن الوضع. وفي هذا الصدد، يمكن أن يصبح فيضان الأقصى مقبرة لممر النقل المدعوم من الولايات المتحدة، على أمل ربط الهند عبر المملكة العربية السعودية وإسرائيل بالاتحاد الأوروبي. ومن غير المستغرب أن تسارع الهند إلى دعم إسرائيل، لكن أعضاء البريكس الأكثر قوة كانت لديهم ردود أفعال معاكسة تمامًا. وفي مكالمة هاتفية مع نظرائها البرازيليين، لم تتردد وزارة الخارجية الصينية في تسليط الضوء على أن “جوهر القضية يكمن في حقيقة أن العدالة لم تتحقق للشعب الفلسطيني”.[14] إن تطور هذه الأحداث أصبح سردا من الاخبار المتزايدة السوء بالنسبة للولايات المتحدة وآمالها في “الانسحاب” من المنطقة للتركيز على الصين. لقد وجه الفلسطينيون ضربة مباشرة للمصالح الأساسية للولايات المتحدة. إنهم لم يفتحوا جبهة عسكرية جديدة وغير متوقعة فحسب، بل ذكّروا أيضًا العالم الجنوبي بأن إنشاء نظام عالمي جديد يجب أن يمر عبر فلسطين، ما لم تظل قوة الولايات المتحدة دون منازع.

كما أدى طوفان الأقصى إلى تفاقم الفجوة القائمة بين الأنظمة الحاكمة الرجعية وقواعدها الانتخابية. وبغض النظر عن مصالح الكومبرادوريين، فإنها لا تعكس مصالح الجماهير العاملة في المنطقة. وبينما قام الجيش الأردني بتطويق الحدود مع إسرائيل بشكل بائس، وعندما دعت المقاومة إلى حشد كبير في جميع أنحاء المنطقة، ظل الناس يتدفقون على الحدود دعماً لفلسطين. إن ما أطلقه طوفان الأقصى هو إعادة اشتعال وعي الطبقة العاملة في المنطقة حول مدى ترابط مصيرهم بالنضال ضد رأس المال الأمريكي، وقواعدها العسكرية، وحلفائها الرجعيين. هذه عملية تتطور ببطء ولا يزال يتعين دراسة شكلها وزخمها. على سبيل المثال، يُظهر هجوم المتظاهرين اللبنانيين على ماكدونالدز في صيدا مثالاً مبكرًا للتعبئة الجماهيرية ضد التجسيد الإيديولوجي والطبقي للإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة. وفي الإسكندرية، يمثل إطلاق النار على سائحين إسرائيليين والخطاب الذي روج له حول الإسرائيليين كأعداء للأمة العربية ضربة أخرى للموقف المصري الرسمي من التطبيع. وهذا يعني أن المعركة لا تدور حول غزة أو داخلها فحسب؛ بل إنه يجري في كل العواصم العربية – من القاهرة إلى عمان وبغداد – وأن تنظم الجماهير العاملة في المنطقة نفسها حول فلسطين يعني استعادة مستقبلها واستقلالها.

غزة: أمل العالم في مستقبل عادل

في مثل هذا السياق، هناك عدة عناصر يجب أن نأخذها في الاعتبار عند النظر إلى العملية الفلسطينية التي انطلقت في 7 أكتوبر 2023. أولاً، تمثل العملية طريقة الفلسطينيين للدخول بشكل حاسم في هذه اللحظة التاريخية من التراجع الأمريكي، وشن حرب التحرر من الكيان الصهيوني الذي، مثل المقاومة، يجمع بين الماضي والحاضر نحو المستقبل. اختيار الذكرى الخمسين للحرب العربية على إسرائيل عام 1973، طوفان الأقصى هي حرب التحرير الفلسطينية مبنية على الوحدة العربية الماضية، لكنها تتطلع إلى مستقبل يدعو جميع العرب، مسلمين ومسيحيين، إلى النضال من أجل الوطن والدفاع عنه وعن الأماكن المقدسة.[15] وفي الوقت نفسه، رغم أن طبيعة وحجم طوفان الأقصى تاريخي بلا شك، إلا أن قدرته على جذب الجماهير العربية وتجميعها عسكريًا حول النضال من أجل تحرير فلسطين ليست فورية. لا تزال هناك عقبة ملموسة – كما ذكرنا أعلاه – تتمثل في الأنظمة الرجعية في المنطقة، التي ترتبط مصالحها الأساسية برأس المال الذي تقوده الولايات المتحدة، دون أن ننسى التدمير العسكري المنهجي الذي اجتاح الجمهوريات الكبرى المناهضة للصهيونية في المنطقة (العراق، ليبيا وسوريا). ومع ذلك، لا يمكن لمحور المقاومة أن يخسر حلفائه في فلسطين. والحقيقة أن حزب الله حذر مراراً وتكراراً من أنه مستعد لدخول الحرب في حالة حدوث غزو بري صهيوني لغزة. وهذا يكشف عن الطابع التراكمي للتاريخ. لا يمكننا أن ننظر إلى طوفان الأقصى باعتباره الطريق الأخير إلى حرب التحرير فحسب، بل باعتباره إحدى الخطوات الكبرى التي ستؤدي إلى حرث محاصيل صراع التحرير – بدءاً من الانتصار العسكري الذي حققه حزب الله على إسرائيل في عام 2006 الى مآلات طوفان الأقصى.

ثانياً، طوفان الأقصى فاجئ الكيان الصهيوني تماماً. لقد فشل الجيش الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية في المنطقة في منع مثل هذا الهجوم، وهذا يمثل بالفعل خسارة سياسية كبيرة. في ظل التناقضات المجتمعية المتزايدة التي تضع المستوطنين الليبراليين والمحافظين ضد بعضهم البعض، يأمل نتنياهو في توحيد البلاد حول الشيء الوحيد الذي يتمركز عليه الكيان الصهيوني وهو الإبادة الجماعية للفلسطينيين. ولهذه الأسباب، دعا العديد من السياسيين الإسرائيليين علناً إلى نكبة ثانية، بهدف محو غزة من على وجه الأرض. ومع ذلك، فإن دعوات الإبادة الجماعية هذه هي انتصار باهظ الثمن للصهاينة، لأنها تظهر لدول العالم الجنوبي الانحدار السريع للغرب وحلفائه إلى الفاشية الأخلاقية والسياسية. وفي الوقت نفسه، قد تواجه دعوات الإبادة الجماعية مصيراً آخر. أي أنه إذا قررت الضفة الغربية حمل السلاح والانضمام إلى الفصائل في غزة، أو قرر محور المقاومة فتح جبهات عسكرية جديدة، فقد تجد إسرائيل نفسها محاصرة تماماً. إن الهجوم الكامل على غزة من قبل الكيان الصهيوني – كما هو موضح أعلاه – هو إعادة تأكيد لتراجع قوة الولايات المتحدة في المنطقة. بمعنى آخر، إنها تسير ضد الزمن التاريخي، حيث إن كلاً من روسيا والصين ومختلف دول العالم الجنوبي تراقب الحرب، وتمثل فلسطين اختبارًا لرغبتهم الجديدة في تشكيل نظام عالمي متساوٍ.

ثالثاً، هذه الحركة الجدلية غير مفهومة بالنسبة لمن يُعرَفون باليساريين الغربيين الذين لا يستطيعون التصالح مع فكرة أن القتال التقدمي في المنطقة قد اتخذ منحنى بقيادة إسلامية – حتى في حين أن قوى المقاومة غير المتجانسة أيديولوجياً في المنطقة، كما هو موضح أعلاه، تبنت التنسيق الاستراتيجي والتحالفات مع أمثال حماس. إن جل الغرب، الذي أعمته غطرسته الإمبريالية، إما انزلق بسرعة كبيرة إلى الدعم الفاشي والمتعصب لإسرائيل، أو وجد جماعاته اليسارية مشوشة تماماً. وفي الواقع، يستمر الأخير في البحث بيأس عن القدر أو النوع “الصحيح” من العنف، وعندما لا يكون موجودًا، يسارع إلى إدانة كلا الجانبين بالتساوي. وغني عن القول إنه بعد تطبيع ودعم سبعة عقود من العنف الصهيوني ضد الفلسطينيين والقصف المتتالي للمنطقة، فإن الغرب يخذل نفسه كحليف لفلسطين في هذا المنعطف التاريخي. ولنطرح الأمر على نحو استفهام: هل تمكن اليسار الغربي، على الرغم من كل معارضته، من منع القصف الذي تقوده الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي في المنطقة؟ وفي هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، لا بد من تذكير اليسار الغربي بأن غزة والنضال من أجل فلسطين يشكلان أمل البشرية في عالم أفضل. لقد أظهرت الأيام القليلة الماضية كيف تعمل المؤسسات الغربية المدنية والتعليمية والإعلامية الجماعية جنباً إلى جنب مع أجهزتها العسكرية والأمنية، المنتشرة جميعها لحماية مصالح الطبقات الحاكمة. وكما كتب غسان كنفاني، الكاتب الفلسطيني والعضو القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في عبارته الشهيرة:

“القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين فقط، بل قضية كل ثائر أينما كان… قضية الجماهير المستغلة والمضطهدة”.

طوفان الأقصى لحظة تجسد زمننا التاريخي. لقد قررت الجماهير الفلسطينية والعربية والمسلمة أن تدخل المسرح وتقول للعالم إنها لن تُترك خارج التاريخ. إنهم على استعداد للانضمام إلى النضال من أجل عالم أكثر مساواة لغالبية سكانه.

✺ ✺ ✺

“الحرب المقيدة” في جبهة جنوب لبنان: طبيعتها وأهدافها

العميد د. أمين محمد حطيط

الأصل في العمليات العسكرية بنوعيها الأساسيين (الهجوم والدفاع) هو الهدف المتوخى من العملية المحددة والذي على أساسه يُقاس النصر أو الهزيمة، فإذا كان العمل هجوماً فيكون النصر بب​لوغ الهدف الذي حدّد للهجوم قبل انطلاقه، وانْ كان دفاعاً فيكون النصر بمنع المهاجم من تحقيق هدف هجومه، وتبقى المرونة في مراجعة الأهداف وتعديل لوائحها أمراً لا بدّ منه ربطاً بما يستجدّ أو يفرضه الميدان، إنما يبقى الهدف أساساً في اعتماد العمل أصلاً، لأنّ العمل الذي ينطلق من غير هدف أصلاً أو من أجل هدف غير قبل للتحقيق، او هدف أظهر الميدان استحالة الوصول اليه او الكلفة الباهظة جداً لتحقيقه فإنه يكون عملاً عبثياً لا يقوم به عاقل واعٍ لمسؤولياته…

ذكرت هذه القواعد المعتمدة عسكرياً قبل ان أعرض لما يجري في جبهة لبنان مع الاحتلال في فلسطين ومزارع شبعا والجولان السوري، حيث تقود المقاومة الإسلامية في لبنان مواجهات حارَ الكثيرون في تفسيرها طبيعة وهدفاً، وانقسم المعنيون بشأنها بين من يطالب بالمزيد او من يرى غير ذلك ولهذا يطرح السؤل ما الذي يجري بالضبط على هذه الجبهة والي اين هو متجه؟
بعد حرب العام 2006 وعلى ضوء النتائج التي تمخضت عنها تلك الحرب والتي بموجبها صنفت «إسرائيل» مهزومة في الميدان في مواجهة «بضعة آلاف من المقاتلين» على حدّ ما جاء في تقرير لجنة فينوغراد، بعد هذه الحرب سادت وبالأمر الواقع قواعد اشتباك ناظمة للمواجهة بين المقاومة في لبنان والعدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، قواعد تتضمّن حقّ المقاومة بالمبادرة الى عمليات عسكرية ضدّ العدو في مناطق احتلاله لأرض لبنانية في مزارع شبعا، كما وحقها بالردّ على أيّ اعتداء إسرائيلي ينتهك حقاً سيادياً لبنانياً أياً كان مكان الانتهاك ووسيلته وحجمه.

وعندما أطلقت حركة حماس عملية «طوفان الأقصى» بادرت المقاومة الإسلامية في لبنان (وبصرف النظر عما اذا كانت العملية بتنسيق او بدون تنسيق معها) الى إعلان موقف صريح منها معلنة أنها ليست على الحياد، وأنها تتابع الموقف لحظة بلحظة من أجل اتخاذ التدبير المناسب في المواجهة دون ان تحدّد شيئاً من طبيعة ما ستقوم به بل أبقت الأمر غامضاً وظنّ البعض أنه ترك التوضيح ليقوم به سيد المقاومة في كلمة يلقيها في إطلالة جرت العادة على القيام بها في مثل هذه المواقف،

بيد انّ السيد لم يتحدث كما انتظر البعض، وظهر انّ الحزب اعتمد استراتيجية «الغموض والحسم»، بشكل أربك العدو الذي لم يستطع فكّ شيفرة تصرف المقاومة التي انتقلت من مرحلة الجهوزية الى مرحلة الاحتكاك والمواجهة تحت سقف قواعد الاشتباك، وصولاً الى مرحلة «الحرب المقيّدة بالمكان والهدف والوسيلة والسلاح» التي دخلتها المقاومة بعد ان تجاوز العدو قواعد الاشتباك واستهدف مدنيين في لبنان كان الصحافي عصام عبدالله في مقدمة من استشهدوا منهم بنار العدو.

وممارسة لدقائق «الحرب المقيّدة» دمرت المقاومة الجزء الأكبر (75%) من منظومة المراقبة البرية الإسرائيلية التي نشرها العدو على الحدود مع لبنان ليراقب الداخل اللبناني بعمق يصل أحياناً الى 9 كلم يحصي فيها كلّ حركة ويسجلها على مدار الساعة، وقد فسّر العدو هذا التدمير بأنه عمل تمهيدي لتهيئة مسرح العمليات ثم ردّت المقاومة على استهداف الأشخاص داخل لبنان باستهداف الدوريات والمراكز العسكرية للاحتلال داخل فلسطين المحتلة حتى عمق 3 كلم، لكن كلّ هذه الأعمال وبلوغ المقاومة هذه المرحلة التي تسبق مباشرة مرحلة الحرب المفتوحة، لم تشبع فضول أصحاب السؤال «هل يدخل الحزب الحرب؟» السؤال الذي يطرح من قبل العدو والخصم وبعض الحليف والصديق، معطوفاً على سؤال آخر هو «لماذا لم يتحدث السيد حتى الآن»؟

البحث في هذه الأسئلة يعيدنا مباشرة الى ما طرحناه في مقدمة هذا المقال، وتحديداً ما ذكرناه حول الهدف من العملية العسكرية والسلوك ونسأل ما المطلوب في هذه المرحلة بالذات من المقاومة في لبنان ان تفعل دعماً وإسناداً للعملية الدفاعية الحالية التي تقوم بها المقاومة في غزة؟

في فنون الحرب هناك قاعدة تقول «الاحتفاظ بأوراق احتياط واجب وضرورة» ولا تلقي بورقة في الميدان قبل أوانها فتحترق دون ان تستثمر نارها، فإذا كانت الحرب طويلة – وهي طويلة كما يبدو وقد توقعناها منذ اليوم الأول ان تصل الى 10 أسابيع، وصرّح وزير حرب العدو قبل يومين بأنها قد تصل الى 3 أو 4 أشهر – فإن استعمال ما في اليد من أوراق يخضع للتمحيص المتشدّد في التوقيت وكيفية الاستعمال، ثم انّ المقاومة ليست معنية بكشف أوراقها وخططها للعدو وحرمان نفسها من عنصر المفاجأة، خاصة أنها وفي المرحلة الثالثة التي بلغتها حققت الكثير من الأهداف.

فقد فرضت على العدو أولاً الاضطراب في اتخاذ القرار بالمعركة البرية ومنعته حتى الآن من هذا القرار ما تسبّب بتفسخ وانقسام بين قادته في المستويين العسكري والسياسي فضلاً عن التباين مع أميركا التي تدير فعلياً هذه الحرب، وكذلك فرض على العدو تخصيص أكثر من ثلث قدراته العملانية وتجميدها لمواجهة الأخطار في جبهة الشمال. كما وأجبر العدو على إخلاء 28 مستعمرة ووضع خطة لإجلاء من تبقى في المستوطنات بعمق 9 كلم، بشكل قسري. وأخيراً تسبّب هذا الوضع بتراجع في اقتصاد الشمال وتعطيل مرافقه الإنتاجية والسياحية والخدماتية في بنسبة 40 %وفقاً لما ذكر خبراء صهاينة، أما احتجاب السيد عن الظهور الإعلامي فقد تسبّب في تعزيز مفاعيل «استراتيجية الغموض والحسم» وزاد من قلق وإرباك العدو ورعاته حول ما سيكون عليه المستقبل.

وعليه وفي ضوء ما تقدّم، وانطلاقاً من تحليل المشهد القائم حالياً نرى انّ المقاومة أتقنت اتخاذ المواقف في الطبيعة والوقت المناسب وحققت بمواقفها تلك الأهداف التي تتوخاها بشكل عام وهي مستمرة عند اتخاذ أيّ موقف وقرار في مراعاة الحقائق والوقائع التالية:

ـ الحذر في استعمال أيّ من أوراق المواجهة خارج ضوابط قاعدة «التناسب والضرورة».

ـ التصرف على أساس انّ الحرب قد تصل الى 10 أسابيع قابلة للتمديد الى 14 أسبوعاً،

ـ النظر الى احتمال قيام العدو بحرب برية لاجتياح قطاع غزة على انه احتمال مرجح قد يكون لا بدّ منه ليحقق لـ «إسرائيل» نصراً يعادل او يحجب هزيمتها الاستراتيجية، لذلك قد يماطل العدو أو يراوغ في القيام به من أجل تهيئة مسرح العمليات للتخفيف من الخسائر ثم ينطلق اليه في صيغة شاملة او محدودة ربطاً بالظروف وقد حدّد العدو للعملية هدفاً نهائياً هو تفكيك حركة حماس وشطبها نهائياً.

ـ عدم المراهنة على عوامل مساعدة خارج محور المقاومة، عربية كانت او إسلامية او غير ذلك، فأميركا تعتبر الحرب حربها لأنها تمسّ بأمنها القومي وتتصرف على هذا الأساس، وتتصدّى لأيّ متدخل فيتراجع.

ـ الحاجة الى التحشيد الإعلامي لمواجهة مخاطر الحرب النفسية خاصة مسالة إشاعة الذعر العام من غير سبب موج.

:::::

“البناء”، بيروت، بتاريخ 2023‏-10‏-24

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:
  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org

[1] Arghiri Emmanuel, Unequal Exchange: A Study of the Imperialism of Trade (New York: Monthly Review Press, 1972); Samir Amin, Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism (New York: Monthly Review Press, 1976); Utsa Patnaik and Prabhat Patnaik, A Theory of Imperialism (New York: Columbia University Press, 2016).

[2] Ali Kadri, Imperialism with Reference to Syria (Singapore: Springer, 2019).

[3] Anouar Abdel-Malek, Social Dialectics: Nation and Revolution (Albany: SUNY Press, 1981).

[4] Joyce Kolko and Gabriel Kolko, The Limits of Power: The World and United States Foreign Policy, 1945-1954 (New York: Harper & Row, 1972)

[5] Joyce Kolko and Gabriel Kolko, The Limits of Power, p. 12.

[6] Domenico Losurdo, Il marxismo occidentale. Come nacque, come morì, come può rinascere [Western marxism: How it was born, how it died, how it can be reborn] (Bari: Laterza, 2017).

[7] Brandon Wolfe-Hunnicutt, The Paranoid Style in American Diplomacy: Oil and Arab Nationalism in Iraq (Stanford: Stanford University Press, 2021).

[8] Seif Dana, “The Setback 49: The Dialectic of Neoliberalism and War”, hadfnews, 2016, https://hadfnews.ps/post/17225/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%B3%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8.

[9] Sheila Ryan, “Israeli Economic Policy in the Occupied Areas: Foundations of a New Imperialism.” MERIP Reports (1974) 24, pp. 3-28, p. 6.

[10] Congressional Research Service, “US Foreign Aid to Israel”, 2023, https://sgp.fas.org/crs/mideast/RL33222.pdf.

[11] Soula Avramidis, ‘Iraq’s Constitution: The Dream of “New Imperialism”’, Monthly Review, 2005, https://mronline.org/2005/10/15/iraqs-constitution-the-dream-of-new-imperialism/.

[12] Patrick Higgins, “Gunning for Damascus: The US war on the Syrian Arab Republic.” Middle East Critique 32(3).

[13] Max Ajl “Robert Vitalis, Oilcraft: The Myths and Scarcity that Haunts U.S. Energy Policy.” Journal of Labor and Society 24(1): 252-260. 2021.

[14] Yukio Tajima, “China calls lack of justice for Palestinians ‘crux’ of conflict”, Nikkei Asia, 13 October 2023. https://asia.nikkei.com/Politics/Israel-Hamas-war/China-calls-lack-of-justice-for-Palestinians-crux-of-conflict

[15] Hamas, “Statement for the People”, Resistance News Network, 9 October 2023.