رابط الحلقات الثلاث الأولى
✺ ✺ ✺
الحلقة 4
السبت 17 أيار 2025
بين الانتصاريّة والانهزاميّة (1)
ليست معركة العرب مع إسرائيل معركة عاديّة. هي ليست حرباً وليست صراعاً وليست خلافاً عرَضيّاً. أحسنَ أنطون سعادة مُبكراً في تصنيف الصراع على أنّه صراع الوجود، لا الحدود، أو كما وصفه عبد الناصر في آخر أيّامه: إمّا أن نكون نحن أو لا نكون (وقال ذلك في سياق رفْضه للتسويات المنفردة وإصراره على ربْط مسألة فلسطين بتحرير الأرض المصريّة -أي عكس ما ترمي إليه الأنظمة الخليجيّة عبر تسريبات مشبوهة لعبد الناصر لتمهيد الطريق للتطبيع المجّاني مع إسرائيل).
تَرواحَ التعاطي العربي مع إسرائيل بين طرف الانتصاريّة الفائقة وروح الانهزاميّة المُحبِطة التي سادَت (عن قصد) بعد حرب 1967 لضمان الاستسلام العربي واستحصال إهمال فلسطين بالكامل. هناك دُور نشر عربيّة (انطلقت من بيروت) لنشْر ثقافة الهزيمة بين العرب. كان ردّ فعل عبد الناصر بعد هزيمة 1967 غير ما كانوا يتوقّعون (تماماً مثل 1956 عندما ظنّوا أنّ العدوان الثلاثي الكبير سيؤدّي إلى تنحّي عبد الناصر والعودة إلى زمن الطاعة الملكيّة في مصر). لم يستسلم عبد الناصر، وهذا ما فجَّر أحقاد الصهاينة، عرباً وغرباً.
حكاية أمين الحافظ باتت شهيرة. كان في عام 1964 يُعلن أنّ حزبه أعدَّ خطة مُحكمة لتحرير فلسطين. ولم تكن الجملة عرَضيّة أبداً. كان يكرّرها في مقابلات وتصريحات وخُطب منشورة. عدد الساعات يتغيّر بين تصريح وآخر. عبد الناصر لم يكن ينجرّ أبداً لهذه العواطف. أحمد الشقيري نفى أن يكون قد هدَّدَ برَمْي اليهود في البحر. وفي هذا هو مُحقّ (مع أنّه آمن بأهميّة الخطبة البليغة على حساب العمل والنشاط العسكري). لم ترِد تلك العبارة أبداً في تصريحاته ومقابلاته الكثيرة. هذه اخترعها اللّوبي الإسرائيلي تماماً كما يخترعون عن نيّات إيرانيّة اليوم.
البروباغاندا الإسرائيليّة لا تتورّع عن اختراع تصريحات وبيانات كاذبة وتنسبها إلى أعدائها. في عام 1970، قابلَت الصحافيّة الإيطاليّة الصهيونيّة، أوريانا فالاتشي (وكانت شهيرة في زمانها)، جورج حبش (وجلوسه معها كان خطأً، لكنّ الكثير من الزعماء والحكام العرب يجهلون هويّة جلسائهم من الإعلاميّين والإعلاميّات الغربيّات). نشرت فالاتشي المقابلة في مجلّة «لايف»، وكانت أوّل إطلالة لحبش في الإعلام الغربي بعد انتشار اسمه نتيجة لأعمال خطف الطائرات. زعمت أنّ حبش أخبرها أنّه يريد قتْل أكبر عدد من اليهود في العالم.
وكلّ من تابع تصريحات حبش وكلامه (في العلن أو في الجلسات الخاصّة) يعلم أنّه لم يكن يتحدّث بهذا المنطق أبداً. نحلت له كلاماً يضرّ بالقضيّة في الغرب. وفي آخر سنواتها، اعترفت بتعصّبها العنصري والصهيوني من دون أي تحفّظ. أحياناً، يمنح بعض الرؤساء والحكام والزعماء هدايا للبروباغاندا الصهيونيّة، مثل الحديث عن الهولوكوست، كما فعل أحمدي نجاد (الذي بات في صفّ 14 آذار الإيراني). لم يجد اللّوبي الصهيوني أيّ كلام ضدّ اليهود في خطب عبد الناصر وتصريحاته. محّصوا ودقّقوا كثيراً قبل العثور على مقابلة يتيمة مع صحافي هندي استعملوها للقول إنّ عبد الناصر نازي (ذكر فيها عرَضاً «بروتوكولات حكّام صهيون» المزيّفة وكان أخوه شوقي قد روّج لها).
فعلوا الشيء نفسه مع عرفات ومع حُكّام إيران ومع نصرالله وقادة «حماس». يومها، كان هناك مصداقيّة في الغرب للدعاية الإسرائيليّة. اليوم، التشكيك في بروباغاندا إسرائيل وخطابها يرِد من أصدقائها كما يرِد من أعدائها. فتّشتُ في الأرشيف العربي عن عبارة رمْي اليهود في البحر فلم أعثر إلّا على تصريح لحسن البنّا في مجلّة «المصوّر» المصريّة في عام 1948.
العدوّ يستثمر في العثور على أسوأ ما في الخطاب العربي كي يستعمله ضدّنا. نحن لم نفعل الشيء نفسه، خصوصاً في السنوات والعقود التي كان فيها العدوّ شديد الحرص على خطابه الموجّه إلى الغرب. الآن فلت العقال. أصبح خطاب الإبادة علنيّاً لأنّ إسرائيل تعلم أنّها مهما نطقت وصاحت وهدّدت بالإبادات فإنّ أميركا ظهير لها. إسرائيل لم تعد تكترث. تعلم أنّ العالم العربي يكرهها وأنّ شباب العالم يكرهونها. في أميركا لم يعد في يدها إلّا قمْع حريّة التعبير وتحويل الجامعات إلى ثكنات.
في المراحل الأولى من الصراع مع إسرائيل سادت الانتصاريّة الفائقة في كلامنا عن إٍسرائيل. إنّ النكبة كانت في جانب منها نتيجة الانتصاريّة الزائفة التي عمّمها كلّ الحكام العرب آنذاك (وكان رياض الصلح أبرزهم لأنّه، قبل أشهر فقط من النكبة، تحدّث عن خطط سرّية لإنقاذ فلسطين. المؤرّخون سيحكمون على براءة هذه التصريحات بعد أعوام). لم يكن الشعب العربي يأخذ العدوّ الصهيوني على محمل الجِدّ لأنّ كلام حتميّة النصر سادَ. اقرأوا أشعار المرحلة وابدأوا بقصيدة «سائل العلياء عنّا والزمانَ» للأخطل الصغير (أراد فريد الأطرش تلحينها لأم كلثوم، التي قاومت للنهاية إنشاد أيّ لحن له).
إنّ النكبة، في بُعدٍ لها، كانت مصيبة لأنّها تناقضت مع جوّ الانتصاريّة الذي كان سائداً قبلها. لم يكن هناك توقّع بأن ينتصر العدوّ وبهذه السهولة، وأن يستطيع أن يسيطر على كيان في أبعد من حدود الدولة المرسومة في قرار التقسيم
هناك أسباب عدة لتعميم الانتصاريّة في مواجهة الخطر الصهيوني الداهم:
أوّلاً، كان هناك المشبوهون المُمَوَّلون من قِبل الحركة الصهيونيّة. هناك وثائق صهيونيّة نُشرت عن تلك المرحلة وسيكون هناك المزيد. اللّافت أنّ أموالاً طائلة أُنفقت للتأثير ليس فقط على الساسة (الكثير من لبنان كما يرد في «المتاهة اللّبنانيّة») بل للتأثير على الصحافة العربيّة في المشرق وفي المهاجر الأميركيّة. أعارت الصهيونية بالغ الاهتمام للتأثير على الرأي العام العربي. هنا فشلت فشلاً ذريعاً لأنّ الرأي العام العربي (آنذاك) كان قاطعاً في رفْضه للصهيونية. لكن تعميم فكر النصر المحتوم من قِبل أدوات الصهيونية كان مفيداً لأنّه خفّف من الشعور بالخطر الداهم. ظنّ كثيرون أنْ لا إمكانيّة لتحقيق النصر من قِبل الصهاينة.
ثانياً، كان هناك مَن عمّمَ فكر الانتصاريّة الفائقة بسبب الغباء أو الجهل، أي عدم تقدير الموقف بصورة علميّة مع الأخذ في الحسبان موازين القوى بين الطرفَين. يروي موسى العلمي في مذكّراته عن لقائه، مع وفد فلسطيني، مع شكري القوّتلي في 1948، وكيف أنّ الأخير طمأن الوفد الفلسطيني الذي كان يسعى إلى التجهيز والتسليح بأنّ حدّاداً دمشقيّاً ذا أيد ذهبيّة توصّلَ إلى اكتشاف القنبلة الذريّة في دكّانه. عاد الوفد على أعقابه خائباً. هل كان القوّتلي عميلاً أو غبيّاً جاهلاً أم الاثنَين معاً؟ مهما كان الجواب فإنّ النتيجة واحدة. لم يكن هناك من تقدير جدّي لخطورة القوّة اليهودية في فلسطين.
ثالثاً، بالغ الكثيرون في العالم العربي من فرص تحضير قوّة عربيّة من المتطوّعين ومن الجيوش العربيّة. كان يجب الإدراك أنّ الجيوش عاجزة بالكامل لأنّ الحكومات كانت خاضعة للحُكم البريطاني المتحالف مع الصهيونيّة والمُلتزم بتطبيق سخيّ ومطّاط لوعد بلفور (وصياغة الوعد كانت مقصودة في إبهامها كي تحقّق للحركة الصهيونيّة ما تريده وكي تستولي على ما تشاء من أرض فلسطين).
لكنّ الصحافيّين العرب آنذاك، لمن يعود للصحافة («النهار» أو «المصوّر» المصريّة، في حالتي)، حاولوا مساءلة الحُكّام العرب في قممهم الصغيرة عن خطط الدفاع عن فلسطين. ألحّوا عليهم بتطمين الرأي العام. «المصوّر» في عام 1948 نقلت عن رياض الصلح كلاماً عن خطط مُحكمة سرّية ستُدهش العالم (كما أدهش أمين الجميّل العالم في 1982-1984، قبل الانقلاب عليه).
ولو اعترفت الحكومات العربيّة بعجزها العسكري وارتهانها السياسي لكان الجمهور العربي قد تحرّك من تلقاء نفسه كما تحرّك في الستينيّات عند انطلاق المقاومة الفلسطينيّة. كانت مخيّمات التدريب العسكريّة في لبنان في الستينيّات والسبعينيّات تعجّ بالمتطوّعين العرب من مختلف الجنسيّات. هشام شرابي ذكر عن حملة تطوّع للجهاد في فلسطين عشيّة النكبة في الجامعة الأميركيّة في بيروت. المئات وقّعوا على استعدادهم كتابيّاً: عرائض مُدبّجة. وفي اليوم الموعود، لم يتقدّم من المتطوّعين إلّا ثلاثة.
إنّ النكبة، في بُعدٍ لها، كانت مصيبة لأنّها تناقضت مع جوّ الانتصاريّة الذي كان سائداً قبلها. لم يكن هناك توقّع بأن ينتصر العدوّ وبهذه السهولة، وأن يستطيع أن يسيطر على كيان في أبعد من حدود الدولة المرسومة في قرار التقسيم (غير المُلزم لأنّه صدر عن الجمعيّة العامّة. إسرائيل تضرب بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن فما بالك بقرارات الجمعية العامّة، لكنّها في حينه -وبدعم غربي- زعمت أنّ قرار الجمعية العامة هو وثيقة ولادتها بحسب لغة أبا إيبان).
وهزيمة 1967 كانت فاجعة ونكبة لنا لأنّنا كنّا نتوقّع النصر. الخُطب التي سبقتها (بما فيها خطبة في أيّار لأحمد الشقيري) امتازت بالانتصاريّة الفائقة. والحُكم المصري الذي كان حريصاً جدّاً في خطابه عن الصراع مع إسرائيل انجرَّ فجأة مع الجوّ الحماسي. إنّ المبالغات والأكاذيب التي طبعت الإعلام النصري بعد الحرب حتى خطاب التنحّي كانت تجاوباً مع توقّعات خياليّة غير واقعيّة للجماهير. لو أنّ الجماهير كانت مُدركة لحقيقة الجيش المصري لَما اندفعت وطالبت بالحرب الكبرى.
ثم إنّ إسرائيل تحسنُ، في مجال الحرب النفسيّة، التقليلَ من نسبة قوّتها والكذب في المبالغة في تقدير قوّة أعدائها. هي التي قالت إنّ الجيش العراقي الضعيف زمن صدّام كان رابع جيش في العالم. وقالت إنّ قوات حزب الله هي أقوى من الجيوش العربيّة (القول ليس خطأً من حيث الاندفاع والقدرة القتاليّة، ولكنْ للجيوش طائرات ودبّابات وسفن حربيّة لا يمتلكها الحزب).
إسرائيل تُمعِن في مبالغة تصوير ضعفها وقوّة أعدائها لسببَين: هي تريد الظهور بمظهر الحمل الوديع أمام الغرب؛ لأنّ ذلك جلب لها المزيد من التعاطف، والمزيد من السلاح عبر السنوات. قبل حرب 1967 (حسب ما يرد في كتاب ويليام كوانت «مسيرة السلام»، خدعت إسرائيل أميركا بالنسبة إلى قوّتها بالنسبة إلى العرب. لم يكن هناك شكّ عند أجهزة الاستخبارات الأميركيّة حول قوّة إسرائيل مقابل أيّ تكتل عسكري عربي، وليس جيشاً واحداً فقط). والسبب الثاني أنّ إسرائيل تخدع شعبها (لتنالَ قتالاً وجوديّاً شرساً كما حصل في حرب 1967) وتخدع أعداءها كي لا يحسبوا لها حساباً تستحقّه.
منظمة التحرير الفلسطينيّة كانت أسوأ تجربة لحركة تحرير أو مقاومة في تقديرها للخصم. وكانت هناك أجنحة ومدارس مختلفة في منظمة التحرير. محمود عبّاس كان من أصحاب نظريّة أنّ المقاومة العسكريّة غير ضرورية لأنّ المجتمع الإسرائيلي متآكل من الداخل وهو (دائماً) على شفير الانهيار أو الحرب الأهليّة (كان عبّاس ينظر إلى نفسه -وينظر إليه ياسر عرفات- كخبير في الشأن الإسرائيلي).
(يتبع)
ملاحظة: صحّح لي أصدقاء ما ورد في سياق المقالة السابقة. أنا أخطأتُ في قولي إنه ليس من نساء في الهيئات القياديّة العليا في الحزب. قيل لي إنّ هناك نساءً.
الحلقة 5
24 أيار 2025
بين الانتصاريّة والانهزاميّة (2)
مرحلة منظّمة التحرير كانت بائسة في التعاطي العِلمي والواقعي مع الخطر الصهيوني. ياسر عرفات كان يمثّلُ مدرسة الانتصاريّة الاستعراضيّة الفائقة. بالغَ دوماً علناً بقدرات قوّاته وكان يحاول أن يقلّدَ جمال عبد الناصر الذي كان يسخَر من البريطانيّين بعد العدوان الثلاثي على مصر. والسخرية لم تكن تليق يوماً بخطابيّة عرفات: جعلَته أقرب إلى المهرِّج. قبل 1976، لم يكن عرفات في موقع قيادة منظمة التحرير، لكن «فتح» لم تكن تختلف في اللّهجة الانتصاريّة عن خطاب أحمد الشقيري. بيانات حركة «فتح»، منذ البداية، كانت أضحوكة عندما ترجع إليها.
عرفات كان مسؤولاً إعلاميّاً والمزاعم الخياليّة عن إلحاق الإصابات بالعدوّ نمّت عن نَفَس استعراضي وسَمَ تاريخ الحركة وإعلاناتها العسكريّة، وتحت إشراف مباشر من عرفات (كان يجول بنفسه على الصحف ويوزِّع بيانات الحركة، وأسهم ذلك في خلْق صورة غير صحيحة عن فعاليّة قوّاته). وعرفات لم يكن يتورّع عن نسب عمليّات باقي الفصائل إليها. أراد إثبات الوجود وجلْب التمويل عبر الحضور (ثم الظهور) الإعلامي المكثّف. لم ينافسه أحد في التنظيمات في الاستعراض والبروباغاندا، وإن كان نمطه الدعائي كارثياً على الفعاليّة العسكريّة والتنظيميّة للمقاومة، والأهم على مصداقيّة حركة «فتح».
لم تكن بيانات «فتح» تُصدَّق لأنّ الجميع كان يعلم أنّ القيادة تعلم أنّ الناس لا تصدّق مزاعمها. كان هناك بالفعل عمليّات عسكريّة كثيرة تجري، مِن قِبل «فتح» وباقي التنظيمات، لكنّ الكثير منها كانت تبوء بالفشل، والناجحة منها لم تكن على النجاح المذكور في البيانات العسكريّة. أوّل عمليّة لـ«فتح» كانت فاشلة. قيادة عرفات كانت انفعاليّة وارتجاليّة وكانت العمليّات تُقرّر أحياناً بناء على تقدُّم أو عرقلة في مفاوضات إقليميّة أو دوليّة يجريها. ولم يكن يتورّع عن أن يأمر بعمليّات مناسبات، في هذا العيد الوطني أو ذاك (ولم تكن «فتح» وحيدة في ذلك، إذ جارتْها باقي التنظيمات).
أي إنّ العمليّات لم تكن جزءاً من خطّة (دفاعيّة طبعاً بالحدّ الأدنى) ولم يخطّط عرفات (خلافاً لقيادة نصرالله) في تشكيل قدرة ردْع في جنوب لبنان. كان الانتشار العسكري للقواعد في الجنوب غير مترابط، وكلُّ تنظيم كان يفعل ما يشاء، باستثناء تلك المراحل التي كان عرفات يضبط فيها الحدود لتسجيل موقف أمام الولايات المتحدة. أراد أن يُثبت لها أنّه يمكن الوثوق به لو تمّ التوصل إلى اتّفاقيّة سلام.
لكنّ انتصاريّة «فتح» تضاربت مع النتائج الكارثيّة للهزيمة في 1967. تخبّطت القوى الفلسطينية وطُرد أحمد الشقيري طرْداً من منظّمة التحرير. قد يكون حُمِّل فوق طاقته، لكنّ خطابه التعبوي قبل الهزيمة كان منفصلاً عن الواقع. حضّر الجمهور الفلسطيني لهزيمة ماحقة لإسرائيل. تولّى عرفات قيادة المنظمة في 1969 (بعد فترة انتقاليّة بقيادة يحيى حمّودة).
لكنْ بين صعود عرفات والهزيمة كانت هناك علامة فارقة تمثّلت في «معركة الكرامة» التي خاضها الجيش الأردني بقيادة مشهور حديثة مع الفصائل الفلسطينيّة. هنا، التقط عرفات فرصة لنسْج قصّة (شبه) خياليّة عن دوره ودور حركته، متناسياً الدور المفصلي لمدفعيّة مشهور حديثة في المعارك. «معركة الكرامة» زرعت إيماناً شعبيّاً بقدرات خارقة للمقاومة الفلسطينية (راجع مقالة مايكل هدسون «تطوّرات وإخفاقات في حركة المقاومة الفلسطينيّة، 1967-1971»، «مجلّة الدراسات الفلسطينيّة»، ربيع 1972). هنا فُتحت أبواب التنظيمات أمام الآلاف المؤلّفة من المتطوّعين للانضمام إلى الفصائل، وبالفعل دخلها الآلاف.
واضطرّت كلّ التنظيمات (خصوصاً حركة «فتح» لأنّها جذبت أكبر عدد من المتطوّعين) إلى التخلّي عن الحذر الأمني وعن وسائل التنقية ومراحلها التي كان العضو الجديد يمرّ فيها قبل الانضمام. لكنْ حتى قبل الهزيمة، كانت «فتح» متساهلة في مسألة ضمّ الأعضاء. كانت نشرة «فلسطيننا» تنشر عنوان صندوق بريدي حيث يمكن للمهتمّ أن يُرسل إعلان نيّته في الانضمام. ويعترف هاني الحسن في أحاديثه مع هيلينا كوبان في كتابها المرجعي عن منظمة التحرير أنّ إمكانيّة التنقية أو الاختياريّة زالت بعد «الكرامة».
الحزب أسّس لتجربة فريدة في السرّية المُطلَقة في سنواته الأولى. لم تعلم الناس عن أسماء أعضاء، ولا حتى أسماء قياديّين، ولا حتى عن اسم التنظيم. كانت هناك بيانات بإعلان مسؤوليّة بأسماء اندثرت
عرفات الذي كان منذ البدايات يعاني من إفراط في النَفَس الانتصاري والمبالغة غير العلميّة، أصبح مضطرّاً بعد 1967 إلى زيادة منسوب الانتصاريّة للتعامل مع المناخ الجديد من الإحباط والانهزاميّة. لا شكّ أنّ مدرسة «النقد الذاتي بعد الهزيمة» (التي قادها ثقافيّاً -من اليسار- صادق جلال العظم والعفيف الأخضر وأدونيس و-من اليمين- أمثال سيسيل حوراني وسعد جمعة). مجلّة «دراسات عربيّة» (القريبة من البعث العراقي) استضافت أصوات «النقد الذاتي»، بالإضافة إلى مجلّة أدونيس، «مواقف»، بعد 1969. وجريدة «النهار» و«الحياة» استضافتا أصوات الانهزاميّة اليمينيّة. سيسيل حوراني (وكان مستشاراً للحبيب بورقيبة -الساداتي قبل السادات-). وحوراني عمل في ما بعد مستشاراً وثيقاً لبشير الجميّل ولسعد حدّاد، وكان يكتب مراسلات بشير الجميّل مع إدارة ريغان (كان شارل مالك هو الذي زكّاه عند بشير الجميّل، وكان يعرفه من الجامعة الأميركيّة حيث درّسَ العلوم السياسيّة في الخمسينيّات).
أدرك عرفات أنّ جوّ الانهزاميّة سيقضي على حركة المقاومة بعد سنتَين فقط من انطلاقتها الهمروجيّة. التحدّي أمام عرفات كان: هل يقضي العمل العسكري المنظّم والفعّال على الانهزاميّة، أم العمل الاستعراضي والبيانات الخطابيّة الشعريّة هي الكفيلة بالتعامل مع الانهزاميّة؟ هنا جنح عرفات باستمرار نحو الانتصاريّة، لكنّه كان يعكس شخصيّتَين: واحدة علنيّة شديدة الإصرار على حتميّة النصر، وأخرى في المجالس، حيث كان يعبّر عن يأسه وحنقه من الحلفاء وغضبته من الحالة التي وصلت إليها المقاومة الفلسطينيّة.
وصف صائب سلام بالتفصيل شخصيّة عرفات في صيف 1982 حيث يظهر بوضوح انفصام بين ظهوره العلني الذي كان ملؤه التحدّي والانتصاريّة (وكان ذلك مفيداً لجمهور المقاومة في لحظات اليأس والعجز والهزيمة) وبين شخصيّته في المجالس والاجتماعات المغلقة عندما كفرَ بكلّ شيء. كان يستلذّ بالسخرية من «أصحاب» نايف حواتمة من الـ«كي.جي.بي» في بيروت، ويشير له ضاحكاً في الاجتماعات: ماذا يقول أصحابك عن الوضع؟ وفي الجلسات في منزل صائب سلام، كان يرغي ويزبد ويهدّد بقصف جونية وبالتصعيد الذي لم يكن يملك وسائله. وإذا كانت انتصاريّة عرفات مفيدة للجمهور في ذلك الحين فإنّها تكسّرت بمجرّد أن قبِلَ بخطّة ترحيل قسري، على بواخر، لكلّ قوات المقاومة في لبنان. هنا زاد الإحباط والانهزام، وعن حقّ.
عرفات نفسه كان يُعلِن قبل الاجتياح في 1982 ترحيبه بالقوات الإسرائيليّة الغازية. كان يسخر من شارون ويقول: أهلاً بشارون. كما كان يزهو بعِلمه بخُطط العدوّ: لم يتوقّف عن التبجّح بمعلومات عن خطّة «الأكورديون» التي سيلجأ إليها العدوّ لحصار قوات المقاومة في الجنوب، من الجنوب والشمال. لكنّ الرجل الذي أعلن ترحيبه بقدوم الاجتياح لم يكن لديه خطّة مواجهة أو خطّة دفاع أو حتى خطّة انسحاب منظّم. وضع على رأس «القوات المشتركة» الحاج إسماعيل الذي استحق محاكمة ميدانيّة لأنّه كان أوّل المنسحبين بعد أوّل طلقة (وقصّة «القوات المشتركة» كانت أيضاً من صُنْع خيال عرفات. لم يكن هناك ما هو مشترك بين قوّاتها، ولم يكن عرفات يستشير أحداً مِن حوله، من حلفائه الفلسطينيّين أو اللّبنانيّين.
وفي مرحلة ما بعد خروج الجيش السوري من لبنان، تمّ صنع سرديّة عن حلف ذهبي بين عرفات وكمال جنبلاط فيما كانت العلاقة شديدة السوء بين الرجلَين. كان جنبلاط، وعن حقّ، يضيق ذرعاً بوعود ياسر عرفات وأكاذيبه. كان كلوفيس مقصود يقصّ علينا تفاصيل تلك الاجتماعات حين كان جنبلاط يحرج عرفات بالنسبة إلى وقْف دعْم الحركة الوطنيّة، وذكر لنا مرّة عندما احتجز عرفات باخرة سلاح كانت في طريقها إلى الحركة الوطنيّة في مرفأ صيدا. صادر عرفات محتوياتها وطالبه جنبلاط من دون جدوى بإرجاعها. كان عرفات يمثّل دور المُتجاوِب، ثم يكذب مرّة أخرى. حاول عرفات اليائس تصوير الهزيمة الشنيعة كنصر، وكان ذلك أسوأ نموذج للانتصاريّة الفارغة.
عصام السرطاوي ردّ على زعْم عرفات بالانتصار بالقول إنّ المقاومة ستنتهي في جزر فيجي على هذا المنوال (اغتال أبو نضال السرطاوي بعد أشهر من ذلك التصريح).
حزب الله تجربة مختلفة بالكامل. هي نبتت بصورة معاكسة لحركة «فتح» ولتجربة عرفات القيادية. نصرالله كان عقلانيّاً في التخطيط واحتساب الربح والخسارة في صنع القرار، على نقيض عرفات الذي فضّل دوماً الارتجاليّة وسبْر غور المزاج – مزاجه هو. إذا كانت حركة «فتح» قد وُلدت ببيانات استعراضيّة انتصاريّة، فإنّ الحزب وُلد من دون إعلان أو تصريح، وحتماً من دون استعراض على الإطلاق. الحزب وُلد بسرّية تامّة في حالة لا تشبه أيّاً من حالات التنظيمات الفلسطينيّة الأخرى. لم يعلم أحد خارج نطاق دائرة الأعضاء الصغيرة عن ولادة الحزب عندما أُطلق رسميّاً في العلن في عام 1985.
قبل ذلك لم يعلم الناس إلّا عن أيادٍ سرّية كانت تُمعن في مقاتلة الأميركيّين والإسرائيليّين والفرنسيّين في لبنان. كيف يمكن معرفة وجود تنظيم لم يخرج إلى العلن بعد؟ كانت الناس تتساءل عن هويّة هؤلاء الذين يشنّون عمليات عسكريّة كبيرة ضدّ القوات المتعدّدة الجنسيّة وضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي. عمليّات الحزب (التي عرفنا في ما بعد أنّها للحزب) كانت أكبر وأقوى من عمليّات «جمّول» من دون الاستهانة ببطولة عمليّات «جمّول» وفعاليّتها. لكن باعتراف العدوّ، فإنّ عمليّات الحزب كانت مختلفة نوعيّاً وشكّلت كابوساً عند الإسرائيليّين. كانت هناك بيئة معادية لفعل المقاومة في معظم لبنان، على خلاف البيئة التي استضافت ولادة المقاومة الفلسطينيّة.
لكنّ حركة المقاومة الفلسطينيّة أساءت التعامل مع البيئة الحاضنة لها، مرّتَين، لا مرّة واحدة: الأولى في الأردن والثانية في لبنان. وهي بذلك خسرت الماء الذي تحتاجه السمكة على قول ماو تسي تونغ (ذكر رشيد الخالدي ذلك المثال في كتابه «تحت الحصار»عن صنْع القرار في منظّمة التحرير خلال حصار بيروت). الحزب أسّس لتجربة فريدة في السرّية المُطلَقة في سنواته الأولى. لم تعلم الناس عن أسماء أعضاء، ولا حتى أسماء قياديّين، ولا حتى عن اسم التنظيم. كان هناك بيانات بإعلان مسؤوليّة بأسماء اندثرت (أين هي منظّمة «الجهاد الإسلامي» -غير المنظّمة الفلسطينيّة- وأين «المستضعفين في الأرض»؟ تلك السريّة حَمَت التنظيم وشدّت عودَه في سنوات التأسيس والانطلاق).
ملاحظة: وردني تصحيح آخر أنّه ليس هناك نساء في القيادات السياسيّة العليا لحزب الله باستثناء امرأة واحدة.
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
:::::
المصدر: الأخبار”
________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
