السوريون الشيعة في إيران: ما لم تسمعوه من قبل!زهراء جمال

زهراء جمال

العراق


في منعطف التاريخ السوري المتخم بالتناقضات والمآسي، تقف الطائفة الشيعية كظلٍ صامتٍ يرافق المشهد دون أن يعلو صوته، طائفةٌ لم تكن يومًا في قلب المعادلات السلطوية، بل ظلت على هامش الحضور، تراقب بصبرٍ معقودٍ على خيط من الألم.

ومع اندلاع الحرب المعولمة ضد سورية، تحولت الجغرافيا إلى فخاخٍ للموت، وتعرضت قراهم ومناطقهم لمجازر طُمست بعض معالمها خلف ضجيج البنادق، ولتهجيرٍ ممنهج اقتلع الذاكرة من جذورها، حتى بات المكان شاهداً مكسورًا على غيابهم.

هذا المقال لا يسعى لإعادة تشكيل الاصطفاف الطائفي، ولا الحالة الهوياتية الطائفية، بل هو محاولة لاسترداد صوتٍ خافتٍ غرق في صخب الخراب، ولتوثيق مأساةِ جزء أصيل من شعبنا العربي، أنقلها بالحرف الواحد عن لسان أهلها، بلا زيادة أو نقصان، كما سمعتها بملء أذني، وكما ارتجف لها وجداني في لحظة تماسّ مباشر مع الحقيقة، في رحلة إلى إيران مع أصدقاء ذهبوا بقصد تقديم ما يمكنهم تقديمه من مساعدات، حملتني دوافع البحث والرغبة في الفهم إلى لقاءات مع لاجئين سوريين من أبناء الطائفة الشيعية، ممن قذفتهم الحرب إلى المنافي البعيدة، واستلبت منهم كل شيء إلا الذاكرة المرّة. هناك، بين جدران ضيقة تفوح منها رائحة الغربة، إلتقيت بشاب سوري شيعي، لا يزال وجهه يسكنني حتى اللحظة، ولن يغادر، بملامحه المعجونة بالخذلان، وصوته الذي تقطّع بين عتبة العتب وقاع الانكسار.

لن أنسى أبدًا تلك الدموع التي حبسها الكبرياء في عينيه، وقد بدأ حديثه بكلمات أقلّ ما يقال عنها أنها نشيج مرارة مغلف بالحياء، قالها بصوتٍ خفيض لكنه عميق كطعنة لا تبرأ:

”نحن السوريين، استضفناكم أنتم، العراقيين واللبنانيين ولم نسأل أحدًا عن مذهب، ولم يتوقف يومها رئيسنا عن التوجيه بأنكم ضيوف لا لاجئين وحين دارت رحى الزمن، ظلت حدودكم مفتوحة ١٤ عاماً أمام من كنا نقاتلهم حتى لا يصلوا إليكم، وعندما نكبنا، أغلقتم أبوابكم وأمعنتم في تنكركم لنا“

أطرقت رأسي إلى الأرض ولم يكن لي إلا الصمت خجلاً وعاراً …

هذا الشاب كان صوتًا من أصوات كثيرة تحمل الوجع نفسه، وتغلف معاناتها بأنفة تشبه السكوت حين يعلو صوته على كل كلام!

ضمن ما يشبه الملجأ المخصص لهم، أدرت وجهي عنه هرباً منه للبحث في تفاصيل صغيرة تحكي المأساة في عيون الأمهات الشابات، أو في ارتجافة يد عجوز فقد كل شيء.

إذ وجدت بعض العوائل الشيعية النازحة في المدن الإيرانية ملاذًا مؤقتًا بعد أن ضاقت بها أرض الوطن وتعذرتهم أوطان الأشقاء، وبعد أن صار محض انتمائهم بتلك الحرب المجنونة تهمة تجرّ على أصحابها سيف التصفية.

عرفت بعد الحديث مع مجموعة من العوائل أنهم وصلوا إيران من طرقات الهرب التي فُتحت على عجل تحت وابل القذائف والرصاص.

وكانت بداية نزوحهم هروبًا بريًّا نحو لبنان، بعد أن سقطت قراهم ومدنهم بيد الجماعات الإرهابية التي مارست بحقهم ما يتجاوز الوصف من تنكيل واستباحة عبر سنوات الحرب المشؤمة.

وهناك، في لبنان، إنقسمت السبل، فبعض العوائل وجدت -عبر علاقات خاصة مع شخصيات دينية أو سياسية- طريقًا إلى الطائرات الإيرانية التي نقلتهم مباشرة إلى الداخل الإيراني، تحديدًا إلى مدينتي مشهد وقم، حيث توزعت المآوي المؤقتة في أحياء فقيرة أو مراكز استقبال تفتقر لأدنى مقومات العيش الآدمي. أما البعض الآخر، فكان عليه أن يشتري نجاته بجنى العمر.

حيث باعوا ما بقي من حلي الزوجات، أو حصاد سنوات من العمل المتواضع، ليؤمّنوا ثمن تذكرة طائرة، هربًا من موتٍ يلاحقهم من خلفهم، وغموضٍ يبتلعهم أمامهم وعيش في لبنان ليس بمقدرتهم.

هناك، بين تفاصيل هذه الرحلات الصامتة، تكمن مأساة لا تشبه غيرها، لأنهم لم يكونوا ضحايا الجغرافيا فقط، بل ضحايا السرديات المتجاهلة، حيث لم يجدوا لهم موقعًا في خرائط اللاجئين، ولا مساحةً للحديث في غرف الإعلام أو قرارات الأمم. كانوا، ببساطة، فائض وجعٍ ليس مربحاً للاستثمار.

ومن خلال الأحاديث المطوّلة التي أجريتها مع العوائل السورية الشيعية النازحة هناك، بدأت تتكشف لي ملامح مأساة أخرى، أكثر خفوتًا لكنها لا تقل فتكًا في أثرها. فقد عرفت أن اختيارهم لإيران لم يكن بدافع الرغبة، بل لأن إيران كانت الدولة الوحيدة ـ حرفيًا ـ التي تسمح بدخول السوريين من دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة، في حين أوصدت بقية الدول الأبواب، وبعضها ـ للأسف ـ من يفترض أنها شقيقة وصديقة وحليفة!

لكن ما بدا ملاذًا أوليًا، ما لبث أن انقلب إلى مأزق جديد. إذ أن الدخول إلى إيران بدون تأشيرة يمنحهم فقط إقامة مؤقتة صالحة لثلاثة أشهر فقط، وبعد انقضائها يُطلب منهم استصدار تأشيرة رسمية، وهي عملية معقدة ومكلفة بالنسبة للاجئ لا يملك سوى أنفاسه. والأنكى من ذلك أن إيران، حتى لحظة كتابة هذه الشهادات، لا تضمّ سفارة سورية، ما يزيد من تعقيد أوضاعهم القانونية، ويجعلهم عمليًا عالقين في منطقة رمادية لا هي لجوء معترف به، ولا هي إقامة مستقرة.

أما من ناحية المعيشة والتعليم، فالصورة قاتمة بكل المقاييس. فغالبيتهم عاجزون عن دفع تكاليف المدارس العربية الموجودة في مدن مثل قم ومشهد، والتي وُجدت في الأصل لخدمة أبناء الجاليات اللبنانية والعراقية، لا النازحين الجدد المقطوعين من كل دعم. والمدارس الإيرانية من جهتها تفرض رسومًا مرتفعة على الأجانب، لا تتناسب مع دخل هذه العوائل المنهك أصلًا. والنتيجة: أطفال بلا تعليم، يضافون إلى قائمة الخسارات المتراكمة.

أما العمل، فهو معضلة قائمة بذاتها. إذ تحدّث كثيرون عن صعوبة إيجاد فرصة عمل، ليس فقط بسبب ضعف سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة في إيران نفسها، بل أيضًا بسبب ما وصفوه ـ دون مواربة ـ بالعنصرية الثقافية والاجتماعية تجاه العرب. فالإيرانيون، كما أكّد أكثر من شخص، وكما أعرفهم بنفسي، لا يفضلون توظيف العرب حتى عرب إيران، سيما في وظائف محترمة أو ذات طابع رسمي، وإن حصلوا على عمل فهو غالبًا من نوعية الأعمال المرهقة، ذات الأجور المتدنية التي لا تكاد تكفي لتأمين القوت اليومي.

وفي سياق هذا التوثيق المتشعّب، التقيت أيضًا ببعض الرجال الذين كانوا، ذات يوم، جزءًا من المشهد العسكري المعقّد في سورية. تحدثت مع مقاتلين سابقين، بعضهم قاتل في صفوف حزب الله ضمن الجبهات المشتعلة في ريف حمص وحلب، حيث كانت المعركة حينذاك تُرسم لا كواجب وطني فحسب، بل دفاع عن الوجود. رووا لي ـ بنبرة ملؤها الحسرة ـ أنهم كانوا على استعداد للقتال حتى النهاية، وقد اصطفوا بالسلاح، وتأهبوا لمعركة طويلة، قبل أن تأتيهم ـ فجأة ـ أوامر عليا من قيادة الحزب تقضي بأن يتركوا سلاحهم وأن يعودوا إلى منازلهم فورًا. لم يُسمح لهم حتى بمعرفة الأسباب، ولم تُمنح لهم فرصة الاعتراض أو النقاش.

في تلك اللحظة، كما قال أحدهم، لم يكن الانسحاب مجرد قرار عسكري، بل ضياع للمعنى. “كنا نظن أننا نقاتل من أجل شيء ثابت، فتبين أن الأرض نفسها تتحرك تحت أقدامنا”، هكذا وصف شعوره.

وضمن ذلك، ثمّة فصل آخر في شهاداتهم: وهو مصير الجرحى الذين أُصيبوا في المعارك وهم يقاتلون إلى جانب الحزب، فبعد سقوط قراهم ولجوئهم إلى لبنان، توجّه بعضهم إلى مكاتب الحزب أو جهاته الخدمية طلبًا للمساعدة في تكاليف العلاج أو حتى تأمين رعاية طبية أولية، خاصة وأن جراحهم كانت ناتجة عن معارك خاضوها ضمن خطوط الحزب القتالية، لكن الرد كان صادمًا في قسوته وصراحته: “لا إمكانية لدينا… حتى نحن مستنزفون”!

ومن أكثر ما كان لافتًا – بل جارحًا – في شهادات العوائل والمقاتلين الذين تحدثت إليهم، ما رووه عن طبيعة التدخّل الإيراني في بداياته، لا سيّما في السنوات الأولى للحرب، حين كانت المجتمعات الشيعية المحلية في سوريا تنزف وتنحدر إلى هاوية البؤس والمحو التدريجي.

لقد أكّدوا لي أن إيران، ومن خلال حزب الله، لم تبادر أولًا بإرسال مساعدات إنسانية، ولا بشحنات غذائية، ولا حتى بخدمات طبية أو مراكز إيواء مؤهلة. كانت القرى المنكوبة في ريف دمشق، وحمص، وحلب، والقرى الحدودية مع لبنان، تفتقر إلى الحليب، والدواء، والماء، وحتى الخبز… لكن رغم ذلك، لم تكن القوافل التي تصل من “النجدة الإيرانية” تحمل سوى شيء واحد: رجال دين، وكتب دينية، وأشرطة وجوب طاعة الولي الفقيه.

كان أول ما فعلته إيران، كما قال أحد كبار السن من تلك القرى: “أرسلت لنا دعاة ومبشرين، وكأن الجوعى لا يحتاجون إلا إلى فقه الولاية”!

لقد جُلب رجال دين شبّههم كثير من الأهالي بـ”المبشّرين”، وهم يحملون رسائل موجّهة وواضحة، هدفها تحويل الهوية الدينية التقليدية لهؤلاء الشيعة السوريين من مجرد تقليدٍ طبيعي لمراجع النجف، كما كانت عليه الحال لعقود طويلة، إلى ارتباط عضوي وولائي بولاية الفقيه وفق النموذج الإيراني الصارم والذي ينطلق من الانفصال عن الحالة السورية الوطنية، فضلاً عن القومية.

وبينما كان الجرحى يموتون بصمت، والأمهات يبحثن عن علبة دواء لأطفالهن، كان يُلقى على مسامعهم الحديث عن طاعة الولي الفقيه، والاندماج في “محور الولاية”، والبيعة الفقهية والسياسية لما يتوجب عليهم تسميته بـ ”السيد القائد” في آنٍ معًا. 

أحدهم قالها ببساطة مفجعة أنقلها بنص لسانه: “أردنا دواء… فأعطونا كتباً دينية، طلبنا سقفاً… فأسمعونا خطباً وعظية، صرخنا جوعاً… فردوا علينا بوجوب اتباع الولي الفقيه.”

وفي خضمّ الكارثة، ظل التعاطي الإيراني محكوماً بهاجس السيطرة على الوعي المذهبي وتوجيهه نحو قم وولاية الفقيه. ولقد تم التعامل مع المأساة كفرصة سانحة لإعادة تشكيل البنية العقائدية لشيعة سورية -ناهيكم عن المحاولات العقيمة مع العلويين- لاختطافهم كحال اختطاف شيعة لبنان منذ ثمانينيات القرن الماضي!

وضمن استمرار سلسلة اللقاءات التي أجريتها مع بعض المقاتلين السوريين الشيعة الذين خاضوا غمار الحرب إلى جانب الجيش السوري وحلفائه، برزت شهادات صادمة، تقلب مفاهيم التحالف والعداوة، وتكشف تعقيدات الانقسام الحاد الذي فرضته الحرب. فقد أخبروني، بنبرةٍ ممزوجة بالحيرة والوجع، أنهم في معاركهم داخل الغوطة الشرقية وريف دمشق، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام مقاتلين من حركة حماس، نعم، ذات الحركة التي طالما اعتُبرت – لا سيما في الوجدان السوري واللبناني – جزءًا من محور المقاومة، بل قلبه وبوصلته!

قال أحدهم: “قاتلنا في الغوطة، وواجهنا مجموعات كان واضحًا انتماؤها إلى حماس، من الرايات، الشعارات، من التكتيك وحتى من الأسماء، بل لم يكن الأمر مخفياً”!

لكن ما كان أشد قسوة في شهاداتهم، لم يكن فقط في هوية المقاتلين، بل في طبيعة العتاد والسلاح.

لقد أكدوا لي أن المدافع والصواريخ، وأنظمة الحفر المعقدة للأنفاق والقنابل التي استخدمتها الجماعات المسلحة في تلك المناطق، لم تكن وليدة تصنيع محلّي أو دعم عشوائي، بل هي، كما وصفوها، نسخٌ مطابقةٌ لما قُدّم لحماس سابقًا من سورية وإيران وحزب الله أنفسهم خلال سنوات الدعم الطويلة لمقاتلة الإسرائيليين.

ذات التقنيات التي تم نقلها سابقًا في سياقات الدعم العسكري “لتحرير فلسطين”، كانت تُستخدم ضد الجيش العربي السوري وضد المقاتلين الذين كانوا يومًا في خندقٍ واحد معهم ودفعوا لأجل ذلك أثماناً باهظة.

أحد المقاتلين علّق مكلوماً: “كنا نحفر لهم الأنفاق إلى جنوب لبنان، ثم وجدنا الأنفاق نفسها تحاصرنا في الغوطة… بالسلاح الذي حملناه على أكتافنا المدماة وأوصلناه إليهم”!

هذا الانقلاب في تموضع السلاح والولاء، لم يكن مجرد خيانة – كما عبّروا – بل كان تجريدًا من المعنى، وانهيارًا لأسطورة المحور الواحد.

لقد أحدث في وعيهم الشرخ الأكبر: أن العدو لم يعد واضحًا، وأن السلاح الذي منحناه صار وسيلة في يد من يحمل مشروعًا مضادًا، مشروع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، بشعار قديم ومعروف: فلسطين قصية مؤجلة!

شهاداتهم تلك كشفت، بحدةٍ تراجيدية، عن مدى التشظي الذي أصاب العلاقات بين الحلفاء المفترضين، وعن فداحة ما تعنيه الحرب حين تُعيد توزيع الولاءات، وتُحوّل سلاح الرفيق إلى أداةٍ للخيانة!

وحين اتّسعت رقعة الحديث معهم، وبدأت أستقصي عن طبيعة المساعدات التي قد تكون وصلتهم من المرجعيات الشيعية العراقية أو من بعض القوى السياسية الشيعية المعروفة بنفوذها المالي والديني، بدا الجواب مثقلاً بشيء من الإحباط المشوب بالسخرية المرّة.

قالوا لي أن ما وصلهم من تلك المرجعيات ليس أكثر من مبالغ مالية تُحوَّل إلى الجانب الإيراني مباشرةً، كبدل إيجارٍ للبنايات التي يقيمون فيها اليوم.

شبه الملاجئ هذه التي يقطنونها في أطراف قم ومشهد ليست مجانية على الجانب الإيراني، ولا حتى محمية من الإخلاء، بل ينزلون فيها كضيوف مؤقتين تُسدَّد عنهم الإيجارات، وغالبًا لثلاثة أو ستة أشهر مقدّمًا، عبر أموال تخرج من بعض المرجعيات العراقية أو شخصيات سياسية نافذة، تُرسلها إلى جهات إيرانية “وسيطة” تتولى التنفيذ، دون أن تكون هناك رقابة فعلية على مصير هذه الأموال أو آليات صرفها.

لكن الطامة، كما وصفها بعضهم، أن الجزء الأكبر من هذه المساعدات يُسرَق أو يُبَدَّد قبل أن يصل إليهم. فمن جهة، هناك فساد واضح داخل الجهات الإيرانية المشرفة على توزيع الأموال والإغاثة، ومن جهة أخرى، هناك سماسرة شيعة سوريون – وغالبًا من المحسوبين على الوسط الديني أو العمل الخيري – يتكفّلون بالتنسيق والتنفيذ، لكنهم يقتطعون لأنفسهم حصصًا ضخمة من تلك المساعدات، إما على شكل عمولات، أو من خلال التضخيم في كلف الخدمات.

قال لي أحد الآباء النازحين بغصة: “نحن لا نعيش من فضل المرجعيات… نحن نعيش في ظلال شبكات الفساد التي تتغذّى على أسمائهم، أما ما يصل إلينا فهو الفُتات، الفتات الذي لا يكفي لشراء حليب طفل أو دواء صدر.”

والأخطر أن تلك المساعدات، حتى وإن وصلت، لا توزَّع وفق الحاجة أو الاستحقاق، بل وفق الولاء، والعلاقات الشخصية، والانتماء الشبكي. فالعائلة الأقرب إلى أحد السماسرة، أو المتصلة بأحد رجال الدين المحليين، تنال أكثر مما تستحق، في حين تبقى عشرات العوائل الأخرى خارج الحساب، كأنها غير مرئية، أو كأن نكبتها لا تندرج في خريطة الوجع المسموح بالاعتراف به.

لقد أدركت من خلال هذه الشهادات أن الكارثة لم تكن فقط في الحرب، ولا في التهجير، بل في البورصة التي افتتحت عقب ذلك، وهذا وجه آخر من وجوه المأساة …

عند وصولي إلى إيران في مطلع الشهر السادس من هذا العام، كان معظم السوريين من العوائل النازحة قد شارفوا على نهاية مهلة الإقامة المؤقتة، وهي الفترة التي يُسمح لهم فيها بالبقاء داخل البلاد دون تأشيرة، لثلاثة أشهر فقط. وقد بدا واضحًا في ملامحهم وقلقهم أن ساعة الحقيقة تقترب، وأن الأرض التي احتضنتهم مؤقتًا بدأت تضيق من جديد.

مع اقتراب انقضاء هذه المهلة، دخلت شبكات “الحرس الثوري الإيراني” على خط القرار، بوصفها الجهة الواقعية التي تُشرف على وجودهم وتتحكم بمصائرهم. كان الخيار الذي قُدِّم لهم صادمًا في قسوته: إما الترحيل بصمت، إلى المجهول، بل الى المقصلة، أو الانخراط في صفوف الحرس الثوري كمقاتلين يتم إرسالهم إلى جبهات لا تُعلَن طبيعتها مسبقًا، ولا يُستشارون في شأنها، ولا يُمنَحون خيار القبول أو الرفض.

قال لي أحد الشباب بوجه مُثقل بالهوان شيئاً معناه: “عرضوا عليّ بندقية، وقالوا لي: إما أن تقاتل أو ترحل، وكأن حياتي، بعد كل ما مرّ، لا تساوي أكثر من قرار إداري عند ضابط إيراني.”

أما الرواتب التي عُرضت عليهم فكانت متدنية إلى حد الإهانة، لا تكفي لشراء الخبز لعائلة صغيرة في مدن مثل مشهد أو قم، بل لا تكفي لتأمين وسيلة نقل، ومع ذلك، قيل لهم، وبكل صراحة، إن هذا هو الثمن الوحيد الممكن لتمديد الإقامة.

لكن الأكثر فداحة، والأشد قسوة، كان في ذلك “التحفيز” الذي قُدِّم لبعضهم، بكل وقاحة: “إذا استُشهد أحدكم أثناء عملية عسكرية موكلة إليه، ستحصل زوجته وأولاده على الجنسية الإيرانية.”

كان عرضًا يحمل في طياته الكثير من الاستغلال الممنهج للبؤس واليأس، ويكشف عن شكل جديد من أشكال التجنيد الذي لا يقوم على الوطنية أو الاقتناع أو العقيدة، بل على الابتزاز الناعم في هيئة “فرصة أخيرة”!

وفي هذه اللحظة، أدركت أن التهجير لم يكن نهاية الرحلة بالنسبة لهؤلاء السوريين، بل بداية لرحلة أخرى أكثر قسوة،

هكذا كانت الخيارات: إما أن تخرج لتموت، أو تقاتل لتموت، فيمنحون لعائلتك أوراقًا رسمية تحمل اسم دولة لم ترحمهم أحياءً، فقررت أن تتبناهم كلقيطة ”شهداء”.

وفي نهاية هذا التوثيق، لا يمكن للمرء أن يطوي الصفحات دون أن يشعر بثقل الكلمات وهي تنوء عن حمل الحقيقة كما رُويت، لا كما يُراد لها أن تُروى. ما جمعته في رحلتي بين مدينتي مشهد وقم، وما سمعته من أفواه رجال فقدوا أوطانهم، ونساء جُرّدن من البيوت والهوية، وأطفال ناموا في ظلال الحيرة قبل أن يعرفوا معنى الوطن… ليس سرداً درامياً، ولا رغبة في جلد طرف أو تبرئة آخر، بل محاولة لرسم ملامح شريحة منسية من مآسي الحرب السورية:

لقد تخلّت عنهم دولتهم، وتناستهم طوائفهم، وتنكّر لهم من اعتقدوا أنهم إخوة العقيدة والسلاح. ضاقت بهم المذاهب بعد أن ضاقت بهم الأرض، وانتهى بهم المطاف عالقين في مدن لم ترَ فيهم سوى أدوات قابلة للتوظيف، لا بشراً يحملون ذاكرة وجراحاً وأحلاماً معلّقة على أبواب السفارات الموصدة.

في هذا الركام المذهبي والسياسي والإنساني، لم يبقَ لهؤلاء إلا ذاكرة مفتوحة، وبطاقة إقامة مؤقتة، وخياران لا ثالث لهما: الموت أو الموت.

ربما تُنسى هذه القصص، كما نُسيت غيرها، وربما تُغرقها تعقيدات السياسة، وتُقزّمها الحسابات الإقليمية الباردة… لكنّ ما رأيته وسمعته، سيظلّ حيًّا في ضمير من تبقى من لا يخشون قول ما لم يُقال، وفي ضمير كل قارئ يعرف أن العدالة ليست شعاراً، بل التزاماً صامتاً تجاه من لم يعودوا يملكون حتى حق الحديث عن أنفسهم!

فليُكتب إذن، لا من أجل التاريخ فقط، بل من أجل أولئك الذين لا يملكون رفاهية الانتظار، ولا ترف النسيان.

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/