لمحة تاريخية
تقع جزيرة قبرص في مكان استراتيجي، شرقي البحر الأبيض المتوسط، تزيد مساحتها قليلاً عن تسعة آلاف كيلومتر مربع ولا يتجاوز عدد سكانها 1,3 مليون نسمة سنة 2023، ولا تبعد سوى ستين كيلومترا عن تركيا وتسعين كيلومترا عن سوريا وثلاثمائة كيلومترا عن مصر، وهي بين اليونان وتركيا ( وكلاهما عضو حلف شمال الأطلسي) واحتلت تركيا شمال البلاد منذ سنة 1974، ورافق الآلاف الجيش التركي واستوطنوا المنطقة المُحتلة، وتمتعت تركيا بالإفلات من العقاب، حتى بعد دخول قبرص الإتحاد الأوروبي يوم الأول من أيار/مايو 2004 وأصبحت جزءًا من منطقة اليورو سنة 2008 ومن مجموعة “اتفاقية شينغن” ( الحدود المفتوحة داخل أوروبا)
احتلت الدّولة العُثمانية قبرص بين سَنَتَيْ 1571 و1878، قبل تسليمها كما فعلت مع كل مُستعمراتها (الجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا…) إلى بريطانيا التي احتلت الجزيرة من سنة 1878 إلى 1960، واستقلت الجزيرة إثر تأسيس حركة تحرّر ومحاولة والإنضمام إلى اليونان، واستقلت قبرص رسميا يوم 16 آب/أغسطس 1960 مع احتفاظ بريطانيا بقاعدة عسكرية ضخمة في هذه الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي، بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتم انتخاب ماكاريوس الثالث رئيسًا، غير إن قبرص كانت ( ولا تزال) ضحية موقعها وضحية الصراع التاريخي بين تركيا واليونان، ودعم الجيش التركي ( سنة 1974) محاولة انقلاب على الرئيس المنتخب، بالتوازي مع الإنقلاب الذي نفذه الجيش في اليونان، وسيطر جيش تركيا على أكثر من 36% من الجزيرة، في مناطق الشمال، وأطلق عليها اسم “الجمهورية التركية لشمال قبرص” بداية من سنة 1983، ولم تعترف بها سوى تركيا التي عرقلت أي اتفاق بين سكان البلاد الذين مات منهم الآلاف بين سنتَيْ 1963 و 1974، خلال فترة احتداد الصراعات الدّاخلية التي تقف وراءها تركيا واليونان وبريطانيا، كما قُدِّرَ عدد النّازحين بنحو مائتَيْ ألف مواطن، وبعد احتلال تركيا الجزء الشمالي من البلاد، توقفت حركة تنقل السلع والبشر بين جانبَيْ الجزيرة، خلال الفترة 1975 – 2003، وأُزيلت هذه الحدود المُصطنعة بدخول قبرص الإتحاد الأوروبي، غير إن تركيا لا تزال تحتل الجزء الشمالي من البلاد…
من دعم القضية الفلسطينية إلى قاعدة للعدوان
كان الأسقف مكاريوس، أول رئيس منتخب لدولة قبرص المستقلة وحكومته داعمان للقضية الفلسطينية ( ولمصر النّاصرية) حتى تاريخ الإنقلاب العسكري سنة 1974، قبل وفاته سنة 1977، وتغير الأمر فأصبحت قبرص، خصوصًا بعد انضمامها للإتحاد الأوروبي سنة 2004، حليفًا سياسيا وعسكريا للكيان الصهيوني وملجأ للمستوطنين الفارِّين من تبعات عدوان جيشهم، وازداد نشاط القواعد العسكرية الأجنبية لتصبح جزءًا من العدوان الإمبريالي الصهيوني على الشعوب العربية والإيرانية…
لما استقلّت قبرص سنة 1960، احتفظت بريطانيا بقاعدتين عسكريتين ضخْمَتَيْن ( أكروتيري حوالي 3200 جندي وضابط وديكيليا وبها حوالي 2500 جندي وضابط) تبلغ مساحتهما نحو 250 كيلومترا مربعا، أو حوالي 3% من المساحة الإجمالية للبلاد وتبرّعت بريطانيا بجزء من قواعدها للولايات المتحدة، وأصبحت هذه القواعد مركزًا للتجسس ( بواسطة طائرات الإستطلاع وأجهزة التنصّت وقرصنة الإتصالات ونقل الأسلحة والعتاد…) على بلدان المنطقة والبلدان العربية أساسًا، ومركز دفاع متقدّم للكيان الصهيوني ونقطة انطلاق العدوان على دول شرقي المتوسط وغربي آسيا، بما فيها إيران، وكان دور هذه القواعد أساسيا في تكثيف العدوان على الشعب الفلسطيني منذ تشرين الأول/اكتوبر 2023، وعلى اليمن وسوريا وإيران…
يلاقي تعزيز العلاقات مع الكيان الصهيوني معارضة داخلية هامة، حيث تظاهر المُعارضون ضد اليارات المتبادلة بين الرئيس القبرصي ( نيكوس خريستودوليديس) وزعماء الإحتلال الصهيوني، بين أيار/مايو 2003 و أيار/مايو 2025، وتدّعي سلطات قبرص إنها تريد خلق توازن بين تركيا ( الأطلسية) التي تحتل الجزء الشمالي من الجزيرة ودولة الإحتلال الصهيوني التي تنافس تركيا على الهيمنة على احتياطي الوقود في البحر الأبيض المتوسط، وتم تعزيز التحالف الصهيوني القبرصي ليشمل التعاون العسكري والإستخباراتي، فتعدّدت المناورات المشتركة منذ 2011، وخصوصًا منذ سنة 2017، واشترت قبرص من الكيان الصهيوني معدات تكنولوجية للمراقبة وطائرات آلية، ويُشرف الجيش الصهيوني على مراقبة المنطقة العازلة الفاصلة بين جُزْأَيْ الجزيرة، واشترت قبرص ( بنهاية سنة 2024) نظام دفاع جوي من الكيان الصهيوني، ولعبت قبرص دورًا هامًّا كقاعدة لوجستية واستراتيجية للعدوان على شعوب جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسّط، فضلا عن دوْر القاعدَتَيْن العسكرِيّتَيْن ( أكروتيري وديكيليا ) في العمليات العسكرية العدوانية ضد شعوب المنطقة، حيث تُقلع طائرات الإستطلاع البريطانية والأمريكية، وطائرات النقل العسكرية، ونقل القوات الخاصة من قبرص باتجاه لبنان وسوريا وفلسطين وإيران واليمن، كما استخدمها الجيش الأمريكي والبريطاني سابقا ضدّ العراق وأفغانستان وليبيا، مما يجعل قبرص دولة شريكة في الجرائم الأمريكية والبريطانية والصهيونية، ومن ضمنها جرائم الإبادة الجماعية، وفق اللجنة البريطانية الفلسطينية ، نقلاً عن موقع “ديكلاسيفايد يو كيه” البريطاني…
ازدادت أهمية القواعد العسكرية في قبرص بعد تأميم قناة السويس وإغلاق القواعد العسكرية في مصر ثم في ليبيا، وأصبحت القواعد الأجنبية في قبرص، منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين، مركزًا لانطلاق العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية والأطلسية ومركزًا لوجيستيًّا صهيونيا، خصوصًا منذ توطيد العلاقات العسكرية القبرصية الصهيونية وتعدّد المناورات والتدريبات العسكرية الدّورية ( سنوية ) وغير الدّورية، في إطار برنامج تعاون عسكري واستخباراتي قبرصي – صهيوني، فضلا عن استفادة كيان الإحتلال من المعلومات الإستخباراتية والبيانات الأمريكية والأطلسية، وأشارت العديد من التقارير ( نشرت الصحيفة الصهيونية هآرتس بعضها) إلى ارتفاع وتيرة الرحلات الجوية العسكرية بين قاعدة أكروتيري وديكيليا ( قبرص) وتل أبيب منذ عدوان تشرين الأول/اكتوبر 2023 لنقل الأسلحة والعتاد من مختلف دول أوروبا، بالإضافة إلى نقل المعلومات…
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
