الكيان دينسياسي وعلماني تبادلياً حسب اللحظة
يتعرض المشاهد العربي لسباق بين محللين عرباً لا يرقى حديثهم عن المخيال الشعبي ل “الشاطر حسن” ويتمظهر ذلك في كثير أذكر إثنين ربما الأخطر:
الأول: سباق على نسخ نصوص خرائط وخطط ومؤامرات الأعداء لتقسيم ومن ثم إعادة تفتيت الجغرافيا العربية علماً بأن المعرفة بخريطة واحدة هو أمر كافٍ جداً. ومع ذلك يتوقف هؤلاء عند السرد والبكاء بحرقة لا أكثر ولا ابعد.
والثاني: سباق هؤلاء على سرد عنتريات نتنياهو:
· الحرب على سبع جبهات
· التمدد إلى مكة والقاهرة وبغداد الرشيد
· ممر داوود
· العدوان على اليمن
· إفناء غزة
· ابتلاع الضفة الغربية
· السور الحديدي حول الكيان/سور جابوتنسكي
لا يمكنني تقديم سرد ابلغ ولا أوسع مما يقدمه اياً من هؤلاء. لكن ما يهمني هو القول للناس، حذروا هذه الفزاعات لأنها تقف عند السرد والبكاء. ووقوفها عند السرد ليس بسبب الجهل، ما اجمله لو كان السبب جهلاً، بل هذا الوقوف ينتهي إلى مشاركة غير مقصودة في الحرب النفسية التدميرية على الشعب العربي فيبقى غارقاً في استدخال الهزيمتين: هزيمة أمام جلاوزة القمع المحلي الذي يُسدي خدمة للحكام والأعداء على حد سواء، وهزيمة أمام تضخيم صورة الكيان الذي هو حالة انتحارية لصالح سيده وداعمه الغرب.
فخرائط التفتيت وسرد عنتريات نتنياهو لم تكن ولن تكون بقوة الكيان ابداً ومطلقا. ومن هنا خطورة هؤلاء الندابين النواحين لأن:
لم يكن للكيان أن يوجد بدون وجود الرأسماليات الإمبريالية الغربية التي خلقت الصهيونية ولقَّحت اليهود بها وذلك لإخضاع الوطن العربي ونهبه بل وتجريف ثرواته. إن أية كتابة لا تبدأ من كون الكيان يعيش هنا بقوة الغرب وليس بدفعه الذاتي هي كتابة تخدم الكيان وتخون العروبة سواء بوعي أو جهل.
ولم يكن للكيان أن يتمكن من حماية نفسه بدون حماية الغرب وتسليحه للكيان والقتال نيابة عنه وهذا ما ثبت منذ يوم الطوفان، على الأقل والأحدث، حيث انكشف كمحمية بالقوة العدوانية الإمبريالية بدل أن كان يُزعم ويَزعُم أنه قاعدة للإمبريالية.
فالحرب التي يقوم بها الكيان كحرب استعراضية انتقائية تقوم على توفير طيران أمريكي مقاتل ومتقدم وربما يقوده أمريكيون وغربيين آخرين وربما سعوديين قطريين وإماراتيين ومغاربة وأدوات عربية أخرى، وهذا يؤكد أن هذه ليست جبهات لأن الجبهة هي حالة اشتباك بين طرفين، ولذا الجبهة في غزة واليمن بينما لبنان والضفة وسوريا والعراق وإيران ليست جبهات بل بيادق للرخ الصهيوني الذي هو ظل للرخ الإمبريالي إلى أن تتحرك هذه أو تلك.
ليست أسلحة الكيان هي من الغرب وحسب بل حتى الذخيرة يتم استيرادها وربما التبرع بها.
مختصر القول أن الكيان ليس عملاقاً، أو بالمفهوم الفيزيائي ليس مغناطيساً بل ممغنط بالتأثير وإذا قُطع عن المغناطيس ينتهي مفعوله. صحيح أنه يحاول أن يكون معتمداً على نفسه فقط وهذا طبيعي منه ولكن يخالفه الواقع والتاريخ.
سور جابوتنسكي إفتراضياً حوله الحكام العرب إلى مادي
طُرح موضوع إقامة كيان غربي لليهود في فلسطين كجزء من المشرق العربي منذ مارتن لوثر في القرن السادس عشر في هولندا الإنجليكانية التي كانت حينها في سباق مع بريطانيا على الانتقال إلى نمط الإنتاج الرأسمالي. ولا أريد التدرج في هذا حتى اليوم. بل أحصر الحديث في مواقف قياديَين صهيونيين هما جابوتنسكي وبن غوريون.
فلاديمير أو زئيف جابوتنسكي وثيودور هرتسل تحدثا عن سور حديدي يفصل بين الوحشية الشرقية والحضارة الغربية وينفرد جابوتنسكي بطرح ما أسماه السور الحديدي حول هذا الكيان.
كان جابوتنسكي خصماً أو منافساً شديداً ل بن غوريون، لكنهما منطلقين من مزاعم العلمانية.
وهنا أثير معترضة حول مسألة العلمانية بمعنى أنها لا ترفض الدين بل تخدمه حين يكون للطبقة الحاكمة فرصة/مصلحة في استغلاله، كما أن الدينسيايسي علماني حين يكون للطبقة الحاكمة مصلحة/فرصة في استخدامه وأكثر من يفعل ذلك هي التيارات والقوى السياسية في الكيان سواء كانت دينسياسي أي دينية صهيونية أو سيادينية أي سياسية علمانية دينية، أو علمانية شبه يسارية….الخ.
وطالما جميع هؤلاء يستوطنون فلسطين ويقيمون فيها فما يدور بينهم ليس سوى اختلاف تكاملي في الإجتهاد وليس خلافاً ولا تناقضاً.
تداخل المواقف تبادليا
يقوم موقف جابوتنسكي على إقامة دولة يهودية تحتل كامل سوريا الطبيعية، وليس فقط فلسطين، وعدم طرد العرب ولكن تحطيمهم عسكريا ونفسيا بحيث يفقدوا مختلف نوازع الأمل وعوامل المقاومة وهو ما اسميته “استدخال الهزيمة”(أنظر كتابي: في نحت المصطلح وتحرير المعنى) ولذا كتب نتنياهو ذات يوم “العربي يركع”. ونتنياهو تلميذ جابوتنسكي في هذا المستوى ولكنه في نفس الوقت تلميذ بن غوريون في الحلم بتوسيع الاحتلال من الفرات إلى النيل، وهو علماني، كما يقولون لا يصلي ولا يصوم، ولكنه وخاصة مؤخراً لا يتحدث إلا توراتياً! . ويبدو بعد سقوط سوريا، أن أبو محمد الجولاني ينفِّذ حلم جابوتنسكي. كما يأخذ نتنياهو من بن غوريون ما ورد في مذكراته: “العيش في حرب دائمة مع العرب وجاهزيته لدفع مليون ليرة، في أيامه، لأمير عربي يشن حرباً على إسرائيل “حسب كاتب مذكراته أقصد بن غوريون”.
في جانب آخر غير الهراء التوراتي والتلمودي بما هي تأليف مجموعة شركاء لوضع نصوص دينية أو التخالف الديني العلماني وحتى مزاعم التاريخ اعتمد جابوتنسكي أو ارتكز أو استخدم في “الحق “في اغتصاب فلسطين على القرارات الدولية لإقامة دولة يهودية في فلسطين.
بينا يقوم موقف بن غوريون أيضاً على حماية الغرب إلى جانب الطرد الكامل لأهل البلاد في النهاية ولكن بدون ضجيج أو بأقل قدر ممكن من الضجة كسباً للراي العام العالمي، وهذا ما اسميته في دراسة نشرتها في مجلة كنعان “من الطرد 1948إلى الإزاحة فالانزياح الذاتي منذ “1967 (أنظر كنعان العدد 94 كانون ثاني 1999، ص ص 87-100) ولكن مع إنتصار الدولة القطرية العربية على الدولة الواحدة العروبية أي إنتصار الصهيونية العربية اصبح جوهر مشروع الكيان هو:
· في فلسطين نفسها الإبادة أو الطرد لأقصى درجة ممكنة
· الطرد والتهجير في أية مساحة تحتلها من الوطن العربي/دول الطوق بشرط توفر قوة بشرية تملأها وقدرة مالية تنفق عليها
· مزج الهيمنة الصهيونية على مختلف البلدان العربية بتشغيل الحكام العرب لينفذوا السيطرة على بلدانهم وهذا مستوى من التوسع للكيان إلى أن تتوفر فرصة لأي مستوى آخر من التوسع، أي ان الأنظمة العربية انحطت من توابع للإمبريالية إلى توابع لتابع للإمبريالية وتسهيلاً لهذا الانحطاط يقوم الأمريكي والصهيوني حتى باستكثار سايكس-بيكو(كما يتبجح توم بارك/حمار العزير) على هذه الأنظمة ليفككها إلى إمارات وكيانات على أسس طائفية قبائلية.
· اندماج الكيان في الوطن العربي اندماجا مهيمنا وهذا اما كتبت فيه فور حصول اتفاقات أوسلو وأصَّلته في كتابي في نحت المصطلح وتحرير المعنى ، ويتحقق هذا الاندماج بالتطبيع الذي يستميت الكيان في تثبيته، وعلى اساسه ينتقل الكيان والغرب إلى نقل الدولة القطرية إلى الكيانية أو الإمارة الطائفية/القبلية، كما اشرت، وهذا ما تشتغل عليه أمريكا عالمياً في ما اسميته “الموجة القومية الثالثة” أي التي هي تصنيع أمريكا لدويلات على أسس دينسياسية طائفية، إثنية قبلية، جسدتها في العراق، ليبيا، سوريا وطبعا تُصنِّعها في لبنان الجاهز بنيويا لها. ولتنفيذ كل هذا هناك، في الوطن العربي، قيادات مشبوهة ضيقة الأفق جاهزة للعمالة حتى لو ببروز شخصي بتسميات تافهة، أمير، ملك، رئيس، جنرال وحتى مثقف حيث أفلتت كل هذه من عقالها بعد تهالك فترة المد القومي العروبي مع نهاية سبعينات القرن العشرين. وبوجود هذه التفاهات، لا نستغرب حديث توم باراك /حمار العزير بقوله للصحفيين اللبنانيين “حيوانات” ولم يرُد عليه أحداً، لأنهم نعم حيوانات لا ينطقون، وجًبن الرئيس اللبناني في عدم ذكر هذا العدو بالاسم!
صحيح أن بن غوريون يتفق مع جزء من موقف جابوتنسكي الذي يعتمد على الموقف أو القرار الدولي ويزعم انه علماني لكنه يستخدم الرواية التوراتية التي لا تقوم على بل تناقض علم التاريخ والإركيولوجيا/الأثار. أي أن بن غوريون يرتكز على عدة عوامل يتبناها تبادليا عند اللزوم، ويمكننا تعميم هذا الاستخدام المتعدد تنفيذياً والمتعدد شكلانياً على جميع القيادات في الكيان بتنوعاتها.
كان يهدف بن غوريون اعتصار كل ما لدى الغرب لحرب دائمة ضد العرب وهنا لا يختلف عن جابوتنسكي الذي يعتمد في تدمير النفسية العربية على قوة الغرب أيضا وإن كان يسميها القرارات الدولية. فهل في خلفية الإثنين وصول الكيان إلى الإستغناء عن الغرب! وهل هذا ممكنا؟ كلا، فهذا ليس بالتفكير التاريخي بل تفكير القاتل القلق حتى وهو في قمة القوة المُعطاة من سادته ووضاعة و/أوخيانة الحكام العرب لبلدانهم ووطنهم.
لا يعني جابوتنسكي بالسور البناء المادي كالذي أقامه الكيان بين أجزاء من الضفة الغربية المحتلة والمحتل 1948، ولا يعني الأسوار الأخرى بين جزئي فلسطين أي منع تصدير منتجات الضفة للمحتل 1948 ولا السور الأمني بنقاط التفتيش ومنع الدخول، بل كما أشرنا يعني تدمير العرب نفسياً بحيث لا يعترضوا ولا يقاوموا قطعياً.
إن الموقف العربي والإسلامي المضاد لطوفان الأقصى هو بداية تجسيد إستدخال الهزيمة بالمضمون الذي حلم به جابوتنسكي بل لقد سحبت الأنظمة/الطبقات الحاكمة موقفها على الشارع نفسه. وهنا علينا التنبه والإقرار بهزيمتين كانتا وراء هذا الخذلان:
الأولى: إنتصار الدولة القطرية على الدولة القومية ومحاصرة العروبة إلى درجة الإذلال بل الوضع في روع الوعي الشعبي عدم وجودها، أي محاولة إقتلاع العروبة.
والثانية: انكشاف ما يسمى بالعالم الإسلامي وتحديدا الأمة ألإسلامية كرصيد فارغ تماماً، انكشف عن الدينسياسي والطائفية التي اقتلعت الإسلام العربي وأخذته ليصبح مِزقاً لأديان إسلامية أخرى مضادة للأمة العربية. ويكفي أن نعلم أنه، إذا كانت إقامة دولة دينية في هذا العصر، فبالأحرى انعدام إمكانية إقامة إمبراطورية دينية.
صحيح أن جابوتنسكي رغم الحديث عنه أنه كان مثقفاً ومطَّلعا وشاعراً…الخ، إلا أنه كان أعمى تاريخيا حيث قادته عنصريته التي أوحت له بأن العرب عرق لا يقاوِم وبالتالي عدم رؤية أمرين:
الأول: أن المقاومة حالة إنسانية لا يمكن لأية أمة أن لا تمارسها
والثاني: أن قوة العصابات الصهيونية في أيامه وحتى الآن آتية من الغرب
وهنا يظهر العمى التاريخي عند الرجل بمعنى أنه يعتمد على أن الرأسمالية وخاصة في طبعتها الإمبريالية الغربية باقية إلى الأبد، وهذا التخيل مقدمة لما تفذلك به فوكوياما “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. بينما كتب كارل كاوتسكي في الثلاثينات من القرن الماضي بأن دولة يهودية إذا اُقيمت في فلسطين سيبقى وجودها رهن بقاء الإمبريالية في المنطقة. أما ماركس ولينين فكانا فكريا وعمليا ضد دولة لليهود في فلسطين، وطبعا من الإهانة لهما ان نقارن موقفهما بمواقف الحكام العرب المحكومين بالتبعية والتخارج.
وهذا يفتح على قراءة أخرى للسور الحديدي بمعنى أنه مكون من طرفين:
· ألإمبريالية عموماً
· والأنظمة العربية التطبيعية مع الكيان التي بالتطبيع تسمح للكيان بالإنزال خلف خطوط الشعب الفلسطيني بل خلف خطوط كل المقاومة العربية من غزة إلى صنعاء.
وعلى الرغم من سقوط أنظمة وأحزاب وطبقات ومثقفي التطبيع العرب في اليأس الذي تحدث عنه جابوتنسكي وما اسميه استدخال الهزيمة، إلا أن المقاومة لم تتوقف. وفي حين استسلمت أنظمة الطوق المحيطة بفلسطين المحتلة فإن النهوض والثبات والقتال اليمني العظيم ضد الكيان والسيطرة على البحار وإغلاق نصف الخدمات البحرية للكيان يؤكد حتمية المقاومة وعدم موات الأمة.
وهنا نختم بأن مختلف من كتبوا عن الخطط والخرائط والمؤامرات كتابة سردية بكائية ومن كتبوا عن عنتريات نتنياهو دون أن يذكروا بأن السور الحديدي الذي تحدث عنه جابوتنسكي وقتل الأمل هو عدوان مشترك تتقاسمه تعاوناً كل من الأنظمة الحاكمة قي الغرب الإمبريالي والأنظمة البرجوازية العربية التابعة التي أصبحت مثابة سورٍ لحماية الكيان إصرارها على عدم تطور بل احتجاز تطور اقتصاداتها وتجريف ثرواتها المالية للخارج وثرواتها البشرية للإرهاب ضد الجمهوريات العربية.
هو سور موجود ولكنه ليس ابدياً. ومن هنا وجوب كشف هذه الحقيقة والتحريض ضد طرفيها وخاصة للتأكيد بأن كل ما يقوم به الكيان ليس بقوته الذاتية قط. ومن هنا أهمية كشف وتعرية وصد الولولة ولطم الخدود وشق الجيوب من محللين ومثقفين متخارجين/ات بأبخس الإثمان.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
