“كنعان” تتابع نشر كتاب: “غزة… لا…معصتاه: صدُّ المساكنة بالمقاومة”، الحلقة الثالثة، لمؤلفه د. عادل سماره

المساكنة

المساكنة نقيض الثورة ونقيض المقاومة، وهي درجة أدنى من المساومة لأن في المساومة طرفين لكل منهما مقامه وأهدافه وإن كان في العادة أحدهما أقوى وبالتالي يضطر الآخر لمرونة، ولكن تفاوضية معه. بينما المساكنة تراث خضوع مجاني  من جهة وتسويد طرف حاكم على الشعب يتحكم به كحالة قطيعية حيث تكون الرعية اقرب إلى أقنان الأرض في التشكيلات الإقطاعية. 

في الحالة العربية، فإن المساكنة، وإن كانت كما نصفها بالرباعية : على راسها سلطة سياسية طبقية عسكرية مخابراتية أخضعت القوى السياسية والثقافية أو معظمهما وتحكمت ووجهت المؤسسة الإعلامية ليقع ثقل هذا الثلاثي على الشعب سواء بالهراوات او التخدير الثقافي الإعلامي فينطوي تحت المساكنة. وهنا تكون القوى السياسي والثقافية والإعلامية هي وسيط تساكن الشعب اي في خدمة السلطة وبالطبع تحظى مقابل ذلك بمرونة سياسية وأُعطيات مادية فتتحول بدورها إلى حالة انسداد في طريق خروج الشعب على هذه المساكنة سواء بالمقاومة أو الثورة.

ولأن الحالة العربية الحالية هي حالة تبعية السلطات للإمبريالية والصهيونية فإن السلطات نفسها متساكنة مع السيد الإمبريالي وبالتالي تلعب دور إمبريالية على بلدانها لكن لصالح الإمبريالية الأم. (أنظر كتابنا Arabs Regime Arabs Enemy  الصادر عام 2023  وكتابنا “العروبة في مواجهة الإمبريالي والأنظمة والاستشراق الإرهابي” الصدار عام 2024) .

لذا، نجد أنه حتى الأنظمة العربية بطبعاتها الديكتاتورية والكمبرادورية والفاشية بخلاف فاشيات الأمم الأخرى، هي تابعة للعدو اي تلعب دور العميل!

ولكي يصح هذا الزعم من جانبنا تُفيد العودة إلى مناخات تشكيل القطريات العربية بجغرافيات مفروضة قسراً على الواقع الذي كان موحداً من جهة ضمن ولايات الإمبراطورية تابع قسراً من جهة ثانية تحت الاستعمار العثماني اي أن الاستعمار الأوروبي تقاسم الوطن العربي من جعة طبقا لمصالحه المتنافرة ومن جهة ثانية ليكون هذا الوطن أجزاءً مفكك متباعدة. ولكي تصمد هذه التجزئة كان لا بد من التواصل مع نخب/قشور إن أردت أو خلق هذه النخب التي تقبل بالانحصار القطري وهو الأمر الذي يحمل في مضمونه التناقض مع المشروع القومي العروبي، اي هو نقيض ضمني للعروبة.

على ضوء هذا التشخيص يمكن قراءة تكوين الأنظمة القطرية العربية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق حيث كان الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإيطالي والإسباني حتى الحرب الإمبريالية الثانية لكي تُحال التركة إلى الإمبريالية الأمريكية خاصة مع تراجع نسبي وتدريبجي للاستعمار الأوروبي. وتمظهره في مصالح/مستعمرات اقتصادية مقابل انتهاء نسبي للاستعمارين البريطاني والفرنسي والنتهاء تام للاستعمارين الإيطالي والإسباني، ولكن هذا الانتهاء وذاك لو يتولد عنهما واقع عربي مستقبل حقيقي.

وقد تكون المساكنة في المشرق العربي بين الإمبريالية والسلطات المحلية مثالاً واضحا على المساكنة. فقد دعمت بريطانيا آل سعود ضد آل رشيد ليحتلوا الحجاز، اي نصَّبت بريطانيا آل سعود على الجزيرة بمجموعها، واستخدمت الهاشميين في الحرب ضد الاستعمار التركي ووعدتهم بدولة عربية موحدة، طبعاً مقصود بها المشرق.

لكن بريطانيا نقضت الاتفاق مع الحسين بن علي الذي قاد “الثورة” العربية الكبرى لصالح بريطانيا ضد تركيا، وبعدهزيمة واندحار الاستعمار التركي قلبت له بريطانيا ظهر المجن وجرى نفيه خارج الوطن العربي.

لكن التطور الأشد خطورة وامتهاناً أن أبناء الحسين بن علي وافق كل منهم على أن توليه بريطانيا حكم جزء من المشرق في دول “مستقلة” عن بعضها البعض وذلك على حساب الوعد الموحد لأبيهم. فتولى أحدهم العراق وآخر سوريا وآخر الأردن، بينما كرست بريطانيا آل سعود في الجزيرة العربية.

ضمن هذا الفيديو يتحدث د. احمد الطراونة ناقداً العائلة الحاكمة من باب أنها ضد الدستور ونصَّبت نفسها بشكل مطلق في السلطة وبأنها عمليا لا تمثل الشعب والوطن بل ما خطط لها الاستعمار. ولعل هذا نموذج عن مختلف الأنظمة في البلدان العربية.

لذا، يمكننا اعتبار هذا النموذج من المساكنة مع السيد بل لصالح السيد الأجنبي اساس المساكنة التي حصلت في الوطن العربي ولا تزال وبأن القبول بها يعني وقوفها ضد الأمة من خلال “تحالف جوهره تبعية وخدمة” للإمبريالية ولو غير معلن مهما علا خطاب الوطنية وحتى زعم العروبة والقومية. مرة أخرى، فقد تم تفريق أبناء الحسين بن علي كل على مملكة كي لا يتحدوا في مملكة واحدة ووافقوا على ذلك! وعليه قس كل الأسر الحاكمة في الوطن العربي وخاصة الممالك والإمارات وتصفية بعضهم بعضا. ولذا فتبعيتهم جعلت كثيرين يرون ان مع نركيا حقا بان العرب خانوهم لصالح عدو آخر باعتبار تركيا ترى نفسها أحق من الغرب!

كثيراً ما تُبدي الناس تساؤلات وتعجب: كيف وصلنا غلى وضعية المساكنة الكارثية يوم 7 تشرين وحتى اليوم ،ونحن في ستة اشهر من الخذلان ضد فلسطين وخاصة غزة!

تجد الإجابة على هذا التساؤل المشروع جواباً لها، قد يكون شافياً ولو نسبياً، في تتبُّع ما تلا هزيمة عام 1967 وحتى اليوم.

إن ما هو حاصل اليوم هو نتاج ستة عقود من تكريس الهزيمة ميدانياً واستدخال الهزيمة نفسياً وثقافيا وعلى كل فرد بمفرده. وهذا يتضمن فيما يتضمن  دمج الكيان في الوطن العربي دمجاً أو إندماجا مهميناً طبقاً لما تخطط له دوائر الإمبريالية. والمهم أن أدوات التطبيق لهذا المشروع هي أدوات عربية سواء أجهزة المخابرات أو تساكن القوى السياسية أو تنظيرات المثقفين إضافة إلى أدوات تبدو غير مباشرة كالإفقار والتجويع أو التجويف والتجريف وربط الحياة بالريع الأنظماتي ليبدو النظام هو الخالق الواهب. اي أن هناك سياقاً تاريخيا لما يحصل الآن، فليس ما يحصل اليوم بمقطوع عن مقدمات واضحة موضحة له وسابقة عليه.

صحيح أن هناك قلة صمدت أمام هذا الطاغوت، ولكنها لم تكن بقادرة على صده والتفوق عليه، وإن كان هذا يسجل كنقد لها، فيجب أن يسجل لها رفضها له ليكون هذا الرفض مقدمة لما هو آتٍ ومنتصر.

هناك العديد من الأمثلة على السياق التاريخي لهذه الهزيمة المعممة.

ألم يكن انتقال عبد الناصر من العمل علانية لإسقاط الأنظمة العربية التابعة والقطرية لصالح الوحدة أو المبنى المختل لمؤتمرات القمة العربية إلى ما اسماه التضامن العربي بعد هزيمة 1967؟ وأي تضامن!  بل إن مؤتمرات القمة هي نفسها إمتداد لهزيمة 1948 ومقدمات للتضامن العربي، نعم فلا بد من متابعة الخط الناظم لسلسلة التراجعات.

ألم يتم تسويد دول الفائض الريعي النفطي على دول العجز الأكثر تقدمية وعروبية ! في حين ألأن دول الفائض هي تمفصلات التبعية للغرب وهي أنظمة وحتى قطريات طارئة صنعها الغرب وخاصة في الطبعة الثانية ل سايكس-بيكو 1970 وما بعد؟ وهي خًصصت ضد التيار العروبي؟ ولذا كانت “مساعدات” دول الفائض لدول العجز لتكريس العجز والحلول في قيادة المرحلة عربياً وهذا حصل.

وفي الحديث خارج نطاق الأنظمة، ألم يقم الحزب الشيوعي المصري بدمج نفسه في التحاد الإشتراكي حزب النظام؟ فهل كانت وطنية عبد الناصر لتحل محل حزب شيوعي وتنجز ما كان عليه كحزي شيوعي أن يأخذ مصر إليه؟ أليست هذه المساكنة الحزبية خطيرة؟

هذا ناهيك عن صراعات الأحزاب القومية والشيوعية ضد بعضها بعيداً عن التركيز الجبهوي ضد النظام هنا وهناك؟ ولعل مثال حتى صراع حزب البعث داخليا في القطر الواحد أو بين قطر وآخر مثالاً يصور التردي.  ويكفي النظر في صراع الأسد وصدام ومواصلة أتباعهما ذلك حتى اليوم.

وبالطبع إنتهى الوضع في القطرين إلى ما هو عليه ولا يحتاج شرحاً. ولذا نكتفي بنموذج عن حكام العراق تحت الاحتلال الأمريكي كيف يُؤمر مثلا نوري المالكي ويُطيع، بينما حين يتحدث عن النظام البعثي وصدام تتخيله تيمور لنك!!! ومع ذلك تصطف وراء المالكي اليوم الملايين من العراقيين! فماذا نسمي هذه الجماهير؟

أهي معلمة لنا أم طوفان من العميان!

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….