ماذا يفعل المريد حين يرتدُّ شيخه! د. عادل سمارة

إعادة بناء البلد 7: الانسداد الحزبي/السياسي

ماذا يفعل المريد حين يرتدُّ شيخه!
د. عادل سمارة

(نشرت سابقاً في “كنعان” الالكترونية بتاريخ 17 نيسان 2010)

ليست هذه قراءة لعلاقة الشيخ بالمريد، بمفهومها الفلسفي وحتى الصوفي والبوذي (بوذية زِنْ) تاريخياً لإسقاطها على البُنى الحزبية والمنظماتية، بقدر ما هي التقاطٌ لأوجهِ الشبهِ وتوظيف الاثنتين في خدمة التحليل وقراءة الأزمة، أو حالة الانسداد السياسي التنظيماتي الذي نعيش، وغوصُ كثيرٍ من القوى السياسية في وَحْلِ المرحلة مما قيَّد حراكها. وليست قراءة لمبنى نموذج الأحزاب اللينينية على ضَوْءِ مستجدات المرحلة، ولا للشكل الذي يجب تطويرها عليه اليوم.

في الحزبية، غالباً ما يبحث الشيخ عن المريدين، ولا يبحثون هم عنه؛ بل تتسابق الأحزاب على الاستقطاب. فالشيخ/الحزب هنا هو حامل همٍّ جماعي وباحثٌ عن بلورة إرادة جمعية وصولاً إلى حل معضلة طبقة، بل أمة! وهذا البحث وذاك الجَهد ربما هو ما يكمن وراء الفارق في المبتدأ والمنتهى بين علاقة الشيخ والمريد وعلاقة الحزب والأعضاء. فالمريد هو مرشح شيخ، هو هاوٍ ومقتنعٌ ومكرِّسٌ أيضاً، وهي حالات نادرة ألا يكون المريد كذلك، وغالباً ما يكون الفشل عند الشيخ الذي رفع مستوى الافتراض الذهني والجَهدي لبعض مريديه، فخذلوه.

تقوم العلاقة بين الشيخ والمريد على جاهزية المريد للقبول بأحكام شيخه شريطة ألا يفرض الشيخ على المريد ذلك فرضاً. فالشيخ/المعلم، كما يقول اريك فروم: “لا يستدعي المريد، كما انه لا يمنعه من تركِهِ ومغادرتِه”. وحين يأتي إليه المريد طواعيةً طالباً إرشاده وهدايتِهِ على درب الاستنارة، فإن المعلم يكون جاهزاً لذلك، شريطة أن يفهمَ التلميذُ أنَّ عليه العنايةَ بنفسهِ بالقَدْرِ الذي يريد فيه المعلِّم أن يساعده” (إريك فروم: بوذية زِن والتحليل النفسي).

هنا يكمن الشبه والتفارق بين الحالتين؛ تشابُه العلاقة وتفارق النتائج. فما يحصل في الحالة الحزبية الفلسطينية أن الشيخ هو الذي يتغيَّرْ، بينما في علاقة الشيخ والمريد، لا يتغير الشيخ لأنه وصل المرتبة العليا في الوحي والاستبطان والكشف. لم يرتد الحلاج، بينما الغوغاء والعامة ماجت بالقول: الموت له! بكلمة معاصرة، الحياة بالنسبة للشيخ موقف لا متعة ولا متاع ولا رياش ولا مكانة. والشيخ هنا ليس فقط ذلك الصوفي الاشتراكي، الذي يجمع ويمتد من المشاعية إلى الشيوعية، فهو كل مثقف ملتزم ومشتبك، كل صاحب موقف متماسك وممتد ودائمٍ إلى حد يسمح للآخرين بالحكم عليه كشخصية نمطيَّة من حيث التمسك بالموقف، لا تتزحزح عنه، ولكنها تتطور فيه من حيث التعمق النظري النقدي والانتقادي.

ناقشنا في حلقة سابقة مشكلة الرموز، اي الشيخ في الحركة السياسية/الاجتماعية. لكن مجال البحث هنا أوسع، فليس كل قيادي في الحركة السياسية مريداً، وقد يكون المريد هنا هو الحزب بأجمعه.

موقع القوى في المرحلة والحياة العامة

لانحصار مساحة القول هنا، سأحاول كشف تدهور الشيخ/الحزب الفلسطيني بمقارنة مرحلتين من حيث الهدف والشعارات وما طرأ عليهما من تغيرات، وإن بدت تدريجية إلا أنها جوهرية.

دفع الوضع الفلسطيني إلى فرز قوى سياسية هدفها ومبرر وجودها هو الدفاع عن الوجود الفلسطيني أرضاً وشعباً من حيث المبدأ، بمعنى أن الحركات السياسية الفلسطينية قامت على أرضية وشرط النضال ضد الاحتلال منذ عام 1948 وحتى ما قبله. وهذا يُخرجها إلى حد بعيد وكبير عن شروط تشكُّل الأحزاب السياسية في البلدان المستقلة (بمعزل عن حقيقية الاستقلال) وفي التشيكلات المستقرة والمُبَلْوَرَة. ففي أعلى وأعقد مهامها، هي حركات سياسية تعمل في ظروف سِرِّية لمقاومة احتلال استيطاني اقتلاعي. وحتى عَمْل هذه القوى الفلسطينية في القطريات العربية، سواء المحيطة أو البعيدة، اضطر لاتخاذ إشكالٍ سرية في غالب الأحيان.

ومن جهة الهدف والشعارات فقد تركز الهدف، بل انحصر، في تحرير الوطن المحتل، ودارت الشعارات في محيط لم يخرج عن الكفاح المسلَّح والنضال الجماهيري. بمعنى أنه بسبب انحصاره في مشروع التحرير، ولأن الوطنَ مغتصبٌ، لأن العدو هو المقرِّر الرئيس والحاسم، وصل الأمر إلى عدم التعاطي مع الأبعاد الاجتماعية الاقتصادية الثقافية، وهو تطور يهيئ كأن المجتمع ليس إلا معسكراً.

ورغم الإخفاق في فهم العلاقة الجدلية بين المسلح والاجتماعي وحتى الطبقي، كان يمكن أن يُغفر لهذه الحركات صدقَها الوطني، مع وجوب تنبُّهها إلى المكونات الأُخرى للنضال. كما أُفترض التوقع أن تتجاوز هذا الخلل بحكم التجربة والاطلاع على تجارب الغير. وللأسف فإن هذا لم يحصل، وهو ما اتضح بعد أوسلو حيث جاء الحكم الذاتي إلى الأرض المحتلة متصفاً ب:

  • كونه نظاماً سياسياً معلقاً بين الاحتلال والاستقلال. وهو برزخ عُلِّقَتْ به القوى الفلسطينية، ليس لأنها قاربت التحرير او الاستقلال بقوة السلاح، بل لأنها ساومت العدو ليخلق لها متسعاً طبقاً لإملاءاته.
  • مُفرغاً من أية استراتيجية اجتماعية اقتصادية تنموية هي ضرورية إلى جانب الكفاح المسلَّح من جهة، وضرورية لقراءة دقيقة لفهم برزخ الاحتجاز الذي علقت به من جهة ثانية.


خَلَعَ الشيخُ بُرْدَتَهُ فَتاهَ المريدون

يتمترس مؤيدو التسوية من الفلسطينيين وراء النَصِّ لينكروا أن هذا الاتفاق يشطب حق العودة، ويرفضوا تحليل النص من جهة، وما يتم على الأرض من جهة ثانية. أما وهذه المقالة ليست في قراءة أوسلو، فهي ستقرأ تهالك موقف الشيخ من زاوية أُخرى.

حافظت معظم القوى السياسية الفلسطينية على اسمائها التي بدأت بها، وهي منظمة/حركة/جبهة/حزب…تحرير فلسطين. كما طرح ودعى كل تنظيم لفكر معين: (وطني، قومي، قطري، ماركسي، شيوعي ولاحقاً إسلامي)، علماً بأن القوى غير الإسلامية لم تكن عَلمانِيَّة بالقدر الحقيقي والمتعمق.

إذا استثنينا الحفاظ على الإسم، وقرأنا هذه القوى على ثلاث أرضيات أُخرى هي: التمسك بالجغرافيا، والإلتزام بالفكر، والموقف من العدو، نصل إلى رؤية واضحة لحالة تهالك الشيخ.

فيما يخص الجغرافيا، تحفل الأدبيات السياسية لمعظم القوى الفلسطينية، وكذلك المناهج المدرسية بمصطلحات تناقض الجغرافيا الأساسية لفلسطين، وتستبدلها بجغرافيا الحكم الذاتي. إن فلسطين في هذه المصادر هي من رفح إلى جنين، والمدن الفلسطينية لا تشمل أية مدينة من المحتل عام 1948. ومع ذلك لا زال اسم كل تنظيم (تنظيم…لتحرير فلسطين). وهذا يعني أن خطاب اوسلو (دون التوقف عند النصّْ) هو الدارج وهو يعني ان التحرير ليس على الأجندة.

وبشأن الفكر، دَأَبَ معظم التنظيمات الفلسطينية على تسمية نفسها القوى الديمقراطية، وخاصة القوى اليسارية، بعد أن كانت تسمي نفسها: القوى الماركسية والشيوعية والاشتراكية…الخ. وهذا تغيير جوهري يقدم لنا الحزب الحالي كحزبٍ مختلف ومناقض للآخر الذي كان قبلاً، اي مناقضٍ لنفسه بِيَدِ نفسه! لا بل إن بعض التنظيمات قد حلَّ نفسه تماماً وانتقل من منظمة ماركسية عالية التشدُّد، متحولاً إلى منظمة تعلن أنها يمينية! كيف يحصل هذا بهذا الوضوح ولهذه الدرجة؟ هذا أمر ينخرط في وجوب التحليل الطبقي والعقيدي بعمق بل يفتح على وجوب قراءة أمرٍ أهمَ وأخطرَ هو: هل كان هناك وعيٌ عقيديٌ لدى الشيخ من المبتدا إلى المنتهى؟

بيت القصيد هنا هو الهروب العقيدي أو الإيديولوجي بمعنى أن الديمقراطية هي ناظم علاقات أكثر مما هي عقيدة تشكيلة اجتماعية اقتصادية بطابع ما. فيمكن لتشكيلة رأسمالية أن تكون ديمقراطية، ولتشكيلة اشتراكية أن تكون ديمقراطية، ولتشكيلة عنصرية أن تكون (لعرقِها) ديمقراطية كالكيان الصهيوني أو أصحاب الرقاب الحمر في الولايات المتحدة (The Red Necks) ومفهوم وإيديولوجيا أصحاب الرقاب الحمر أخطر حتى من تعبير العرق الأبيض. وعليه، فإن التستر وراء تسمية تنظيمات ديمقراطية هو تفريغ هذه التنظيمات، لا سيما اليسارية، من مضامينها العقيدية والطبقية وحتى الكفاحية وأخيراً السياسية مجتمعةً؛ وهذا يعني تغيرها جذرياً. وبهذا نصل إلى تخلي كثير من القوى عن التمسك بالجغرافيا الفلسطينية وعن التمسك بالجغرافيا العقيدية التي تبنتها أيضاً.

أما الموقف من العدو فلا يقل إشكالية ولا تهافتاً عمّا سبق، وهو الأمر الذي يكشف سرَّه غرق البلد في وحل التطبيع. وليس شرطاً أن يكون التطبيع من هذا التنظيم أو ذاك بشكل رسمي. ففي حالات عدة يتم التطبيع باسم مؤسسات ومنظمات قريبة من هذا التنظيم أو ذاك، أو تطبيع يقوم به أفراداً من التنظيمات. هذا ناهيك عن علاقة التنظيمات بالسلطة التي يُعْتَبَرُ التطبيعً أحد أهم مهامها السياسية ومبررات وجودها. ولعل من المفارقة أنَّ كثيراً من التنظيمات تنتقد التطبيع وتدخل في لجان لمناهضة التطبيع، دون أن توجه نقداً، أي نقدٍ، لسلطة الحكم الذاتي بما هي ناقلة التطبيع.

هذه السمات الثلاثة توضح بلا كثير جدال أن الحزب/الشيخ قد تخلى عن طريقته، وهو الأمر الذي اتضح في انفضاض كثير من المريدين عن الموقف العقيدي والموقف السياسي وتحولِهِم إلى حالات الإحباط و/أو التحنيط السياسي والاجتماعي والكفاحي.

وبعد، إذا صحَّ هذا التشخيص، على امتداد المقارنة التاريخية، من بوذا إلى الصوفية العربية الإسلامية، إلى الحزبية اللينينية، إلى التجديد المطلوب، فهذا يستدعي طرحَ سؤالِ أين الطريق؟

بدايةً، إذا كان ما ورد أعلاه قولاً قطعياً، فإن ما يلي اجتهاداً. وبداية هذا القول هو وجوب تجاوز دور المريد، ليصبح كل مريد شيخاً ومبادراً. لسنا اليوم في عصر حصر الفكر والمعرفة قبل ألفي عام أو حتى مائة عام. لم يعد المفكر/القائد الفَذّ وحي أُمَّةٍ ومصيرها، فتوفر المعلومة والفكرة فتح باب الإنتاج للجميع، إلا من غضب الله عليه فبات كسولاً أو عاجزاً عن لملمة نفسه كي يعمل. لا يجب أن يستمرِئ أحدٌ الاكتئاب ولا أن ينتظر أحدٌ أحداً حتى يحمِلَهُ على كتفه.

وليس الأمر كما يزعم من تحولوا إلى أدوات تفكيك من أجل التفكيك، فباتوا يبشرون بالتكفير بالنظريات ولا سيما بالسرديات الكبرى. بل بعكس ما يقول كثيرون، أرى أن النظرية خضراء دائماً إذا كان عقلنا يانعاً ولمَّاحاً ليزكيها ويطهرها ويطورها. وكأني اتجرَّؤ بالقول إن الخلل في انهيار الموقف لدى هذا وذاك/وتلك. فالموقف المتماسك هو حالة جدل نقدي مشتبك ومتواصل بين النظرية وخدمتها للواقع. والنظرية دون تماسك الموقف ليست سوى مقبرة للمعلومة والعلم لا تتفتح ما لم يهتك سترها الشيخ او المريد.

المخرَج والمشرَب إذن أقولها باقتضاب هو متعب للعقل، لا أُخفي/أُنكر ذلك. يجب البدء بمراجعة لما هو الوطن اي إرجاع الذاكرة عن الوطن إلى اكتماله. أو بكلمة أُخرى، تجاوز اغتراب الجغرافيا بتركيبها بعد تفكيكها التدميري، وتجاوز اغتراب الفكر بنقده وتطويره، وتجاوز اغتراب الموقف بأن يرى كل منا أن بوسعه البدء بمشروع.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

اترك رد