30عامًا على اغتيال مهدي عامل.. إما أن يكون المثقف ثورياً أو لا يكون

اسمه الحقيقي حسن عبد الله حمدان، غير أنه عرف باسم مهدي عامل الذي كان يوقع به مقالاته في مجلة “الطريق”، التي أطلق عبر صفحاتها مقولة “لستَ مهزوماً ما دمت تقاوم” استنهاضا للهمم عقب الاقتحام العسكري الإسرائيلي لبيروت سنة 1982.

أصدر أولى كتبه عام 1972 بعنوان “مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني”، ورغم دواوينه الشعرية التي أبدع فيها، فإنه انحاز لخيار الفكر التنظيري وبواسطة أدوات التحليل الماركسي، فتوالت كتبه المهمة، ومنها “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية” و”النظرية في الممارسة السياسية” و”مدخل إلى نقض الفكر الطائفي” و”في الدولة الطائفية”… كما ترك بعضها في شكل مخطوط كما هو الحال مع كتابي “في تمرحل التاريخ” و”نقد الفكر اليومي” اللذين لم ينشرا إلا بعد رحيله بعدة سنوات.

كان يؤكد، بحسب رمضان الصباغ، بشكل مستمر على كونية الفكر العلمي، الذي أنكر القول عنه بأنه “شرقي أو غربي أو شمالي أو جنوبي”، كما أنه بحسب نفس الباحث، يؤكد على عدم تقبل الفكر الثوري للنظام البنيوي المغلق، وذلك “لنفيه للتناقض وعدم قبوله للفكر الطبقي ووضعه المفاهيم في نظام بنائي واحد”.

ولد ببيروت عام 1936، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليون بفرنسا، كما شغل عضوية العديد من الهيئات العلمية بلبنان وانخرط في النضال السياسي في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني الذي حصل على عضوية لجنته المركزية عام 1987، وهو نفس عام اغتياله ببيروت، في عملية اتهم بالتورط فيها إسلاميون، يوم 18 من شهر أيار (مايو)؛ أي بعد ثلاثة أشهر فقط من حادث تصفية حسين مروة، وتخلد ذكرى وفاته بلبنان سنويا يوم 19 من شهر مايو (أيار) الذي يعتبر يوم “الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي”.

يصفه سعدون هليل بأنه كان بمثابة غرامشي عربي لقوله: “اما إن يكون المثقف ثورياً او لا يكون”، كما يصفه أحد المعجبين به بالقول إنه “كان أكثر من مجرد مفكّر ماركسي له كلمات نافذة حتى النخاع في عمق الحقيقة وصميمها العلمي، هو تجربة نضالية متكاملة، تجربة زاوجت بين القلم المحكم والكلمة القاسية، بين الصمود البطولي والمقاومة الرافضة للذل والقهر، بين الفكر المتماسك وسعة الرؤية التي مكّنته من القبض على المشهد بشموليته وتفكيك بناه النظرية”.

سخّر مهدي عامل كتاباته في التنظير والتفسير وكذا السعي نحو التغيير وفق منظوره الماركسي وأدواته في تحليل قضايا السياسة والمجتمع في لبنان، فخاض معركته بشكل متوازي على واجهتين، ضد البرجوازية من جهة والتيار الإسلامي من جهة أخرى.

في مواجهة الأيديولوجية البرجوازية

ناقش، الماركسي اللبناني، قضية البرجوازية بأفق أكثر رحابة في كتابه “أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية”، الذي ألفه عقب ندوة بالكويت سنة 1978، وانتقد من خلاله القراءات السائدة لجدل التقدم والتخلف في العالم العربي ومقترحا تفسيرا ماركسيا للموضوع؛ كما اجتهد في تحديد بؤرة الإشكال على مستوى حلقات الانتقال بين أنماط الإنتاج.

وهو تصور يرتبط بتصوره الخاص للتاريخ؛فمهدي عامل يرى أن التاريخ، كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه “في تمرحل التاريخ”، أنه “يتمرحل” بحسب “حركة أنماط الإنتاج فيه”، غير أن هذه الحركة ليست مجرد عملية “من التتابع والتواصل، ينتهي فيها زمان نمط معين من الإنتاج ببدء زمان نمط الإنتاج الذي يليه” فهذا ما هو إلا الوجه الظاهر أما واقعها الفعلي “فهي حركة تولد وترابط وتفكك وتحويل، يعجز الفكر التجريبي عن رؤية تعقدها”، بل إن هذا التداخل، بين هذه الأنماط من الإنتاج وبين أزمنة كل منها، يمنع من وضع هذه الأزمنة في علاقة تتابع.

ويشرح فيصل دراج أطروحة مهدي بالتأكيد على التطابق بين “نظرية تمرحل التاريخ” و”نظرية الانتقال” في تصوره، اعتباراً لكون “نظرية التمرحل” هي الصياغة النظرية المفترضة لمراحل الثورة الاشتراكية – الوطنية؛ أي أنها نظرية سياسية أو نظرية في الممارسة السياسية الثورية؛ فهو يرى عدم إمكانية “شرح واقع معين، بمجرد الذهاب إلى الأسباب الماضية التي أنتجته” ولا حتى التوقف عند “الآثار المستقبلية التي يمكن أن تصدر عنه”، إذ على الشرح التاريخي أن “يبدأ ببناء الموضوع الذي يريد معالجته”، كما عليه أن “يبين المعيار الذي يجعل من شرط تجريبي معين شرطاً تاريخياً”، ثم أن يحدّد المبدأ الذي يجعل من هذا الشرط منعطفاً تاريخيا لا منعطفاً في التاريخ.

ومن خلال تمييزه بين “منعطف تاريخي” و”منعطف في التاريخ” فهو يؤكد، كما يرى فيصل دراج، أن “التاريخي هو ما ينتج تحولات تاريخية نوعية، لا تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، بل تنتج جديداً لم يكن ملموساً في زمن مسبق”.
 

يرى مهدي عامل أن “التاريخي هو ما ينتج تحولات تاريخية نوعية، لا تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، بل تنتج جديداً لم يكن ملموساً في زمن مسبق”

وقد انشغل مهدي بمواجهة الأيديولوجية الليبرالية في بلاده التي خصص لها كتاب “مدخل إلى نقض الفكر الطائفي: القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية”، إذ يطرح في مقدمة الكتاب، سؤاله المحوري “كيف تنظر البرجوازية اللبنانية، بعين أيديولوجيتها الطبقية، إلى القضية الفلسطينية؟” وللإجابة على ذات السؤال، يحاول “تبيان العلاقة التي تشد نظام تلك الأيديولوجية إلى تربتها الفعلية التي هي حقل الصراعات الطبقية”. وانسجاماً مع الطرح الماركسي الذي يحدد حقل الصراع الطبقي بواسطة بنية علاقات الإنتاج القائمة في البنية الاجتماعية، فإن مهدي استحضر أثناء عملية التحليل “منطق النقض، من الأيديولوجي إلى السياسي”، و “من السياسي إلى الأيديولوجي”، وذلك في “علاقة كليهما بالاقتصادي، داخل حركة الصراع الطبقي العامة”.

لقد تناول نقده للبرجوازية اللبنانية، كما أكد في مقدمة الكتاب، من خلال رسم الخطوط العريضة لنظامها بصفته “نظام سيطرتها الطبقية الأيديولوجية”، وتحليل العلاقة بين هذا النظام من جهة ونظام سيطرتها السياسية والاقتصادية من جهة أخرى في إطار “حركة تجدد النظام الاجتماعي اللبناني”؛ دون أن يغفل تحليل علاقة الطبقة البرجوازية المسيطرة بحركة التحرر العربية عموما، مما يساعد على فهم علاقتها بالقضية الفلسطينية وكذا فهم الشكل الذي تنتظم فيه هذه العلاقة في فكر خاص يقدم في ممارسة النضال الوطني التحرري، باعتباره “فكر فاشي طائفي”.

في مواجهة التيار الإسلامي

يعلن مهدي معارضته للتيار الإسلامي الذي خصص له مساحات واسعة من كتابه “نقد الفكر اليومي” ووصفه بـ”التيار البورجوازي المتأسلم”، وتعود أولى صفحات الكتاب إلى سنة 1980، غير أنه اضطر سنتين بعد ذلك، إلى تركيز اهتمامه على كتاب “في الدولة الطائفية” لملحاحية مضامينه في وقت اشتد فيه الحصار الإسرائيلي على بيروت وتعززت الحاجة لفهم ميكانيزم الطائفية في إشعال الحرب الأهلية في لبنان.

وقد اعتبر، في “نقده للفكر اليومي”، مفهوم “الاغتراب” محور تفكير التيار الإسلامي، حيث يجعل نفسه مدافعا ضد قيم التغريب السالبة للهوية. فمن خلال الاغتراب يحاول “هذا الفكر المولع بالأصالة والخصوصية أن يتأول التاريخ كله، منذ بدأ الإسلام حتى اليوم، مروراً بمرحلة السيطرة الإمبريالية للرأسمالية، ومرحلة التحرر الوطني، وصولا إلى ما تنفتح عليه آفاق هذه المرحلة الأخيرة من إمكانات التغيير الثوري في خط سيرورة التحويل الاشتراكي”. غير أن مفهوم الاغتراب ليس أصيلا، إذ لا وجود له في التراث الإسلامي، ويقول إن هذا المفهوم الذي “يفكر به أصحاب الخصوصية خصوصيتهم، ليس مفهوماً “خصوصياً”؛ بل هو في المقابل “يحتل مكاناً مركزيا في منظومة الفكر الهيجلي”، وهو فكر غربي يعاديه الإسلاميون، ليخلص إلى أن الخصوصية التي ينادي بها هذا الفكر هي خصوصية “مزيفة لفكر مزيف”.
 

كما ينتقد الرؤية الاختزالية والتبسيطية لمروجي هذا الفكر، الذي يصفه بالمتأسلم، حيث يبحثون عن شرعية الوجود في المجتمع بالتأكيد على صلابة الانتماء للهوية الإسلامية في مجتمعاتنا وعجز الغرب على اختراقها، رغم نجاحه في استتباعها فحافظت على “هويتها التي هي الإسلام”، ليتحداهم بسؤال سبق طرحه عليهم “كيف التوفيق بين نفي أن تكون تلك المجتمعات رأسمالية، ووجود مظاهر مختلفة هي فيها مظاهر مجتمعات رأسمالية؟”، حيث يرى أن الحل الذي يقدمه هؤلاء يقوم على التوفيق، باعتبار ما هو رأسمالي في تلك المجتمعات من “المحدث” و”الحديث”؛ أي أنه غربي المصدر أما ما هو تقليدي، فهو أصيل أي أنه إسلامي.

لذلك يبقى بحسبه التيار الإسلامي عاجزاً عن تفسير سيطرة الغرب، نظراً لتغييبه لحركة التاريخ وشروطها المادية، فهو “يتجنب النظر في الشروط التاريخية الملموسة لتكون الرأسمالية في مجتمعاتنا”حتى يحافظ على “اتساقه الداخلي”، ويفسر هذا الإحجام عن النظر في تلك الشروط، باستناده على منطق شكلي هو منطق ثنائية الذات والآخر التي هي شكل آخر “لثنائية الخير والشر الأسطورية”، مما يتيح للتيار الإسلامي، حسب رأيه، تفسير ذلك بواسطة “العنف”؛ أي العنف الذي يمارسه الغرب على المجتمعات العربية الاسلامية تسبب في ولادة الرأسمالية في مجتمعاتنا، وبالتالي نفي أن تكون “تطور داخلي طبيعي” في هذه المجتمعات.

:::::

المصدر:

http://hadfnews.ps/post/28912/30

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.