ديمقراطيّة الحراميّة ! ثريا عاصي

لا شك في أن القانون الإنتخابي الذي توافق عليه أهل الحل والربط في قيادة  الدولة اللبنانية، تمهيداً لتجديد المجلس النيابي، بدل تكرار التمديد له، يستحق مقاربة حقوقية ـ دستورية لإظهار التعريف الحقيقي للوطن والمواطن من خلال المفاهيم التي  تحاول القيادة المشار إليها تكريسها، أعرافاً في مجال ممارسة السلطة السياسية.
ولكن التسليم بأن هذه المسألة تتطلب مؤهلات وخبرات في حقل القوانين والتشريعات، لا يملكها إلا أهل الإختصاص وكبار الدستوريين، لا يمنعنا من مداورتها في الذهن لعلنا نعرف من نحن وما هي حقيقة العلاقة التي تربطنا بهذه البلاد، أي بتعبير آخر وبصراحة ووضوح أكثر من يمثل من ؟
لقد أوصلتني هذه المداورة إلى خلاصة تفيد بأننا حيال سيرورة غايتها من وجهة نظري، التأسيس لكيانية مذهبية ليس فقط بإدخالها في الأعراف وإنما بتجسيدها قانونياً .  يتبدى ذلك من خلال القانون الإنتخابي الذي تم إقراره مؤخراً كونه يشكل في الحقيقة معطى يفيد بأن اتباع كل مذهب من المذاهب الرئيسية، صاروا في الواقع، شاءوا أم أبوا، رهائن قيادة مذهبية . بمعنى أن هذه الأخيرة تتكون من جماعة مذهبية قليلة منظمة تمكنت من السيطرة على مجتمع مذهبي متفسخ.
من البديهي القول أن هذه القيادة المذهبية لا تمثل بالقطع الذين تدعي تمثيلهم، أو الذين يظهرون لها التأييد تملقاً أو اجتناباً لأذى هي قادرة على أن تتسبب به . أي أن العلاقة التي تربط بين هذه القيادة المذهبية من جهة وبين الأتباع والأنصار هي في جوهرها إنتهازية، مبنية على الترهيب والترغيب . حكم الطغمة!
مجمل القول إن قراءة «القانون الإنتخابي» على ضوء «الوضع المذهبي» السائد في بلاد الأرز هو الأسلوب الوحيد الذي يتيح للقارئ الكشف عن الأهداف المبتغاة من ورائه، سواء المكنون والمعلن منها.
فالرأي عندي أن هذا القانون يتضمن ثلاثة رسائل :
ـ في الرسالة الأولى، يقول القادة وهم وصلوا كما هو معروف إلى القيادة عبر منعرجات طائفية مذهبية، أنهم إتفقوا على أن يمثل كل فريق منهم المجتمع المذهبي الذي خرج منه. إتفق القادة المذهبيون، على أن أتباع المذهب مختلفون عن بعضهم، ليسوا من طينة واحدة، وربما يكونون من أجناس مختلفة ؟
ـ الرسالة الثانية، توكيد هذه القيادة على أن جماهير المجتمعات المذهبية هي ممثلة في السلطة الحالية أحسن تمثيل.
ـ الرسالة الثالثة، يتوخى القانون الجديد إتاحة الفرصة لتشديد ضوابط التمثيل الحصري للمذاهب، بحيث لا يتأثر إنتخاب النائب إلى المجلس، بأصوات أتباع مذاهب ليس موكلاً بتمثيلها . فالقانون الإنتخابي العتيد يُنيط ضمنياً مهمة إختيار المرشح لمقعد نيابي بالقيادة المذهبية التي تتكفل أيضاً بفوزه .
من البديهي أن وجود هذه القيادة المذهبية في لبنان، بالإضافة إلى القوانين التي تشترعها دعماً للشراكة المذهبية على مستوى السلطة، يقوّض في الواقع أسس الكيان الوطني ويمحو مفهومية الوطن . فإذا كان النائب، بصرف النظر عن تصنيفه مذهبياً، لا يمثل أو ممنوعاً من تمثيل جماهير شعبية لبنانية ولكن مصنفة مذهبياً في خانة غير خانة هذا النائب، توجب بناء عليه، تشكيل حكومة لبنانية، تضم في كل وزارة، ثلاثة وزراء  على الأقل حتى تتمثل المذاهب الرئيسية ! إذ كيف، يكون النائب الماروني على سبيل المثال، حريصاً فقط على مصالح الناس الموارنة، بعكس الوزير الماروني المفروض أن  يشرف على ورشة بناء وطنية ؟
خلاصة القول وقصاراه اننا حيال خداع ونفاق . أظن أن جميع اللبنانيين يعرفون ذلك، ولكنهم يغضون النظر . السؤال هنا هو حول النتائج التي تتأتى عن موقف يشبه التخلي عن الوطن والتحلل من الإلتزام بمسألة المصير الوطني المشترك . ولكن من المحتمل أيضاً أن لا يكون تأسيس كيان وطني، أو دولة وطنية حقيقية، بمقدور عليه أو  مسموحاً به !

:::::

“الديار”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

اترك رد