تحرير الموصل: من حرر؟ وما العبر؟ العميد د. امين محمد حطيط

عندما اجتاحت داعش الموصل ومنها الأراضي العراقية الوسطى وبلغت الحدود مع إيران وباتت قادرة وبالسلاح المواتر الخفيف ان تشل الحركة على المنطقة الحدودية هناك خرجت اصوات “مسؤولة ” من اميركا قائلة بان داعش تنظيم عسكري فائق القوة بإمكانه ان يحقق ما يريد ويجتاح المنطقة التي رسم حدودها على مساحة 6 دول عربية، ثم اضافوا بان داعش قد يلجأ الى السلاح النووي وانه قد يمتلك أنواع من سلاح الدمار الشامل، وبالتالي ان هزيمته تتطلب بين 10سنوات على اقل تقدير ويمكن ان تصل الى 30 سنة.

طبعا رسمت اميركا هذه “الصورة الأسطورية”  لداعش لانها صنيعتها و اداتها في تنفيذ مشروعها الاستعماري الذي فشلت في ارسائه عبر عقدين من الزمن و قالت بذلك من اجل تثبيط عزيمة اهل المنطقة وحملهم على التسليم بالأمر الواقع أولا و عدم القيام بمحاولات دفاع ضدها لان الدفاع في مثل هذه الحالة براي الاميركيين انتحار و جلب الضرر الإضافي للنفس من جهة ، و من جهة ثانية من اجل تبرير إقامة تحالف أميركي دولي خارج الشرعية الدولية و من غير أي قرار او موقف من مجلس الامن ، تحالف يمكنها من العودة الى العراق لاقامة القواعد العسكرية الأميركية فيه تلك القواعد التي ارادتها و لم يستجب العراق لإرادتها في العام 2010 عندما تم توقيع اتفاقية الاطار الاستراتيجي للتعاون الأميركي العراقي الأمني .

امام هول المشهد هذا ، كان على العراقيين ان يختاروا بين الاستسلام لاحتلال  جديد بشع جدا ثم الاتكال على من انتجه أي الأميركي حتى يزيله بعد عقود يفتت فيها العراق و يلغيه كدولة كمت فعل في ليبيا ، او ان يعمل بالقاعدة الذهبية “ماحك جلدك مثل ظفرك ، فتولى انت جميع امرك” ، و هنا و بوجود مرجعية دينية واعية بعيدة النظر و بوجود قيادة سياسية عراقية شجاعة ، و مراهنة على الشعب العراقي  و الاخوة و الأصدقاء في المنطقة الذي لهم باع في مقارعة الاحتلال و العدوان الأميركي ، اختار العراق طريق ذات الشوكة و قرر مواجهة الإرهاب الأميركي ليقطع الطريق على اميركا في تفتيت المنطقة والسيطرة عليها و اجتثاث تاريخها وتغيير ديمغرافيتها .

و نجح رهان العراق و نجحت خياراته و تمكن بعد 3 سنوات من الاجتياح الإرهابي الذي احتل نصف ارضه تقريبا ، نجح في تطهير العراق من هذا الطاعون السرطاني الخبيث الذي صنعته اميركا و جاءت به لاستباحة العراق و المنطقة و اليوم اذ يحتفل العراق و المنطقة و محور المقاومة و احرار العالم المناهضين للمشروع الاستعماري الاحتلالي الصهيواميركي يحتقلون بهذا النصر العظيم فان من المفيد ان نتوقف عند امرين الأول تحديد من صنع النصر و الثاني العبر من هذا الإنجاز الذي  سيكتب عنه الكثير لأنه من طبيعة استراتيجية تغييرية ذات اثار تتعدى العراق و المنطقة لتنسحب على العالم و نظامه الدولي الجديد .

وفي النقطة الأولى نجد ان النصر على الإرهاب الداعشي في الموصل وتاليا في العراق كله (لم يتبق من اوكار وجزر لداعش في العراق الا 6 مناطق غير متواصلة ومحاصرة يصعب امدادها ويستحيل بقاءها ولم يعد الاجهاز على داعش فيها الا مسالة وقت والنتيجة في الامر محسومة لصالح العراق طبعا وبوقت لا يقاس بالأشهر بل بأقل من ذلك بكثير) ونعود الى المنظومة التي صنعت هذا النصر، ونجد وبشكل موضوعي انها تتشكل من اربعة اركان رئيسية كان لكل منها دوره وموقعه في صنع القوة القادرة التي هزمت داعش وحررت العراق وهي:

  1. الركن الاول كان فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي الذي هو بحسب الفتوى واجب على الجميع وإذا قام به البعض سقط عن الاخرين. وقد كان لهذه الفتوى أثرها السحري في نفوس العراقيين نظرا لدورها في تحديد العدو واجلاء الصورة وإزالة الشبهة وتحديد المسؤولية والواجب في مقارعة العدو الإرهابي دفاعا عن النفس والعرض والأرض والمقدسات.
  2. الركن الثاني الشعب والاستجابة الشعبية والهبة المنقطعة النظير التي ترجمت في اتجاهين اتجاه يعني الضباط والجنود في الجيش العراقي وارتفاع حماسهم للقتال الامر الذي من شانه رفع القدرات العسكرية والمعنويات لدى الجيش العراقي، والثاني تشكيل القوات العسكرية الرديفة الموازية والتي تمثلت بالحشد الشعبي العراقي الذي كان مفاجأة المرحلة والتي صدمت المخطط الاستعماري. مفاجأة اذهلته وأربكت والأدوات وكل من راهن على الإرهاب واستثمر به.
  3. الركن الثالث مبادرة محور المقاومة للمساعدة وفقا لاحتياجات الميدان والمخاطر، وهنا يبرز بشكل رئيسي دور حزب الله في لبنان الذي لبى وعلى عجل متطلبات المرحلة وأرسل الخبراء والمدربين و …. من اجل تأطير وتنظيم وتدريب وتقديم النصح في تشكيل وحدات القتال، وتقديم المشورة في العمليات القتالية، كما ويبرز دور إيران التي أرسلت خبراءها وفتحت مخازنها من السلاح والذخيرة واللوجستية للجيش العراقي والحشد الشعبي، فعطلت مفاعيل الحصار الذي تمارسه اميركا على هذا الجيش لتمنعه من امتلاك القوة التي تمكنه من الدفاع الناجح.
  4. الركن الرابع. القيادة السياسية العراقية الشجاعة الكفؤة. التي لعبت دورا هاما في المواجهة وعلى شتى الصعد العسكرية الميدانية والسياسية والمعنوية والتنظيمية. لقد واجهت هذه القيادة ضغوطات شتى من الداخل والخارج، ضغوطات لو رضخت لها لكانت عرقلت او عطلت مفاعيل الهبة الشعبية ومفاعيل المساعدة من محور المقاومة ولكانت أدخلت العراق في مواجهة بين أبنائه بدل ان تكون المواجهة مع الإرهاب. لكن الخيارات والقرارات الحكيمة للقيادة العراقية عطلت مؤامرات الاستعمار الإرهابي وشرعت الحشد الشعبي بقانون اعتمده مجلس النواب العراقي، وشرعت المساعدة من محور المقاومة كما ورفعت مستوى التعاون والتنسيق مع مكونات محور المقاومة بما فيها سورية وكان لقرار إقامة غرفة عمليات بغداد الرباعية الأثر المعنوي والميداني الهام على هذا الصعيد.

هذه هي الأركان الأربعة التي قامت عليها المنظومة العسكرية العراقية التي سحقت داعش و من خلفها و طهرت العراق من شرها و خبثها ، و هنا قد يسأل سائل اين دور التحالف الأميركي في الشأن و ردنا ببساطة ان اميركا لم تنشئ تحالفا و تأتي به الى العراق من اجل محاربة داعش بل هي أصلا انشات داعش من اجل ان تعود الى العراق  و في وجودها كانت تراوغ و تناور و تهول و تعرقل و تريد ان تفرض خطط و تستبعد قوى كل ذلك من  اجل إطالة امد الصراع لتجذر وجودها اكثر و لكنها لم تقلح في كل ما صنعت و كما فشلت داعش (اداتها) فشلت هي في مناوراتها وبالتالي فان اميركا بريئة من النصر الذي تحقق براءة الذئب من دم يوسف .

هذا في صنع النصر، اما في الدروس والعبر التي تستفاد من حرب العراق على الإرهاب واسقاط الخرافات ودولة الخرافة كما وصفها العرقيون أنفسهم فيمكن ذكرها أربعة أيضا هي:

  • ان ما يقوله وما يريده الغرب وأصحاب المشروع الاستعماري ليس فرضا مفروضا وليس قدرا لا يرد بل ان الشعب ان أراد يكون في ارادته ان نظمت وفعلت ووجهت في الاتجاه الصحيح قدرة تكسر العدوان وادواته وهنا يسجل للعراق انه وفي اقل من عقدين هزم الاحتلال الأميركي مرتين مرة بصيغتيه المباشرة ومرة بصيغته غير المباشرة.
  • ان تبادل الدعم والمساندة والمساعدة بين مكونات المنطقة وعناصرها الرئيسية، يمكن ان يبني القوة العسكرية التي تنزل الهزيمة بالأحلاف الدولية حتى ولوكان اميركا بذاتها هي منشئة هذا الحلف وقائدته.
  • ان التشرذم سلاح العدو، والوحدة هي سلاح الشعب الماضي، وهنا أكد العراق انه بتوحد كلمته يمتلك القوة التي تمنع أحدا من ان يهزمه أي أحد، وان تشتت فان أحدا لن ينصره.
  • اما الخلاصة الاستراتيجية التي لا بد من الإضاءة عليها، وهي العبرة الأهم، فهي درس لكل من يعتدى عليه درس مضمونه ان لا تركن لمحتل ولا تخشى محتلا، وها هو العراق بعد لبنان ومقاومته يسجل بمقاومته أيضا هزيمة للمشروع الاستعماري ويجعل تموز 2017 عراقيا يعانق تموز 2006 لبنانيا ومنهما سيكون تموز انتصار المنطقة التي اظهر محور المقاومة انه لن يرتضي الا بان تكون منطقة لأهلها ولن تكون للأميركي مستعمرة مهما تغطرس وتجبر، وما هي الا فترة قصيرة وتكون محطة الانتصار الاستراتيجي الكبير في سورية.

:::::

“البناء”، بيروت

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

اترك رد