ضبط المعرفة: السيطرة على الإعلام في فلسطين، رازي نابلسي

تحجب الأنظمة الشموليّة والبوليسيّة في العادة المواقع الإعلاميّة والمنابر الخاصّة بالمعارضة منعاً لتداول الأخبار والمعلومات والتحليلات والآراء التي تسعى إلى هز استقرار النظام السياسي القائم على القمع. وفي حالة حرب، تحجب الدول المتنازعة المواقع الإخبارية للعدو، وصحافته، في محاولة لصد الرواية الإعلاميّة التي يبثّها العدو للتأثير على الرأي العام إضعافاً للجبهة الداخليّة.

فما هو الهدف من قيام السلطة الفلسطينيّة في رام الله، ممثلّة بالنائب العام، بحجب أكثر من 22 موقعاً إخبارياً، لا تمثل جميعها جهة واحدة، وبعضها لا يمثّل أيّة جهة أو قطب، والإبقاء بالمقابل على المواقع الإسرائيليّة، ومن ضمنها الاستخباراتيّة والعسكريّة والشخصيّة، التي تستهدف أولاً وأساساً المجتمع الفلسطينيّ وهويّته وثقافته التاريخيّة العامّة.

 الاعلام كأداة لصياغة “المجال العام

 

 المواقع التي قامت السلطة بحجبها لا تشترك في الرواية، ولا الخط السياسيّ الثقافيّ الاجتماعيّ، وبعضها مختلفة فيما بينها. قامت السلطة بحجب المواقع الإخباريّة التابعة للقياديّ المفصول من حركة “فتح” محمد دحلان، والمواقع والصفحات الإلكترونيّة التابعة لحركة “حماس”، بالإضافة إلى مواقع مستقلّة غير تابعة لأي جهة سياسيّة كـ”شبكة قدس الإخباريّة” التي تمثّل قطاعاً واسعاً ممثلًا من الشباب الفلسطينيّ المُستقل المعارض سياسياً، وتعمل على تغطيّة قصص الشهداء والأسرى وأخبار المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين التاريخيّة. لا يجمع المواقع المحجوبة إلّا معارضتها للسلطة الفلسطينيّة في نهجها وثقافتها السياسيّة. وهذا ينطبق أيضاً على المواقع الإخباريّة التابعة لدحلان، على الرغم من عدم وجود فوارق جذريّة في النهج السياسيّ بين دحلان وأبو مازن، كون الاول جزءاً من المنظومة السياسيّة لأوسلو، سوى أنه يتجه على مستوى الخطاب إلى المزايدة السياسيّة، ومهاجمة السلطة بسبب علاقاتها مع إسرائيل (!).

يشكّل الإعلام في العصر الحديث أداة رئيسيّة في انتاج “المجال العام”، أي المساحة التي تتم فيها ومن خلالها النقاشات والسجالات حول القضايا المختلفة، السياسيّة والثقافيّة. عندما تبث الوسيلة معلومة، يتم سردها وإعادة تفسيرها والتعقيب عليها والسخريّة منها. يسمّى هذا “تفاعل المجتمع الإيجابي” مع الرسالة التي يبثها الوسيط الإعلاميّ. وهي بهذه العملية تسهم في صوغ ثقافة المجتمع وهويّته الثقافيّة السياسيّة، وما يناقشه ويتعاطاه من معرفة وقضايا.

ترسم هذه العمليّة حدود تعاطي المجتمع مع السياسة وهي تتحكّم بما يناقشه أكثر من تحكمها بما يراه المجتمع ويعيشه بشكل ملموس. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إقدام أجهزة أمن السلطة على اعتقال المصوّر والصحافيّ في قناة “فلسطين اليوم” جهاد بركات، بعد قيامه بتصوير رئيس الوزراء رامي الحمد الله خلال إيقافه على حاجز عسكريّ إسرائيليّ في مدينة طولكرم وتفتيشه. الخوف من تعاطي المجتمع مع الصورة أكثر من الخوف من الواقعة ذاتها.

وما يعزّز هذا التفسير هو أن كافة المواقع الإخباريّة التي تم حجبها لا تخضع لسيطرة منظومة الأمن والضبط التي تقوم عليها السلطة الفلسطينيّة بشقّيها، البوليسيّ المتمثّل بالأجهزة الأمنيّة الرسميّة كالمخابرات والأمن الوقائيّ والشرطة، والثقافي النفعيّ المتمثّل بارتباطات الصحف بشخصيّات نافذة من داخل النظام، بمنظومة من علاقات الفساد التي تحوّل الصحيفة من سلطة مستقلّة إلى مؤسّسة علاقات عامّة. وبالتالي، وسائل الإعلام هذه خاضعة للقواعد الناظمة للنظام السياسيّ وتعمل من خلاله وبشروط وجوده، وإنما تتحرك في قضايا متعارضة مع سياسات النظام وليس مع النظام ذاته كنظام متعاون مع الاستعمار ومرتبط يه: هي تدعو لمحاربة الفساد الماليّ ولكنها لا تمس بمسألة التنسيق الأمني، تحتج على رميّ النفايات في مناطق ممنوعة ولكنها لا تمس بالاتفاقيات بين السلطة وإسرائيل المعنية بجمع النفايات وإدخالها من الأراضيّ المحتلة عام 1948 إلى الضفّة الغربيّة، تحتج على التعذيب في سجون السلطة، ولا تمس بسياسة تسليم المطلوبين للاحتلال بعد خروجهم من سجون السلطة.. وأمثلة كثيرة سواها عن وسائل إعلام آمنت وصدّقت كذبة “الدولة” وتعيش عليها ومن خلالها.

 موقع “المنسّق” كوسيط إعلامي

 

 أبقت السلطة بعد حجبها لتلك المواقع على الصفحات الإلكترونيّة الإسرائيليّة الناطقة بالعربيّة، أي المواقع التي تكوّنت بغاية التأثير على المجتمع الفلسطيني والعربي عموماً. هذه الصفحات، وعلى رأسها صفحة “المنسّق” (منسّق نشاطات حكومة الاحتلال في المناطق الفلسطينيّة المحتلة)، وصفحة “أفيخاي أدرعي” الناطق بلسان جيش الاحتلال باللغة العربيّة، تعي جيداً قيمة الجدل الذي تُحدثه في الإعلام، وهي تفتعله وتشجّعه في الشارع الفلسطيني، فتؤثّر على النقاش العام وبالاخص بما يخص المسلّمات الفلسطينيّة. فعلى سبيل المثال، ومن على صفحته في “فيسبوك”، أعلن المنسّق إلغاء التصاريح التي منحها الاحتلال للفلسطينيين بهدف زيارة المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، بسبب قيام ثلاثة شبّان بتنفيذ عمليّة أفضت إلى مقتل مجنّدة إسرائيليّة. وفي موقع آخر، قام المنسّق بنشر خبر عن “تمرين مشترك للدفاع المدني الفلسطينيّ والدفاع المدنيّ الإسرائيلي”، وهو خبر كان من الممكن أن تنشره “شبكة قدس” المحجوبة بصورة مهنيّة، لولا إضافة المنسّق لجملة “من أجل إنقاذ حياة الإنسان أياً كان”. وهكذا أثار هو بواسطة هذه الجملة نقاشاً حول التنسيق والتعاون الأمنيّ باعتبارهما قضايا مشتركة يمكن العمل عليها، كإنقاذ حياة الإنسان كما يصيغها المنسّق.

تعمل هذه الصفحات على اختراق الوعيّ الفلسطينيّ للصراع، فتغدو العمليّة الفدائيّة محل نقاش وسؤال حول جدوى الفعل وحسابات الربح والخسارة من وراءها. ويغدو التصريح عبارة عن إنجاز يحتاج الفلسطيني ليس كفرد بل كمجتمع كامل، لإثبات حسن نيّته للحصول عليه، وكل ذلك بدل النقاش حول سيادة “الدولة” حين يلتقط مصوّر صورة لرئيس وزرائها على حاجز عسكريّ إسرائيلي يقوم بتفتيشه جندي لم يبلغ العشرين عاماً.

مثال آخر: ينشر “المنسّق” خبراً عن زيارة (“لطيفة”؟) لوفد إسرائيليّ الى حديقة الحيوان في مدينة قلقيلية، وفي الوقت نفسه ينشر معطيات يدّعي من خلالها سرقة “حماس” لأموال الغزّيين.. فتكثر الأمثلة ولكنّها تلتقي جميعها عند إنشاء “مجال عام” جديد وحديث، بطيء ولكنه خطير مثل دبابة عسكريّة إسرائيليّة تهدم الأسس المعرفيّة التي أقيم عليها المجتمع الفلسطينيّ كما هَدمت سابقاً مخيّم جنين وساوته مع الأرض. هذا على الرغم من أن المجتمع الفلسطينيّ لا يزال يتمسّك بالمقاومة، بدليل وجود العمليّة ذاتها كفعل يسعى “المنسّق” أو “السلطة” إلى مناقشته. في هذا الموقع والسياق، يصبح النقاش بحد ذاته هدفاً يجب اصابته.

 منطق “الحرب المعرفيّة

 

 يناقش مجد كيّال في مقالته تحت عنوان “أوسلو أيديولوجيا وليست اتفاقيّة” المَصاب المعرفيّ الذي يعانيه الفلسطيني جرّاء هذه الأيديولوجيا، عارضاً التغيير الحاد والشامل الذي أحدثته هذه الاتفاقيّة في المعرفة السياسيّة الفلسطينيّة بصورة شاملة. استقدمت “أوسلو” معرفة سياسيّة جديدة كما أوضح كيّال، ولا يمكن النظر إلى “حجب المواقع” والهجوم الإسرائيليّ على ما يسمّى “التحريض الفلسطيني” في الإعلام وعلى الرموز النضاليّة بمعزل عن هذا المنطق الذي لا يختلف كلياً عن منطق الحرب العسكريّة إلّا بخطورته وإسقاطاته بعيدة المدى على الثقافة النضاليّة الفلسطينيّة والوعيّ تجاه القضيّة برموزها وتاريخها. إنّه استكمال، رص صفوف، للحرب التي تشنّها أيديولوجيا “أوسلو” على المعرفة السياسيّة في فلسطين.

النظر إلى المواقع المحجوبة والى تلك غير المحجوبة يظهر معسكرين متناحرين في الساحة الفلسطينيّة: وسائل إعلام حديثة تبث معرفة ما بعد “أوسلو” سياسياً وحقوقياً، مقابل وسائل إعلام تسعى إلى الإبقاء على الإرث المعرفيّ والثقافيّ المجتمعيّ، أو تستند إليه، وهو ميدان ليست السلطة الفلسطينيّة في رام الله جزءاً منه.
اشتدّت الحرب على المعرفة السياسيّة بعد الهزيمة العسكريّة في الانتفاضة الفلسطينيّة الثانيّة، وهي تسير في إستراتيجيّة واضحة لإنتاج مجتمع المعرفة الفلسطيني الحديث بعد تجفيف بنى المقاومة المادّية. إن الحرب على ثقافة المجتمع – آليّات إنتاج المعرفة والوعي ــ أخطر بكثير من الحرب على أدوات المقاومة المادّية المباشرة. الحرب على الوعيّ هي حرب على اتجاه إطلاق النار، على اتجاه الفعل السياسيّ. ولا يمكن الفصل بين الصعيدين، فهما متكاملان. يعلم المستعمِر جيداً أنّه يستطيع أن يمنح الفلسطينيين آليّات عسكرية وبنادق ومسدّسات وذخيرة، غذا كان يضمن أن يتم التنسيق، وأن يكون آمناً. ولتحقيق ذلك فهو بحاجة إلى وعي فلسطيني ومعرفة مختلفة، غير عدائية ومهزومة. وهذا ما لم يحصل مثلاً في الانتفاضة الثانية داخل الأراضي المحتلة العام 1967، فقد كانت الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة جزءاً لا يتجزأ من الانتفاضة العسكريّة، بأسلحتها وعتادها ووعيها. ويُقال إنّه خلال الهبّة الشعبيّة الأخيرة، سحبت القيادة الأمنيّة للأجهزة الفلسطينيّة من بعض العناصر أسلحتهم، خوفاً من أن يتأثّروا  بالمزاج الشعبي العام عند العودة إلى بيوتهم والى أحيائهم.

 الحرب لم تنته بعد

 

 تتخذ الحرب صورة آليّة عسكريّة أحياناً، أو حاجز عسكريّ يمنع حريّة الحركة، وهي أحياناً أخرى حرب على “الوعيّ بالحرب” أصلاً. وجميعها معارك في صراع مستمر منذ أكثر من 100 عام. هي حرب على المصطلحات والمعلومات والمعرفة والثقافة بوصفها فعل سياسي. حرب على إدراك الفلسطينيّ لها تحديداً، ووعيه لأطراف الصراع: وفد إسرائيليّ يزور حديقة الحيوان في قلقيلية.. و”غزّة” إقليم متمرّد كما ينوي الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس إعلانه.  
.. بعد الإجهاز عسكرياً ومعرفياً على النظام السياسي في فلسطين – أي على النخب السياسيّة ــ يستمر المُستعمِر، بحكم وعيه بطبيعة الصراع الوجودي، في السعي لهزيمة ما هو أعمق وأكثر انتشاراً، وما تتأسس عليه النخب السياسيّة ويشكّل قاعدتها ومنه تشتق شرعيّة وجودها: المجتمع.

* باحث من فلسطين

:::::

“السفير”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.