الانتصار في دير الزور مفصلي اسطوري، امين محمد حطيط

بعد ان فشلت قوى العدوان على اميركا في تحقيق الهدف  الرئيسي من عدوانها  باسقاط سورية ،تفتق ذهن استراتيجييها و خبرائها و مخططيها و اتجهوا الى المنطقة الشرقية في سورية لاقامة منطقة الفصل و العزل المحكم بين العراق و سورية  وتاليا فصل محور المقاومة بشرقه عن غربه و قد كانت الخطة الاميركية تقوم على عناصر ثلاثة الاول تجهيز قوى محلية تنفيذية و الثاني نشر القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة لحماية الاولى و تدريبها و الثالث اخراج من تبقى من قوات سورية و حليفة من كامل المنطقة و منعها من الاقتراب منها تحت اي طائل حتى و لو اقتضى الامر التدخل العسكري الاميركي المباشر .

و في المقابل وضعت القيادة السورية مع الحلفاء خطة معاكسة تقوم على عناصر ثلاثة ايضا الاول التشبث بالارض في المنطقة حيث كانت هناك قوى تدافع عنها ،لا بل و تعزيز تلك القوى ان امكن ، الثاني احداث اختراقات للوصول الى الحدود العراقية مهما كان الثمن ، الهجوم المحضر و الممنهج لطرد داعش من المنطقة و حرمان اميركا من ذريعة وجودها و تدخلها فيها .

و راح كل فريق من المعسكرين يعمل على تنفيذ خطته الهجومية او الدفاعية بما حضر لها وبما اوتي من ارادة و عزم لانجاحها و قد كانت الخطة الاميركية واضحة تنفيذيا و سهلة الاعمال بالنسبة للمعتدي مع وجود طيران اميركا و التحالف غير المشروع الذي تقوده. و احتضان اميركا ل”قوات سورية الديمقراطية” و تشكيلها و تدريبها لقوات محلية في البادية ثم انطلاقهافي بناء ارخبيل القواعد العسكرية التي بلغت من شمال سورية الى جنوبها قرب الحدود الشرقية عند التنف عشر قواعد متفاوتة الحجم و الاهمية و لكنها تشكل نواة المنطقة الفاصلة ، ثم كان القرار الاميركي الوقح  الذي كشف لاي اعمى و مضلل حقيقة الوجود و التدخل الاميركي في سورية ، قرار باستهداف الجيش العربي السوري مباشرة حيث قصفت مواقعه في المنطقة لاخراجه من دير الزور ، و قصفت طلائع قواته لمنعه من التقدم الىى التنف ، و اسقطت طائرة حربية سورية لمنعها من تقديم الاسناد الجوي للقوى المتقدمة في ريف الرقة الجنوبي . تصرف جعل مسرح العمليات في المنطقة الشرقية و بكل وضوح ميدانا لمواجهة بين قوى تقودها اميركا و قوى سورية مدعومة بالحلفاء و قوات رديفة.

لم توفر اميركا في حربها العدوانية في فصلها الشرقي ذاك وسيلة الا و استعملتها ضد سورية و حلفائها و بالتالي كان على القوى في معسكر العدوان على سورية ان تعمل باقصى درجات الحذر و الاتقان و الوعي لافشال الخطة الاميركية خاصة و ان مجريات الميدان جعلت المواجهة في تلك المنطقة بمثابة المعركة المفصلية شبه الاخيرة التي على ضوئها سيحدد من ربح الحرب حقيقة و من خسرها و حجم الربح و الخسارة في سورية و منها في المنطقة كلها .

 و لان لهذه المعركة مثل هذه الاهمية راينا كيف انه و لاول مرة سمحت لا بل وجهت قيادة حزب الله قائدا ميدانيا فيها بان يخرج على الاعلام و يقول ما قال عن حصار دير الزور و الثبات فيها و عن معركة فك الحصار عنها و عن مطارها حيث كان على راس قوى من المقاومة يعملون الى جانب الجيش العربي السوري كتفا بكتف لمنع اميركا من النجاح في خطتها .

و الان و قد ربحت سورية و حلفاؤها المواجهة و حسمت المعركة لصالح معسكر الدفاع ضد معسكر العدوان الارهابي فان السؤال الذي يطرح و سيشغل اهتمام الخبراء و المختصين سيكون حول امرين اساسيين الاول متصل بطبيعة هذه النصر و الثانية كيف تم تحقيقه ؟

و في الشق الاول من التساؤل نقول ان النصر في دير الزور هو نصر من طبيعة استراتيجية واضحة المعاني و انه ذو اركان عملانية مؤكدة و انه مفصلي  من طبيعية مركبة و انه يستجمع شروط النصر المستقر غير القابل للنقض او الافساد و هنا تكمن الاهمية القصوى لهذا النصر ما يجعله مختلفا عن بعض ما تحقق من انتصارات سورية خلال السنوات السبع الماضية من العدوان .

فمن الناحية ا ستراتيجية فان فك الحصار عن دير الزور و ما سيعقبه من اندفاعة القوى باتجاه الحدود العراقية عند البوكمال يعني السقوط النهائي للخطة اميركية في ورية عامة و في المنطقة الشرقية خاصة و تاليا فراغ اليد الاميركية من اوراق استراتيجية اساسية كبرى يمكن لعبها ضد وحدة سورية و قرارها السيادي المستقل ما سينعكس حتما على اي مقاربة سياسية و في مكان للبحث في مخرج من الازمة ، اما من حيث الطبيعة المركبة لهذا الانتصار فاننا نجد فيه انتصارا دفاعيا و انتصار هجوميا متلازمين يصنعان على مسرح عمليات و ميدان واحد و قد يتنافسان في الاهمية و التاثير العام .

فمن الناحية الدفاعية سيشغل الباحثون كثيرا في مسالة ثبات قوى محاصرة حصارا بريا محكما في بقعتين جغرافيتين ضيقتين ( مطار دير الزور و الاحياء الغربية من المدينة ) و منفصلتين الواحدة عن الاخرى و كذلك في خطة تموين هذه القوى من الجو من قبل قيادتها في دمشق و كيف نجح المحاصرون الثابتون دفاعيا  في  كسر موجات الارهاب عليهم و كيف نجحت القيادة و الجهة المولجة بالتموين في امداد القوى المحاصرة بما يمكنهم من البقاء .

اما من الناحية الهجومية و هنا بت القصيد ، فان الباحث بالهجوم سيكون ملزما في البدءبالانطلاق  من نقطة اساس هي تحرير تدمر ، تدمر التي شكل تحريرها مفتاح البادية و مفتاح استعادة المنطقة الشرقية و بالتالي ان معركة فك الحصار عن دير الزور تبدا من يوم تحرير تدمر هذا التحرير الذي فتح الابواب امام الجيش العربي السوري و الحلفاء باتجاه الشمال و الشرق و الجنوب و رسم الخط البياني الجديد لمستقبل المواجهة .

اما وصف الانتصار بالمستقر و الثابت فمرده الى ان هزيمة داعش في المنطقة و محيطها يمكن وصفه بالهزيمة التامة نتيجة الانهيار الميداني الذي اقتيدت اليه و الذي اقترن او استبق بانهيار ادراكي معنوي سجل في الاشهر الثمانية الاخيرة التي لم تستطع خلالها داعش ان تصمد في معركة او تشن هجوما ناجحا.و بهذا  صنع النصر الاستراتيجي المدوي في دير الزور الذي جاء نتيجة منطقية و حتمية لما يلي  :

  • ابداع في التخطيط للمعركة ما جعل المعسكر الدفاعي يعمل وفقا لخطة عملانية محكمة وضعت بروية و بعد نظر دونما عشوائية او استعجال خطة شكلت وجها من وجوه الابداع العسكري الذي سيحتل موقعه في العلوم العسكرية و الاستراتيجية .
  • انتصار في الحرب النفسية التي لجأ اليها العدو بعد ان صورت داعش بانها اسطورة لا تقهر وفي المواجهة  في الميدان تبيينت حقيقتها بانها  تهزم و تسحق اذا واجهت من يقاتل باحتراف و شجاعة ويريد ان ينتصر و بهذا يكون محور المقاومة و في اقل من عقدين حطم اسطورتين غربيتين اسطورة اسرائيل و جيشها الذي قيل انه لا يقهر فمرغ في الجنوب و  اسطورة داعش التي قالت اميركا ان هزيمتها تتطلب 30 سنة او اقله 10 سنوات .
  • ابداع في العمل العسكري الميداني و شجاعة في الاداء و احتراف في المناورة مكن من الاقتصاد في القوى و خفض مستوى الخسائر فضلا عن الاقتصاد بالوقت .

:::::

“الثورة”، دمشق

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.