ما وجوه العدوان الأميركي الراهن وكيفية الرد عليها؟ العميد د. امين محمد حطيط

لم يعد بمقدور اميركا رغم ما تملك من قوة الخداع والتعمية، التغطية على سياستها العدوانية التي تستهدف الاخر اي يكن هذا الاخر، وكذلك لم يعد بمقدورها خداع أحد بما تقوم به ضد الشعوب والدول خدمة لمصالحها الانانية او احيانا خدمة لمصالح من ترى فيهم او تصفهم بالشريك او الحليف الاستراتيجي، رغم اننا لا نثق ولا نصدق بان لأميركا شركاء الحلفاء فكل من تتعامل معه اميركا تنظر اليه بعنوان من اثنين اما تابع ملحق او عدو وخصم مستهدف حتى يتبع ويلتحق.

وبهذه النظرة صنفت اميركا دول وشعوب منطقة غربي اسيا فكان من الادوات من وضعت في مقدمتها ما يسمى الدول العربية الخليجية ومنهم الاعداء وعلى راسهم إيران وسورية وحزب الله، القوى التي انتظمت في محور المقاومة لسياسة الاستتباع والاستعمار والاغتصاب التي تمارسها اسرائيل واميركا معا ضد المنطقة.

وفي هذا السياق وبعد ان اخفقت اميركا طيلة 7 سنوات من اخضاع سورية ومحور المقاومة، وعجزت حربها الارهابية عليهم من تحقيق اهدافها الاستراتيجية في المنطقة يبدو ان اميركا تتجه الان الى اعتماد سياسة انتقام وضغط مركب تهدف منه الثأر لفشلها اولا ومنع الاطراف المقاومة من استثمار نجاحها في منع العدوان من تحقيق اهدافه ثانيا، ثم امتلاك اوراق ضغط تمكن اميركا من الدخول طرفا في تسويات سياسية هنا وهناك من شانها التعويض على خسارتها في الميدان.

وهنا يطرح التحدي الكبير على محور المقاومة وحليفته روسيا، تحدي فيه السؤال: كيف يكون الرد على اميركا لمنعها من ان تحقق بسياسة الانتقام والضغط المركب ما عجزت عن تحقيقه في الميدان بالإرهاب والعقوبات المتعددة؟

ان مقاربة هذا الامر تبدا اولا من تحديد ما تقوم به اميركا ضد الاطراف  المستهدفين ، و هنا نرى ان المستجد او المتجدد في السياسة الاميركية حيالهم يتمثل بتهديد ايران بإلغاء الملف النووي او انسحاب اميركا من الاتفاق الدولي حول ما اسمي الملف النووي الايراني مع ما يعني عودة الى سياسة العقوبات و الحصار و حجز الاموال الايرانية الخ … إضافة على التعامل بكيدية و استفزاز للحرس الثوري ، و بالنسبة لحزب الله ، يبدو ان السلوك الاميركي قائم على فرعين الاول مالي و الثاني سياسي ، و بمقتضى الاولى تتخذ اميركا التدابير التي تدعي بنها تجفف مصادر حزب الله المالية ما سيؤدي حسب زعمها الى التضييق عليه و تراجع قدراته العسكرية ، و الثاني الضغط السياسي الذي يؤدي الى حرمان حزب الله من الحلفاء و الاصدقاء و المؤيدين داخليا و خارجيا ما يؤدي بزعم اميركا الى ضموره و ضعفه .

اما سوريا فان السياسة الاميركية الراهنة تبدو في 3 اتجاهات الاول تأخير اتمام المعركة ضد الارهاب الى الحد الاقصى الممكن ، و لأجل ذلك اسقطت اميركا كل الأقنعة التي اختفت خلفها او اخفت بها علاقتها الاستراتيجية و البنيوية مع داعش و باتت اليوم في وضع من يقود داعش و يحدد لها علانية مهامهما و يسندها في التنفيذ، و الثاني يقوم على تشجيع الاكراد السوريين في مسارهم الانفصالي ، و الثالث عرقلة العملية السياسية على اتجاهيها في استنا و جنيف على حد سواء مع التظاهر الكاذب بالحرص على العمل السياسي حلا للازمة السورية  . وتبقى روسيا التي لها نصيب وافر من الكيدية والاستفزاز الاميركي الذي يعرقل السياسية الروسية في سعيها لإيجاد الحل للازمة السورية وللحرب على الارهاب بشكل عام.

هذا ما تقوم به اميركا راهنا ويضاف الى الكثير من الاعمال العدائية والكيدية السابقة التي يحفظها المتابع عن ظهر قلب، وهنا نعود الى السؤال الرئيسي هل ستكتفي اميركا بما تصنع الان وهو ما يستوجب صياغة الردود والمواجهة على هذا الاساس اما ان في الامر ما تخفيه وما يستوجب الاحتياط والحذر منه؟

في دراسة لما يمكن لأميركا صنعه في ظل الوضع السائد نكاد نقول ان اميركا باتت في خياراتها في منطقة ضيقة للغاية ولم يعد بمقدورها التصعيد   للذهاب للحرب المباشرة وفتح الجبهات وارسال الجيوش، فالحالة الذاتية الراهنة لأميركا تمنعها من اي مغامرة عسكرية ضد اي كان خاصة إذا كان الطرف المستهدف يملك قوة ميدانية تمنع اميركا من حسم المعركة ضده في مرحلة اولى ثم ينزل بأميركا خسائر تجعل ثمن العدوان باهظا. وبالتالي نقول لو كانت اميركا جاهزة لحرب في غرب اسيا او في شرقها لكانت فعلت في العام 2013 او كانت شنت العدوان على كوريا الشمالية التي حطمت بتحديها النووي الهيبة الاميركية وسفهت كل ما صدر عن ترامب من تهديدات.

فأميركا المقيدة في موضوع شن حرب وفتح جبهات الجيوش التقليدية تناور في المواضيع التي ذكرت ما يفرض مواجهتها ومنعها من الحصول على المكاسب التي تبتغيها، واهم ما في الرد المعول عليه ومن قبل الجميع فرادى ومجتمعين هو التصرف بشكل يوحي لأميركا انها لن تكون لها الهيبة التي تصرفها نفوذا وتسيلها مكاسب مهما كانت أنواع تلك المكاسب وحجمها يجب ان تشعر اميركا ان من قدم التضحيات وصمد وانتصر لن ينقاد او يرضخ لها مهما ضغطت ومارست الاعمال الانتقامية. اما في التفصيل فنرى:

ان ما يقوم به حزب الله من عدم اكتراث بالعقوبات الأميركية والتضييق المالي او محاولة الحصار السياسي عليه، ان ما يقوم به في هذه الصدد ومع الاستمرار في الخط البياني التصاعدي لتراكم القوة العسكرية وممارستها على قاعدة ” نكون حيث يجب ان نكون”، ان في ذلك من الرد ما يكفي لأشعار اميركا ان اعمالها العدائية ضد الحزب ستكون جوفاء بذاتها، ولن تغير من مسار الحزب في الشي. ويبقى على جمهور لمقاومة واجب الالتفاف عليها وتحصينها امر لا بد منه حتى تشعر اميركا ان الحزب لن يتألم من تصرفها وان تدرك ان شيئا من أوضاع الحزب لن يتغير.

اما إيران فان سياسة الحزم التي تبديها حيال التهديدات لأميركية والبدع التلفيقة ضدها، توحي بانها وضعت لكل احتمال من احتمالات التصرف الأميركي حلا، فان بقيت اميركا في دائرة التلويح بالإلغاء والتهديد به من اجل الابتزاز تستمر إيران بالرد بنفس الطريقة دون خضوع او استجابة و هذا ما يفهم من موقف الحرس الثوري الإيراني  الذي يبطن تهديدا شديدا جدا ضد الكيد الأميركي ، وان الغت اميركا او خرجت من الاتفاق النووي كليا فان إيران لا يمكن ان تتعامل مع الموضوع جزئيا، لان الاتفاق ينفذ كله او يسقط كله وعلى الأمم المتحدة ومجلس الامن التصرف حيال الإصغاءان سياسة العين الحمراء هي الدواء المناسب للصلف الأميركي .

وتبقى المواجهة الأساسية الدائرة في سورية مع المحور ككل ومعه روسيا الحليف له مواجهة تتركز بشكل خاص في وسط المنطقة الشرقية على الحدود مع العراق ما بين التنف ودير الزور، حيث تنظر اميركا الى المنطقة هذه بانها الورقة الأخيرة التي يمكن ان تلعبها في سورية. وهي بالفعل تناور فيها على وجوه ثلاثة الأول الاحتفاظ بمنطقة في محيط التنف لتمكين داعش من القيام بعمليات إرهابية بقصد العرقلة والتأخير ومنع الجيش العربي السوري من الاستقرار في مناطق استعادها في البلدية، والثاني في مثلث دير الزور البوكمال الحدود العراقية لمنع الجيش العربي السوري من استعادة المنطقة، والثالث مواجهة محدودة ضد الجيش العربي السوري وحلفائه باستهداف ناري لعرقلة تقدمه.

حيال هذه السلوكيات نرى ان معسكر الدفاع عن سورية مضطر للقيام بعمليات نوعية تطيح بأهداف السياسة الأميركية، وذلك عبر التقدم السريع والمدروس والإمساك بكامل الحدود من التنف الى البوكمال ربطا بدير الزور وكامل المثلث شرقي النهر في المنطقة الوسطى لأشعار اميركا بان سورية مصممة على استعادة السيطرة على ارضها ولن تترك لاحد مجالا للسيطرة والابتزاز والمناورة. ما يعني وجوب سد الثقب الأسود في التنف على حد الوصف الروسي، ووجوب قطع الطريق على أي كان للامساك بمعبر البوكمال. اما سياسيا فان ما تحقق حتى الان ينبغي البناء عليه لأفهام اميركا ان المنتصر لا يقدم جوائز ترضية للمعتدين.

:::::

“الثورة”، دمشق

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.