التطبيع/استدخال الهزيمة أداة الثورة المضادة: نماذج: بليخانوف أدورنو، سعيد، حبيبي…، د. عادل سمارة

 

(هذا على هامش استضافة مؤسسات بيروتية تقول بالمقاومة وتعمل تطبيعيا وتكابر  حيث استضافت المطبع محمد بكري أحد حواريي عميد التطبيع إميل حبييبي)

تستدعي المواقف بعضها تاريخياُ، ويترافق مع تيار الثورة تزامناً وجغرافياً تيار الثورة المضادة، وما بينهما يتواجد تيار ثالث/الطابور السادس الثقافي الذي  يبدو رديفاً لتيار الثورة بينما هو  عملياً أداة للثورة المضادة، إنه ” الهالوك”.

ولأن الحديث عن التطبيع هنا ليس محض أكاديمي، نكتفي بوقائع محدودة عدداً وزمانا، جوهرها هو الطابور السادس الثقافي في مواقع مختلفة من العالم.

لكن هناك ملاحظتين لا بد من البدء بهما:

أولاً: رغم أن الكيان اغتصب فلسطين إلا أنه من جانبه رفض باكرا وحتى اليوم أي تطبيع مع صاحب الأرض، شعبنا أنظر ص 12 من (  The Other Israel edited by Are Bober, Anchor 1972)

معلنا أنه بموجب وكالة ربانية يملك وطننا.  وبالتالي يعتبر اي سلام طبعة من الحرب.

ثانياً: أن الفلسطينيين والعرب تورطوا في تطبيع متعدد ومجاني مع الكيان. (انظر، اللاجئون واستدخال الهزيمة :قراءة في تخليع حق العودة، عادل سمارة، منشورات دار الكنوز الآدبية، بيروت 2001 )

وعليه، فإن التطبيع/استدخال الهزيمة قد تمترس في كثير من البُنى الفلسطينية والعربية، مما يجعل مواجهته معركة مريرة. ولعل ما يوضح ذلك، حين يكون الموقف من التطبيع تشكيل لجان او صياغة نصوص نظرية فكرية مجردة فهو أمر سهل، لذا يكثُر من يكتبوها وبسقف عالٍ شكلانياً . ولكن يبقى الفيصل في الموقف العملي سواء لعدم قبول التطبيع او مواجهته.

تفيد تجارب الشعوب أن الفيصل هو: حين يخوض الشعب حربه الوطنية القومية او الطبقية، ويتفجر الحراك الثوري يتحول فريق من المثقفين إلى فريق إحباط باسم العقلانية وهو ما نطلق عليه الطابور السادس الثقافي . بينما المثقف الثوري النقدي المشتبك يقف مع الثورة حتى لو كان يرى مصيرها الصعب. بمعنى انه طالما تفجرت الثورة فلا بد من الانخراط فيها، الوقوف إلى جانبها. ذلك لأن الثوري يرى كل تجربة ثورية مقدمة لأخرى وصولا إلى النصر النهائي والتاريخي. بكلمة أخرى فإن ما نود الإشارة إليه هو أن نبين بأن  تيار الإحباط ليس تياراً تاريخياً بل عابر في التاريخ.

ولأن في فلسطين كثير من التيارات التي تزعم أنها شيوعية وهي تزخر بالانتهازيين والمترددين والمُباعين، فإن إيراد أمثلة من التاريخ على هؤلاء وضدهم أمر مناسب في موقفنا اليوم ضد تيار التطبيع / استدخال الهزيمة من جانب اليسار خاصة.

نكرر هنا أن تيار التطبيع في فلسطين خاصة، هو ضخم وقديم وهو تطبيق على الأرض سواء بعضوية الكنيست أو الاعتراف  بالكيان او باستهلاك منتجات الكيان والغرب الرأسمالي  الداعم له. إن التطبيع داخل في الحياة اليومية للناس دون أن يدركوا ذلك. لقد تم تمرير التطبيع عبر تنظيرات خبيثة تحت يافطات اليسار والشيوعية والماركسية ومن جانب البرجوازية تحت يافطة السلام، ومنظمات الأنجزة …الخ وهو ما خُدع به الكثير منا، إلى أن كان الوصول إلى الوعي العميق والنقدي. ضمن هذا التمويه كان استدخال الهزيمة يتسع ويستشري إلى أن اصبح التطبيع…عادياً، تحمله انظمة ومثقفين ورجال ونساء…الخ. لذا، لا غرابة أن تكون المهمة صعبة. وكان أشهر ضحاياها الفنان الكبير ناجي العلي حيث أُغتيل  يوم 22 تموز 1987 في لندن.

مواقف كنماذج تاريخية:

قبل اشتعال كميونة باريس 1871 بستة اشهر كتب ماركس: “إان الانتفاضة ستكون ضربا من الجنون” ، حيث كان يعرف ميزان القوى والجاهزية الشعبية. و لكن في 12 نيسان 1871 أي إثر اشتعال الانتفاضة،  كتب ماركس إلى كوغلمان :

“… أية مرونةـ اية مبادرة تاريخية، أية مقدرة على التضحية عندهؤلاء الباريسيين ص 88، “أن التاريخ لم يعرف حتى الان مثالا على بطولة كهذه… الباريسيون الجريئون حتى الجنون ” المستعدون لاقتحام السماء””… الهجوم ، ينبغي الهجوم اطلاقا! ” كان ينبغي الزحف فورا على فرساي…”

ولنقارن موقف ماركس المثقف المشتبك مع موقف بليخانوف المثقف المتردد من ثورة 1905 في روسيا،

” في تشرين الثاني نوفمبر1905 قبل شهر من بلوغ الموجة الثورية الروسية الأولى ذروتها ، لم يحذر بليخانوف البروليتاريا  بحزم،  بل انه ، بالعكس ، حدثها بوضوح عن ضرورة تعلم استخدام السلاح والتسلح. ولكن بعد شهر  واحد، حين بدأت المعركة، لم يحاول بليخانوف قط تحليل اهميتها  ودورها  في مجرى الاحداث  العام، وصلتها بأشكال النضال التي سبقتها، انما اسرع يظهر نفسه بمظهر  المثقف النادم  قائلا: “ما كان ينبغي حمل السلاح” .

هكذا تكون الانتهازية المحتمية بالثورة، وحين العمل يتحول هؤلاء إلى آلةٍ  إحباط.

للمقارنة، فإن المثقفين التطبيعيين الفلسطينيين أدانوا استخدام السلاح في الانتفاضة الثانية ويدينوه حتى اليوم وخاصة العمليات الاستشهادية. ومن أبرز هؤلاء إميل حبيبي الذي حتى الانتفاضة الأولى السلمية وصف بيانها رقم 38 بأنه بنفس نمرة حذائه!!! ولا يدري المرء على أي مخزون قوة يرتكز هذا الخطاب البغيض سوى قوة الكيان الصهيوني!

ولننظر ماذا قال إميل حبيبي ، بعد أكثر من قرن على كميونة باريس وهو ايضا الماركسي لنرى إن كان حفيدا لماركس أم لبليخانوف، وهذا مهم لمعرفة طبيعة التيار الذي يقدس إميل حبيبي سواء داخل حزب راكاح او في الأدب العربي الجاري أو في من يؤيدون المقاومة!!!:

كما فعلت كثير من الأحزاب الشيوعية العربية، وليس كل عضو فيها، وصف إميل حبيبي دفاع الجيوش العربية عن فلسطين في حرب 1948 بالحرب القذرة” مبررا ذلك لأن الأنظمة العربية حينها كانت خاضعة للاستعمار.!!! طريف!!! وهل كانت منظمات الإرهاب الصهيوني غير وليد الاستعمار؟ ثم ما ذنب الجيوش العربية كابناء الشعب في دفاعهم عن الوطن رغم عمالة الحكام؟ ولكن حبيبي وكل أضرابه بقوا معترفين بالكيان رغم اغتصاب الوطن وما تبعه من مذابح وحتى اليوم.

يقول إميل حبيبي في فيلم “باق في حيفا”، “أنا تعلمت أن لا أضحي بنفسي بلا طائل”.

هذا أوضح تشخيص لحالة من استدخال الهزيمة، أي لا شيء يستحق التضحية لا وطن ولا من يحزنون . هذه هي النرجسية التامة والمكتملة. فهي في الخطاب “شيوعية ومع الطبقة العاملة والاشتراكية…الخ، وفي الممارسة، ليست سوى القول: أنتم الفقراء حطب الدفاع  لنبقى نحن النخبة المثقفة!

 

في السياق نفسه تأثر، بل انطبع ، إدوارد سعيد بميخائيل أدوررنو الفيلسوف من مدرسة فرانكفورت الوسطية، المحض ثقافوية، التي تتحدث ثقافيا عن الثورة وتقف ضدها حين حصولها. لذا حينما انفجرت الثورة الطلابية في اوروبا 1968، وكان أدورنو وهو من مدرسة فرانكفورت أحد المنظرين للثورة، إلا انه حينما تمرد طلبته اتصل بالشرطة لاعتقالهم؟ وأثناء ذلك مر أحد طلبته أمامه وهو مقيد اليدين مع الشرطة، فنظر إليه ولم يتكلم! كيف لا، وقد انحط فيلسوف الثورة الورقية إلى مخبر للشرطة!  بينما الماركسي هنري لوفيفر أعطى مكتبه للطلبة ليكون مكتبه غرفة عمليات الثوار.

يقول سعيد عن أدورنو: “…إن فكرة الوطن-منزل قد تلاشت في القرن العشرين…المثقف حالة منفى دائم، يراوغ القديم والجديد ببراعة /لا يستريح في أي مكان، يَحوْل، كما يميل أدورنو للقول دون أن يُفهم بسهولة ومباشرة” إلى أن يقول: “… أنا آخر مثقف يهودي، أنا الحواري الحقيقي لأدورنو، أنا يهودي-فلسطيني”.

حبذا لو ان سعيدا لم يرحل ليرى كيف تجري محاولة تحويل سوريا إلى رماد!!! بينما من يدمرون سوريا، لم تتلاشى عندهم ابدا فكرة اوطانهم،  يحاولون بأيدهم القذرة مسح اوطان الآخرين!

يكفي ان نتسائل، هل فكرة الوطن لستة ملايين مشرد فلسطيني قد تلاشت؟يمكن ان تتلاشى لأستاذ كرسي في جامعة كولومبيا  ولكن ليس للذين في مخيمات اللجوء لسبعة عقود.

 

يرى إميل حبيبي:

“…  أن الشعب الفلسطيني لن يمض في سبيل المغامرة، فالناس التي تريد أن تعمل وتعيش وتتوالد لا تقبل سبيل المغامرة؟  لذا، الوطن عند إميل حبيبي، البيت؟ إناء الغسيل؟ نداء بائعة اللبن؟ رنين جرس بائع الكاز؟”

هذه الصورة هي ما يدور في ذهنية من اختار التطبيع مع الواقع المفروض، فرأى أن النضال مغامرة، ومارس الحياة اليومية ناظرا لها من موقف فرد في قطيع.

 في عمله بعنوان “تموت الحمير وتحيا الزريبة”، (يقول الحرب لا تعود، الحرب تجيء). يمكنك أن تستنتج أنه يرى التضحيات سلوك الفقراء  ويشبههم بالحمير، ويبقى الوطن كزريبة، ويكون هو المثقف الفوقي صاحب الزريبة!

هذا إلى أن يصل إميل حبيبي في حوار “أنا هو الطفل القتيل” حيث يرى العمليات الاستشهادية مثابة عقل أناس في مرحلة الطفولة فاصلا ذلك عن ان هذه العمليات هي وعي عميق يتم اللجوء إليها في لحظة هبوط السقف المقاوم لتكون رافعة له.(أنظر  كتاب المثقف المشتبك والعمليات الفردية: روافع لتجاوز الأزمة، عادل سمارة، 2017)

 

لا يختلف تلميذ إميل حبيبي ،السابق، عن استاذه ، فقد كتب عزمي بشارة عن الصهيونية:

” تعودت ان اراها كحركة استعمارية بذاتها او جوهريا، ولكن من خلال قراءاتي للآدبيات الصهيونية، فأنا متأكد أنها أكثر تعقيدا، من ذلك، فهي تنظر لنفسها كحركة نهضة، كحركة تحرير، ولذلك فإنها في  حالة توتر بين تصوراتها لنفسها وبين ممارساتها”. ( أنظر تحليلا موسعا لكل هذه الظواهر في: قراءة مختلفة لاستحقاق أيلول، من الحياة مقاومة الى الحياة مفاوضات ، عادل سمارة في

(كنعان 147 خريف 2011 ص ص 85-85) والإلكترونية 2716، 2718، 2720، 2723 و 2724

بهذا التقعُّر باللغة يلتف بشارة على حقيقة اعتباره الكيان واقعا يجب التسليم به.

هناك كثير من المثقفين وحتى القوى الفلسطينية الذين يمارسون التطبيع عبر المسألة القانونية، أي الحديث عن التمييز الصهيوني بين عربي ويهودي، وعن أن الكيان ابرثايد، وعن اللجوء للمحاكم الدولية، وصولا إلى ما يسمى المقاومة السلمية التي يصعب تعريفها !!!ويعتمدون هذه الأساليب فقط.

هذه الحالة تستقيم مع المصطلح الذي نحته هارولد ولبي في جنوب افريقيا “المثقف التشريعي Intellectual-as-legislator[1] ، الذي يدخل في نسيج التشريع للنظام السياسي ويعتمده ك “نضال”، أو كما يقول الفلاح الفلسطيني عن المطواع من لا يخالف شيئاً: ” يمشي في الثلم- اي عند حراثة الأرض”. وهذا ينطبق على مثقف إدوارد سعيد “الانتقائي والمراوغ”.  

نخلص للقول بأن التطبيع، وإن سرى في دماء كثيرين/ات، إلا أن الفترة الأخيرة تشهد نهوضا مضادا للتطبيع. ولا أدل على ذلك  الاشتباك المديد الذي حفَّزه البيان الذي اصدره مثقفون ومناضلين من الأردن وفلسطين وأقطار عربية أخرى ضد مؤسسات في لبنان دعت أحد المطبعين من الأرض المحتلة.

ولعل المفارقة الفارقة أن تطبيعاً يقوم به فلسطينيون/ات  وآخر طبعة له ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرنوت” الصهيونية عن معسكر في أمريكا بعنوان “الإبداع من أجل السلام”، إلى جانب مسيرة نساء من الكيان وفلسطينيات في أريحا مؤخراً.

 

يقابله بالتضاد نشاط التصدي للتطبيع من المغرب حيث طُرد وزير صهيوني من برلمان البلاد وذلك في مواجهة مع برلمايين آخرين دعوه، والحقيقة أن هذا التصدي هو تصدٍ للعرش هناك الذي له في التطبيع تاريخ طويل.

لعل العبرة في هذا التضاد بأن العرب كشعب يدركون بأن من يمثل فلسطين ليس الطابور السادس الثقافي ولا السياسي،ليس المطبعون ، بل تمثلها الطبقات الشعبية فلسطينية  وعربية وقواها الحية، وبالتالي هذا هو المدخل لشطب المقولة الخبيثة من البرجوازيات العربية: “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون”.

[1] MICHAEL BURAWOY, FROM LIBERATION TO RECONSTRUCTION: THEORY AND PRACTICE IN THE LIFE OF HAROLD WOLPE. ARTICULATIONS: A HAROLD WOLPE MEMORIAL LECTURE COLLECTION 3. FROM LIBERATION TO RECONSTRUCTION: THEORY AND PRACTICE IN THE LIFE OF HAROLD WOLPE. 22 JULY 2004

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

 

اترك رد