التطبيع النسوي نتاج بنية معممة لا حالات فردية، حنين نصار

ان نظرة سريعة على ما يسمى بموقع التواصل الاجتماعي وردود افعاله المتنوعة والمرتبطة بأحداث المسيرة النسوية للتطبيع، تذكرنا بواقع الثورة الفلسطينية عام 1936 حين كثفها الشهيد الاديب غسان كنفاني بدراسته عن الثورة “من يقاتل لا يقود ومن يقود لا يقاتل”، فلكل منا منهجيتهُ حول كيفية ونوعيه قتاله ضد الاحتلال ، ولكن للأسف الامور تقاس بخواتمها، ما يضعنا امام مفترق طرق حاد؛ ما هي نوعية القتال وكيفيته التي تجدي بنظرية دحر الاحتلال والتحرر بشكل نهائي وانشاء بنية اجتماعية ثقافية ترفض كافة اشكال الذل والهوان وبالتالي تعمل قلبا وقالبا لدحر الاحتلال وانشاء دولة بكامل سيادتها وحدودها على كافة التراب الفلسطيني، او تلك التي تدعونا للتعايش مع الواقع بشعار “الواقعية” وبالتالي التعايش معه وانشاء بنية ثقافية اجتماعية سياسية هشة تدنو بنا الى تقبل الواقع الذي فُرض علينا.

 وعليه  هل الفكرة رفض فكرة التطبيع  والتي هي بحد ذاتها خيانة بحسب تعاليم الثورة الشعبية، ام الانزلاق نحو تسفيه مفهوم التطبيع باعتباره نهج سياسي فردي وبالتالي الترصد والذم بالأشخاص او المؤسسات الذين شاركوا في تلك المسيرة غاضين النظر عن البنية التي أسست لتلك الاحداث التطبيعية، فالتعامل مع القضايا السياسية يجب ان يتم من خلال او عبر وعي سياسي وليس الا!!

ان ما لشهدناه من حادثة أليمه على كافة افراد شعبنا وخاصة من قدم منهم الغالي والنفيس على مذبح الحرية والاستقلال، عدة مناحي تقودنا الى اعادة التفكير مراراً وتكراراً في دور مؤسساتنا الوطنية والنسوية والحزبية، فموضوعة التطبيع بحد ذاتها خيانة لا يختلف عليها اثنان من ابناء الشعب الفلسطيني خاصة او العربي عامة (اذ ما رأينا ذلك في عدة من الدول العربية منها الجزائر والمغرب مؤخراً  في حادثة طرد المتحدث بإسم الكيان الصهيوني)، فقد نشأنا ونحن نردد عبارة القائد الفلسطيني أبو على اياد  ” اخشى ما اخشاه ان تصبح الخيانة وجهة نظر ” ولكنها منذ قوله ذاك لم تزل الإشكال الذي لم يستطع شعبنا التخلص منه منذ انطلاق ما سمي (مؤتمر مدريد) وصولا الى توقيع اتفاقية اوسلو المشؤمة ، والذي بدوره لم يفسد الفكر التحرري السياسي فقط وانما افسد في بنيته التربوية – السياسية، المبادئ الاخلاقية التي نشأ بها شعبنا الفلسطيني، والتي عملت الاتفاقيات السلمية على  افراغه من مضمونه الثقافي المناهض للاحتلال بكافة اشكاله المقاوِم، وبالتالي الغاء البنية الفكرية المقاومة للشعب الفلسطيني.

بناء على ما تعلمناه، من مبادئ شعبية او تربوية او ان شئت سمها بالمبادئ الفكرية، فأن الفرد ابن بيئة خلق وترعرع بها وبالتالي هو ابن البيئة المحلية او المكان الذي انشئ فيه، ابن ذلك الزمان والمكان وبالتالي الفكر، ولعلنا جميعا نختلف إن  كانت تلك التنشئة صحيحة ام لا فعلينا معاً خلق الظروف المناسبة لتنشئة الجيل الرافض لظروف خلق فيها،.

 فعلى بنية المجتمع المحلي بهيئاته ومؤسساته المجتمعية العمل على تهيئة وتنشئة المجتمع ككل من خلال استهداف المجموعات الشابة، والتي هي ما يبني عليها اي مجتمع، فالأفكار الكبيرة تنتظر قوة اجتماعية تحولها الى مشاريع سياسية ثقافية، بما أكده المفكر الشيوعي غرامشي، فالحزب مثقفاً جماعياً. 

بمنطق الارادة الشعبية، لم تتمكن أي حكومة كانت ان تمرر اي نوع من اشكال التطبيع مع محتلها ثقافيا او سياسيا او اقتصاديا، فمثلاً  استهداف الدولة المصرية من قبل الكيان الصهيوني وعقد اتفاقية كامب ديفيد كان من اجل اخراج مصر من دائرة الصراع العربي – الصهيوني، فبرغم توقيع الاتفاقية الا ان الارادة الشعبية ما زالت حتى يومنا هذا ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني بكافة اشكاله، ورأينا امس حادثة طرد الوفد الصهيوني في المغرب والذي يؤكد رغم مرور السنوات ان الارادة الشعبية والتي هي نتاج تنشئة تنظيمية تعبوية مقاومة  هي من تحكم في نهاية الأمر.

لقد أسست الصيغ المتعددة للتسوية السلمية بتاريخها الأساس لبنية ما يدعى اليوم بلجان التعايش مع المحتل، وذلك لتبرير فشل سياق الحل السلمي للقضية الفلسطينية  وخلق سلطة تنصر ذاتها بهزيمة شعبها، وبالتالي اللجوء الى اختراق المنظومة الفكرية الشعبية وهي الاخطر على الشعوب كما قال الحكيم جورج حبش ” قد نخسر جبهتنا السياسية والعسكرية ولكن لا يجوز ان نخسر جبهتنا الثقافية ” فالثقافة اخر قلاع المقاومة كما رددها عبد الرحمن منيف، فلا يمكننا التبرير لمنظمات المجتمع المحلي سواء كانت سياسية او نسوية او اجتماعية فشلها في العمل الدؤوب من اجل  خلق بنية اجتماعية ثقافية مقاومة مناهضة لسياسات الاحتلال او الهيمنة الامريكية بمنتجاتها على المنطقة وتبرير استمرار بقاءها تحت مسمى هيئات مجتمع محلي، فشلت في زرع الثقافة الوطنية الثورية في ابناء مجتمع كان أساس نشوئها هو استهدافهم لتمكينهم ثقافيا وسياسا وثوريا، سعيا وراء التحرر الانساني والاجتماعي، فالمطلوب الان العودة للجذور للعمل بين الاوساط الشعبية وتهيئة بيئة ثقافية واجتماعية مقاومة وليس بيئة استسلامية.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.

اترك رد