(ورقة مقدمة في مؤتمر ـ فلسطين الواقع السياسي الراهن ومتطلبات التغيير.

المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني بين استلاب وتشويه الدور الى التكامل، جدل التحرر الوطني والبناء الاجتماعي. في جامعة بيت لحم 3 حزيران 2011)[1]

مقدمة:

رغم معالجة أكثر من مفكر لمسالة الهيمنة قبل المفكر والمناضل الأممي أنطونيو غرامشي، إلا أن مساهماته أدت إلى شبه حصرية هذه المسألة فيه. ربما كان همَّ غرامشي هو تفسير لماذا أمكن للدولة ومن ثم الإيديولوجيا البرجوازية أن تُبقي على تماسكها رغم الجوهر الاستغلالي لنظامها! ( لماذا صمدت الدولة الرأسمالية، خصوصا في المركز الرأسمالي، رغم التناقضات البنيوية المتأصلة في طبيعة الرأسمالية وما أنتجته وتنتجه من أزمات اقتصادية وسيااجتماعية تمثلت على سبيل المثال بالحرب الكونية البرجوازية الأولى والأزمة المالية للعام 1929 وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية)، وفي هذا السياق ربما ما لم يُعالج هو، أو أحد بعده، المستوى النفسي الذي يمكن قراءة أطروحات غرامشي على اساسه. فمقارباته السياسية والاقتصادية الاجتماعية التي تحلل الهيمنة تشي بفائدة ما من قراءة الأمر بعلم النفس، بمعنى كيف ينعكس التطور المادي، الحياة المادية على الطبقات الشعبية فتتمثل أطروحات السلطة التي تستغلها؟ فالهيمنة لدى غرامشي متركزة في البنية الفوقية، اليس علم النفس ضمنها؟ لكن لهذا مجال آخر.

لكن أطروحة غرامشي هذه بثوريتها ظلت محصورة في النطاق الأوروبي، اوروبا الراسمالية المتقدمة وإلى حد ما المتخلفة ممثلة في أوروبا الشرقية وخاصة الاتحاد السوفييتي عشية وبعد بضع سنوات من ثورة أكتوبر البلشفية. وبهذا المعى كان غرامشي مركزانياً أوروبياً بلا مواربة حيث لم يتطرق، على الأقل في هذا المجال، للعالم الثالث، هذا مع أن كتابات ماركس عن الاستعمار والمستعمرات قد سبقته بكثير ناهيك عن أنه عايش لينين الذي كان أول من تنبه للنظام العالمي،وشاركه في ذلك بوخارين، ببنيته مركز/محيط وأول من تعاطى مع دور المستعمرات وشعوب الشرق في الثورة الاشتراكية، وكونه عاش فترة ما بين الحربين الإمبرياليتين والفاشية في إيطاليا. وقد تكون هذه الكتابات التي افترضت أن يقوم المركز بإعادة خلق/تطوير المحيط على شاكلته هي التي طمأنت غرامشي أن الجنة الموعودة هي في عِبِّ أوروبا فتساوق مع اختزال العالم في أوروبا تحت وهم أنها “سوف تجر، بل سوف ينجر” العالم ورائها! فأي اطمئنان غيبي! وفي هذاالاعتقاد سحب لتطور حيز ما على كل حيز آخر مهما كانت الاختلافات تاريخيا وثقافيا وواقعيا؟ وفي هذا تمهيداً لما نسميه الهيمنة الثالثة. فالأولى هيمنة الدولة البرجوازية في المركز، والثانية هيمنة الطبقات الشعبية في المركز نفسه أما الثالثة، والتي هي هيمنة المركز دولة وطبقات شعبية على المحيط ويتعاون أو حتى استدعاء برجوازية المحيط لههذ الهيمنة، هذه هيمنة مركبة من برجوازيتي المركز والمحيط، هيمنة على الطبقات الشعبية في المحيط لاختراق واحتجاز الثورة العربية الحالية.

لم يشهد غرامشي ظاهرة الأنجزة حتى نسائله فيها، لكنه ركز وطور فكرة المجتمع المدني ومؤسساته ودورها في ترسيخ وادارة هيمنة الطبقة الحاكمة- تعمل مؤسسات المجتمع المدني بالوكالة- وفي حالة الأنجزة تعمل بالأجرة– عن الطبقات الحاكمة في هندسة المجتمعات وترويضها وتوجيهها لمقتضيات ومتطلبات ومصالح الطبقات الحاكمة إن كان ذلك عن وعي أوعن دون وعي)، لكن استخدام أهل المجتمع المدني والأنجزة لأطروحات غرامشي تخولنا مسائلتهم من منظور اطروحات غرامشي نفسها طالما ترتكز قراءاتهم للمجتمع المدني على أطروحاته لا سيما أنهم ليسوا من مدرسته حتى نفترض أنهم يضيفون إلى المعرفة الثورية تطويراً لها. ونقصد هنا تحديداً فك منظمات الأنجزة عن منظمات المجتمع المدني،أي عن الأحزاب والنقابات والجمعيات، واتحاد المرأة والطلاب ومختلف المنظمات الجماهيرية والقاعدية أنه منظمات الأنجزة آتية من الخارج (ما تمت تسميته باللكنة العلمية لعلم الاجتماع البرجوازي بمؤسسات المجتمع المدني المتخطية للقوميات Transnational Civil Society Organizations (حتى ولو بتمويلها وآتية من الأعلى لأنها تبدا بمدي/رة ومكاتب.( وفي هذا السياق نجحت الطبقات الحاكمة في المركز الرأسمالي من حشد وتجنيد مؤسسات مجتمعها المدني واستخدامها لاختراق المجتمعات المدنية ومؤسساتها في دول العالم الثاني والثالث منذ بداية السبعينيات مستهلة ذلك في دول جنوب أوروبا-اليونان،ايطاليا، أسبانيا والبرتغال لحرفها عن تطلعاتها الشيوعية والاشتراكية وجرها إلى مسار الليبيرالية من خلال الصناديق الألمانية التابعة لأحزاب المسيحية الاشتراكية والديموقراطية الاشتراكية. هذا النموذج تم استخدامه لاحقا لاختراق أوروبا الشرقية من خلال السلال الثلاثة لمعاهدة هلسنكي لتقويض اسس الدولة في اوروبا الشرقية وفي الثمانينيات تم نقل النموذج إلى أمريكيا اللاتينبة والفلبين وفي التسعينيات وحتى يومنا هذا يتم التركيز على الوطن العربي)[2].

لذا تعالج هذه الورقة في قسمها الأول أطروحات غرامشي التي بمجملها معالجة لإشكالية الثورة الاشتراكية في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية المتقدمة في حينه، وهذا يعني أن أطروحات غرامشي هي قراءة لمجتمع هذه التشكيلة. فهي تعالج المجتمع المدني والبنية الفوقية والحزب والدولة والهيمنة بمستوييها البرجوازي والبروليتاري. وهي معالجة بهدف رؤية مدى تطابق شروطهاالأساسية مع واقعنا المحلي وذلك من مدخل نقدي /تحليلي للكثير من الخلط المفاهيمي والعملي بين أطروحات غرامشي وبين توظيفها واستخدامها وخاصة محاولات المماثلة بين المنظمات الحزبية والقاعدية ذات النبت المحلي والمنظمات غير الحكومية الأجنبية التمويل حتى ولو كانت محلية.

هذه الورقة إشكالية بذاتها حيث تعالج إشكاليات قاد استخدامها المتواصل إلى تحويلها إلى بديهيات قطعية الأمر الذي نكثِّفه في إشكالية المفهوم وإشكالية الواقع، وما يتمفصل عنه من إشكالية إدماج وخلط المفاهيم إلى درجة يُفهم منها تماثلها، وهي ليست كذلك، أي إدخال مفهوم المنظمات غير الحكومية (الأنجزة) في مفهوم المجتمع المدني والأنجزة في المنظمات الأهلية والقاعدية وإدخال هذه المفاهيم ومن ثم حضورها كبُنى في جدل التحررين الوطني والاجتماعي وهو الجدل الذي لا نُجمع عليه كفلسطينيين، فبيننا من يرى الوطني وقد أُنجز في حدود 1967 وأقل! وحتى الذين يؤكدون على هذا الجدل فمنهم من يوظف المجتمع المدني وحتى الأنجزة في مشروع التحرر الوطني مما يستوجب قراءة دقيقة نقدية ومشتبكة. وهذا لا يستقيم مع المناخ والمبنى النظري الذي صيغ للمجتمع المدني هناك في بلدان المركز وتحديداً أطروحات أنطونيو غرامشي. قد يُجادل البعض: لِمَ لا ننتج منها تطويراً على ضوء واقعنا؟ لا بأس لِنَرَ إن كان واقعنا من القوة بمكان بحيث يحمل المهمة؟

في القسم الثاني تحاول هذه الورقة فيما تحاوله تفنيد الأنجزة وتبيان إن كانت حاملاً لأي من التحررين الوطني والاجتماعي والتفريق بل إيضاح الفوارق الفعلية كما اشرنا بين الحزب والأنجزة ليس على صعيد ما يسمى منظمات المجتمع المدني بل كذلك في الواقع الاجتماعي. إن خلط الإثنين معاً يشكِّل مقتلاً لمبدأ الحزبية، وإظهاراً للأنجزة والمؤسسات الثقافية الاستعمارية الغربية من مجالس ثقافية أو ملحقيات او قنصليات…الخ ناهيك أن منظمات الأنجزة ومَن ورائها يمكن أن تحَّل الأحزاب وتصيبها بالرخاوة والمواربة ولن تملأ الفراغ المتأتي عن ذلك، وهي ليست مرشحة لتحل محل الأحزاب من حيث ولادة ودور ومهام الأحزاب وليست كفؤة لذلك. لذا فهذه العلاقة والتداخل والخلط بين الإثنين مثابة حملٍ مقلق بل مخيف.(تجدر الاشارة هنا إلى أن فكرة اختراق المجتمعات المدنية في العالمين الثاني والثالث جاءت لتفكيك المثلث الحميمي الساخن الذي وصل إلى أوجه في الستينات والسبعينيات من القرن المنصرم والذي ارتكز على الافكار الثورية والمثقفون الثوريين والطبقات الشعبية والذي كان آخذا بالإبتعاد عن المركز الراسمالي ويهدد مصالح طبقاته الحاكمة وكان يحمل بذور فك الأرتباط عنه.

يقوم التحرر الوطني اساساً على القوى السياسية المنظمة تحديداً وعماده الكفاح المسلَّح بلا مواربة وبتخصيص أدق قوامه حرب الغواروصولاً إلى حرب الشعب طويلة الأمد بالسلاح والتنمية والثقافة وتحرر المرأة بما هو أعلى من “حرية” المرأة الممنوحة من الرجل، فهل منظمات الأنجزة مؤهلة لذلك؟ هل ذلك في نيتها؟ ويقوم كذلك التحرر الاجتماعي على القوى السياسية والقطاعات المجتمعية وخاصة الطبقية منها. فهل هذه القوى والقطاعات من الاقتدار بمكان لإنجاز هذه المهمة باقتدار مجتمع مدني؟ أما والتحرر الاجتماعي هو من مهمات منظمات المجتمع المدني، فهل التحرر الاجتماعي من وظائف الأنجزة أخذاً بالاعتبار منشأها وتمويلها؟

قادتنا هذه التساؤلات إلى اكتشاف إشكالية أعمق هي تداخل واختلاط ابعد من مفاهيمي. تداخل بين دور منظمة/مكتب الأنجزة وبين الحزب السياسي،أو تلك المرونة والسهولة التي تحول الحزب إلى انجزة والأنجزة إلى حزب سياسي! هذه فقط من عجائب وإبداعات التشكيلات المشوهة. وتحول المقاومة الشعبية إلى تطبيع، والأكاديميا إلى تخارج ثقافي، والأبحاث الميدانية في الأكاديميا إلى تقارير مطلوب إنجازها حيث أراد وأصرَّ الممول على المكان والموضوع، والممول هنا انجزة أو أكاديميا أو حكومات مباشرة! باختصار، حين تصطف أية مؤسسة ممولة من الخارج إلى جانب القوى الحقيقية المكلفة تاريخياً بالتحررين الوطني والاجتماعي، وحينما ترتبط الأكاديميا بالتمويل الأجنبي بدل أن تكون قاعدة للتعليم الشعبي ومحاورة المضطَهدين، وحين يختلط التطبيع بالمقاومة الشعبية، وحين نشارك في إنتاج روايتنا بالتوازي والتساوي مع رواية العدو عن الوطن…هناك مشكلة[3].

يفتح هذا الحديث ابواباً تتوالد بغزارة، منها احتلال المفهوم أو المصطلح. ليس جديداً أن تقتنص إيدولوجيا مصطلحات من مكونات أخرى ضمن حرب الإيديولوجيات، ولا نقصد تفاعلها أو مراجعة إيديولوجيا ما لموقفها. تمثل ذلك في استخدام المصرف الدولي لمصطلحات التنمية والتنمية المستدامة، أو استخدام أل Overseas Development Agencies ODA، مصطلح التنمية، وهذه اساساً مصطلحات للمدارس واستراتيجيات التنمية والاشتراكية. ولعل أكثر ما أُغتيل من مفاهيم كان مفهوم المجتمع المدني كما صيغ بوضوح على يد غرامشي[4]. أما مفهوم العمل الأهلي فقد خلط الأحزاب الثورية بالمنظمات المختلقة والممولة من المركز الإمبريالي. هذا ما يوجب وقوفا طويلاً حذراً.

طالما نناقش مسألة المجتمع المدني ومن مدخل كونه تراثاً غرامشياً بشكل خاص، فلا بد من البدء بأطروحات الرجل لمعرفة اين نموضع أو نجلِّس ما يُكتب ويُقال اليوم عن المجتمع المدني وهل ما تزال له علاقة باطروحات غرامشي، أم هي أمر آخر؟

I. هل الراسمالية شرط وجود مجتمع مدني؟

بمعزل عن كون الراسمالية، بمفهومها مسيرتها التاريخية وحتى واقعها الحالي، هي توليد التطور في أوروبا، الحداثة الأوروبية، وبمعزل عن الدور الأوروبي في أمرين هامين عالمياً هما:

· تواكب التطور الاقتصادي الاجتماعي في أوروبا، النهضة، مع حقبة زمنية لم يكن فيها مركزاً في العالم قادر على احتجاز تطورها، مما يعزز قولنا فيما يخص الطريق الراسمالي: “لا اوروبا بعد أوروبا “[5]

· استخدام أوروبا القوة العسكرية لقهر العالم وقطع طريق تطور الهند والصين، استكمالاً لقطع تطور الحضارة العربية الإسلامية إلى أنماط إنتاج أخرى وتشكيلات اجتماعية اقتصادية أخرى،

فإن الرأسمالية هي الحقبة التاريخية بمعناها المادي الحي/الاجتماعي الاقتصادي الثقافي والطبقي كذلك الذي تولدت فيه نظرية/ات المجتمع المدني، اي ان مدنية المجتمع في مرحلة الرأسمالية كانت نتاجاً ضرورياً لهيمنة نمط الإنتاج الراسمالي مما يجعل اية قراءة للمجتمع المدني، بالمفهوم الغرامشي خاصة، وحتى بمفاهيم سابقيه، تشترط وجود تشكيلة اجتماعية اقتصادية بهيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي مما يعني وجوب محاكمة أي طرح عن المجتمع المدني ضمن شروط وبمعايير هذه التشكيلة. بل تبين مسألة المجتمع المدني أن الرأسمالية قد قطعت شوطاً في تجليس المجتمع يقتضي هذا التجليس دوراً لقطاعات مجتمعية تساهم في تجليس التشكيلة نفسها، وإن كانت أحياناً معارضة لجوهر التشكيلة، وكونها معارضة، فهي ليست بالشرط والقطع نقيضة، وهذا محور أساسي في تكوين ما يسمى المجتمع المدني.

يثير هذا التقوُّل مسألة هامة وهي: بما أن المرحلة التاريخية للراسمالية قد ولَّدت المجتمع المدني، فهل الرأسمالية حاضنة طبيعية للمجتمع المدني بمعناه الإنساني العام، ام هي حاضنة لمجتمع مدني موظَّفاً/مدجَّناً لمصالحها، مجتمع مدني في حدود مدنية الرأسمالية؟ وهل تسير الراسمالية بشكل عفوي أم برؤية قصدية (غائية) تقودها اساساً السوق ومحركها الربح اللامحدود؟ ستجيب الأسطر التالية على بعض هذا. وهل هذا هو المجتمع المدني الذي تحدث عنه غرامشي أم أن هناك قراءات مختلفة ومن ثم توظيفات لغرامشي تنتهي إلى استخدام الأطروحات وقلبها راساً على عقب.

المجتمع المدني من توليدات نمط الإنتاج الراسمالي. تلاقح اللبرالية والراسمالية للحفاظ على التوازن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي كي يبقى خط الإنتاج مشتغلا دون تقطُّعات ويتحقق المعدل اللامحدود للربح. وهذا ما يفسر الشكل الديمقراطي في الغرب الرأسمالي، بمعنى توفير حد معين من الديمقراطية يغطي الديمقراطية السياسية سواء في تشكيل النقابات أو الأحزاب على أن تكون جميعاً ضمن هيمنة الدولة، التعددية السياسية والتعددية الاقتصادية كذلك “دعه يعمل دعه يمر”. وهما التعدديتين اللتين آلَتا إلى اشكال خطيرة مجتمعياً. فلم يعد للتعددية السياسية ذلك الدور المحرك والمقرر في السلطة السياسية. يمكن انتخاب اياً كان (مع أن النجاح لمن ينفق أكثر)، ولكن في التحليل الأخير بوسعه التصرف بمعزل عن الدستور وعن التفويض المجتمعي. نسترجع هنا ما قاله سيسل رودس حين قرر استعمار واستيطان روديسيا/زيمبابوي اليوم لتلافي ثورة عمالية في بريطانيا، وما فعله توني بلير بعده بزمن طويل حين شارك بحجم بلاده الوضيع إلى جانب بوش في تدمير العراق رغم المظاهرات الرافضة للحرب والعولمة وبروز منظمات غير حكومية فيها، ولكن كثيرا من نفقاتها كانت من “جيب” أكبر مضارب في التاريخ جورج شورش (سوروس) اليهودي البلغاري!.

إن التعددية السياسية الراسمالية هي مفرخة الفردانية أو تفريد المجتمع والناس إلى أفراد بشكل ذرِّي.لعل أوضح تعبير عن قصدية هذا التفريد والتذرير ما قالته تاتشر:”ليس هناك شيء اسمه المجتمع، هناك الفرد وربما الأسرة”. فالمآل النهائي للراسمالية هو تفكيك المجتمع إلى أفراد وحتى في حالة القطاعات الاجتماعية والأحزاب فهي مهيمن عليها بما يدجنها ضمن نظام توحيد السوق ليس فقط السوق القومية بل توحيد السوق العالمية. كما آلت التعددية والمنافسة الاقتصادية طالما هي مرتكزة على الملكية الخاصة و “حق” الكسب المفتوح وتوسيعها بلا حدود، آلت إلى الاحتكار وإلى هرم يزداد تدبُّب قمته باضطراد وتنحط وتتسع حياة قاعدته باضطراد ايضاً. تضخم الطبقات الشعبية وذوبان الوسطى فيها وتضاؤل حجم الطبقة الراسمالية إلى ما يقارب النخبة مع انفتاح السوق العالمية بلا حدود، وحدة السوق العالمية.

ولندخل عميقاً في موضوعنا يجدر التنويه بأن توليد المجتمع المدني ترافق مع الثورة الصناعية. ولكن، لماذا لم يكن تبلوره هكذا في حقبة الإقطاع حيث كانت هناك مراتبية (تراتبية) طبقية كذلك؟

قد يكمن التفسير في الفارق الجوهري بين المرحلتين. فإذا كانت السوق موجودة في كليهما وقبلهما، فإن مما تجاوزت به الرأسمالية مرحلة الإقطاع بشكل خاص هو العمل الاجتماعي، هو تجميع التفكك الفرداني للفلاحين في نطاق العمل المأجور حيث الصناعة حتى الأولية منها تحتاج إلى سلسلة بشرية لتجهيز الإنتاج مما خلق البنية الطبقية للطبقة العاملة. هنا، في المرحلة الراسمالية، يتجمع العمال من اجل الإنتاج ويتفرقوا بعدها كأفراد في بقية يومهم وحياتهم، وحين يتبلوروا في نقابة تتم عملية تدجينهم بالديمقراطية السياسية الشكلية التي تحافظ على بقاء خط الإنتاج مشتغلاً، ولا يقوى ساعدهم إلا ببلورة حركة عمالية. اي مرة أخرى يبقى السوق هو الهدف وهو نفسه مسرح خدمة الملكية الخاصة، اي تسخير العام في خدمة الفردي. هذا إلى جانب ظهور الدولة القومية/العصرية في أوروبا (بعد ويستفاليا في 1648 اي انها تزامنت مع صعود نمط الأنتاج الرأسمالي في القرن السادس عشر المديد الممتد من 1450 حتى 1640 وكذلك تزامنها مع الثورة البروتستانتية التي جاءت جميعها لخدمة عملية التراكم لرأسالمال ) الدولة في سلطة طبقة فرزها نمط الإنتاج الراسمالي حيث العامل الاقتصادي بجوهره الصناعي هو المقرر في التحليل الأخير. الدولة الإقطاعة الصغيرة سابقاً محكومة بعلاقة مباشرة ويومية مع مجتمعها المحلي في حين لم تكن تنحصر الإمبراطوريات في مجتمعها القومي وحده، بل كانت تتفرع عنها دولا انفصالية اخرى، كبيزنظة عن الرومانية والأندلس عن الأموية، المهم أنه في ظل الدولة العصرية الرأسمالية قد تطلَّب هذا الارتباط الحُكمي ترتيباً مدنياً للبلد. (إعادة هيكلة جذرية للمجتمع برمته)

إذا صح شرطنا هذا لمدنية المجتمع أن يكون للصناعة دور فاعل وأساسي، اي وجود تشكيلة اجتماعية اقتصادية رأسمالية حقيقية، فهل يمكن سحب أطروحة المجتمع المدني هذه على بلدان المحيط، راسمالية المحيط؟ هل عرضت أو تعرض هذه المجتمعات مناخ وشروط المجتمع المدني المشار إليها من غرامشي نفسه طالما يتم نسب قراءة “اصحاب المجتمع المدني هنا” إلى أطروحة الرجل. أم أن هذه التشكيلات الرأسمالية غير المكتملة، بل الانتقالية تولد مجتمعا مدنيا غير ناضج ولا مكتملا؟ إن كان حديثنا هذا مخطوئاً، فما معنى أن ما حسم الأمر في مصر وتونس حتى الآن هو الجيش؟ وما معنى أن هاتين الثورتين بقيتا في نطاق الثورة الأولى أي المطلب الديمقراطي، دون التوجه نحو الثورة الثانية، اي التحرر القومي من التبعية للمركز والتحرر من الارتباط باتفاقات التطبيع والكويز Qualified Industrial Zones-QIZ والغاز مع الكيان،والثورة الثالثة أي التنمية والاشتراكية ؟ اي لم تتولد الهيمنة النقيضة، الهيمنة الثانية هيمنة الطبقات الشعبية التي تدفع باتجاه مشروع ومطالب الحرية الاقتصادية والتنمية والاشتراكية.

ليس هنا مجال قراءة والفرز ما السبب الأساس في تواصل التخلف، هل هو الاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، ام هي الطبقات الحاكمة التي من مصلحتها استمرار التخلف[6]. ما يهمناهنا، أن مجتمعات لم تترسمل وتتصنع بما يكفي لا توفر شروط مدنية المجتمع بمفهوم غرامشي، فما معنى استخدام هذه النظرية دون توفر سياقها التاريخي، ناهيك عن عدم الإنشغال في توفير هذا السياق؟

المجتمع المدني

تظل مسألة المجتمع المدني حجر الزاوية في مساهمات غرامشي النظرية، وهي مسألة من الاتساع والمرونة بحيث يمكن للفكرين الراسمالي والاشتراكي تبنيها بطريقته الخاصة، بتفسيره الخاص. وقد يعود السبب في توفر فرصة لكلا النقيضين في استثمارها، ربما إلى أن غرامشي كان تجريبياً في كثير مما عرض وربما لأنه ركز على البنية الفوقية (انظر لاحقاً) وهذا ما وفر فرصاً لتعدد تفسيره ومن ثم استثمار هذه الخاصرة اللبرالية له. إن المجتمع الصناعي والدولة القومية الحديثة هما مجال تفكير وتحليل واستنباط أفكار غرامشي ولكن ليس ليشرحهما كمعلم مدرسي يكرر الدرس نفسه لعقود بل ليصل منهما إلى هيمنة الطبقة العاملة.

مرة أخرى، تركيزنا على غرامشي آتٍ من الشعور بوجود قراءات واستخدامات وتوظيفات تناقض ما ذهب هو نفسه إليه، هذا مع وجوب التأكيد أن غرامشي لم يكن بداية ولا نهاية مسألة المجتمع المدني كل فكر هو امتداد لفكرٍ ما، قبله بطريقة ما وبدرجة ما، لكن هذا لا يعني أن الفكرين متطابقين، أو لا خصوصية للثاني أو اللاحق،، لا بل اكثر، يمكن لللاحق ان يختلف بشكل جذري عن سابقه. إن ربط الجديد بالقديم ومحاولة نسبه إليه وحصره فيه هو إشكالية فكرية وربما سياسية مقصودة. لوحظ ذلك في قراءة كثيرين للعولمة قراءة تحاول تغطية جوهرها الرأسمالي الحالي بما هو سيطرة وهيمنة واستغلال آلَ مؤخراً إلى استعمار مباشر من المركز للمحيط.

ويتم الأمر نفسه تجاه المجتمع المدني الذي ينسب البعض وجوده إلى منتهى القِدم في محاولة لفكِّه عن مرحلة تبلوره الأساس أي مرحلة الرأسمالية الصناعية، كالقول بأن المجتمع المدني مسألة في منتهى القدم ولا ترتبط بالمجتمع الصناعي الحديث إلا بالمفاهيم الحديثة التي عولجت بها. يبدأ المجتمع المدني القديم منذ لحظة انفصاله عن الطبيعة العمياء والدخول معها في صراع تحقيق الوجود والبقاء وصولا إلى مختلف درجات الارتقاء الأخرى التي لا نهاية لها والتي يجسدها المجتمع المدني الحديث حيث ارتقى صراع الإنسان ونضاله إلى البحث عن الحرية للفرد والطبقة والمجتمع بمعنى أنه تجاوز القلق على مجرد الوجود والبقاء وأصبح، بل يجب أن يكون قد اصبح اكثر إنسانية.

يشتمل المجتمع المدني على علاقات الأفراد المادية ضمن مرحلة معينة لتطور القوى الإنتاجية. إنه يشــتمل على مجمل الحياة التجارية و الصناعية لمرحلة معينة و بذلك يتجاوز المسألة السياسية.هذا ما يقوله ماركس في الإديولوجية الألمانية. المجتمع المدني هنا بنية تحتية، بينما يظهر عند غرامشي كجزء من البنية الفوقية، اي أجهزة الهيمنة في الدولة؛ الأجهزة الإديولوجية (الإعلام والتعليم- التربيـــة والمؤسسات القانونية والقانون والشرطة والجيش-الجهاز القمعي Coercive Apparatus)، والاقتصادية للدولة البورجوازية الحديثة. وهذا يُظهر بوضوح أن المجتمع المدني ليس قوة مضادة للدولة البرجوازية بل هو حالة استقلال نسبي بل بالأحرى (امتداد للدولة او المجتمع السياسي وهذا ما يسميه غرامشي بالدولة الممتدة Extended State)،بكلمات أخرى، يشكل المجتمع المدني في المجتمعات الرأسمالية المتطورة موقع امامي للمجتمع السياسي او الدولة) وإنما محكوم لا مباشرة، من المجتمع السياسي اي الدولة، التي بدورها توظفه لتسويد هيمنتها. بهذا المعنى،فإن الدولة الراسمالية تصل إلى مرحلة تتمكن فيها السلطة البرجوازية (المجتمع السياسي) من تطويع المجتمع المدني بحيث يتشرب ويتمثل ويُعيد إنتاج إيديولوجيتها وكأنها من عندياته. (سنبين ذلك في الهيمنة أدناه). لكن هذا كله هو نصف أو مقدمة ما رمى إليه غرامشي لأنه استهدف هذا من أجل تقويضه على يد الهيمنة الثورية لفكر الطبقة العاملة.

الحزب:

إلى جانب، بل وفي خدمة الطبقات الاجتماعية اشترطت التشكيلة الاجتماعية الاقتصاية للراسمالية تشكيل القوى السياسية التي تعبر عن تلك الطبقات، او هكذا يُفترض. لذا، تشكل الإحزاب والقوى السياسية إحدى أهم مكونات المجتمع المدني بما هي ذات تنظيم ودور سياسي اجتماعي واضحين. لقد ركز غرامشي كثيرا على الحزب وما اسماه “الأمير الجديد” لقيادة الطبقة العاملة في نضالها لتركيز وانتصار هيمنتها في مواجهة هيمنة البرجوازية. هنا علينا التنبه أن غرامشي تحدث عن هيمنتين متناقضتين (متصارعتين وهكذا يبقى المجتمع المدني ميدانا متنازع عليه من قبل الطبقات المتصارعة) وانحاز إلى واحدة هي هيمنة فكر الطبقة العاملة، وهذا بخلاف الفهم المسطَّح الذي يتحدث عن هيمنة واحدة هي هيمنة البرجوازية بهدف تجميلها وبقائها، هذا الفهم هو الذي يسحب المحرك الثوري من فكر غرامشي والأخطر يسحبه من واقع من يقعون ضحية هذا الفهم المخصي.

مسالة الحزب عند غرامشي فيما يخص المجتمع المدني محورية. واهم ما قاده إلى ذلك فشل مجالس العمال في الثورة البلشفية في قيادة نضال الطبقة العاملة قيادة سياسية طبقية، هذا قاد غرامشي إلى الاعتقاد بأن الحزب الشيوعي بالمعنى اللينيني ضرورياً. فالحزب هو الذي، برأي غرامشي، سيُوعِّي ويقود الطبقة العاملة لتحقيق هيمنتها. وهذا يستدعي نقاشاً لحالة الوطن العربي فيما يخص الأحزاب سواء الهجمة ضد الحزبية منذ الفترة الناصرية، وصولاً إلى إلغاء الأحزاب باعتماد الحزب الواحد، حزب السلطة، وصولاً إلى الهجمة الأخيرة بعد الثورات والانتفاضات والثورة المضادة حيث يتم اعتبار الحزبية مسألة معيقة للثورة! وهذه حالة انحطاط في الوعي السياسي يليق حقيقة بمجتمع في الكثير من مستويات حياته ما زال غير راسمالي، فما بالك بما هو أرقى من الراسمالية!

إن هذا الخطاب الذي يأخذ المجتمع إلى ما قبل العصر الحديث، إنما يقود بشكل غير مباشر إلى رؤية المجتمع كجسم ضخم متاسق كتيم مصمَّت لا تناقض فيه ولا تفاوتاً، وهذا مخالف للديالكتيك الذي يفترض التناقض كمحرك للتطور. وهذا ما يطرح الانتفاضات الحالية على المحك بمعنى المطالبة بالديمقراطية بدون رؤية ولا مشروع ولا تأطير؟

يرى غرامشي أن: “… ليس الحزب الاشتراكي حزباً طائفيا وإنما منظمة طبقية، إنه ينظر إلى الدولة كسلطة طبقية للبرجوازية كنقيض له. إن دخوله في تنافس على السلطة مع البرجوازية مثابة انتحار له، لأنه بهذا يبتعد عن الدور التاريخي للبروليتاريا… ليس هدف الحزب الاشتراكي القبض على السلطة بل استبدالها، استبدال نظامها وإلغاء حزب الحكومة واستبدال المنافسة الحرة بتنظيم الإنتاج والتبادل[7]

تشكل هذه الفقرة جوهر فهم غرامشي للمجتمع بمعنى أن المجتمع هو بنية طبقية في عصر راس المال، وأن السلطة السياسية محط صراع بين الطبقات ممثلة في الأحزاب السياسية لكل طبقة. ومن الواضح انه يرفض السقوط في الاحتواء البرجوازي للحزب الاشتراكي بحيث يتنافسان على وصول سلطة الدولة بمعزل عن طبيعة الدولة، لذا، لا يقبل بالإمساك بالسلطة بل بتغيير جوهر الدولة وصولا إلى الإنتاج والتبادل. اي ان الديمقراطية السياسية لا تكفي بل يجب أن تنتهي إلى تحقيق تنظيم الإنتاج والتبادل. وتنظيم الإنتاج يتضمن بلا مواربة حق العمال في الإنتاج بما هم المنتجين.

إلا أن فهم غرامشي المجتمعي أعمق وأكثر تعقيداً من هذا، فلم يكن فهمه المجتمعي اقتصادوياً بحتاً، بل يركز على التفاعل والاعتماد المتبادل بين البنيتين التحتية والفوقية ولا يرى أن الاقتصاد مجرد انعكاس لنمط الانتاج او أن الاقتصاد فضاء حراً يعدل نفسه ذاتيا بعيدا عن الواقع الموضوعي او ان القاعدة الاقتصادية مطابقة تماما للواقع الموضوعي، او أن الحقل الإيديولوجي مجرد آلية لإعطاء مشروعية لنمط الإنتاج المهيمن.

بالمقابل في تبرير بعض اليسار لدخول انتخابات الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة كان الشعار التقليدي، أن كل حزب يسعى لاستلام السلطة. هذا استبدال لطرح غرامشي وتماشي مع المفهوم الانقلابي والبرجوازي لتبادل السلطة على قاعدة شرعية السلطة البرجوازية فما بالك بسلطة تحت الاستعمار الاستيطاني؟ بكلمة أخرى، هذا أحد اشكال الفهم الأحادي للهيمنة، والذي يتجاهل جوهر موقف غرامشي من وجود وصراع هيمنتين.

تميل أطروحات غرامشي اجتماعيا ً إلى رفض الاعتماد الميكانيكي على الاقتصاد وهذا اساس تركيزه على البنية الفوقية إلى ما يقارب الانحياز، فهو يرى أنه خلال الأزمات في الواقع العملي لا بد من بروز دور الفكر والفلسفة للإجابة على الأسئلة المستعصية مع ضرورة تناولها بشكل جديد اعتماداً على المتغيرات التي أتت بها المرحلة الجديدة. والفكر والفلسفة هنا من مهام هذا الحزب. إن غرامشي منحاز اجتماعيا، اي في فهم وتغيير المجتمع إلى إعطاء دور كبير لبناء أسس الفكر الجماهيري ويؤكد على معركة الفكر والثقافة للطبقة العاملة وحتى للبرجوازية لأن صراع الأفكار سيرغمها على قراءة عقلانية للواقع. ومن هنا اهتمامه بالحزب والحزبية.

من هنا نلحظ اهتمام غرامشي بدور الوعي في تحريك الجماهير بمعنى أن حركتها بالوعي تصبح حركة مع رؤية وليست حركة داهمة مقودة بالمصالح في نطاقها الضيق. بكلمة أخرى، فإن الوعي هو الذي يعطي المصالح مضمونها ومعناها ووجوب الدفاع الواعي عنها. حينما نتحدث عن الوعي الجماهيري، فإننا نتحدث عن المجتمع العصري في دولة عصرية. وإذا كانت الشيوعية تعني إدارة الناس لحياتهم دون سيطرة سلطة طبقية، فإن هذا يجعل من الوعي أمراً أكثر أهمية وحساسية ومصيرية.

رغم النقد الشديد لنظرية مكيافيللي الفيلسوف السياسي الإيطالي، والذي يمكن تسميته أب الواقعية السياسية، فإنه هو أول من نادى بالتحرر من المَلَكية المطلقة وهيمنة الكنيسة أو بكلمة أخرى هو أوَّل من اسس للمجتمع المدني. ولا يخفى أن غرامشي قد تاثر به كثيراً. (1). وبالطبع، لا متسع في هذه الورقة لمتابعة التطويرات النظرية على هذه المسألة ما بين مكيافيللي وغرامشي وحتى ما بعد غرامشي نفسه. ما يهمنا هنا أن غرامشي اعتبر الحزب هو “الأمير العصري” في تطوير لنظرية مكيافيللي. لقد جادل بأن الحزب الثوري هو القوة التي ستمكِّن الطبقة العاملة من تطوير مثقفيها الراديكاليين، وهيمنة بديلة في المجتمع المدني. والسؤال هنا، اين يقع الحزب الثوري في مسألة البنيتين التحتية والفوقية؟ هل يمكن اختصارالإنسان في البنية التحتية؟ أونسبه إلى البنية الفوقية كمجرد جزء منها، أم أن الإنسان اساس البنيتين، وفي مناخات وظروف معينة يعطي الأولوية لهذه او تلك في مسيرة جدلية الحياة نفسها؟

لا تسعفنا الغاية من هذه الورقة لمناقشة الكثير من النقاش والجدل والنقد لما يتعلق بالبروليتاريا، ونحن نعلم أن غرامشي ولوكاتش عاشا قبيل النصف الثاني من القرن العشرين حين كانت أزمة الراسمالية قد قاربت قتلها. وفي حقيقة الأمر يتكامل غرامشي ولوكاتش وإن بديا مختلفين نسبياً. ففي حين يركز لوكاتش على الوعي الطبقي بالعموم، يركز غرامشي بشكل اكثر دقة على الحزب وعلى المثقفين ودورهم في التوعية والثورة كآلية لتعمم البروليتاريا هيمنتها على الطبقات الاجتماعية الأخرى مقابل هيمنة البرجوازية.ربما نجد في التطوير الذي اضافه بولنتزاس على الطبقة في المجتمع المدني بأنها لاتكون طبقة بدون الوعي السياسي الطبقي، نجد بعض اسس هذا في أطروحات غرامشي التي تركز على دور الإيديولوجيا للطبقة وخلق كل طبقة لمثقفيها.

يقول غرامشي “الكتلة البشرية لاتتميز ولاتصير مستقلة من تلقاء نفسها من دون أن تنظم نفسها بالمعنى الواسع، ولا تنظيم بدون مثقفين، أي بدون منظمين وبدون قادة[8]. لكن غرامشي لا يبتعد عن الديمقراطية الماركسية في خضم الصراع الاجتماعي. ففي حين يرى ان المجتمع السياسي اي الدولة البرجوازية تفرض هيمنتها بالقسر والسيطرة (وانتزاع الرضى من الطبقات المحكومة)، فإن البروليتاريا تفرض هيمنتها بالإقناع والثقافة على الطبقات الأخرى. وربما هنا وحسب نفهم ما معنى وأهمية الوعي للثوريين وليس اكتفائهم بالحماسة.

كما ينتهي غرامشي إلى ما انتهى إليه ماركس بأن الدولة لا بد ان تنتهي كلما ارتقى المجتمع المدني القائم على الوعي البشري او كما بشر ماركس ” حلول إدارة الأشياء محل إدارة الأشخاص”.

سؤالنا أو تساؤلنا في هذا الوضع : هل المنظمات غير الحكومية قابلة للتحول إلى بُنى حزبية تضطلع بمهمات الحزب التي هي مركزية في حياة أي مجتمع عصري؟ هل هي مؤهلة اساساً من حيث المنشأ والتمويل ومركبها الاجتماعي لهذا الدور؟ وإذا كانت عاجزة عن هذا اجتماعياً فماذا عن أهليتها للمشاركة في التحرر الوطني؟ (أنظري/ر لاحقاً)

الهيمنة

إن قِدم مسألة المجتمع المدني مهما كان فيها من صحة، يجب أن لا يطغى على التطور الأساس لهذه المسألة من حيث ما آلت إليه في حقبة الراسمالية الصناعية والأهم التطوير الأساسي الذي انجزه انطونيو غرامشي فيما يخص نقد ونقض الهيمنة في هذا المجتمع وصراع النقيضين، هيمنة الطبقة العاملة/الطبقات الشعبية في مقاومتها لهيمنة الطبقة الراسمالية. فكما ورث غرامشي مسألة المجتمع المدني عن سابقيه، لينين، وماركس وهيجل، فقد ورث عنهم كذلك آلية عمل هذه المسألة وطورها بشكل أفضل وهي الهيمنة.

يرى غرامشي أن الهيمنة (Hegemony) هي الوجه الأكثر مهارة وذكاء من السيطرة ( Domination )، بمعنى أن السيطرة تتم بالقمع واستخدام الدولة للقوة في تثبيت سلطتها وبالطبع مصالح الطبقة التي تمثلها، في حين أن الهيمنة هي آلية (تمزج ما بين الإكراه القسري والقوة الناعمة ولهذا فهي) اكثر مرونة، هي تشريب الناس لما تريدهم الدولة أن يسيروا بموجبه إلى درجة يعتقدون معها أن ما يقومون به وكأنه من إبداعهم الذاتي، إنه استدخال إيديولوجيا الدولة، وهذا يكفل للدولة بالطبع “سلاما” اجتماعياً وبالطبع طبقياً. على أن الوصول إلى المجتمع المدني بشكله العصري في الغرب الراسمالي وتحقيق الهيمنة بمفهوم الدولة المدنية البرجوازية مثابة عملية قامت او تقوم على دخول المرحلة الصناعية أو لنقل الحداثة بمفهومها العام وخاصة اعتماد العقل وتجاوز الكنيسة وقبول العلمانية. وإذا كان هذا فهم البرجوازية للهيمنة وللمجتمع المدني، فإن كثيرين يضلُّون بهذا الفهم أو التفسير المقصود، يضلون عن ما هدف إليه غرامشي بمفهوم الهيمنة. وهنا يكمن تبهيت وتمطيط مفهوم المجتمع المدني بمعنى أنه بدأ منذ تمكُّن الإنسان من تطويع جوانب من الطبيعة بفعل تحدي الوجود اي الانتقال من المشاعية البدائية إلى المجتمعات الاستيطانية التي ظهرت للعيان مع تطور تكنولوجيات الزراعة التي قادت بدورها لانتاج الفائض الجتماعي/الإقتصادي الذي مكن من ظهور الطبقات: المنتجة للفائض والمقتطعة له والمهيمنة علية (الكهنة، التجار والعسكر). إن هذا التمطيط لمفهوم المجتمع المدني إلى ذلك الغور التاريخي الممعن في القدم مثتبة تبهيت سياسي طبقي مقصود وغير علمي على الأقل بالهدف.

يرى غرامشي أن هناك هيمنيتن واحدة لكل طبقة رئيسية في المجتمع الذي يسيطر فيه نمط الإنتاج الراسمالي:

· هيمنة البرجوازية (الدولة) التي تحاول بسط إيديولوجيتها على الطبقات الشعبية

· وهيمنة الطبقة العاملة التي هي نقيض هيمنة البرجوازية وهدفها التغيير، كما اشرنا في بداية هذه المقالة.

وعليه، فإن الفهم المسطح والشكلي لغرامشي هو مفهوم تدجيني إستلابي يُفرغه من محتواه الطبقي والنضالي، ويحوله إلى مفكر مدجَّن. كما يعتمد أو يستخدم البرجوازيون الاهتمام الكبير لدى غرامشي بالمسألة الثقافية لتمرير تفسيرهم الخبيث هذا.

إن ما لم يرتق إليه غرامشي، وفي هذا سقطة مركزانية اوروبية، أو عدم التقاط التطورات، هو الهيمنة وبلدان المحيط. هذا لم يعالجه غرامشي حيث كان مأخوذاً باوربا الراسمالية. لكن أوروبا لم تكن في أوروبا بل كانت في كل العالم؟ هل كان يعتقد أن تحرر أوروبا اشتراكيا سينسحب على العالم كله؟ حتى لو حصل سيظل هذا تفكيرا مركزانيا اوروبيا. ولماذا لم يتنبه غرامشي إلى أن الدولة الراسمالية الغربية ذات المجتمع المدني هي الدولة الاستعمارية امبريالية التي وهي تذبح امم المستعمرات لم يرفض ذلك مجتمعها المدني!! هذا ما نقترح معالجته بعنوان الهيمنة الثالثة.

قد نجد المعنى الحقيقي للمقصود بالهيمنة لدى لينين، وهو الأمر الذي يتهرب منه محرفي/ مدجِّني مفهوم غرامشي للهيمنة. وهذا التهرب هو قطع مقصود لجذور تبلور مفهوم الهيمنة لدى غرامشي كي يصبح اغتياله أو احتلاله اسهل وأكثر إمكانية:

استخدم لينين مفهوم الهيمنة للإشارة إلى القيادة السياسية للطبقة العاملة في الثورة الديمقراطية. وهذا يوضح طبقية الهيمنة، هيمنة طبقة من خلال حزبها. وهو ما طوره غرامشي لاحقاً في تحليل دقيق ليوضح لماذا لم تحصل الثورة الاشتراكية الحتمية كما كان تنبأ بها الماركسيون الأُول في بواكير القرن العشرين. آنذاك كانت الراسمالية متجذرة بعمق. وقد أدرك أن الراسمالية تتحكم ليس فقط عبر العنف والقسر السياسي والاقتصادي، ولكن ايضاً الإيديولوجي، من خلال هيمنة الثقافة والتي بها تصبح قيم البرجوازية بديهة أو إحساس وشعور عام Common sense” بأنها قيم الجميع، هذا ما نسميه استدخال الهزيمة.

وهكذا فإن إجماعاً ثقافياً قد تطور إلى درجة أنه في الطبقة العاملة أصبح الجيد لديها هو الجيد لدى البرجوازية، وعليه تساعد على إبقاء الوضع الراهن وليس الثورة ضده. لا بد للطبقة العاملة من تطوير ثقافة خاصة بها تُطيح التصور الذي تمثله القيم البرجوازية والذي يبدو كأنه قيماً “عادية” أو “طبيعية” للمجتمع، ولكي تجذب الطبقات والمثقفين المقموعين لصالح هدف البروليتاريا.

تمسك لينين بأن الثقافة هي عامل مساعد للموضوعات السياسية، أما بالنسبة لغرامشي فالهيمنة الثقافية اساسية لإحراز السلطة ويجب إنجازها أولاً. من وجهة نظر غرامشي، فإن اية طبقة تطمح للسيطرة في الشروط العصرية لا بد أن تطمح لما هو أبعد من الطريق الضيق لمصالحها “الاقتصادية-المشتركة” ولكي تمارس قيادة ثقافية وأخلاقية، وأن تقوم بتحالفات ومساومات مع العديد من القوى.

لقد أسمى غرامشي هذا الاتحاد بين القوى الاجتماعية ب “الكتلة التاريخية”، مستعيراً المصطلح من جورج سوريل. وتشكل هذه الكتلة أساس الإجماع على نظام اجتماعي معين، والذي بدوره ينتج ويعيد إنتاج هيمنة الطبقة السائدة عبر سلسلة من المؤسسات، والعلاقات الاجتماعية، والأفكار. وبهذا المعنى، فقد طور غرامشي نظرية ركزت على أهمية البنية الفوقية في كل من الحفاظ على وكسر علاقات البنية التحتية. وهنا لا بد من محاذرة فخّ الكتلة التاريخية بمعنى أن غرامشي لم يكن ليروج لها في ظل النظام الراسمالي بل طرحها ليشرح تكتيك البرجوازية، وعليه، فإن دفع تحليله إلى نهايته يجب أن يستدعي كتلة تاريخية بقيادة الطبقة العاملة. في هذا السياق لا يسعنا إلا ان نشير ان تطبيقات هذه الفكرة في ظل العولمة النيوليبيرالية تتجسد في تشكل الكتلة التاريخية للطبقة الراسمالية المتخطية للقوميات Transnational Capitalist Class بما في ذلك مؤسسات ومثقفو المجتمع المدني لخدمتها وذلك بهدف تدجين المجتمعات في المركز والمحيط وشبه المحيط لتسهيل سيرورات إعادة الهيكلة الاقتصادية واللبرلة السياسية والهندسة الاجتماعية للحيلولة دون اي مقاومة منظمة تنشأ من البنى القاعدية لهذه المجتمعات ضد مشروع العولمة النيوليبيرالي— لذلك ليس سرا أن غالبية دول المركز وبالتنسيق بينها وبين مؤسساتها وصناديقها تقوم بتمويل مؤسسات الأنجزة في التشكيلات الاجتماعية المختلفة والمتباينة في المنظومة الرأسمالية العالمية. على سبيل المثال تمويل الافكار والمشاريع العاملة في حقل “الديموقراطية وحقوق الإنسان”.

بهذا المعنى، فإن الحزب رافعة اساسية لهيمنة الطبقة التي أفرزته كي يمثلها، ولكن، أين تقع منظمات الأنجزة من هذا الأمر؟ أية هيمنة تسعى لنشرها اجتماعياً طالما هي ممولة من الخارج بالمال السياسي، ربما هناك استشناءات محدودة؟ ما مساهمتها وهي تنشر الثقافة الأميركية في الديمقراطية المخادعة، بعض حرية القول هنا، ومقابل حرية ذبح امم هناك. كيف تتجاوز القرار الرسمي من الغرب بالتعامل مع الصراع العربي الصهيوني من مدخل أن ما بيد الكيان هو للكيان؟ وبكلمة:هل هي جزء من المشروع الوطني التحرري، هل هي مشاركة وهل تمن بالصراع الطبقي للطبقات الشعبية ضد الكمبرادور، ام هي بتحصيل حاصل جزؤ من الثورة المضادة، أداة للهيمنة الثالثة، الهيمنة الخارجية؟ (أنظري/ر لاحقاً)

الديمقراطية والمواطنة:

الديمقراطية والمواطنة حقوق طبيعية للإنسان تقوم اساساً على وتُضمن، إذا ما توفرت قاعدتها الرئيسية وهي الحرية. وبغض النظر عن مدى تطبيقها في الدولة الرأسمالية الحديثة، فهي مفاهيماً وحقوقاً اقترنت بهذه الدولة، دولة المجتمع المدني. وهذا يفترض السؤال التالي: هل الدولة في الوطن العربي هي دولة راسمالية بالمفهوم الغرامشي الذي تحدث عن المجتمع المدني، وبالتالي هل هذه الدولة ارضية مناسبة للزعم بوجود منظمات للمجتمع المدني لا سيما وأن هذه المنظمات لها دور مجتمعي واستقلالية نسبية عن المجتمع السياسي، فالحديث عن مجتمع مدني لم يرتق أو يتحول المجتمع السياسي فيه إلى وضعية الدولة التي تتوافر فيها بنية المجتمعين المدني والسياسي هو حديث مبتور عن واقع مبتور، بل لأن الواقع مبتوراً. ألا نلاحظ وخاصة إثر الثورات العربية الأخيرة أن أحد اسباب الثورات الأخيرة هو تقصير الدولة في الوطن العربي عن أن تكون دولة للمواطنين؟ أو فقدان الناس لمواطنيتهم. ومع ذلك كان الكثيرون يتحدثون فيها عن ” مجتمع مدني”. وسنترك الحكم الأخير لمآل الثورات والانتفاضات السائلة في الوطن العربي وخاصة على ضوء اللجوء إلى الجيش كملاذ أخير؟ الا يؤكد هذا أن هذم المجتمعية المدنية غير ناضجة؟

وفي حين غابت الديمقراطية بالمفهوم الراسمالي عن المجتمعات العربية، ربما لأن خط الإنتاج شبه غائب فعلامَ تقلق البرجوازية، ناهيك عن أوتوقراطيات الخليج، حتى تعطي المجتمع بعضا من الديمقراطية’ فإن الثورات والانتفاضات والثورة المضادة اليوم في الوطن العربي تكاد تنحصر في مطلب الديمقراطية تيمنا بالغرب الذي قطع شوطا في التصنيع والتقنية لم نصله نحن، وغادر هذا المستوى وانعطف فاشياً بوضوح.

قد يساعدنا هنا الحديث عن الحداثة بمعنى أن الحداثة، بمضمونها الأوروبي الذي لا نوافق على تعميمه عالمياً، أن هذه الحداثة هي مضمون الدولة الرأسمالية الغربية التي تكونت من المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وأن هذه الحداثة اقترنت بالتحديث الراسمالي[9]، الذي كان تطبيقها الاقتصادي الإنتاجي على الأرض. فهل تتضمن الدولة في الوطن العربي كل من الحداثة والتحديث؟ وإذا غابتا هاتين، ماذا يظل لدينا مما تسميه المجتمع المدني غير استيراد المصطلح وتلبيسه قسراً لواقعنا؟

البنية الفوقية

كما ألمحنا في مواضع اعلاه تميز غرامشي بالتركيز على دور اكبر للبنية الفوقية في عملية تطور المجتمعات أو على الأقل قلل من حصرية الأمر في البنية التحتية. فهو يرى إلى القوانين الاقتصادية كقوانين متحركة متغيرة لأنها اجتماعية في التحليل الأخير، وليست كقوانين الفيزياء والكيمياء.لذا أعطى للإيديولوجيا دوراُ بارزاً وأعطى استقلالاً نسبياً للبنية الفوقية عن التحتية اي للسياسة والثقافة والقانون والأخلاق…الخ. وهذا نقاش مستدام بين الشيوعيين، وربما كانت الماوية من أول من عالج هذه المسألة معطية أهمية نسبية لعلاقات الإنتاج دون حصر الأمر في قوى الإنتاج وهذا ما أوضح تقصير أو لبرالية نسبية عند غرامشي. وفي هذا هي تخالف موقف غرامشي الذي يذهب لما هو خارج نمط الإنتاج، وإن كان يتقارب معها فيما يخص الحزب. ثم جاءت مساهمات ألثوسير وهنري ليفيفر ونيكولاس بولانتزس وبيري اندرسون. في هذا المستوى متشربا أطروحات ماو وغرامشي معاً. وذهب غرامشي إلى القول بأن البنية الفوقية تلعب دورا بارزا في تطوير الوعي الطبقي وتماسُك الحزب فكرياً وبالطبع تلعب دوراً في تعميق وتعميم هيمنة طبقة على أخرى. ومن الإنصاف القول هنا أن الماوية مثلت النقد الأعمق للنزعات المركزانية الأوروبية لدى ماركسيين أوروبيين. تجدر الإشارة إلى أن كثيرين يرون بأن ماركس قد أعطى للبنية التحتية دوراً مطلقاً، وهو ما اسموه النزعة الاقتصادوية. وهذا التفسير راجع بالطبع لطبيعة قراءاتهم لماركس أكثر مما هي لحقيقة موقفه. وبالمقابل، فإن غرامشي أعطى الأولوية للبنية الفوقية[10]. وفي هذا يلتقي إلى حد كبير مع جورج لوكاتش.

في هذا الصدد يقول غرامشي: “إن الأطروحة الماركسية التي تنص على أن البشرية تطرح على نفسها فقط المهام التي باتت الشروط المادية لحلها متوفرة، تعمق وتدمج بالبحث في الأنماط والأشكال والوسائل التي تنجز بواسطتها البشرية تلك المهام فعليا، أي أن الإنتباه يتحول إلى الشروط الإيديولوجية والسياسية للجدل التاريخي[11]“. بمعنى آخر، فإن قانون التطور والبقاء يكشف بأن التاريخ بمقدار ما يعرض حالات من التحدي التي تواجه الإنسان بمغاليق معينة، فإن القوى الاجتماعية الديناميكية وحدها التي تلتقط جانباً آخر في التاريخ هو الجانب الذي يعرض مفاتيحاً لهذه المغاليق.

لا يخرج غرامشي عن جوهر الفلسفة الماركسية ومرتكزها وهو التاريخ. فهو مثل ماركس يعتبر أن التاريخ هو مسرح التطور وأن المجتمع المدني وليس الدولة هو اللحظة الفعالة في التطور التاريخي، فهو قوة التغيير وساحة صراع الهيمنتين. لكن هذا يعني كذلك أن البلدان التي لم تترسمل وتتصنع كما يجب، فإنها لم تولِّد المجتمع المدني الذي يُفترض في نظرية غرامشي. نعم، ليست الأمور مطلقة وحدِّية إلى هذا الحد، ولكن قراءة المجتمع المدني بمضون أطروحات غرامشي يرغمنا على التذكر أن القُطريات العربية ليست النموذج المقصود، والهدف هنا مزدوج:

· الأول، عدم افتراض أن في الوطن العربي مجتمعاً مدنيا ومجتمعا سياسيا كما هو في الغرب الراسمالي الذي هو موطن الثورة الصناعية وما بعدها ومن ثم تلك الطروحات

· والثاني، وهو الأهم اعتبار النقطة أعلاه، مدخلاً للتحدي وللعمل على تحقيق هذا المجتمع، وليس افتراض وجوده والبناء على ذلك الافتراض المزعوم. هذا معنى التقاط مفاتيح المغاليق. وفي هذه الحالة ستكون مقومات المجتمع المدني مرتكزة على تاريخ المجتمع وليس فقط على رسملته.

يركز غرامشي مجتمعيا على وعي الضرورة، مؤكدا مقولة الماركسية بانتقال الإنسان الدائم من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية ناسباً هذا الانتقال إلى الوعي بالضرورة. وهنا يدخل الحزب والطبقة في العملية بمعنى ان الوعي السياسي الطبقي هو الذي يجعل من الطبقة طبقة تفرز حزبها، بما يؤكد أن هذا الفرز ليس ميكانيكيا طبقا لما يعتقد البعض أن قوى الإنتاج هي التي تسير العلاقات اي الناس.

إن سعي الإنسان للحرية هو مشروع واعٍ، لا شك في هذا. وهذا ربما قائم على قول هيجل: “إن الفلسفة هي الوعي محاط بالفكر…وأن الحرية هي فهم الضرورة”، هنا يُنفى التطور الميكانيكي ليحل محله الفهم الواعي للواقع فهم الواقع الاقتصادي الاجتماعي وتسخير هذا الواقع لصالح الثورة والتغيير. لذا يرى لوكاتش أنه : ” عندما اشتعلت الأزمة الإقتصادية النهائية للرأسمالية أصبح مصير الثورة ومعها مصير البشرية رهن النضج الإيديولوجي للبروليتاريا رهن الوعي الطبقي”[12] هذا الوعي الذي نقله غرامشي إلى الحزب وليس إلى الطبقة بمعناها الفضفاض. والسؤال المعلق هنا، هل كان وراء حديث لوكاتش تقليل مقصود لدور الحزب وتعظيم لدور الطبقة إلى درجة عدم الحاجة إلى الحزب. لنترك هذا لقراءة الناس للتاريخ وماذا علمتنا تطوراته.

نعيد السؤال هنا حول الأنجزة، فالبنية الفوقية لا بد أن تكون انعكاساً خلاقا للبنية التحتية التي هي مسخَّرة للناس في التحليل الأخير، ترفعها من المادي إلى الواعي الإنساني. فما هو موقع الأنجزة هنا؟ وحينما تكون مؤسسات البنية الفوقية في خدمة الدولة الوكيلة، والكمبرادور ما هو موقف الأنجزة منها؟

الدولة جزء من البنية الفوقية فهي البنية الفوقية السياسية

رفض غرامشي مزاعم اللبراليين عن عدم تدخل الدولة في الاقتصاد بمعنى توجيهه بشكل محدد. ومسألة الدولة والاقتصاد مسألة تناقض ليس بين الشيوعيين واللبراليين وحسب، بل مسألة تناقض ذاتي داخلي بين اللبراليين أنفسهم. فبينما تقوم إيديولوجيا اللبرالية وتجسيدها رأسمالياً على عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، فإن الدولة بما هي سلطة لطبقة أو تحالف طبقات احيانا مع هيمنة طبقة محددة، هذه الدولة متدخلة في الاقتصاد سواء بتقديس الملكية الخاصة، أو تبرير المنافسة والاستغلال بقوانين، أو ممارسة الحماية الاقتصادية وزعم حرية التجارة، أو حتى التشريع للدولة بأن تضع يدها على الأراضي التي لا يستغلها اصحابها بشكل مناسب او لا يستغلونها لمنحها لمزارعين أكثر نشاطاً!. ليس هذا فحسب بل إن أزمات السوق او الراسمالية المتكررة، وفقا لدورات الكوندراتيف، لم يجد من ينقذها سوى الدولة بتشريعاتها الضابطة وإبطالها في مرحلة لاحقة لإنقاذ الطبقة الرأسمالية من أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمثلة على ذلك كثيرة ومن ابرزها أزمة 1929 ومشروع روزفليت في الثلاثينيات The New Deal مرورا بمشروع العولمة النيوليبيرالي للخروج من الأزمة العضوية التي اجتاحت دول المركز الراسمالي ما بين 1968-1973/4 وآخرها مشروع إسعاف البنوك وشركات السيارات في الولايات المتحدة منذ العام 2008.

قد يفيد في هذا الصدد التأشير قليلاً إلى ميشيل فوكو الذي كان الأكثر حِدَّة في نقد الدولة البرجوازية وبنيتها الفوقية مستخفاً بدور البنية التحتية لينتهي أخيراً إلى الاستسلام لهده الدولة بل الطبقة!. في تردده ما بين الماركسية والفكر اللبرالي رغم الصخب النقدي اعتبر فوكو البنية التحتية اي الاجتماعية الاقتصادية مثابة “…عناصر مبعثرة تطير في فضاء مفترض ليس لعنصر امتياز على آخر”. وبهذا لا يتعمق فوكو في نقد الدولة البرجوازية في معقلها الرئيسي الملكية الخاصة والتحكم بجهد الطبقة العاملة وممارسة الاستغلال.

إن إنكار امتياز عنصر على آخر، هو إلغاء للبنية الطبقية في المجتمع الواحد وعلى صعيد عالمي كذلك. وبهذا، فهو ينفي الصراع الطبقي الذي هو محرك التاريخ. إن هذه التغطية على هذا التفاوت المريع في ملكية الثروة الاقتصادية سواء داخل المجتمع الطبقي الواحد أو على صعيد عالمي يؤدي إلى تبهيت الحقائق الطبقية في المجتمع الواحد وعلى صعيد عالمي. وفي النهاية يخرج عن المحيط الفعلي للوجود ومن ثم الصراع الطبقي. وربما هذا ما أخذه في النهاية إلى الاعتقاد بموت السياسة ومن ثم إلى التسامح.

يقول غرامشي: ” الدولة بمعناها الموسع هي الاتحاد الجدلي للمجتمع المدني والمجتمع السياسي، للهيمنة والإكراه أي أن الدولة سلطة من جهة وأجهزة من الجهة الأخرى. وهذه الأخيرة تقسم إلى أجهزة إكراه وأجهزة هيمنة. وأجهزة الهيمنة هذه هي المؤسسات المدنية للدولة أو المجتمع المدني حسب غرامشي[13]“. الحديث واضح هنا بأن مؤسسات المجتمع المدني في دولة الراسمالية هي مؤسسات امتداد ما للدولة، للمجتمع السياسي ولكن باستقلال نسبي وليست نقيضاً لها. هل هذا ما اقنع فوكو أن اية معارضة أو حتى ثورة إنما تدور في فلك وتحت رقابة وتحكم السلطة؟ وهل هذا تاثراً بمسرح النظام الثابت عند شكسبير؟ ربما. ومرة أخرى هذا يؤكد نقدنا للثورات والانتفضات العربية التي انحصرت بعدُ في الديمقراطية، اي في نطاق هيمنة السلطة.

الدولة والمجتمع المدني

ترتبط نظرية غرامشي للمجتمع المدني بفهمه للدولة الراسمالية، والتي برأيه تحكم بكلٍّ من القوة والإجماع. لا يمكن فهم الدولة عبر المفهوم الضيق للحكومة، لذا يفصل غرامشي بين “المجتمع السياسي” وهو مجال المؤسسات السياسية والتحكم الدستوري، وبين المجتمع المدني والذي يُرى عموما على أنه مجال “خاص” او “غير دولاني” مختلف متفارق differentiated عن كل من المجتمع السياسي والاقتصاد.

فهو يرى أنه في ظل الراسمالية العصرية بوسع البرجوازية الحفاظ على تحكمها الاقتصادي بالسماح ببعض المطالب التي ترفعها الاتحادات العمالية والأحزاب السياسية الجماهيرية في المجتمع المدني بحيث يقبل بها أو يلبيها المجال السياسي. وبهذا، فإن البرجوازية تنشغل في ثورية سلبية من خلال ذهابها لأبعد من مصالحها الاقتصادية الآنية وتسمح لأشكال هيمنتها بالتغير. يفترض غرامشي أن حركات من طراز الإصلاح، والفاشية، والإدارة العلمية، ونظام تجميع الآلات والأدوات مبادىء فريدريك تايلور وهنري فورد[14] على التوالي أمثلة على ذلك.

يرى غرامشي ان الطبيعة المعقدة للمجتمع المدني يعني التكتيك الوحيد القادر على تقويض هيمنة البرجوازية والذي يقود إلى الاشتراكية هو حرب الموقع، كموازي لحرب التخندق. وأن حرب الحركة (او القتال الجبهي) الذي قام به البلاشفة، هي استراتيجية أكثر مناسبة للمجتمع المدني المتخلف في روسيا القيصرية. نلاحظ هنا مركزانية غرامشي في ملامسة البلدان الأوروبية المتخلفة وليس بلدان المحيط. ولكن هذا يتضمن كافة أنواع الحروب والتي هي هنا الصراع الطبقي. فكسب حرب المواقع فكرياً هو مبرر وجود الحزب والثقة به وبدوره في هيمنة المجتمع المدني للطبقة العاملة، فما موقع الأنجزة هنا؟ ورغم زعمه بأن الخطوط الفاصلة بينهما ضبابية، رفض غرامشي حالة الحرب التي تنتج عن مطابقة المجتمع السياسي بالمجتمع المدني كما حصل من قبل اليعاقبة والفاشيين. فهو يرى أن مهمة البروليتاريا هي خلق “مجتمع منظم” ووصف ذوبان الدولة بأنه التطور التام لقدرة المجتمع المدني على تنظيم نفسه.

II. موقع المجتمع المدني، الأنجزة

في المشروع الوطني

لست ادري من هو ذلك المبدع الذي صاغ “عقدة الخواجا” ذات يوم. كان يقصد فيما قصد طبعاً الخواجا المسلَّح في وطن أعزل. لم تُسقَط هذه العقدة، وإنما تحورت إلى المستوى الثقافي، إلى اختراق الوعي ليحل استجلاب او استيراد الثقافة والمفاهيم محل جدل المعرفة الإنساني. وسلعة الثقافة أخطر بكثير من سلع الاستهلاك المادي لأنها تعيش طويلاً بل لا تموت. نستهلك السلع الاستهلاكية والسلع المعمِّرة في مدى اقصاه عشر سنوات، أما سلعة الثقافة والفكر فتبقى في المرء وينقلها إلى غيره. وحين تكون العلاقة علاقة متعالٍ ومتلقي تكون النتائج كارثية. أليس هذا شأن الدمقرطة التي اتت بها التسوية السياسية وروجتها منظمات أنجزة بلبوس منظمات المجتمع المدني؟ ديمقراطية “نخب أول” تحت استعمار استيطاني اقتلاعي؟ هل أكثر من هذا محاولة لشطب ذاكرة شعب؟ ثقافة أن المرأة يجب أن تظل خارج العمل الوطني والقومي لأن الوطن حين يتحرر يبقى للرجل، والوطن مستلب تماماً في حالتنا. ثقافة الجندر في مواجهة ثقافة الوطن والطبقة[15].

والأمر الأكثر طرافة وألماً أن الديمقراطية التي يصدرها إلينا الخواجا الجديد، غدت بالنسبة له سلعة قديمة، حيث نقلته الأزمة المالية الاقتصادية إلى الفاشية، وأعادته إلى الشكل الاستعماري الكلاسيكي اي المباشر. أصبحت ديمقراطية الغرب تفويضاً مفتوحاً للحاكم في مجتمع يزعم المدنية محلياً ويبرر قيام طبقته العاملة بالمذابح في الخارج كي يبقى معدل الربح للشركات الكبرى عالياً، وخلال كل هذا يمول منظمات الأنجزة عندنا! اليست هذه معادلة عجيبة؟ خطورة هذا التفويض أن نتائج الانتخابات البرلمانية مضمونة لنفس الطبقة وإن كانت شرائحها تتبادل الحكم وهذا أحد اسباب الإبقاء على هذه الديمقراطية لأن نتائجها مضمونة لنفس الطبقة، أليست هذه ديكتاتورية؟ أليس قبول التعاطي مع منظمات ومؤسسات هذا الغرب هو نموذج على تسويق الهيمنة الثالثة؟

إن قراءة وتوظيف مساهمات غرامشي في بلدان العالم الثالث ومنها الوطن العربي هي مسألة اكثر تعقيداً من المستوى النظري البحت. بل هي، وعلى اساس البراكسيس تشترط المستوى العملي اي النقدي والكفاحي. فرغم أكثر من مئة عام على بدء النهضة العربية إلا أن المعيقات الداخلية (الثورة المضادة) والعدوان الإمبريالي الخارجي والاستعمار الاستيطاني الصهيوني قد حالت دون إنجاز مقومات اساسية للمجتمع المدني بالمفهوم الغربي العام سواء على مستوى: التحديث والعلمانية واعتماد العقلانية.

على ان هذا ليس كل ما يشترطه الوضع العربي إذا ما نظرنا إليه من مدخل الكينونة القائمة بذاتها، ومن مدخل الثقافة والحضارة العربية الإسلامية، من مدخل البدء من الذات، من الوجود القومي العربي المغرق في القدم، والذي لم يضِع في ثنايا التاريخ كما زعم هيجل عن أمم بلا تاريخ. لكنني حاولت قدر الإمكان حصر الورقة في أطروحات غرامشي وفي توفر شروطها في الوطن العربي والأرض المحتلة ليس تقيداً حرفياً بها، وإنما بقصد الإثبات انه حتى هذه الشروط ليست متوفرة هنا، مما يجعل اللغط الغزير عن المجتمع المدني عندنا أمراً بلا معنى، وطحنا للهواء.

وبغياب هذه الحوامل والشروط التي تضمنتها أطروحات غرامشي ولو بشكل نسبي، وفي ظل أنظمة الاستبداد والتبعية والنهب، فإن الحديث عن مجتمع مدني بالمفهوم العصري يظل في أرقى حالاته مسألة اجتهادات في الوطن العربي. يساعد على استنتاجاتنا هذه غياب المؤسساتية في الوطن العربي وغياب الديمقراطية وحرية الفرد وسيادة القانون في دول يتساوى فيها التوريث بين المملكة والجمهورية.

إن من شأن التقدم الصناعي أن يؤكد ويرسخ القاعدة الاقتصادية المادية التي لا بد منها لتأكيد وجود المجتمع المدني كما طرحه غرامشي وهذا ما لم يتحقق بالمستوى المطلوب عربياً وهو لا شك في قطريات أفضل من الأخريات. وإلى جانب هذا التقصير التحديثي والتحديث المقصود هنا هو الراسمالي) يعاني الوطن العربي من سيطرة البطريركية/الذكورية في تحالفها مع الراسمالية غير الإنتاجية من جهة ومع السلطة السياسية التي تعيق التنمية ويقع معظم ثقلها في التحليل الأخير على المرأة.

بهذا المعنى فإن الحديث الكثير عن المجتمع المدني في الوطن العربي فيه من الرطانة أكثر مما فيه من الواقعية. إنها محاولات حداثية (بالمضمون الأوروبي) في مجتمع ليس حداثياً ولم يمر بالتحديث، ولا نقصد هنا الحداثة بمعناها الأوروبي حصرياً كما لا نقصد أن الحداثة أوروبية بحتة بل هي إنجاز تاريخي إنساني شامل، كانت الحداثة الأوروبية آخر وأحدث طبعاتها.

قادت الحداثة وبالتالي المجتمع المدني الأوروبي طبقات برجوازية ذات توجه إنتاجي تحكمت بالفائض المحلي وأرست قاعدة صناعية إنتاجية، وهذا بعكس الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي التي تقوم في هذا المستوى بحركتين مضادتين للتاريخ:

· تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي بين قطر وآخر[16].

· وتعميق التخلف واحتجاز التطور في القطر الواحد.

تفيد قراءة غرامشي مجتمعياً في إلقاء الضوء على الهيمنة المتخلفة، هيمنة الاستبداد، التي جرى إيلاجها في الوطن العربي، وهي طبعة هيمنة خاصة بأنظمة الاستبداد. فلو راجعنا المعتقدات الإيديولوجية التي سادت في الوطن العربي مثل: الديمقراطية لا تلائم العرب، أو لا غنى عن الشخصية القيادية الكارزمية، أو الترسيخ في روع المواطن العربي أنه لا يستطيع الانخراط في عمل جماعي، وأن العرب منقسمون فئويا وطائفيا ودينيا وليس طبقياً…الخ، وحتى الخطر وهو استدعاء القبائلية والعشائرية كلما بدأت بوادر أزمة لأي نظام قطري عربي (العراق، ليبيا) والعشائرية في الأراضي المحتلة…الخ، كل هذه في حقيقة الأمر ليست سوى آليات لتثبيت الوضع الاستبدادي التابع. وربما من اكثر مفارقاتها حلول العشائرية في مقام الحزبية أو كبديل عنها. وبالطبع فإن سلسلة الثورات الحالية يجب أن تنسف تماماً مختلف هذه المزاعم. لا بل اكثر، فالثورة في مصر تمثل تجربة شعبية لا سابق لها، وإن كان ما يزال مصيرها معلقا في قدرتها على الانتقال إلى ما هو أعلى من الديمقراطية السياسية اللبرالية.

إن منظور غرامشي للمجتمع المدني هو منظور شامل يبدأ قوميا (بالمفهوم الوطني) وينتهي أممياً في شروط الانتقال المجتمعي إلى درجة كافية من الرسملة، نعم الرسملة كشرط. وإن كان هو نفسه لم يتطرق إلى بلدان المحيط وكأنه يعتقد “من مدخل مركزاني أوروبي” أن ما يحصل في أوروبا “يجب” أن يتبعه الجميع!!. لذا، فإن ما جرى في الوطن العربي هو معاكس تماماً لهذا المنظور التعميمي. ففي ظل الدولة القطرية يتم أو تم ضرب المشروع القومي، وهو المشروع الأقدر على إنجاز التحديث والحداثة، بل ما نريده وهو التنمية. لا بل إن احتجاز التطور وسيطرة الكمبرادور في الوطن العربي كان من بين مقاصده الحفاظ على البُنى القبلية والعشائرية فيه لأن هذه تتقاطع وخدمة البطريركية والتبعية وتلعب دورا كبيراً في طمس الحزبية والصراع الطبقي وهو ما يوفر للأنظمة الحاكمة فرص الاستمرار. وهذا مناقض بالطبع للوحدة وسيادة القانون ووجود مؤسسات حديثة وحداثية للمجتمع المدني. وإلى جانب هذه الإشكالات التي تخلدها الأنظمة، تتم تغذية مشكلة اخطر وهي تأليب الأقليات غير العربية في الوطن العربي ضد العرب وتأليب العرب ضدها مما يؤكد لا مدنية المجتمع ويعزز الارتباط المتخارج لهذه الأقليات على صعيد المشروع القومي الأمر الذي ينسف مفهوم وحق المواطنة والشعور بها كذلك.

بغض النظر عن ارتفاع هذا الحزب أو ذاك إلى المقام الاجتماعي التاريخي للقيام بدوره المفترض بل الضروري، ليس هنا مقام الحديث عن الأحزاب لأن ذلك مفهوماً للجميع. سنحاول في هذاالقسم التركيز أكثر على منظمات الأنجزة في محاولة لفرزها عن احتلال مشهد المجتمع المدني المفترض هنا وبالطبع احتلالها أو حلولها أو إحلالها محل الأحزاب السياسية. فالحزب ليس الأنجزة، ويجب أن لا يكون ذلك. بل الأمر ابعد، يجب أن تكون منظمات الأنجزة ادوات للأحزاب، إذا كانت هذه المنظمات محلية، وإن كانت اجنبية فيجب إفرادها ووضعها في دائرة الشك والنقد. إن لم يحصل هذا، فهناك خللاً. لذا، وطبقاً لما هو في هدف المؤتمر نستطيع الجزم بأن وضع الأحزاب ومنظمات الأنجزة على قدم المساواة أو حتى كمتشابهين متماثلين في المجتمع المدني هو إشكالية بحد ذاتها. فالأحزاب قوى تغيير مجتمعي سياسي اقتصادي وطني ومن ثم طبقي، هي مشاريع تحرير، إعادة بناء البلد ومن ثم إقامة سلطة التحرر الوطني والاجتماعي. الأحزاب تمثل طبقات اجتماعية يفترض ان تكون ذات وعي سياسي طبقي، ومن لا يتمكن من تمثيل نفسه يمثله الغير. فهل، في فترة الانحطاط الحزبي يمكن لمنظمات الأنجزة أن تمثل مجتمعات ومن ثم طبقات؟ بكلمة موجزة، كلما كان الحزب ثورياً، وكلما كان المثقف ثوريا ومشتبكاً، كلما كان على تناقض أعلى مع الأنجزة. وللقارىء أن يستنتج ما هو ابعد.

دور المثقفين وأنجزتهم

ربما كان تنبُّه بريجنسكي للمثقفين تأثراً بأطروحة غرامشي مع توظيف معاكس اي لصالح الثورة المضادة، ولا يقلل من هذا الاعتقاد كون غرامشي تحدث عن المركز وبريجنسكي عن المحيط، ولأن المسافة الزمنية بينهما بقرابة نصف قرن.

بذل غرامشي تفكيرا عميقا في مسألة المثقفين ودورهم في المجتمع. ورأى أن كل إنسان هو مثقف ولكن ليس لكل إنسان نفس الدور الاجتماعي للمثقف[17]“. لقد ميز بين المثقفين التقليديين الذين يرون انفسهم (بشكل خاطىء) كطبقة منفصلة عن المجتمع، وكذلك تفكير بعض المجموعات التي تفرزها كل طبقة من مراتبها بشكل “عضوي”. فمثل هؤلاء المثقفين العضويين لا يصفو الحياة الاجتماعية بتبسيط طبقاً لقواعد علمية، بل بالأحرى يمفصلوا، عبر لغة الثقافة، مشاعر وتجارب والتي لا تستطيع الجماهير التعبير عنها بنفسها.

بالنسبة له، فإن الحاجة لخلق ثقافة طبقة عاملة تتمثل في دعوة إلى التعليم الذي يمكن ان يطور مثقفين للطبقة العاملة الذين لا يقدموا فقط الإيديولوجيا الماركسية من خارج او بدون البروليتاريا، بل بالأحرى يجددون ويقدمون نقدا للوضع الراهن، للأنشطة الثقافية الجماهيرية الموجودة.

لا حاجة للقول أن غرامشي يرى هؤلاء المثقفين في الحزب الماركسي/الاشتراكي/الشيوعي، نقول هذا بغض النظر عن مشكلة قدرة كثير من الأحزاب على التعاطي الثوري والديمقراطي مع المثقفين، أو التعاطي المتخلف الذي يشكل قوة طاردة للمثقفين من الأحزاب. هذا إلى جانب وجود الروح الحلقية (لينين) لدى كثير من المثقفين الذين برغبتهم في التميُّز يسقطون في فردية خطرة تحذفهم إلى ألوان من الاتحرافات ومنها التهافت على منظمات الأنجزة. وفي هذه الحالة ينتقل المثقف الثوري النقدي من كونه مثقفاً عضوياً للطبقة العاملة إلى مثقف عضوي للبرجوازية. ربما يُجيز لنا هذا المقام التأكيد على أن المثقف العضوي النقدي لا بد ان يكون مشتبكاً كي يؤكد انحيازه الطبقي. يدفعنا هذا للتساؤل عن دور الأنجزة في التقاط المثقفين ومن ثم خسارة الأحزاب لهم. فهل الخلل في ألمثقف، الأنجزة أم الحزب؟

الأنجزة وليد المجتمع السياسي هناك وتشتغل في المدني هنا!

دعنا نكثِّف بعض ما قلنا بأن هناك قطبين متكاملين في نظر اللبراليين والبرجوازية المسيطرة/المهيمنة ومختلفين متخالفين ومتناقضين في نظر الثوريين الاشتراكيين/ الشيوعيين. إنهما المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وبما أن الحديث في هذا المقام/المؤتمر عن منظمات المجتمع المدني وخاصة منظمات الأنجزة، فوليدة ايٍّ من القطبين هي؟

صحيح أن ولادتها غربية، في بلدان المركز، ولذا يكون السؤال الأول: هل هي هناك وليدة المجتمع السياسي ام المجتمع المدني؟ قد يكون الجواب، وليدة كليهما، سواء في تناقضهما أو تضاجعهما. فمنظمات الأنجزة اليسارية هناك هي غالباً متولدة عن قوى يسارية نقدية ضد النظام السائد. ولكن، يبقى السؤال ما علاقتها بذلك النظام؟ أما منظمات الأنجزة الأخرى فهي من صياغة السلطة السياسية/الطبقية الحاكمة، اي المجتمع السياسي. ومع ذلك، فإن كلتيهما في نهاية النهايات مموَّلة من دائرة ال ODA كدائرة حكومية رسمية. وما نقصده بحكومية هنا أنها دائرة من دوائر الدولة بما يعنيه دستورها والإيديولوجيا السائدة فيها ومصالحها الخارجية وسياستها الخارجية. وحين يتمول حزب يساري من بلده من المركز، ليس بوسعنا الجزم أن هذا الحزب لم يخضع لشروط الدولة الأم. من منا يدري إن كان هذا الحزب كذلك مخروقاً بعملاء للدولة يؤثرون على مواقفه وعلاقته بالبلد الذي ينشط فيه. هذا ناهيك عن أن كثيراً من الحركات اليسارية من بلدان المركز تتبنى وجهة النظر الصيهونية بدءاً من الاعتراف بالكيان وصولاً إلى تاييد احتلال العراق، والتحريض اليوم ضد سوريا.ومن هذه الأحزاب من هو مؤيد للصهيونية من مدخل عنصري مركزاني اوروبي، أو من مدخل إيديولوجي عقائدي وهو حال منظمات تروتسكية فيها الكثير من الصهاينة بغطاء كيهود ماركسيين”. ملخص القول، أن لا شيء بريء إلى درجة أخذه على علاته.

لكن منظمات الأنجزة الغربية التي تعمل هنا أو تخلق تمفصلات محلية لها هنا، وهذا كذلك شأن المؤسسات الثقافية الغربية والمجالس الثقافية والملحقيات وحتى السفارات والقنصليات الأجنبية وخاصة الغربية منها، ورغم منشئها الحكومي فهي تعرض نفسها وتعمل هنا كمنظمات مجتمع مدني وكأنها غير حكومية. والخطورة الأعلى أن يتعاطى معها المحليون كما تزعم وتعرض نفسها!

أما وقد علمنا أن منظمات الأنجزة هذه هي في معظمها ممولة رسميا بحصص من الدولة، هل تختلف عن المؤسسات الثقافية والدبلوماسية الغربية العاملة في المحيط؟ هل هي مضادة حتى لسياسات دولها: إيكو (الاتحاد الأوروبي)، فورد فاونديشن (الأميركية) فافو (النرويجية) نوفيب (الهولندية)…الخ، القنصليات. هنا لا بد أن نأخذ بالاعتبار إصرارهذه المنظمات على علاقة مع المنظمات الصهيونية المشابهة لها واهتماماتها الثقافية وحدود تنمويتها ومواقفها من حق العودة. ونضال المرأة النسوي؟

أثر موقع ومرحلة ولادة أنجزة ما

من حيث موقع الولادة، فمنظمات الأنجزة هي توليدات في بلدان المركز الرأسمالي الغربي. والمركز معروف ليس في ماضيه وحسب بل في واقعه وما نستشفه من مستقبل مخططاته بأنه بدأ استعمارياً، وما زال وسيبقى. وإذا كان هناك لُبساً في قراءة ما مضى، فالحرب المفتوحة بانواعها كحرب تبين أن الغرب الراسمالي سيُقاتلنا في بلدنا حتى يقتلنا أو يموت. وليس الأمر فقط لأن الحرب صناعة رأسمالية تقوم على تدوير راس المال بالتدمير وإعادة البناء (كما سماها جزيف شومبيتر ب “الهدم الخلاق”) كما هو الإسم الحقيقي للمصرف الدولي، بل والعلاقة بنا اكثر، إنها علاقة من له مصالح دونها سيؤول وضعه إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم الانفجار الثوري ضد النظام القائم. هذا عن طبيعة موقع الولادة.

فماذا عن مرحلتها؟

تواكب توليد المنظمات غير الحكومية، والبعض منها اسمى نفسه منظمات طوعية، تواكب مع ظاهرة مركَّبة ثلاثياً: هي العولمة/ والنيولبرالية والتصحيح الهيكلي. وبداية دعنا نقول إن نبيَها هو زبجنيو بريجنسكي الذي دعا منذ بداية السبعينات إلى وجوب اهتمام الولايات المتحدة الأميركية باختراق الحركات القومية والمثقفين وحتى المزيفين منهم في بلدان المحيط. كان هدف الرجل هو انتزاع المثقفين من حركات التحرر الوطني نظراً لدور المثقف حين يكون عضويا نقديا ثوريا ومشتبكاً. حينها تكون الحركة الجماهيرية بلا رؤية. لماذا اهتم بريجنسكي بنزع المحرك الثقافي؟ اليس كي تكون هذه الحركات عمياء بلا رؤية؟ أليس لكي يعزز الديماغوجيا السائدة أن الجماهير دوما على حق؟ ليست دوما على حق فكثيراً ما تُخدع بقيادات ديماغوجية وربما مشبوهة؟ أما بيت القصيد، فهو كمثقف عضوي للنظام الطبقي السائد، فإنه كتب هذا ضمن حربه على الأمم التي تحاول التحكم بثرواتها. هنا يقوم بريجنسكي بضرب الحزب عبر اختراق المثقفين تمهيداً لأنجزة الحزب نفسه. وهنا يكون للمال دوره في تجنيد كل من لم يبني نفسه ولم يُبنى ثوريا وتحديداً عقيديا، فإما يجند للحاجة للمال أو يُجنَّد لأنه “زهق”الفقر والتقشف فاسترخى للاستهلاكية. في هذا المستوى نجد كثرة من الحزبيين وخاصة اليساريين وبالطبع منهم المثقفين الذين استمرؤوا العمل في الأنجزة أو تكوين انجزة أو العمل في المؤسسات الثقافية الغربية وحتى الرسمية منها كالمراكز الثقافية والقنصليات والملحقيات، واصبحوا خبراء يُنقلون من وظيفة وحتى من “مُهمَّة” إلى أخرى ومن ظلال دولة إلى أخرى، ويشعرون بانهم عاديين كبقية البشر! ولا يعود هذا الاستمراء إلى مستوى وعي الفرد وانتمائه وحسب بل يعود اكثر إلى سقف العمل الوطني وانحطاطه حين لم يعد الحزب نموذجا ثوريا وطنيا يُحتذى. بل واصبحت الأحزاب تخشاهم وتبيح لهم ذلك لأنهم مصادر تمويل ! تجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة الأمريكية لدعم مؤسسات “حقوق الإنسان” كانت من بنات افكار بريجينسكي في عهد نظام كارتر وشغل حينها مستشار الأمن القومي للرئيس. وعندما جاءت إدارة ريغن وجدت ان سياسة دعم “حقوق الإنسان” لا تكفي وحدها في اختراق المجتمعات المدنية في اوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية والوطن العربي بل استحضرت ما يسمى ب “مشروع الديموقراطية” او “مشروع “ترويج الديموقراطية” والذي تبناه في حينه جورج شولتس وتم تأسيس الوقفية القومية National Endowment for Democracy للديموقراطية لتعمل علنا بدلا من عمل السي آي آيه السري[18].

والعولمة المقصودة هنا هي العولمة التي نزعم أنها الحقيقية، اي هي المرحلة الأكثر تطورا/عدوانية للراسمالية، لأنها في طور أزمة الراسمالية التي بدأت منذ بداية ستينات القرن الماضي وهي ممتدة ومتفاقمة حتى اليوم. وبما هي طور راسمالي في علاقة المركز بالمحيط، فهي ثالثة درجات هذا الطور في علاقة مركز محيط الذي بدأ بالاستعمار فالإمبريالية ومن ثم بالعولمة والتي تُجدد اليوم دور الاستعمار العسكري المباشر من جهة تخلق حالة جديدة هي استعمار البلد من البلد نفسه ضمن تقسيم عمل، يكون المركز قوة تدمير من الجو وقوى الاختراق المحلي على الأرض كما في ليبيا، إن نجحت الحالة! إن العولمة هي حالة النظام الرأسمالي العالمي في تكريس سيطرة المركز على المحيط، واستعادة تلك السيطرة عبر تفكيك حركات التحرر الوطني التي أصبحت دولاً، وتأكيد ان مرحلة ما بعد الاستعمار لم تنتهِ، وتفكيك بلدان الاشتراكية المحققة، والتسويق لما يسمى موات الإيديولوجيا، والإبقاء على إيديولوجيا السوق والتكفير بالسرديات الكبرى، والأهم من بين هذه كلها تحرير التجارة الدولية بفتح اسواق المحيط ومناجمه للمركز، إما بالطوع وإما بالقوة.

وعن هذه الأرضية وعليها كان اعتماد السياسة الاقتصادية اللبرالية الجديدة في المركز والتي قامت على الخصخصة، وبيع القطاع العام لراس المال الخاص، وتحطيم النقابات العمالية للاعتداء على مكتسبات العمال، ومغادرة دولة الرفاه ووعظ المرأة بالعودة إلى المنزل، وزيادة الضرائب على الطبقات الشعبية والوسطى، وتقديم مرتجعات ضريبية للشركات الكبرى وتكريس ديماغوجيا ثقافية مفادها “ليس هناك اي بديل” اي لا بديل للراسمالية (الشعار الذي ساد بريطانيا خلال حقبة تاتشر There is no alternative TINAتينا)، إنها تحرير التجارة الدولية لصالح الشركات الكبرى اي سيطرة هذه الشركات على الدولة القومية.

تقابلها في المحيط سياسات التصحيح الهيكلي التي هي قيام صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي بإعادة هندسة بلدان المحيط التي تقدمت إليهما أو أُرغمتا على التقدم إليهما بطلب المساعدة الاقتصادية، الاقتراض ولا سيما بعد أزمة المديونية، فقدما لها “الوصفات” التي ملخصها ومفادها: تطبيق سياسة توفر للحكومات ما يسمح لها بدفع ديونها واقساط ديونها للمصرف الدولي والدول والمصارف التجارية وذلك عبر: إلغاء الدعم عن السلع الأساسية، تقليص الدعم الصحي وتقليص دعم التعليم، تخفيض قيمة العملة حسب تعليمات صندوق النقد الدولي. أما الأخطر، فإن هذه الحكومات لم تستخدم القروض في التحديث والتنمية بقدر ما استخدمتها للفساد مما حال دون القدرة على السداد. ولو لخصنا هذه السياسة لكان جوهرها : وضع قيادة دول المحيط بيد دول المركز. لم يخرج الاستعمار ايها السيدات والسادة، بل عاد و/أو استُدعي! وهذا يؤكد مقولتنا بأن مرحلة ما بعد الاستعمار لم تأتِ، ولهذا نقاش آخر.

من هنا تحديداً كان انتقال دول المركز في تصريف مساعدات للمحيط بتحويل معظم المساعدات من مساعدات موجهة بين دولة ودولة إلى مساعدات موجهة بين دولة ومنظمات الأنجزة في الدولة التابعة!

إن العلاقة بين السياسة النيولبرالية وبين التصحيح الهيكلي في المحيط هي علاقة ناظمها سياسات العولمة. وهذا ما يمكننا تسميته من ناحية طبقية تكوين القطاع العام الراسمالي المعولم[19] بما هو تحالف الطبقات الحاكمة على صعيد عالمي بما يجعل أو جعل فعلاً، مختلف انحاء الكوكب مساحة مفتوحة لراس المال الذي قاعدته وقيادته ومخزونه المالي وإدارته وعائداته في المركز وتذيُّلاته ممثلة في برجوازيات المحيط كتمفصلات تابعة له. في هذه المرحلة نبتت وتوسعت منظمات الأنجزة، فماذا سيكون جوهرها وطبيعة قرارها؟ لماذا ترافقت مع هذه التطورات؟

من هنا وجوب التنبه إلى خطورة أن تلعب الأنجزة دور المعارضة من خارج جهاز الدولة فتبدو كجزء من المجتمع المدني وحتى بديلاً للعمل الحزبي، لاسيما انها “أطرى وأندى” فهي بلا عقيدة، وتدعو ضد العقيدة أو الإيديولوجيا مع انها غارقة ومغرقة في السوق كإيديولوجيا، وهي مصدر مال وتمويل واستهلاكية، وهي تحمل ثقافة وديمقراطية الغرب الراسمالي التي تبدو جميلة على الفضائيات، ولكنها استغلالية داخل مجتمعاتها ودموية في المحيط. هي اطر فيها متسعاً لتناقضات عجيبة، فبإمكان المرء أن يكون وطنياً وعميلاً [20] وأن يكون ضمنها. لا احد يحاسب أحداً ويمكن للمرء أن يكون دجَّالاً وقوميسار سياسي كذلك.

إذن، اين تقف الأنجزة ما بين الهيمنتين اللتين تحدث عنهما غرامشي؟ لم يتحدث الرجل عن التخارج، والغزو الثقافي وعن ما هو اوسع من الدولة القومية بمعنى أنه تحدث عن المجتمع المدني في هذه الدولة. لكن الأنجزة هي حالة غزو ثقافي من المركز إلى المحيط غزو ثقافي على عجلات مالية هي آلية لتشجيع ورعاية التخارج الثقافي من المحيط إلى المركز، هي مُرسلة ومرتبطة بالدولة الأجنبية كعدو وغازٍ وهي التي تنشر ثقافة راس المال ودمقرطته العنصرية سوءا بالحديث عن المجتمع المدني وحقوق الإنسان. اي إنسان، لم نعد نعرف! وثقافة الجندر بدل الوطني والطبقي والضد راسمالي. بهذا المعنى، هي ليست تماماً ضمن هيمنة السلطة الكمبرادورية الحاكمة في المحيط، ليست جزءا من جهاز الدولة، كما لأنها متخارجة فهي تقحم نفسها على منظمات المجتمع المدني المفترض أنها نَبتاً محلياً، هي تطالب بديمقراطية من النمط الغربي وتروج للسوق واللبرالية الجديدة، وهي ليست ضمن هيمنة الطبقة العاملة التي هي تحررية وطنية وثورية. تحاول منظمات الأنجزة استخدام المجتمع المدني كناقلة تزعم من خلالها أنها أداة المعارضة السياسية والتحول الاجتماعي. والسؤال هو: التحول الاجتماعي باي اتجاه؟ ولا سيما في مجتمع عربي وخاصة فلسطيني؟ باتجاه السياسات اللبرالية الجديدة، تقديس السوق والتكفير بالسرديات الكبرى، وممارسة التطبيع وتقويض المقاطعة، هي إذن مشروع الهيمنة الثالثة، أي هي وجه جديد للكولونيالية. ومن هنا نسأل المجتمع المدني في الغرب، كيف هو مدني بينما سلطته تستخدم ابناء الطبقة العاملة في الغرب لاستعمار الأمم الأخرىويفعل هؤلاء الأبناء…القتل !

آليات إدخال الأنجزة في المجتمع؟

بناء على موقع ومرحلة تبلورها وعلى طبيعة علاقة مركز/محيط ومركزية السوق فإن آليات إدخالها إلى مجتمعاتنا هي آليات مثيرة للقلق الوطني ومن ثم الطبقي. هي آليات تستدعي ما نسميه الاختراق. ليست هناك من آلية لقراءة العلاقة بين الطرف الممول والطرف المتلقي سوى آلية السوق. والسوق ليست مسألة بريئة ولا تطوعية. لا تقوم دول ذات تاريخ وحاضر استعماري بتقديم مساعدات قط بدون أن يكون هدفها إما تجنيدي مباشر و استثماري سواء لتحقيق مكاسب آنية أو استراتيجية.

بدأ الدخول إلى المجتمع المحلي عبر علاقات بين افراد أو تنظيمات محلية وبين المؤسسات بل والدول الأجنبية، وذلك تحت غطاء مساعدة الشعب الفلسطيني. كان ذلك قبيل الانتفاضة الأولى لكنه اتسع بعد بدء الانتفاضة إلى درجة كبيرة. ليس معروفاً لماذا تم اختيار هذا الفرد أو ذاك، هذه المنظمة أو تلك لتلقي المساعدات. من يدري مقدار المبالغ المحولة من الخارج إلى الداخل إلى هذا الطرف او ذاك، من يدري هل تورط هذا أو ذاك في صفقة سياسية فكرية ثقافية…الخ مقابل ان يحصل على الدعم. بكلمة أخرى، هناك غياب للشفافية تجاه منابع هذه الأموال، لنقل أموال الاختراق. وبالطبع ليست لدى شعبنا وسائل متابعة منابع هذه الأموال كما تتابع الولايات المتحدة ما يسمى ” منابع أموال الإرهاب لتجفيفها”؟ هناك أموالاً يمكن تصنيفها ضمن الإرهاب على الوطن. فما تفسير أن يتلقى هؤلاء اموالاً من دول اجنبية وخاصة المعادية لشعبنا وقضيتنا؟ بعض هؤلاء شرفاء جداً، ولكن لماذا يتم توجيه الأموال إليهم دون غيرهم؟ هذا ناهيك عن آليات ووسائل ومسارات وشروط إنفاق هذه الأموال.

العلاقة بتدهور المشروع الوطني

تتعدد آليات الاختراق التي تستخدمها منظمات الأنجزة الأجنبية، سواء بوجود أفراد ذوي توجهات لبرالية مندهشة بالغرب، أو ذوي ميول ارتزاقية أو من يرون العلاقة تجارية بحتة، أو ضمن نطاق البحث عن عمل…الخ. ولكن ما يوفر اوسع مناخ لهذا الاختراق ويوفر مظلة وغطاء لذلك هو تدهور السقف النضالي الفلسطيني وتفكيك المشروع الوطني.

صحيح أن فترة الانتفاضة الأولى قد وفرت مناخاً لتوسع مساحة التضامن الدولي مع شعبنا، ولكن هذه اللحظة بالذات قد وفرت مناخاً مزدوجاً، للمتضامنين وللمندسين. وبما أن جواز الدخول هو المال فإن الأطراف المعادية هي الأكثر مالاً. في المراحل الأولى للاختراق كانت شروط “المانحين” مرنة جداً وذلك لوضع موطىء قدم، ولاحقاً بدأت أعمال التشدد لانتقاء من يخدمهم بشكل أفضل إلى أن وصل الأمر إلى الطلب العلني بالتوقيع على وثيقة مناهضة الإرهاب! وهكذا يتم تكريس التبعية ومن ثم فرض شروط التجنيد.

ما كان لهذا الشرط العلني، ولا نعرف ما هي الشروط السرية، ان يحصل لولا تدهور السقف النضالي الوطني في الأرض المحتلة، ولولا تغلغل إيديولوجيا التسوية والاعتراف بالكيان والتطبيع كذلك. وعليه، فإن امتطاء لحظة الانتفاضة الأولى قد فتح النافذة الأولى للاختراق، أما اتفاق أوسلو فقد جعل كل شيء مباحاً، بدءاً من التمول من دول المركز كدول معادية علناً لقضية شعبنا الأساسية “حق العودة” انتهاء إلى مشاركة كثير من منظمات الأنجزة في علاقات تطبيعية مع منظمات صهيونية في الكيان وخارجه. بقي أن نضيف، أنه كلما تقادم الزمن على تدهور المشروع الوطني كلما اصبح الاختراق سلوكا عاديا إلى درجة وصل الأمر بكثيرين حد استهجان أن ننقدهم كمطبعين، واستهجان أن ننقد تحولهم إلى مخبرين ثقافيين وبحثيين للأعداء باسم الأكاديميا والبحث العلمي، واستهجان نقدنا لفلسطيني يعيش بين أعتى الصهاينة في كيبوتس مما يشعرهم بأنهم طبيعيين!!.

من بداية غير مرصودة إلى شفافية شكلية

بدأ التمويل الأجنبي المعلن في الأرض المحتلة منذ منتصف السبعينات. ولكن لا أحد يعرف متى بدأ بشكل غير معلن. كيف لنا أن نصدق اية دولة انها تعلن كل ما تفعل؟. ولكن لنفترض أن هذه بدايته، فهو بهذا المعنى قد حُفز بعاملين ليس شرطاً أن هناك تنسيقاً بينهما، لكنهما التقيا في النتائج:

الأول: وجود تراث التموُّل لدى منظمة التحرير الفلسطينية مما جعل تلقي الأموال أمراً عادياً بمعزل عن المصدر. فإذا كان “الممثل الشرعي والوحيد” متلقياً للتمويل من حيث أتى وخاصة من الدول العربية الرجعية والمعادية لشعبها، فلماذا لا يتجرَّأ اللبرالي على التمول من حكومات المركز؟ وبما أن م.ت.ف معتادة بل هي اسست لهذا التموُّل، فهي لن تبدي اعتراضاً على قيام غيرها بذلك، طالما لا ينازعها دورها القيادي. أما تحول المنظمة إلى سلطة أوسلو ففتح الباب لأي مال من المركز وهو الذي تجسد منذ 1993 في تلقي الحكم الذاتي مساعدات مالية، اي ريْع مالي Financial Rent مقابل تنازلات سياسية أخطرها الاعتراف بالكيان الصهيوني.

والثاني : أطروحة بريجنسكي في احتواء القوميين والمثقفين في بلدان المحيط. وهي الأطروحة التي وُضعت قيد التنفيذ برصد أموال تُرشُّ على بلدان المحيط وخاصة الأكثر توتراً بما فيها الأرض المحتلة.

طالما بدأت العلاقة غامضة من جهة، ومسكوت عليها من القيادة السياسية (التي بهذا كانت حصان طروادة) من جهة ثانية، صار سهلاً على منظمات الأنجزة أن تتحدث عن الشفافية وعن فساد سلطة أوسلو-ستان، وأن تزعم أنها منضبطة مالياً وبرنامجياً…الخ، ولكن دون أن تحقق شيئاً على الأرض، ودون أن تتعرض للمسائلة سواء في إنجاز ما تعهدت به أو كيف تتلقى التمويل وما مقاديره. بل صار سهلاً عليها طالما هي مصدر تمويل أن تخترق الأحزاب وتحل محلها.

بل لعل الأمر ابعد من ذلك، فهذه المنظمات هي التي تتحدث عن الفساد، وهي نفسها التي تنتقد بشدة التمويل الأجنبي وتنقد نفسها أحياناً كمنظمات او كشخوص بأنها ممولة أجنبياً، لكنها تواصل تلقي الأموال؟ فهل هذه شفافية؟

تنمية أم حداثة، ما بعد حداثة، وإعادة هندسة؟

إلى جانب حقبة العولمة واللبرالية الجديدة وإعادة التصحيح الهيكلي ترافق انتشار منظمات الأنجزة مع مسألتين هامتين اخريين:

· غرق بلدان المحيط في أزمة المديونية العالمية التي ينسبها البعض إلى طفرتي اسعار النفط 1973 و 1982 مما وضع البلدان الفقيرة تحت طائلة عبء إضافي لتمويل حاجات اساسية منها الغذائية والنفطية والتسليحية،

· التنبه المفاجىء للتنمية من قبل الأمم المتحدة حيث اسمت عقد الثمانينات، تفاؤل اليائس، بعقد التنمية الأمر الذي خلق “موضة” التنمية كما هي موضة الحديث عن المجتمع المدني.

ليس هنا مجال الحديث عن اسباب المديونية الأخرى. أما بخصوص التنمية فمن النادر أن وجدنا منظمة أنجزة لم تُطلق على نفسها ولم تستخدم في خطابها “التنمية”، إلى درجة لم يعد بوسع المرء التفريق بين التنمية والفساد.

لكن الوقائع على الأرض تتحدث عن غير هذا. ودون الخوض في الحديث عن معنى التنمية تحت استعمار استيطاني وعن الشروط الشعبية للقيام بتنمية تحت هذا الاستعمار، فإن هذه المنظمات لم تنجز شيئاً من التنمية. ما يمكننا القطع به ان هذه المنظمات وضمن تسمية نفسها جزءاً اساسياً من المجتمع المدني، قد تلقت أموالاً غير معروفة مقاديرها! وهنا يكون السؤال، إذا كانت المقادير تافهة، فلماذا التنطح لشعارات ضخمة كالتنمية؟ وإذا كانت مقاديراَ ضخمة، فأين مفاعيلها التنموية؟

ما نلاحظه على السطح أموراً أخرى. هناك أنشطة لهذه المنظمات فيما يخص نشر الفكر اللبرالي، وثقافة السوق، وثقافة الغربنة والتخارج كالتركيز على: الديمقراطية بالعموم، والانشغال بالديمقراطية تحت استعمار استيطاني، والتركيز على حقوق المرأة من مدخل الجندر وليس الوطن والطبقة، وعدم التعرض للفكر الراسمالي واعتماد التمول كاساس “للتنمية” دون حدوث تنمية، وإنفاق أموال على المكاتب والرواتب،والتعاطي مع نظائر صهيونية لها…الخ.

وعليه، بين التماهي مع ثقافة السوق والاعتماد على المال الأجنبي وهو مال سياسي، هو ريع مالي لترويج ثقافة سياسية هي ثقافة التطبيع والتسوية والابتعاد عن المقاطعة، وبين الوعظ لنصف المجتمع، اي للنساء بالابتعاد عن العمل الوطني والنضال القومي اي التكفير بالسرديات الكبرى، فقد راوح وانحصر نشاط هذه المنظمات ضمن الحداثة بمفهومها الاختراقي الغربي وبين ما بعد الحداثة بخطورتها على الثقافة والوجود الاجتماعي في البلاد.

وإذا ما قرأنا دورها وسياساتها ومواقفها من التطبيع والمقاطعة والعمل الوطني نجد أنها جزء من مشروع إعادة هندسة المجتمع، وفي هكذا موقع فهي تروِّج للهيمنة الثالثة، الهيمنة التي لا يمكن لسلطة الحكم الذاتي التصدي لها لأنها هي نفسها وليدة اتفاق اوسلو الذي هو وليد وصياغة المركز الراسمالي الغربي وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكيان بالطبع.

ليس المطلوب أن نعلق الآمال على منظمات المجتمع المدني في بنية كالتي نحن عليها، ولا على منظمات الأنجزة بأن تكون قوة رفض شعبي للتسوية، ولكن كونها لا تقف معارضة للتسوية ولأوسلو تحديداً وكونها تتعاطى مع سلطة أوسلو كسلطة طبيعية، فهي بهذا الموقف تقع ضمن إطار إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني تحت الاستعمار الاستيطاني.

ترمي إعادة هندسة المجتمع إلى قضية اساسية او هدف أساسي بغض النظر عن فرعياته، وهو تفكيك التماسك النضالي للشعب الفلسطيني وتعييش المجتمع حالة الشعور بأن ما هو قائم ليس فقط الأمر الواقع بل الواقع بعينه الذي لا علاقة له بأي ماضٍ، وتحديداً لا علاقة له بالأرض المحتلة 1948.

ولتمرير وتكريس هذا الهدف لا بد من العمل على تصوير الحياة تحت الاستعمار الاستيطاني كحياة عادية، سواء عبر الانتخابات، والحديث عن تكوين دولة وتمرير وممارسة التطبيع والابتعاد عن المقاطعة، وتشجيع الاستهلاكية والانشغال بالحياة الفردية اليومية وهمومها، والارتباط بمديونيات مصرفية لا يقوم بها سوى شعب في حالة استقرار وطني واجتماعي كالاقتراض للمنازل والسيارات مما يغرق المواطن في القلق على تدبير حياته اليومية.

هنا يبرز الدور الحقيقي لمنظمات المجتمع المدني التي إذا كانت منظمات شعبية، فإن عليها الوقوف ضد الأطراف التي تحاول إقناع الناس بأن هذه هي الحياة العادية لمجتمع تحت استعمار استيطاني، والأطراف هي:

· سلطة أوسلو التي تستوعب قرابة 200 ألف شخص في وظائف باجهزتها مما جعلهم في حالة تبعية للسلطان كمصدر للرزق[21]. لا باس وإن شتموا وصرخوا ضد هذا النظام، لكنهم في النهاية بانتظار نعمته وقد لا يخرجون عليه. وعليه، فهذه السلطة تمارس السيطرة من خلال أجهزة الأمن والمخابرات التي تمارس القمع المزدوج: قمع حركات المقاومة المسلحة، وقمع المواطنين لإثبات هيبة السلطة

وهنا، ليست سلطة اوسلو-ستان جهازاً محايداً، بل هي جزء من الحركة الحزبية الوطنية التي تدجَّنت، بل إن التدجين هو سبب اساس في تقاطعها مع الأنجزة. كما تمارس سلطة الحكم الذاتي الهيمنة من خلال تدجين من يعتمدون عليها، وتمرير خطاب التسوية سواء بالزعم أن المدن مناطق محررة، وأن المطلب للشعب الفلسطيني هو دولة، وأن الاتفاقات التي وقعت عليها منظمة التحرير غير قابلة للنقاش، وأن التطبيع أمراً عادياً وأن المقاطعة تضر بالاقتصاد المحلي…الخ

· الدول المانحة، والتي تمول خزينة سلطة الحكم الذاتي كي تتمكن سلطة الحكم الذاتي من السيطرة والهيمنة على اعتبار أن السلطة والمانحين مشتركين معاً في مشروع التسوية.

· الأنظمة العربية التي تساهم في هذا الهدف اقتصادياً عبر تمويل المانحين للسلطة وسياسياً عبر المبادرة العربية التي طواها شارون في بطنه ومضى،

· وفي النهاية الكيان الصهيوني الذي هو المستفيد الأساسي من كل ذلك بمعنى أن ذلك الاقتران بين المال السياسي لتوظيف قوة العمل الشابة والمناضلة بدل تشغيلها في مواقع الإنتاج، إلى جانب تقويض وإهمال مواقع الإنتاج وخاصة الأرض، والتثبيت في روع المواطن أن الغرب هو ولي نعمته وكل هذه تفتح على التطبيع التدريجي على قبول أطروحة الغرب المجسدة في الوجوب على الفلسطينيين الاعتراف بالكيان الصهيوني. ويصبح هذا الاختراق اسهل وأكثر عمقا كلما اقترن به التراجع النضالي سواء في مستوى الكفاح المسلح أو العمل السياسي.

الفئات المستهدفة للأنجزة

أحد الفوارق الهامة بين التنمية والتحديث أن التنمية استراتيجية تستهدف المجتمع بأكمله، الجميع، أو الأكثرية، بينما التحديث قطاعي أو فئوي او نخبوي. بهذا المعنى، فإن الفئة المستهدفة لا تنسجم مع يافطة التنمية التي تستخدمها منظمات الأنجزة والمجتمع المدني عامة. وبما أنها غير حكومية، فالحكومة هي التي عليها تمثيل أو خدمة الجميع، إن تم تطبيق ذلك فعلاً في اي مجتمع طبقي، ولكن يبقى مع ذلك شعار التنمية مثابة رطانة لغوية.

يمكن فهم الحديث عن الفئة المستهدفة حين نعرف من هي الفئات التي أُستُهدفت سراً أو علانيةً. لعل الفئة المستهدفة الأولى دون الإعلان عن ذلك هي فئة المثقفين، وهي التي اشار إليها نبي العولمة في المحيط زبجنيو بريجنسكي. فهذه الفئة هي ناقلة “مشروع” الأنجزة إن لم نقل المجتمع المدني بمفهومه الغرامشي المستلب. هذه الفئة أو النخبة هي موطىء القدم، وهي أكثر المستفيدين فرادى.

لذا، يحمل النقد الموجه لمنظمات الأنجزة بأنها امتصَّت الكثير من المثقفين وخاصة من القوى اليسارية، يحمل مضموناً حقيقياً. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فقد تمكن بعض هؤلاء المثقفين من البقاء داخل منظماتهم السياسية مما سمح بسيطرة تفكير الأنجزة ومواقفها السياسية على بعض هذه التنظيمات الأمر الذي انتهى إلى أنجزة القوى السياسية[22]. ولا حاجة للتفصيل هنا، بان هذه الأنجزة للقوى السياسية قد حولتها بعيداً عن جوهر الصراع العربي الصهيوني وشروطه ومتطلباته.

وفيما يخص الفئات المستهدفة الأخرى، لنقل علانية، هناك منظمات تستهدف المرأة، وأخريات تستهدف العنف ضد المرأة، النساء المعنفات، أو النساء الفاقدات، والبعض يستهدف الشباب في سن مبكرة، والنقابات العمالية والمهنية والبعض يستهدف اصحاب المشاريع الصغيرة…الخ. صحيح أنه من غير الممكن لمنظمة أنجزة أن تستهدف المجتمع ككل، ولكن لماذا تعمل كل منظمة بمفردها/ هل بينها تقسيم عمل؟ ما هو؟ المهم في الأمر أن هذا الاستهداف هو قطاعي وليس عاماً، مما يثير النقد للزعم التنموي، ويبرر لهذه المنظمات أن تعمل ضمن مجالات محدودة جداً مبتعدة عن مجالات في غاية في الأهمية وقريبة من مجال العمل الذي اختارته[23]، كما انه يسمح لهذه المنظمات باختراق النسيج المجتمعي طبقاً لاهدافها وشروط مموليها، وليس طبقاً لسياسة اقتصادية محلية او خطة تنموية وطنية.

ربما يُثار سؤال هنا: لكن، لماذا تسمح الحكومات لهذه المنظمات بكل هذا الدور؟

يردَّنا هذا السؤال إلى مديونية بلدان العالم الثالث وتلزيمها بتطبيق سياسات إعادة التصحيح الهيكلي كشرط للحصول على القروض. لقد وصل الأمر ببلدان كثيرة درجة العجز عن الاعتراض على قيام الممولين الأجانب بالتعامل مع المنظمات غير الحكومية كمعادل للسلطة نفسها[24] وذلك لحاجة هذه البلدان للمساعدات حتى ولو ضئيلة. هل هذا الاضطرار من أجل رفد التنمية، التحديث؟ أم إلى جيوب الفاسدين؟ وهكذا، فبالتمويل لم تخترق هذه المنظمات فحسب بل الأنظمة السياسية ايضاً.

بعض ما نتج عن منظمات الأنجزة والمجتمع المدني:

يسمع المواطن يومياً تردُّد عبارات المجتمع المدني، منظمات المجتمع المدني، المنظمات الأهلية، منظمات غير حكومية…الخ. كما يقرأ كثيراً عن اسماء مشاريع وانشطة وبيانات متعلقة بمختلف نواحي الحياة. ولكن إلى جانب هذه الضجة الواسعة، وهي إعلامية دعاوية، هل هناك وجود موضوعي على الأرض بحجم الدعاية نفسها؟ ما هو معيار تقييم دور اي طرف، حزب، منظمة، طبقة، نقابة في المجتمع؟ومن الذي يحدد ذلك؟ هل هي السلطة، المنظمة نفسها؟ القوى الأجنبية؟ أم واقع المجتمع السياسي والحياتي؟

من أجل قراءة متماسكة لهذه الظاهرة، لا بد من النظر إلى اصول تكونها. وهنا لا بد من التنبه إلى خلط الفئات تحت المصطلح الواحد سواء عن جهل أو قصد. وبغض النظر عن مدى انطباق المصطلح بصيغته التأسيسية لدى غرامشي وفي المجتمع الراسمالي الصناعي، فإن حالة التكوُّن مفصلية هنا. فلا يمكن اعتبار حركة سياسية نشأت محلياً أو نقابة أو حتى جمعية خيرية نشأت محلياً لا يمكن إدراجها إلى جانب منظمة غير حكومية تكونت بتمويل خارجي مهما كان نظيفاً. والإشكالية هنا ليست فقط في عملية التموُّل على خطورتها، بل كذلك في طبيعة البنية. فالمنظمات غير الحكومية تبدأ عادة بفرد أو قلة من الأفراد إضافة إلى مكاتب وإمكانات مالية، وتحافظ على هذا الشكل طوال دورة حياتها. ولا يمكن اطِّلاع صغار الموظفين على مصادر ومبالغ التمويل. وحتى لو علموا ببرامج العمل، فمصادر التمويل ليست في متناول الجميع. كما أن منظمة الأنجزة تعمل ضمن القطاع المستهدف بل الفئة المستهدفة.

أما الحزب فمشروع وطني سياسي مجتمعي يستمد قوته من مدى ترسخ جذوره الاجتماعية والطبقية ومن مشروعه النضالي في القضايا الوطنية. ففي حالة المناطق المحتلة، ينشغل الحزب السياسي الحقيقي في ممارسة كافة أشكال المقاومة الحقيقية ضد العدو وخاصة الكفاح المسلح. وعليه، من الخطورة بمكان خلط الجميع تحت تسمية منظمات المجتمع المدني، وخاصة المنظمات الممولة من الخارج.

المهم أن مدى جدية ومشروعية اية منظمة مجتمع مدني في وطن مستعمَر استيطانياً كامنة في دورها الوطني، وفي تناقضها مع أعداء الوطن. فهل يمكن لمنظة أنجزة تتمول من دول معادية أن تعادي هذه الدول؟ هناك في السنوات الأخيرة مزيداً من الوعظ بالعمل الاجتماعي و “المقاومة الشعبية” دون تحديد طبيعة هذه المقاومة بل بقصد تمييع المفهوم والمبدأ الحقيقيين للمقاومة الشعبية، بل حرب الشعب. لذا، لا بد لكل من يطرح المقاومة الشعبية أن يجيب على اسئلة اساسية: هل تنفي الكفاح المسلح أم لا، هل تمارسه أم لا؟ هل تعترف بالكيان أم لا؟ هل تمارس التطبيع مع الكيان ومنظماته ومع الكمبرادور العربي الذي يرعى الكيان ومع الغرب الراسمالي الذي يحتل الوطن العربي أم لا؟ هل تتمول من مؤسسي ورُعاة الكيان ام لا؟ هل هي مقاومة سلمية ضد عدو لا يمارس سوى العدوان المسلح ؟ هل هي مع اتفاق أوسلو؟ هل تتصرف وتستفيد وتعمل ضمن اوسلو وتزعم أنها ضد هذا الاتفاق؟. هذه الأسئلة الحارقة بهدف كشف محاولات التغطية على ابتعاد منظمات الأنجزة والمجتمع المدني الممولة من الخارج عن الثوابت الوطنية والقومية وبالتالي عن المقاومة الحقيقية.

ما أفرزته منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج، بل التي لا تعيش إلا بذلك التمويل هوشريحة من اصحاب الدخل أو العائدات غير المنظورة. وهي شريحة تحظى، نتيجة لدورها بدخل متميز مقارنة بالأجور والمداخيل للمحليين من نفس الفئة والعمل، ولكنها تفقد بالمقابل دورها السياسي الناشط سابقاً في العمل الوطني والتنظيمي، كما تصل إلى وضعية لا تستطيع معها العودة إلى الوراء، اي إلى ما كانت عليه. وليس هذا الترهل صدفة بل هو ضمن خطة.

من نتائج تبلور هذه الشريحة دورها الثقافي بمعنى نشر الثقافة الراسمالية الغربية عامة وثقافة الوعظ بالسلام والديمقراطية في مجتمع يخضع لاستعمار استيطاني. من هنا نشاهد منظمات غير حكومية تعقد دورات لتدريب النساء على المفاوضات!، والرجال على اللاعنف، وتعقد مؤتمرات للنساء الفاقدات اي اللواتي فقدن الرجال أو الأبناء بسبب المقاومة.

هذه الثقافة الرخوة هي التي تمارس التطبيع كما لو كان أمراً عادياً. ولا يتوقف التطبيع هذا على التطبيع مع الكيان الصهيوني بل كذلك في تسهيل واستدعاء مطبعين عرباً لدخول الأرض المحتلة. وبالطبع تخفي كل منظمة من هذه مطبعيها وربما تفضح تطبيع غيرها. كما يتم استخدام الأماكن والمواقع الممولة من الخارج في استضافة مطبعين عرباً. ناهيك عن استضافة أعداء للشعب الفلسطيني أمثال الموسيقار الصهيوني دانييل بارنباوم. بهذه المسلكيات ودون تعرُّضها للنقد والرفض الاجتماعي يتضح أن هذه المنظمات /الظاهرة قد استفحلت تحت غطاء منظمات مجتمع مدني.

وإذا كان جوهر أطروحة غرامشي عن المجتمع المدني وتحديداً عن الهيمنة هو التناقض بين الهيمنة البرجوازية وبين هيمنة الطبقة العاملة، فاين تقف هذه المنظمات؟ قد يصح ما استنتجناه آنفاً أنها تعمل من أجل الهيمنة الثالثة. وضمن دورها في خدمة الهيمنة الثالثة تُقحم هذه المنظمات قيماً وثقافة حداثية غربية على مجتمع ذي قيم أخرى، اي غير حداثي بالمفهوم الراسمالي الغربي، فلا يعود التاريخ والتراث العربي ذي قيمة، ولا الثقافة العربية الإسلامية ولا مهام التحرر والوحدة العربية ضمن اهتماماتها، ولا السرديات الكبرى القومية والاشتراكية والدين وتنتهي كما في الأرض المحتلة إلى ترويج ثقافة الجندر والتمكين والمساواة بين الرجل والمراة بدل تحرر المرأة وحريتها، وهي ثقافة إبعاد المرأة عن النضال الوطني والقومي والذي ينتهي كذلك إلى إبعادها عن النضال الطبقي. إن المبالغة النسوية اللبرالية والراديكالية في معاداة النضال القومي تقود في التحليل الأخير إلى إضعاف دور المرأة ويحولها إلى حريم، رغم الزعم بأن الهدف أو النتيجة المتوخاة هي تحرر المرأة، أو حتى تمكينها[25].

تحت غطاء المجتمع المدني وثقافة السلام، تشارك الكثير من منظمات “المجتمع المدني” في علاقات تطبيعية سواء في التموُّل أو عقد وحضور ندوات ومؤتمرات مشتركة مع ممثلين عن منظمات ومؤسسات الكيان، أو تسهيل سيطرة الأكاديميا الغربية على الجامعات المحلية واستضافة فرق فنية أجنبية تحت مزاعم ضرورة الفن من أجل الحياة وعدم تناقضه مع المقاومة في حين يكون الهدف خلق وتوسيع نخبة في المجتمع بعيدة عن الهم الوطني مما يولد روح تناقضوحاسدية بينها وبين الأكثرية الشعبية. وهذا يعني استهداف المجتمع بالتفكيك والشقاق الداخلي مما يؤدي في النهاية إلى تراخي النضال الوطني.

إن خلق وتوسيع وتمويل شريحة العائدات غير المنظورة الناشئة عن الأنجزة، ونقصد هنا مدرائها وموظفيها الكبار لم يكن صدفة بقدر ما هو عمل منظم مقصود به ترسيخ قيم الديمقراطية الراسمالية الغربية التي تشجع الفردانية وليس الطبقية، والتي تقدم النموذج الأميركي للمواطن الذي لا هموم سياسية وطبقية لديه، بل جشع استهلاكي، ورخاوة وعي طبقي وشعور بافضلية على الآخرين إلى درجة الاستهانة بقتل العراقي اعتقادا من الجندي الأميركي أنه بهذا ينشر الديمقراطية في العراق[26]. إن تخارج شرائح محلية لصالح هذه الثقافة هو نمط أخطر من التبعية الراسمالية الرسمية لأنه يخترق النسيج الاجتماعي. على أن الأدهى في وجود وسلوك هذه الشريحة فهو:

· أن الغرب الراسمالي وخاصة الأميركي يعتبرها مطية لتسويق ثقافته ولا يعتبرها قادرة على تمثُّل ثقافته لأنها شرقية[27]

· وأن هذا الانبهار يحجب عن هذه النخبة وعن مجمل المجتمع حقيقة كذبة المجتمع المدني في الغرب ناهيك عن وجود التفرقة العنصرية والفقر والاستغلال بفظاظة داخل هذا المجتمع نفسه.

هذا التخارج إلى ثقافة الغرب وحداثته ليس اكثر من احتفال بمولود لن يأتي لأنه نتاج حملٍ كاذب، “أن تحسب الشحم في من شحمه وَرم” -المتنبي”

لقد اشرنا في موضع سابق إلى مناخ ظهور وتوسع هذه الظاهرة، نسبناه سياسياً وكفاحياً إلى تدهور المشروع الوطني، هبوط سقف المطالب الوطنية من تحرير الوطن عبر المشروع القومي العربي وعبر كسب الرأي العام الشعبي العالمي، إلى الانحصار في دويلة في أجزاء من الضفة والقطاع، “أوسلو-ستان”، والاعتراف الممتلىء بالكيان الصهيوني وممارسة التطبيع ووقف المقاطعة مع الكيان والإمبريالية وتمفصلاتها من الحكومات غير الحكومية والكمبرادور العربي، واعتبار الصراع فلسطيني-إسرائيلي، بل بأنه كان صراعاً! ولكن هذا التوضيح بقي قاصراً ما لم نملأ الخطاب الصحيح بالمبنى الاجتماعي المادي للمجتمع.

فالإمكانات المالية الغزيرة المتوفرة لمنظمات الأنجزة والمراكز /المجالس الثقافية والملحقيات…الخ خطيرة حينما تُصب في مجتمع بنيته الإنتاجية فقيرة، متخلفة ومُعاقة التطور بسبب كل من:

*الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وخاصة سياسة تدمير البنية الإنتاجية

* غياب سياسة تنموية محلية بدءاً من منظمة التحرير وصولا إلى سلطة الحكم الذاتي

* ووجود قطاع خاص كمبرادوري أكثر مما هو إنتاجي

* وإصرار المساعدات الدولية على أن تكون ريعاً مالياً لتنازلات سياسية وعلى تجنب الاستثمار الإنتاجي.

هذا الفقر الإنتاجي وبالتالي التشغيلي يعطي قوة إضافية لمصادر المال وحامليه، فيتحول رجل الأنجزة أو سيدة الأنجزة إلى رمز اجتماعي وسياسي لأنه مصدر تمويل وتوظيف. وعبر هذا الدور يصبح من الشخصيات السياسية التي تقرر في العمل الاجتماعي والسياسي والوطني!! ويصبح كادر الحزب المأنجز صاحب قرار في حزبه مما يقود إلى فقدان الحزب لحزبيته. من هنا يصبح الحديث عن دور للأنجزة في المشروع الوطني أمراً عادياً، بغض النظر عن : أي دور!!

إن لاستقلالية الفرد والطبقة والمجتمع اقتصادياً دورها الحاسم في استقلالية القرار والموقف، أو عدم الاستقلالية. فليس الأمر أن تكون لدينا افكار وقناعات، بل الأمر أن نمارس تطبيق وخدمة هذه الأفكار بحرية. ليس من الإنصاف أن ننسب إلى منظمات الأنجزة والمجتمع المدني (بغض النظر عن هذا التعريف أو ذلك لها)، أن ننسب لها كامل الخلل في إعادة تشكيل/تشويه المشروع الوطني: الاعتراف بالكيان، انتخابات تحت الاحتلال، دولة ممنوحة وعلى شكل أرخبيل برِّي، ديمقراطية متراكبة على الفساد والمحسوبية، حقوق إنسان من دول تذبح الإنسان، جندر…الخ فهي شريك في هذه كلها من بين شركاء كُثر. ولا تنفع الإدانة هنا بقدر ما نود التأكيد أن هكذا توليفة، لا يمكنها حمل مشروع وطني ولا تحرري اجتماعي.

ويبقى السؤال الأخير، إذا صحت محاولتنا فك الدمج بين الحزبية والأنجزة، وبالتالي وضع الأنجزة ضمن حجمها الحقيقي فما الذي تعمله ولا يمكن للمجتمع ذاتياً أن يقوم به؟ إذا كانت لا تقوم بالتنمية وإنما تخلق شريحة العائدات غير المنظورة، ولا تساهم في النضال الوطني بل تنشر الرخاوة النضالية، إذا كانت لا تساهم في الوعي الطبقي السياسي بل تخدم وتكرس إيديولوجيا السوق، إذا كانت تمارس التطبيع مع الثلاثي المعادي للشعب والأمة، فما الذي يبقى منها؟

إنه ما قال عنه السيد المسيح: لا تعبدوا إلهين: الله والمال. ما يُعبد في هذه الحالة هو المال؟ ولكن، إذا كان هذا المال مسخراً لأفراد وفي افضل الحالات لمجموعة من الأفراد فهل المجتمع بحاجة له؟ بالقطع…لا. إن مجتمعاً لا يمكنه إعالة نفسه، لا يمكنه تمثيل نفسه، ويغدو بقائه على أجندة الانتهاء. أما التاريخ فيقول إن ثروة كل مجتمع كافية لمجموعه ما لم تُسرق أو توزع توزيعاً ظالماً.


[1] [1] أشكر الصديق د. مفيد قسوم على ملاحظاته النافذة على هذا النص، ويبقى اي تقصير علمي وعقيدي هو مسؤوليتي الشخصية.

[2] See Mufid Qassoum, 2004. Glocal Dialectics in the Production and Reproduction of the Palestinian Space under the Various Phases of Globalizations. Uinversity of Illionis at Chicago. Unpublished Ph.D. Dissertation.

[3] هذه إشارة إلى كتاب مشترك وُضع من قبل السيد سامي عدوان أحد المدرسين في هذه الجامعة مع صهيوني. يقف الكتاب على تساوي روايتنا كشعب طرد من وطنه مع رواية الكيان الصهيوني الإشكنازي كغاصب واستعمار استيطاني! إن أخطر السهام التي يوجهها بعض الفلسطينيين إلى قلب القضية هو إشعار العدو بتوازيه حقوقيا وحقا معنا. وكتاب مشترك من احد المحاضرين في جامعة بيت لحم /سامي عدوان، مع صهيوني لا يختلف عن فلسطيني يعيش في الكيبوتسات مع صهاينة، ويزعم أنه قومي عربي السيد أحمد اشقر. أنظر لهذا مقالة عادل سمارة في: كنعان النشرة الألكترونية Kana’an – The e-Bulletin السنة الحادية عشر ـ العدد 2556، أول أيار (مايو) 2011، الثورة والاختراق والتجسس (الحلقة الثانية)، البُعد الطبقي للثورة المضادة: قراءة طبقية في الاختراق والتجسس.

[4] يعتبر غرامشي صاحب فكر سياسي مبدع داخل الحركة الماركسية. ويطلق على فكره اسم

 

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Connect with Facebook

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>