Site icon

إشكالياتنا مع الغرب: لماذا؟ وإلى أين؟

(الجزء الرابع)

مسعد عربيد

 

(4)

الاستهداف الغربي للوطن العربي

 

الاستهداف من منظور النظام الرأسمالي

ملاحظتان

 

ليس النظام العالمي موضوعنا  هنا إلا بقدر ما يمثله في جوهر المشروع الرأسمالي للهيمنة على العالم، ومن هذا الباب يجدر بنا التوقف عنده مكتفين بالاشارة الى ركائزه الأساسية وعلاقتها بالحالة العربية وتأثيراتها عليها.

تقوم نظرية النظام العالمي، كما صاغها وطورها عمانوئيل والرشتاين وسمير أمين وجيوفاني أرّيغي وأندري جوندر فرانك[1]، على تقسيم العالم الى المركز الرأسمالي وبلدان المحيط (الأطراف). وهي رؤية للعالم تجمع مفاهيم الإمبريالية ونظرية المركز والمحيط والتبعية. وعليه، ينقسم العالم من منظور هذا النظام، إلى قسمين أساسيّين:

1) مراكز النظام التي تتَّسم بالثراء والتفوق والتقدم التكنولوجي والصناعي وكذلك القوة العسكرية؛

2) وأطرافه (والوطن العربي في القلب منها) الفقيرة المستنزفة والمتخلِّفة والمهمَّشة والتي تتحدد وظيفتها في العلاقات القائمة في اطار هذا النظام في تزويد دول المركز بالمواد الخام والمنتوجات الزراعية والأيدي العاملة باجور متدنية، وأن تكون سوقاً استهلاكياً لمنتوجات المركز وبأسعار مرتفعة تضمن له أرباحاً عالية.

هذه المعادلة أساسية في فهم جوهر النظام واستمراره، وديمومة “الرفاهية والرخاء” في بلدان مراكز رأس المال التي تقوم أصلاً على استغلال واستنـزاف بلدان الأطراف وتهميشها. وتقوم علاقة المركز الرأسمالي مع بلدان المحيط على الهيمنة عليها سواء بالقوة العسكرية أو بخلق أنظمة حاكمة تابعة له وملحقة به واستقطاب النخب المحلية (السياسية والاجتماعية والثقافية) وربطها بالمركز الرأسمالي.

وبالعودة الى الحالة العربية وخصوصيات علاقة النظام العالمي بها، يهمني أن أشير الى الملاحظتين التاليتين:

الأولى

 

إن فهم العالم والعلاقات الدولية استناداً الى منظور هذا النظام، يميّز بين الإمبراطويات الكلاسيكية والنظام العالمي، وهو تمييز يحمل تبعات ثقيلة في علاقتنا مع الغرب  الرأسمالي ومستقبل صراعنا معه ومقاومة مشروعه في بلادنا:

أ) فالإمبراطوريات الكلاسيكية تتسم بفتوحاتها العسكرية وتمددها الجغرافي على مساحات شاسعة من العالم من أجل استنزاف ثروات الشعوب المضطَهدة، غير أن قدرتها على الديمومة والاستمرار محدودة تاريخياً قبل انهيارها بفعل عوامل الضعف والتآكل؛

ب) أما النظام العالمي فيقوم على السيطرة الاقتصادية للمركز الرأسمالي على العالم من خلال علاقاته الاقتصادية والسياسية مع بلدان المحيط.

فلو أخذنا الإمبريالية الأميركية مثالاً، فإنه على الرغم من صحة الكثير مما قيل ويقال عن أفول الولايات المتحدة كاحدى الإمبراطوريات في التاريخ البشري – (بفعل عوامل الأزمات الاقتصادية وتعاظم التحديات الإستراتيجية لوحدانية قطبيتها وهيمنتها وتصاعد اقطاب اقليمية ودولية قادرة ومؤهلة على هز جبروتها العسكري والسياسي والاقتصادي) – بالرغم من صحة هذه التحليلات، فانه يجدر بنا الحذر من السقوط في التشبيه الكلي بين مصير “الإمبراطورية” الأميركية والإمبراطوريات الأخرى لأسباب عدّة أهمها هو أن الأولى نسجت منظمومة من العلاقات الاقتصادية والسياسية متشابكة ومعقدة تربط كافة جوانب الاقتصاد العالمي ولها تأثيرات ذات طبيعة دائمة حتى مع وهن وتفكك السيطرة العسكرية والإستراتيجية لأميركا على أجزاء كثيرة من العالم.

كل هذا يعني، بالنسبة لنا أن معركتنا مع هذا النظام وزعيمته الولايات المتحدة معركة طويلة، ولا يتسنى النصر فيها إلاّ لمن يملك الفهم لطبيعة العدو وعناصر قوته وضعفه ولمن يقدر على حبك العلاقات والتحالفات الاقليمية والدولية لصالحه في هذا الصراع.

والثانية

 

إن تقسيم العالم الى بلدان المركز الرأسمالي وبلدان المحيط أو الأطراف لا يعني أن كل بلدان هذه الأخيرة (الأطراف) تحتل ذات الموقع والأهمية في سلم أولويات المركز أو أنها كلها مستهدفة في الآن ذاته (في ذات الحقبة التاريخية) أو بالقدر ذاته.  بل هناك أولويات واضحة تضع بلدان الوطن العربي والمشرق منه بشكل خاص على رأس تراتبية المصالح الإستراتيجية للهيمنة الرأسمالية. وهنا تكمن احدى خصوصيات استهداف الغرب الرأسمالي للوطن العربي.

على الرغم من مركزية الوطن العربي في مخططات الاستهداف الغربي، فان هذا لا يعني ولا يريد أن يوحي باننا الجهة أو المنطقة الوحيدة المستهدفة من الغرب الرأسمالي وشركاته الراسمالية الكبرى. فليس هناك أبعد عن الحقيقة من هذه النظرة الضيقة ولا أخطر منها على النضال الأممي والإنساني، أذ ليس هناك حدوداً لجشع راس المال وانفلاته نحو تحقيق الربح الأقصى. ففي سعيه المحموم نحو السيطرة والهيمنة، استهدف الغرب الراسمالي العديد من البلدان في شرق العالم وغربه. دعونا نستحضر بعض هذه المحاولات والتجارب – على سبيل المثال ما حصل في اندونيسيا وإيران ومصر وبلدان أميركا الوسطى والجنوبية التي ما زالت حتى اليوم وبعد عقود عديدة تثير الأسئلة المصيرية – دعونا نتساءل:

– ماذا لو بقي أحمد سوكارنو في الحكم في اندونيسيا وتحالف مع الشيوعيين  واليساريين؟

– ماذا لم استمرت تجربة مصدق في إيران وتم تأميم النفط ووضعه في خدمة شعبه وتنمية المجتمع الإيراني منذ خمسينيات القرن الماضي؟

– ماذا لم هُزمت مصر في العدوان الثلاثي عام 1956 وتم الانقضاض على ثورة 23 يوليو؟

نتوقف عند هذا الحد من الاستطراد، لنعود الى الملاحظة الثانية في خصوصيات علاقتنا مع الغرب الرأسمالي.

لقد تمثلت الضربة الأقسى التي استهدفت المشرق العربي في تجزئته على أساس اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 والتي تجسدت في مؤتمر سان ريمو (1920) إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقسيم هذا المشرق الى الكيانات الجغرافية والسياسية القائمة منذ ذلك الحين وفرض الحدود المصطنعة بين أجزاء الوطن الواحد. هذه التجزئة وبهذه الدرجة من التقسيم الجغرافي والسياسي والاقتصادي وما نتج عنه من تدمير وتهميش للبنى الاقتصادية والاجتماعية لم تحصل في بلدان المحيط الأخرى التي استهدفها الغرب الرأسمالي في مشروع هيمنته (في آسيا وأميركا اللاتينية مثلاً)، وبالتالي لم تعاني هذه البلدان مما عانينا نحن منه، وما زلنا، في المشرق العربي، من التبعات الوخيمة والكارثية التي أضحت سمة تاريخنا ومرحلتنا وأحد الأسباب الجذرية للتطورات الجسمية التي حلّت بمنطقتنا خلال العقود الأخيرة وأوصلتنا الى ما نحن عليه.

ليس هنا مكان الاستفاضة في مستويات وأشكال الاستهداف الاستعماري لبلادنا، ولكنه يجدر بنا أن نشير الى أن هذا الاستهداف لم يتوقف عند التجزئة الجغرافية والسياسية ومساعي الهيمنة الاقتصادية واستنزاف الثروات واحتجاز التنمية، بل تعداها الى مستويات واشكال عديدة مستخدماً آليات مختلفة كان الهدف منها ادامة السيطرة، نذكر أهمها:

– زرع الكيان الصهيوني في قلب المشرق العربي كاحدى آليات الضرب المتواصل لكافة محاولات النهوض القومي أو التنموي أو حتى الثقافي، ناهيك عن محاولات تحقيق وحدة الشعوب العربية.

– معاداة العروبة هويةً وفكرةً ومشروعاً.

– تخريب الهوية القومية والثقافية العربية واختراقها وتكييف الثقافة والقيم في مجتمعاتنا تمهيداً لادخال الثقافة الاستهلاكية الغربية وتسويق منتوجات الغرب الرأسمالي، وهو ما أضحى الأمر العادي والمألوف في الحياة العربية. بعبارة أخرى، المطلوب هو التطبيع مع هذا الغرب على كافة المستويات واستدخالة وعولمة سياساته ومنتوجاته وثقافته.

– تسخير الدين السياسي (الإسلام في حالتنا) والمؤسسة الدينية وآلياتها المحلية (من حركات تكفيرية وجماعات إرهابية) لخدمة مشروعه في تدمير الأنظمة والدول العربية (العراق ومصر سورية وليبيا واليمن وغيرها).

– تسعير وتغذية الفتنة المذهبية والطائفية بين البلدان العربية وخاصة بين بلدان شبه الجزيرة العربية والخليج العربي من جهة، وبلاد الشام والهلال الخصيب (العراق، سوية، فلسطين، الأردن، لبنان) من جهة أخرى، وفي داخل البلد العربي الواحد وبين فئات ومكونات المجتمع الواحد.

نخلص في نهاية هذا الجزء، الى أن هذه القراءة للغرب وأطماعه في بلادنا تُملي علينا ضرورة تحديد العلاقة معه وطبيعة التناقض التناحري بين مشروعه ومشروعنا، كما تؤكد هذه القراءة على أن العامل الخارجي (الاستهداف الغربي) ليس العامل الوحيد في المأزق الذي وصلنا إليه، وأن العوامل الموضوعي والذاتية المحلية في الواقع العربي لا تقلل أهمية  وتأثيراً (مصالح الطبقات والأنظمة الحاكمة، دور النخب السياسية والثقافية، وهن القوى والأحزاب القومية واليسارية وغيرها).

التجزئة آلية الهيمنة

 

1) التجزئة كآلية للتدمير الذاتي

تمايزات الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية

 

لم يكن نمط التجزئة في بلدان الهلال الخصيب هو النمط الوحيد الذي استخدمه الغرب الرأسمالي، بل اتبع هذا الأخير نمطاً مغايراً وإن للغاية ذاتها في بلدان شبه الجزيرة العربية:

1) في الهلال الخصيب، أدّت التجزئة الى:

– خلق كيانات تفصلها حدود سياسية مصطنعة وما تبعها من خلق دول قُطرية وهويات “وطنية” ودينية وطائفية؛

– نسف امكانية التنسيق والتكامل الاقتصادي واقامة سوق عربية موحدة؛

– ربط سوق الدولة القُطْرية لوحدها وعلى نحو مستقل بالأسواق الغربية وعجلة الاقتصاد الرأسمالي الغربي؛

– احتجاز التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان رغم توفر الموارد البشرية والثروات والامكانيات المادية لبناء اقتصاد ومجتمع منتجين.

2) وليس بعيداً عن بلاد الشام، في شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، خلق الغرب الرأسمالي أيضاً مشروعاً للتجزئة والهيمنة فرسم خارطة دول ودويلات ومشيخات تابعة وعميلة للغرب الرأسمالي ومرتبطة بقراره، وهي كيانات حظيت، رغم صغرها في الجغرافيا والتاريخ، بثروة نفطية هائلة.

3) هكذا أصبحنا أمام مفارقة لافتة في تاريخنا وربما في التاريخ البشري:

– فعلى جانب من هذه المفارقة، تقف دول كبيرة تتوفر فيها مقومات الدولة، ودول غنية بالحضارة والثقافة، بل هي مهد الحضارة الإنسانية ووعاؤها، ولكنها فقيرة ساد فيها نمط الإنتاج الزراعي المرتبط بالسوق الغربية.

– وعلى الجانب الآخر، تقف كيانات ودول ودويلات صغيرة وغنية بالنفط ومشتقاته، ولكنها فقيرة ومتخلفة حضارياً وثقافياً وتاريخياً.

4) استخدم الغرب الرأسمالي هذه الأوضاع في تحقيق أجندته ومصالحه، فكانت النتيجة خلق التناقضات بين طرفي هذه المعادلة التي وصلت اليوم أشدّ درجاتها حدة وعداءً وتجلت في استخدام أنظمة وأموال السعودية والخيلج العربي في تمويل الحرب على سورية والعراق وانقضاض الدول الغنية بالنفط على الدول الكبيرة والفقيرة وتحالفها مع الغرب الرأسمالي في مشاريع تدمير الأخيرة وتفتيتها الى كيانات صغيرة وعديدة على اسس مذهبية وطائفية وقبلية. وفي هذا المسعى، هدرت دول النفط ثرواتها لتمويل الإرهاب وترحيل أموالها الى مصارف الغرب الذي يوفر الحماية للأسر الحاكمة، وحرمت شعوبها وشعوب المنطقة باسرها من استخدام هذه الثروات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

نخلص الى القول، بأن مشروع التجزية والهيمنة على بلادنا كرّس التناقض بين المستفيدين منه (أنظمة الدول الغنية واسرها الحاكمة وطبقاتها ونخبها السياسية والثقافية) من جهة، وشعوب محرومة من مداخيل الثروة النفطية في بناء التنمية، من جهة أخرى. ناهيك عن الفوارق الحضارية والثقافية والاجتماعية بين مجتمعات الهلال الخصيب من جهة، وتلك في شبه الجزيرة العربية من جهة أخرى.

2) وهم الدولة القُطْرية

 

كان من تبعات تقسيم الاستعمار للمنطقة العربية سياسياً وجغرافياً خلق الوهم بامكانية بناء الدولة الوطنية على أساس هذا التقسيم. فقد خلق الغرب الرأسمالي نخباً سياسية تابعة له يرعاها وتستند في وجودها وبقائها على دعمه، ونَسَج معها علاقات وتحالفات تضمن له الحفاظ على مصالحه.

أخذت هذه النخب، التي تربعت على الحكم، بهذا الوهم تحقيقاً لمصالحها ولم يتوانَ العديد من القوى والنخب السياسة والاجتماعية والثقافية من اللحاق بهذا السراب فتعاملت مع الاستعمار وفق أجندته ظناّ منها أنها دخلت اللعبة مع الغرب كطرف أو ند دون أن تدرك أنه (الغرب) لا يتعامل معها إلاّ وفق مصالحه وقواعده، قواعد الطرف الأقوى، وشريطة أن يظل في موقع الدونية والخنوع للأوروبي – الأميركي – الغربي.

هكذا أصبحت التجزئة آلية للتدمير الذاتي ودخلت مجتمعاتنا مرحلة التكيف مع متطلبات الهيمنة الإمبريالية عليها. وهو ما ينطق به واقعنا اليوم بكل جلاء.

كانت هذه جذور خطاب وسياسة التبعية والدونية حيال الغرب الذي انسقنا وراءه منذ عقود والذي جعل منا أدوات في اخضاع انفسنا لسطوة الغرب وخدمة مصالحه على حساب شعوبنا، فسلبنا ارادتنا ووعينا وخرج بنا من موروثنا الحضاري والثقافي، ناهيك عن أنه ربط اقتصادنا وتنمية مجتمعاتنا بعجلة ومصالح رأس المال الغربي.

 

3) وهم الهويات “المحلية” او “القطرية”؟

 

بعد انجاز التجزئة الجغرافية للمشرق العربي، عمد الاستعمار خلال سنوات احتلاله لبلادنا الى إنتاج هويات وطنية لصيقة به من أجل ضرب الهوية العربية القومية الجامعة كما حصل في خلق الكيان الأردني (1921) على سبيل المثال (امارة شرق الأردن) وغيره من بلدان الخليج العربي والذي خلق بدوره واحتضن الهويات المختلقة والتي تجلت في مقولات الأردن أولاً، لبنان أولاً، على سبيل المثال.

بلادنا في عيون الإمبريالية الأميركية

 

ذكرتُ في مكان آخر من هذه الدراسة أن القراءة الأميركية للوطن العربي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت تستدعي اعادة رسم خرائط سايكس – بيكو من أجل من أجل “اعادة تنظيمها”، لأنها (الولايات المتحدة) أدركت أن حماية مصالحها تستدعي تنظيم المشرق العربي على “صورتها ومثالها”، وأنه يتوجب اعادة تنظيم  الواقع القائم بكياناته ودوله أي تفكيك المُفكك، واقامة شرق أوسط جديد ذي نظام اقليمي يقوم على حماية المصالح الإستراتيجية والاقتصادية الأميركية ومتغيراتها (ما يُسمى أحياناً بسايكس – بيكو 2 وغيرها من المُسميات). كما أنها (الولايات المتحدة) أدركت أن تحقيق مثل هذا المشروع، في خضم سنوات الحرب الباردة وتعقيداتها، سوف يستدعي المزيد من الوقت والاعداد.

كانت هذه هي بذور مفهوم ومشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي خرج الى النور في العقدين الأخيرين، والذي تبلورت مفاهيمه الأولية في عهد هنري كيسنجر وزير الخارحية الأميركي الأسبق الذي أدرك بوضوح أن الكيان الصهيوني وأمنه يجب أن يكونا، وأن يظلا، المحور الرئيس للإستراتجية الإمبريالية في المنطقة، وفي حين أنه أدرك الحاجة الى استخدام الأنظمة العربية القائمة وتوظيفها، إلا أنه حذّر من أنه لا يمكن الارتكان اليها ولا الى استقرارها وديمومتها، فالشعوب العربية لا تثق بأنظمتها ولا بالغرب ونواياه وستظل رافضة لمشاريعه وثائرة ضدها لأنها تتناقض في جوهرها مع مصالحه تلك الشعوب وفطرتها وطبيعتها وتاريخها وحضارتها.

ففي حين أنتجت سايكس – بيكو شرقاً عربياً على أرضية تجزئته الجغرافية والسياسية الى كيانات ودول قُطرية (سورية، لبنان، الأردن، فلسطين المحتلة، العراق)، فإن الرؤية الأميركية لمصالحها تستدعي صياغة جديدة للمنطقة تشمل تكيفاً إستراتيجياً يقوم على تدمير الكيانات القائمة ومقوماتها ومؤسساتها (وخصوصاً الدول والجيوش العربية القوية في مصر وسورية والعراق) وتفتيت مكوناتها الاجتماعية على اسس إثنية ودينية ومذهبية. ويكون هذا تحت غطاء شعارات الحرية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان الى آخر تلك المعزوفة التي خبرناها سابقاً في الحالة اليوغسلافية (قصف صربيا في مارس 1999) وتدميرها تحت شعار “التدخل الإنساني” لحماية لاجئي كوسوفو)، وخلق حالة مماثلة في البلدان العربية تأخذ عناوينها من مقولات كاذبة وملفقة مثل حماية حقوق الأقليات (الدينية والمذهبية والإثنية) من قمع واضطهاد هذه الدول وأنظمتها الاستبدادية (ومرة ثانية في العراق وسورية ومصر).

تتطلب هذه المتغيرات، بالاضافة الى التكيفات الإستراتيجية، تكيف الخطاب الإمبريالي الأميركي (الأمر الذي كثيراً ما يفسر تقلباته) لأن المصالح الإسترايجية والاقتصادية ديناميكية ومتبدلة باستمرار مما يستدعي استخدام آليات مختلفة وأدوات متنوعة ولكنها تظل ثابتة في خدمة الهدف ذاته: حماية المصالح الإمبريالية. واليوم نلحظ أن هذا المتغيرات أضحت أكثر حدةً من العقود الماضية، إذ أنها تواجه المزيد من التحديات والتهديدات المستمرة والمتجددة في عدّة مستويات أهمها:

أ) نهوض الشعوب العربية وغيرها من الشعوب المضطَهَدة لمقاومة الإمبريالية الأميركية وتنامي هذه المقاومة لتشكّل إرهاصات لحالات ثورية ذات تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وفي القلب منها أمن وبقاء الكيان الصهيوني وضمان قدرته على القيام بوظيفته الإمبريالية في المنطقة.

ب) تحدي وزعزعة هيمنة القطبية الأميركية المنفردة من قبل القوى المعادية والمنافسة، روسيا والصين وغيرها من دول البريكس، والتي تتبلور في صياغة علاقات وتحالفات جديدة إقليمة ودولية مناوئة للهيمنة الأميركية.

الغرب الرأسمالي والحراك العربي

 

لست معنياً في هذا المقام بالجدل حول توصيف أحداث السنوات الأربع الأخيرة سواء كانت “ثورات” أو “احتجاجات” أو “انتفاضات” أو “حراك شعبي”، فكل من هذه التسميات ينطلق من منهج معين في قراءة الحدث. ولسنا أيضاً بصدد الجدل حول أسبابها سواء كانت ذاتية أو موضوعية، داخلية أو خارجية، فجدلية الداخل والخارج ليست أمراً مستجداً بل هي ثابتة ومتكررة في حياة الشعوب وحراكها. وعليه، فالأسباب والعوامل، على اختلافها وتعددها، متداخلة فيما بينها.

ما يهمنا في سياق هذه الدراسة هو دور الغرب الرأسمالي فيها، دون المغالاة في دور الخارج وتداخلاته أو التقليل من تأثيراته على أوضاعنا،  فمهما عظم دور العامل الخارجي فإنه يصطدم دوماً بجدار الداخل وتماسكه (أنظر على سبيل المثال  الصمود السوري على مدى السنوات الأربع الأخيرة).

نخطأ كثيراً إذا حصرنا نظرتنا الى الحراك الشعبي العربي (واسبابه وعوامله) الى كونه مجرد حدث داخلي أو “وطني” أو “محلي”: مصري، تونسي، ليبي، سوري..الخ. فعلى الرغم من أثقال الظروف الاقتصادية والاجتماعية (الطبقية) التي تعيشها شعوبنا في ظل الفقر والجوع والبطالة وقمع الأنظمة الاستبدادية، فإن أوطاننا تبقى في مركز الاستهداف الغربي، ولذا نرى أنه إذا ما ثارت شعوبنا على أوضاعها المتردية، يزداد الغرب الرأسمالي خوفاً وتوحشاً في حماية مصالحه ويأخذ دوراً مركزياً ومؤثراً في تسيير الأحداث وإدارتها كي لا تتضرر هذه المصالح.

وكل هذا يأتي في سياق الرؤية الأميركية لبلادنا وشعوبنا التي تقوم أولاً وأخيراً على حماية مصالحها الإمبريالية.

إذن، فالقول بأن هذا الحراك جاء للمطالبة بتوفير الحاجات الأساسية للطبقات الشعبية في الوطن العربي (اقتصادية، طبقية، اجتماعية… الخ)، لا ينفي مطلقاً توثب الغرب الرأسمالي للحدث وتدخله بأدواته المتنوعة (المحلية والعربية والإقليمة بما فيها الكيان الصهيوني) لحماية مصالحه المتغلغلة في اقتصاداتنا ومجتمعاتنا واسواقنا ناهيك عن مصالحه الإستراتجية والسياسية. كما أنه لا ينفي، وهو ما يغيب عن بالنا في كثيرٍ من الأحيان، التخطيط والتآمر الممنهج الذي انتهجه الغرب الرأسمالي حيال بلادنا لعقود طويلة، سواء كان التخطيط للحدث نفسه أو تشغيل أدواته وعملائه المحليين أو التدخل في إدارته وتوظيفه وحرفه لما يتوافق مع مصالحه.

ولا شك أنه مع تعاظم الحراك الجماهيري وانفلاته ليشكل أرهاصات ثورات عارمة، تعاظم دور الغرب الرأسمالي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، وازداد توغلاً وشراسة ووحشية (كما حصل في مصر وليبيا وسورية والعراق). مع أن الكثيرين منا ما زالوا ينفون هذا الدور أو يقللون من تأثيراته أو وهو الأخطر ينسبون للغرب الراسمالي دوراً ايجابياً مساهماً في بناء “الديمقراطية” والتقدم في بلادنا.  ولا نحصر الدور الخارجي بالتدخلات السياسية أو العسكرية، المباشرة أو غير المباشرة، بل هو يتجلى أيضاً في أنشطة ودور العديد من المنظمات والمؤسسات (المدنية وغير الحكومية والدولية) التي زُرعت في مجتمعاتنا منذ أمد وأخذت تنشط تحت غطاء دعم التغيير الديمقراطي أو تمكين المرأة أو حماية حقوق الطفل والإنسان والحقوق المدنية وغيرها. وليس أكثر من المشهد الراهن دلالة على ما نقول. فنحن نعيش اليوم حالة من اختراق الغرب لمجتمعاتنا على كافة المستويات: أنظمة، شعوب، ثقافة، إعلام، تربية، مأكل، ملبس، تسلية، لغة، برامج تلفزيونية، افلام سينمائية، وسائل ترفيهية، حياة اسرية….وغيرها.

غير أنه من اللافت أنه على الرغم من وضوح التدخل الغربي الفج والوحشي والسافر في الحراك العربي، وكافة مستويات حياتنا وأنشطتنا، فاننا ما زلنا نتجادل فيه ونختلف عليه، وما زال بيننا مَنْ يرى فيه أمراً ايجابياً داعماً “للثورات العربية” و”للعملية الديمقراطية”، ومسانداً لمطالب شعوبنا المحقة بالحرية والديمقراطية. وهناك أيضاً مَنْ وجد في التدخل الغربي “انفتاحاً معولماً” على العالم يزيل الحواجز التي تفصل بين الشعوب ليصبح العالم كله “قرية عالمية” global village  يخيم عليها الوئام والسلام والمحبة. تفاهات وسخافات لا يستطيع العقل أن يفهم أو يصدق كيف تنطلي على عقولنا بعد كل ما عانيناه وعانته البشرية من الاستعمار وويلاته.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل انبرى بيننا مَنْ طالب بالتدخل العسكري واحتلال بلاده للتخلص من هذا النظام أو ذاك، وامتعض من أميركا ل”تلكؤها” وترددها في قصف سورية. مواقف ندر ان شهدت البشرية مثالاً لها، ولا تتماهى إلا مع الخيانة والغدر بالأوطان. ومع ذلك، فما زلنا “نتحاور” معها ك”وجهات نظر”.

Exit mobile version