عادل سمارة
نأتي دون معرفة وقرار، ونرحل بمعرفة ومقاومة واستسلام ، إنما بلا رضى. وأحببنا المفكر والمثقف أم لا، ففئة المثقفين أكثر من تتبقى لها آثاراً بعد رحيل الواحد منها بمعزل عن أين كان قد تموضع، خطئا أو صواباً، وباختصار سلبا أم إيجايا، مع الإنسانية والثورة أم مع الثورة المضادة، أم في برزخ واسع ما بينهما قد يكون أحيانا أوسع من كلتيهما.
ولأن الراحل جورج طرابيشي كاتب ومترجم، فالترجمة كانت مما ورد في خاطري وخاصة ما كتبه عنه الراحل العفيف الأخضر. وأنا التقيت العفيف ولم التق طرابيشي.
كان ذلك في باريس 1977 من خلال الراحل إيلان هليفي الماركسي اليهودي اليمني الإسرائيلي ومن ثم الفلسطيني أخيراً ( وهو الذي انقذني من اغتيال إثر اغتيال الراحل العزيز ناجي العلي 22 تموز 1987، لكن لهذا حديث ذات يوم).
كان هليفي قد أسس في القدس قبل هروبه إلى لندن دار نشر باسم جاليليو طبع بها كتاب البيان الشيوعي بالتسمية التالية:
ماركس-إنجلز، البيان الشيوعي في أول ترجمة غير مزورة :ترجمه وقارنه عن الألمانية وعلَّق بقاموس ماركسي على كلماته النظرية والتاريخية العفيف الأخضر. -1976.
كان العفيف في تلك الفترة في أوج شبقه الماركسي حيث أوقف ماركسيتة عند ماركس. ومع بعض التلطف إنجلز.
في باب بعنوان لماذا هذه الترجمة (ص ص 5-18) خصصها العفيف لنقد شديد الضربات للترجمات العربية للبيان الشوعي، وبعض القول عن ترجمات من لغات أخرى.
كي تعرف مدى شدة هجوم العفيف فقد بدأ هذا الباب ب:
” في كتاب العائلة المقدسة الذي وطأته، وبأي فظاظة، حوافر الترجمة العربية، ندد ماركس بخيانة ترجمة النقد النقدي أي أدجار باور لكتاب الفوضوي برودون، ما هي الملكية”. ؟.
كل الصفحات المذكورة مكرسة لنقد ترجمات البيان الشيوعي إلى العربية نقلها او قام بها، كما يقول العفيف، جورج طرابيشي ووضاح شرارة باسم زاهي شرفان الصادرة عن دار الطليعة ، بيروت، وترجمة خالد بكداش بنسخة يسميها ترجمة أيوب الصادرة عن دار التقدم موسكو.
كان العفيف يتهكم على ماركسية طرابيشي بتسميتها “الماركسية المطربشة” وماركسية إلياس مرقص بتسميتها “الماركسية المرقصية”. بل لم تنج من لسان العفيف، غير العفيف، اية شخصية ماركسية بدءا من لينين وربما وصولا الى من سيأتون.
ليس ما اقصده من الإشارة إلى الترجمة الذهاب لاختبار دقتها من عدم ذلك، أو تجني العفيف أم لا.
لا اقصد بالطبع مقارنة الرجلين في عجالة كهذه، ولكنني أود الإشارة فقط إلى نهاية كل واحد منهما وهما نهايتين مختلفتين تماماً. لا أقصد الموت، فهو مشترك للناس، وإنما الطريق إلى الموت.
لقد قادت المواقف شديدة النزق والفردانية العفيف الأخضر إلى الابتعاد عن الدور الجماعي الطبقي تحديداً مع أن النضال الطبقي هو من ركائز الفلسفة الماركسية. بقي العفيف فردا وفردياً ومتفرِّداً.
صحيح أنه في لحظات علاقته بالمقاومة الفلسطينية كان شديد الحماسة، بل وطوال حياته كان يكتب بحماسة. ولكن تدهور حركة التحرر العربية بجناحيها القومي والشيوعي قاد العفيف إلى الانقلاب على تاريخه تماماً. فالرأسمالية ومن ثم الإمبريالية التي كان من اشد المتحمسين ضدها، لم تعد كذلك، بل تحول إلى شديد الهزء بالقوى الثورية العربية وانتهى من زبائن قناة الجزيرة القطرية التي تكشفت عن كونها موقع للتطبيع وخدمة الثورة المضادة.
الطريف ان العفيف أخذ حماسته الماركسية معه ليتحدث بنفس حرارتها لصالح دور تلك القناة النموذجية في التضاد مع الثورة. وبكلام آخر، فقد إرتد العفيف تماماً.
وهذا يدعو للاستنتاج بأن المتمسكين بحتمية الانتصار في عمرهم وعلى يدهم يمكن أن ينهاروا تماما حين يتيقنوا ان ذلك لن يحصل في المدى الذي رأوه برومانسيتهم وهذا ينطبق على الأشخاص والقوى. وكأن الرجل يقول: إما أن انتصر أو أرتد، وهذا مخالف للتاريخ الذي يحمل الاحتمالين، وسعيد من يأتي عمره في فترة الصعود.
وقد لا أبالغ في القول مثلاً بان مختلف قيادات القوى الفلسطينية بألوانها التي قبلت باوسلو بهذه الدرجة او تلك هي في مسار شبيه بمسار العفيف حيث تيقنت انها غير قادرة على الانتصار فقامت بخصي التاريخ واختزاله في لحظة الهزيمة التي هي قابعة في ذاتها اي استدخالها للهزيمة فقبلت باقتسام الوطن مع العدو، وهو اقتسام لا يتقيد العدو به.. وخطورة هذه القوى في انها في داخلها تعترف بالكيان الصهيوني وفي أقوالها تنادي بالتحرير!
تستدعي هذه المواقف الذاتية جدا ، ذاتية بالمعنى الفردي وبالمعنى التنظيمي، حركة التاريخ التي تتضمن شرح مفهوم التاريخ ودرسه الذي يؤكد أن الحياة إلى الأمام مهما مرت بلحظات/محطات التراجع والردة والسقوط. لكن درس التاريخ دائما يحتاج إلى من يمكنه فهم روحه، من يُباعد بين المصالح والمجد الشخصي (وهنا اقصد شخص الفرد وشخص الحزب) وبين القضية اية قضية جماعية وطنية قومية طبقية أممية.
في النهاية، انتهت رومانسية العفيف به إلى الانتحار، كما أُشيع، أو محاولة الانتحار، وربما الرحيل دون انتحار جسدي، اي بعد انتحار الموقف السياسي.
مسار جورج طرابيشي مختلف بالطبع. فهو مسار من حيث الجماعية كان مسارا حزبيا وطبقياً إلى حد ما وإن كان انتهى انعزالا فردياً..
ويختلف طرابيشي عن العفيف في أن طرابيشي تدرج في التبني الثقافي او الفكري إن شئت من مدرسة أو لون ثقافي إلى آخر. ويمكن القول بأنه بقي في دائرة القومي اليساري فكرياً رغم خروجه من الحزب أو جناح يسار البعث وصولاً كما قال إلى التوجه الفردي الفرويدي..
لم يقده اختلافه مع الحزب إلى الارتداد ضد الوطن ، اي لم يذهب إلى معسكر الثورة المضادة، وهو الموقف الذي تدهورت فيه كثرة من المثقفين أقل رومانسية من العفيف الأخضرأمثال صادق جلال العظم، وبرهان غليون، والطيب تيزيني….الخ. وقع هؤلاء في مأزق النزق الفردي والانخداع بقوة الثورة المضادة، وهي معولمة القوى، فتخيلوا أمرين خطيرين:
· الأول أن الثورة المضادة بقيادة الإمبريالية سوف تُحل نظاما، أو تسمح لهم بإحلال نظام ديمقراطي في مكان الاستبداد الدولاني الأمني ، مثلا، في سوريا. ربما بنى هؤلاء موقفهم او قناعتهم في السقوط السريع للنظام على السقوط السريع للنظام العراقي 2003 أمام الغزو الأمريكي، ولكنهم في الوقت نفسه فشلوا في قراءة تجربة العراق تحت الاحتلال التي لم تكن باي معنى ديمقراطية.
· والثاني، وهو مبني على الانخداع بالقدرة الهائلة للثورة المضادة، وهو، أن النظام في سوريا سوف يسقط سريعاً، فتخيلوا قطف الثمار القريب.!
لا نستطيع القول أن طرابيشي حافظ على التزامه الفكري والثوري ولكنه في الوقت نفسه حافظ على وطنيته بالمعنى السلبي اي غير الفاعل حيث انتهى إلى الانطواء.
قد يقول البعض بأن هذا ناتج عن غياب قوة المثال الحزبي الثوري، وهذا صحيح بمعنى غياب المثال، ولكنه ليس صحيحاً من باب مواصلة النضال ولو بأقل درجة من الإيجابية أي الوقوف خارج حافة الانعزال والصمت.
يشترك الرجلان في الصدمة من الوضع العربي تحديدا، وربما الوضع الدولي. لكنهما يختلفان في اثر الصدمة أو التعاطي معها.
ففي حين قادت الصدمة العفيف إلى ردة تامة محمولة على نفس الحماسة والسخرية، فإنها قادت طرابيشي إلى إيثار الصمت أي التوقف وليس الردة بالمعنى الخياني، بل الردة بمعنى الخروج من دائرة المثقف النقدي المشتبك. وبهذا يكون أكثر التزاما وأكثر تقاطعا مع التاريخ بمعنى أنه لم ينتقل من موقع الثورة إلى موقع الثورة المضادة ومن ثم التخريب الثوري.
يلتقي الرجلان في كونهما بدءا ضمن معسكر الثورة حاملين جمرة التغيير والنضال من أجل ذلك بغض النظر عن الطريق الذي انتهجه كلا منهما. وربما لأنهما كانا ملتزمين، فقد اثرت بهما الأزمة فغادر كلا منهما الثورة ولكن بطريقتين مختلفتين، يشتركان في المغادرة ويختلفان في الأسلوب.
مسار العمل الفكري والموقف الثوري، الاستمرار في، أو مغادرة، الطريق الثوري متعددة بتعدد الناس. ولكن، ربما أن الطريق الأكثر شقاء ومشقة هو طريق الثبات الثوري المشتبك رغم الأزمات والهزائم. بل هو الطريق الذي يختاره المثقف الثوري النقدي المشتبك في لحظات الهزيمة خاصة بان يلعب دور او يقوم بدور حارس مؤخرة الجيش المهزوم حيث يترك ذلك الجيش جيوبا من المقاتلين تسمى جيوب المقاومة أو المهارشة في علم العسكر، تخاطر جدا بنفسها لكي تعيق لحاق العدو بالجيش المتقهقر او المهزوم مما يعطي ذلك الجيش فرصة التقاط الأنفاس والعودة للقتال. هنا يقوم المثقف بدور جيوب المقاومة أثناء التراجع ليعيق لحاق العدو بجيش المقاومة والثورة المتقهقر كي تسترد قوتها الهجومية او الهجوم المضاد.
منذ هزيمة 1967 وما تبعها، ظل دور المثقف المشتبك مع المرحلة باتساعها أمر لا غنى عنه. ولذا، ظل المثقف مطلوباً لمختلف السلطات بمعنيين:
· مطلوب للسلطات التي يناقضها لتقتله
· ومطلوب للسلطات التي يتقاطع نسبيا معها لاحتوائه.
كثير من المثقفين رمى السلاح وخلع قلبه وليس ملابسه فقط، وانتهى في عواصم انظمة الدين السياسي وصار من منظري الثورة المضادة، كان العفيف الأخضر من بينهم.
وكثير من المثقفين العرب لاذ بالصمت، وكان طرابيشي من بينهم.
وكثير من المثقفين العرب صمدوا لأنهم يعرفون ان الحياة مقاومة والمثقف الثوري النقدي المشتبك لا يتقاعد، وهؤلاء يتخطفهم الموت اليوم أو غداً، ولكن رسالتهم تبقى كما التاريخ.
