Site icon

“كنعان” تتابع نشر كتاب “التعاونيات/الحماية الشعبية: إصلاح أم تقويض للرأسمالية”، تأليف د. عادل سمارة (الحلقة السابعة عشر والأخيرة)

​​ملاحظة في ضبط المصطلح:

طلبت مني الرفيقة عرب لطفي أن اوضح لماذا استخدمت في كتاب التعاونيات مصطلح “جُماعيات” وليس تعاونيات: أي لماذا ترجمت Collective جماعية بدل تعاونية وتحديدا في مقالة الاقتصاد السياسي لتفكيك الجُماعيات في الصين

تحياتي  رفيقة عرب لطفي: ذلك لأنني  وجدتها اقرب للمضمون. وخاصة لان الكاتب لم يستخدم كلمة كَميونة.

إن جُماعية كما اعتقد اكثر تعاونا من تعاونية اي اقرب إلى المضمون  الاشتراكي.

فبعض التعا نيات لا تتجاوز في بنيتها وعلاقاتها  الملكية الخاصة.

 :::::

 ملحق 6

مقارنة حالتين في مواجهة أزمتين كوبا والأرض المحتلة 1967

الانتفاضة بالحماية الشعبية في مواجهة الاستهلاكية

عادل سمارة

 (قُدمت كمداخلة في ندوة من أجل انتفاضة مستمرة والوعي بالاستهلاك بدعوة من منتدى نبض الشبابي برام الله يوم الثلاثاء 27 تشرين ثانِ 2015)

مقدمة:

تفاعلا مع الانتفاضة الجارية في الأرض المحتلة، ومحاولة تجديد مناهضة التطبيع و مقاطعة مننتجات العدو ابتداء بالوعي بالاستهلاك كآلية لإعادة الحضور الشعبي كفرض عين إلى ساحة المقاومة بالحماية الشعبية بحيث يكون كل مواطن مقاوم وبحيث يلمس هو نفسه أهمية وطعم دوره في حياته اليومية عبر مقاطعة منتجات العدو والمعترفين به عربا ومسلمين وداعميه من العرب والمسلمين وبلدان وأنظمة وخاصة شركات المركز الراسمالي الغربي وغير الغربي…الخ.  هذا ما اسميته ب :النضال الممتد” متقاطعا مع ” النضال المشتد”سواء العمليات المسلحة النوعية، دون أن تكون حربا جبهية مع العدو كي لا يتمكن من إنهاك المجتمع، أو الدهس والسكين والحجر، هما نضالين معاً، لا يتوقفان أو ينحصران في قدرة الفهد على إرهاق الفيل، بل كذلك يقومان ب كَيْ الوعي الجمعي عالمياً بما يكشف له ومن ثم يجند منه عدداً متزايداً للتضامن أممياً مع نضال شعبنا العربي الفلسطيني. يأخذ هذا التأثير وقته الطويل، لا باس، ولكن الصراع أطول.

مساهمة في هذا النضال (طُبعت ووُزعت  كراسة صغيرة ل عادل سمارة و صبيح صبيح بعنوان: البسيط في لجان واقتصاد الحماية الشعبية). لكنني  وجدت من المفيد للتعميق الثقافي تكثيف مقارنة بين كوبا والأرض المحتلة في ازمة كلتيهما إثر كل من تفكك الاتحاد السوفييتي في حالة كوبا  وحصول اتفاق أوسلو في الحالة الفلسطينية، على ان يتضمن هذا الحديث مناقشة ومقارنة  مدى تقاطع الشعبي والرسمي في كوبا و الأرض المحتلة، والموقف من الإمبريالية. والنقطة المركزية في المقارنة هي الموقف من الاستهلاكية و القدرة على توليد بردايم/نموذج  تنموي وقراءة  عوامل النجاح والفشل في الحالتين.

وقبل تناول موضوع المقارنة أود التعريج على جوانب او سمات في الهبة/الانتفاضة الجارية وخاصة مساهمتها في تثبيت مسائل محورية في الصراع العربي الصهيوني منها:

حصلت الانتفاضة إثر التراجع الملموس للكفاح المسلح ( الذي تم اعتماده وحده تقريباً مما أعاق إبداع التنويع النضالي لشعبنا) بعد تشتيت المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى تونس وسوريا واليمن وبالتالي كانت الانتفاضة ترميما، بمبادرة شعبية، لخراب الوضع الفلسطيني واستمرت هذه الانتفاضة لسنوات إلى ان قامت قيادة م.ت.ف باستثمارها في مشروع أوسلو-ستان/سلام راس المال، وللأسف كان استثمارا تدميرياً.

 

توجب الانتفاضة هذه شيئا من تشخيص النضال الوطني الفلسطيني لما ينطوي عليه من ابتكارات في المقاومة، طبقا لوضعيتي الصعود والهبوط: في فترة الصعود اتخذ النضال فعالية:

وفي فترة الأزمة أي بعد اوسلو اتخذ اشكالا جديدة مختلفة:

شكل اشتراك جماهير المحتل 1948 في هذه الهبة/الانتفاضة الحالية، رداً وتخطٍّ لخطيئة النفي القسري لفلسطينيتها إثر اتفاق أوسلو وهذا متغير هام في النضال الفلسطيني حيث قلب المعادلة أو قواعد الاشتباك الكلاسيكية التي تمظهرت في خروج العدو خارج حدود المحتل 1948 للضرب في المحيط العربي. لكن الهبة في المحتل 1948 ومدينة القدس  قلبت قواعد اللعبة حيث المقاومة تواجهه في داخل بنيته.

لقد حصلت هذه الانتفاضة في فترة من الزمن العربي تشي باستدخال الهزيمة، وهذا يعطيها ميزة خاصة بمعنى أنها الرد العملي على ثلاثية الثورة المضادة (الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية/وخاصة انظمة وقوى الدين السياسي).

 أكدت الهبة/الانتفاضة  للكيان الصهيوني أن النضال الفلسطيني شامل ومتجدد ومتسع مما يدفع للاستنتاج بأن مهمة بقاء هذا الكيان قد فشلت، وأن على قياداته السياسية ونخبه الثقافية الفكرية أن تفكر في أحد خيارين:

كوبا والأرض المحتلة في أزمتيهما

هذه المداخلة أو المحاضرة، هي في الاقتصاد السياسي أو فلسفة الاقتصاد السياسي  ومحصورة في نفس الفترة الزمنية للبلدين أي نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن العشرين وكيف تعاطى كل طرف مع أزمته:

هذه محاولة لقراءة مقطع/حدث زمانيا ومكانيا للحالتين الفلسطينية والكوبية من حيث التشابه والاختلاف وأخذ العبرة عبر القرار السلطوي والموقف الشعبي التباعد والتلاقي على صعيدي:

بل ايهما الذي يمكن وصف سياساته الاجتماعية الاقتصادية بانها تنموية؟

وضع كوبا عشية ازمة تفكك الاتحاد السوفييتي:

كانت مزارع الدولة  تشغل80 بالمئة من الزراعة الكوبية أي زراعة على اساس موسع. وبالتالي كانت قوة العمل العاملة في الزراعة محدودة وهو ما ترتب عليه تركز 80 بالمئة من السكاان في المدن.

قبل تفكك الاتحاد السوفييتي كانت كوبا قد قطعت شوطا في التحديث والرفاه الاجتماعي والمساواة. وكانت كوبا تستورد الكثير من الميكانيكيات وخاصة الزراعية من الاتحاد السوفييتي وبالطبع كانت تغطي هذه الواردات التفضيلية من تصدير السكر الذي كان المحصول الأوحد لديها والذي ايضا كان يستورده الاتحادالسوفييتي باسعار تفضيلية، حيث كان يدفع ثمن الطن من السكر ب 5.4 اضعاف ثمنه في السوق الدولي.

كانت كوبا حالة تبعية غذائية عالية عبر الاستيراد من الخارج. مثلا،  57 بالمئة من الكالوريز/السعرات المستهلكة  آتية من الخارج، 90 بالمئة من المخصبات والمبيدات مستوردة من الخارج.  بالطبع وحينما انهارت المتاجرة مع الكتلة الإشتراكية اختفت هذه المواد نظرا لضآلة السيولة المالية اللازمة لمواصلة دفع ثمن الواردات.

التحديات في كوبا إثر تفكك الاتحاد السوفييتي:

تعطل كثير من التراكتورات بسبب قلة االقطع وندرة الوقود لتحريكها، وهذا أملى ضرورة الانتقال إلى الزراعة المعتمدة على العمل البشري واستخدام الحيوانات مجددا وعلى نطاق واسع.  وتراجع استيراد الكيماويات الزراعية ب 80 بالمئة لنفس السبب.  كما تراجع النفط المخصص للعمل الزراعي إلى النصف و هبطت القدرة على استيراد الغذاء إلى النصف. باختصار صار التحدي كيف تواجه الدولة تراجع نصف الغذاء والحفاظ على محصول التصدير. كما وجه مخططوا الدولة بضرورة خلق وحدات إدارية على نطاق صغير لأنها ضرورية للزراعة العضوية بما أنها الخيار الوحيد الممكن. وصار لا بد للدولة من تقديم حوافز للمزارعين لاستعمال الأرض بل العودة لاستعمال الأرض وفي ظروف قاسية.

وضع الأرض المحتلة قبل أوسلو:

خضعت الأرض المحتلة لعملية إلحاق اقتصادي بالكيان الصهيوني بحيث لا تستورد ولا تصدر إلا معه او من خلاله. وبالطبع رجح التبادل المفتوح بين الطرفين بشكل هائل لصالح الكيان.  واقترن ذلك بامتصاص قوة العمل المحلية لاستغلالها  ولإبعادها عن العمل في:

وحيث قطع الكيان علاقات المناطق المحتلة بالخارج فقد حُصر تبادلها معه تحصراً، مما ألحق مختلف الطبقات الاجتماعية باقتصاد الاحتلال قسرا حيث لا خيار بمعنى:.

 أي وصل الوضع إلى إلحاق الطبقات الإجتماعية بالكيان مصلحيا وحياتيا.

في هذه العلاقة من التبادل اللامتكافىء المفروض بقوة السلاح “تبادل لا متكافىء مسلح” كانت هذه المناطق تسد عجز ميزانها التجاري مع العدو بتحويلات عمالها داخل قطاعات الاقتصاد الصهيوني (وهي غالبا في العمل الأسود).

هذه العلاقة خلقت شرائح اجتماعية مرتبطة مصلحيا بالاحتلال، سواء شريحة الكمبرادور او التعاقد من الباطن أو حتى قوة العمل المستخدمة في اقتصاد الكيان. وهذه ولدت بدورها او عمقت ظاهرة الاستهلاكية التي لم تنحصر في تسويق الضروري بل والترفي أيضا، وخاصة على ضوء غياب ثقافة المقاطعة ومناهضة التطبيع.

وترتب عليها تعميق ثقافة الاستهلاك حيث وفر العمل في الكيان مداخيلا أعلى للعمال، مما ترتب عليه مغادرة أوسع للعمل في الأرض وتقلص الرقعة الزراعية تدريجيا وهذا سهل على الاحتلال مصادرة الأرض. وزاد أن أرفق بذلك تقليص شبه تام لرخص الصناعة. وهذا بدوره وسع ظاهرة التعاقد من الباطن.

أما على المستوى السياسي فقد ساعد على هذ االضياع غياب نظرية وسياسة تنموية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي اعتمدت على التمويل الريعي من الأنظمة العربية وهو المرض الذي واكب إعادتها إلى الأرض المحتلة.

وعلى هامش كل هذا تبلور وجود اقتصاديون يبررون الارتباط باقتصاد الاحتلال ويرفضون  فك الارتباط باقتصاده بعكس توجهات الخبراء الكوبيين. بعض هؤلاء الفلسطينيين دعى إلى:

تتوج كل هذا بوعود قيادة م.ت.ف بأنها بمجيئها ستحول البلد إلى سنغافورة أو تايوان. وهذا طبعا حتى لو حصل فهو مثابة خلق كيان يعيش على مبدأ السوق المفتوح والتبعية الشاملة للإمبريالية[1].

بداية بردايم/نموذج الحماية الشعبية

تبين المقارنة، أن التحدي ضد الفلسطينيين أشد وأخطر من كوبا. وهو ما يتطلب اقتراح بردايم يشكل خيارا اقتصاديا يتناسب مع التحدي وشدة الصراع.

توصلتُ عام 1975 إلى  نقد سياسات الكيان في كتابي البسيط: “إقتصاد المناطق المحتلة:التخلف يعمِّق الإلحاق”. وأتبعته بمقترحات لمداخل اقتصادية لفك التبعية للكيان الصهيوني والتركيز على مجالات اقتصادية تتجنب الصراع الاقتصادي مع القطاعات القوية  لاقتصاد الاحتلال اسميتها: “سياسة السقوف الممكنة” لمواجهة سياسات الكيان الاقتصادية التي تفتح على المسألة السياسية عبر القمع ومصادرة الأراضي وإغلاقها وصولا إلى تنفيذ سياسته الديمغرافية التي انتقلت من الطرد عام  1948 إلى الإزاحة 1967 لتصل الإنزياح الذاتي اي قرار الفلسطيني بالرحيل.

بنية بردايم الحماية الشعبية

لا يرتبط هذا البردايم بوجود السلطة فقد بدأ قبلها وأتت الانتفاضة لتؤكده، كما انه يسير في  مسار مخالف للسياسة الاقتصادية لسلطة الحكم الذاتي، سياسة سيطرة السوق التي أتت لاحقاً، والتي  ارتكزت على إيديولوجيا السوق المفتوح واللبرالية الاقتصادية ولاحقا اللبرالية الجديدة. وكل هذا في غياب السيادة على الأرض.

هذا البردايم والذي توصلت إليه في أطروحتي للدكتوراة في جامعتي لندن وإكزتر، فبل عودتي في اكتوبر 1987، هو عمل شعبي للدفاع عن الاقتصاد دون وجود سلطة طالما هي ليست سلطة الشعب ومرتكزاته، وهو ما وجد تطبيقه العملي باشتعال الانتفاضة في نهاية عام 1987. ومرتكزات هذا البردايم هي:

ولكن، حينما تم الإتيان بسلطة الحكم الذاتي إلى الأرض المحتلة بموجب اتفاق أوسلو 1993 ولاحقا بروتوكول باريس 1995،  التي عملت على تقويض التطبيقات الشعبية لهذا البردايم حيث أعلنت وقف الانتفاضة ووقف المقاطعة والاعتماد على التمويل الأجنبي مما قاد إلى الفساد والاعتماد على الريع. ورافق ذلك إهمال قطاعات الإنتاج. وتعميق الاستهلاك وخاصة الترفي وتقوية تيار مثقفي اللبرالية وصولا إلى اللبرالية الجديدة وخاصة التورط في القروض والخضوع لضرائب فرضها رئيس الوزراء وحامل إيديولوجيا البنك والصندوق الدوليين د. سلام فياض. وتوجت أو بررت السلطة ذلك بأننا دخلنا  مرحلة السلام. وهذا بعكس السياسة التي تبنتها السلطات الكوبية في مواجهة الحصار وفقدان الظهير السوفييتي.

مقارنة بردايم الحالتين

كوبا:قبل تفكك السوفييت وبالدعم السوفييتي كان يباع سكر كوبا للسوفييت ب 5.4 اضعاف السوق الدولي، وبهذا تستورد الوقود والجرارات والأغذية.

مع تفكك السوفييت ومواصلة الحصار فإن درجة اعتماد كوبا زراعيا على  محصول واحد قد كشف عن ضعف كبير  في الثورة. لكن الجانب الإيجابي أن البلد منتجا، ولذا، يحتاج إلى تغيير في البنية الإنتاجية. أي تم فقدان الريع، ولكن عن مجتمع يُنتج.

كما أن ندرة السيولة المالية وتفكك السوفييت: حرم كوبا من القدرة على الاستيراد من السلع الأجنبية.

” …  ومن خلال بحثنا عن حلول من كافة الأنواع  فإننا ننتج  ثلاثة اضعاف ما كنا ننتجه  بالرغم من ان عددا من المصانع قد توقف  عن العمل. ..اليوم نُسيِّر ستة آلاف رحلة باص بعد ان كنا نسير ثلاثين الف رحلة…كانت تقارير المندوبين من المناطق دقيقة جدا، وتخلو من الخطابية. فقد وصف الشاب اماندو من جوانتانامو كيف تمكن من انتاج الحليب للأطفال في منطقتة من خلال  بناء سياج من الشبك كزريبة للأبقارالبرية حيث يجمع بعد ذلك عددا من الشبان الصغار ويقوم رجل عجوز بتعليمهم كف يحلبون الأبقار… لم يجر اتخاذ اي قرار دون استشارة الشعب كله” (كريس لي بوجس في كنعان العدد 86).

الأرض المحتلة: في حالة سلطة الحكم الذاتي لم تتم استشارة الشعب لا في اتفاق اوسلو  ولا بروتوكول باريس ولا سياسة السوق المفتوح. بل تعايشت سياسة السلطة مع نفس سياسات الاحتلال ما قبل اوسلو ووصفات المصرف الدولي. وترافقت مع ذلك  حالة من تراجع الإنتاج وتدفق الريع الذي رُشي به الفلسطينيين وحولهم إلى مستهلكين شرهين كل حسب ما يحصل عليه من مال. مع انه طبقا للحالة الفلسطينية من  المفترض اتباع سياسة التقشف.

كوبا:لكن العلماء هناك تمكنوا من تطوير طرق وافكار لحل الأزمة(   كوبا 2 بالمئة من امريكا الجنوبية بها 11 بالمئة من العلماء ص 140. انخرط المخططون في الدولة في تشكيل  وحدات إدارية صغيرة ضرورية للزراعة العضوية وقدمت حوافز ملكية للمزارعين. واشترت كوبا 2 مليون دراجة هوائية من الصين ثم اقامت مصنعا لصنع الدراجات الهوائية.

الأرض المحتلة: بموجب سياسة السوق المفتوحة وتدفق الريع المالي الذي هدفه تثبيت التنازل السياسي المجسد في اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، اي مال كثمن لتنازلات سياسية في الجغرافيا وطبعا الاقتصاد، تم شراء أعداداً هائلة من السيارات الفارهة. أما “العلماء” أي الاقتصاديين فكان قسم منهم قد شارك باكرا عام 1991 في ورشة هارفرد بإشراف ستانلي فيشر الذي اصبح لاحقا حاكم المصرف المركزي الصهيوني. وهدف الورشة  تثبيت التبعية بعد أوسلو، ومن ثم طوروا:

كوبا:عام 1993 ووجهت الدولة بواقع معقد. فالمدخلات المستوردة لم تعد متوفرة. لكنها ركزت على قطاع صغار المزارعين  حيث تكيف بشكل فعال مع  الانتاج  الذي يحتاج لمدخلات اقل ادنى ( ومع ذلك فإن مشكلة اضافية طرأت وهي كانت حادة في ذلك القطاع  بتحويل الانتاج للسوق السوداء). وهنا لم تقم الدولة بطلب رسوم استعمال الأرض من المزارعين.

الأرض المحتلة: لم توضع خطة زراعية، ذهب الجيل الشاب من المزارعين إلى وظائف السلطة. وإلى وظائف الأنجزة وبقيت الزراعة بأيدي كبار السن من الرجال والنساء متوسطات العمر والمسنات. وصار إنتاج هؤلاء المزارعين مطاردا كأنه مادة سوق سوداء.

كوبا: تم تقليص  ميزانية الدولة  من 30 بالمئة من الانتاج الأهلي الإجمالي  الى 5 بالمئة.

الأرض المحتلة: رغم التبعية للريع المالي الأجنبي، فهناك ميزانيتين واحدة للبلد وأخرى للرئيس. كما ان حصة الأمن لوحده حوالي 30 بالمئة من الميزانية، ناهيك عن العديد من الأجهزة والموظفين غير الضروريين.

كوبا: عام 1993، حولت الدولة مزارعها حسب قانون يلغي مزارع الدولة وحولها الى الوحدات الأساسية للانتاج التعاوني. وهو شكل من ملكية العمال للمشروع او التعاونية.

 الأرض المحتلة: تمت خصخصة كل ما يمكن خصخصته من الشركات والخدمات العامة. ولم تهتم السلطة بتشغيل الأرض المتروكة مع مساعدة المزارعين الشباب بنافذة تنموية. كما لم تهتم بالتعاونيات مع أن فكرتها بدأت مع الانتفاضة الأولى. بل إن السلطة ألغت مقاطعة منتجات العدو مما خنق الإنتاج المحلي.

كوبا: لم تعد الدولة للقطاع الخاص بل اعتمدت التعاونيات وصغار المزارعين والحدائقيين. وتحويل الجزء غبر المجدي من القطاع الحكومي إلى تعاونيات. وأعطت الدولة ارضاً لجُماعيات المزارعين دون ريع بشكل دائم، طبعا لا يملكون الارض بل الانتاج.

الأرض المحتلة: قامت السلطة بتوجيه الريع للقطاع الخاص والوظائف الفائضة عن الحاجة في الخدمات وبعض التصنيع وليس للزراعة. وذلك بموجب إملاءات المصرف الدولي إضافة لقيامها بخصخصة ما يمكن خصخصته.

 

كوبا:التجربة الكوبية قلبت  الحكمة المبتذلة الشائعة رأسا على عقب: أي الحكمة  التي اخبرتنا ان البلدان الصغيرة لا تستطيع إطعام نفسها وبانها تحتاج للاستيراد كي تغطي عجز زراعتها.

يقول الكوبيون: كنا نسمع ان البلد لا يمكنها اطعام نفسها دون زراعة تعتمد على تصنيع كيماوي. لكن كوبا فعلت ذلك. وقد أُخبرنا اننا نحتاج الى فعاليات  شركات كبرى او حكومية حتى ننتج الغذاء الكافي،  لكننا وجدنا ان المزارعين الصغار واصحاب الحدائق  في طليعة انقاذ كوبا من ازمة زراعية.

الأرض المحتلة: فاضت علينا كتابات “علماء” محليين وأجانب بان البلد غير ممكنة اقتصادياً مما دفع لإهمال حتى ما كان مستغلا، فقتلت المحاصيل التقليدية واصبحنا نستهلكها نفسها من منتجات العدو. هذا مع أن الحيازات الصغيرة والحدائقية مجدية دون التفرغ لها.

كوبا: في الحقيقة فإنه رغم غياب الماكينات المدعومة  والكيماويات المستوردة، ولكن تم تبني بديل بالمزارع الصغيرة التي أثبتت أنها اكثر فعالية من الوحدات الانتاجية الكبيرة.

الأرض المحتلة: الحيازات غالبا صغيرة لكن لا يوجد قرار سياسي بالدعم ولا ثقافة مجتمعية للعمل في الأرض ولا نافذة تنموية.

كوبا: تم استخدام التكنولوجيا الزراعية البيئية  بدل الكيماوية. حيث لجأت كوبا الى تعدد المحاصيل  فقد انتجت محليا مبيدات حيوية  وسماد من ورق الشجر وروث الحيوانات،  وبدائل تركيبية اخرى من المبيدات والمخصبات.

الأرض المحتلة: تضيق القرى بالسماد الطبيعي فيُلقى في المهملات ويُحرق. ولا يستفيد من جزء منه سوى كبار المزارعين وخاصة الذين يزرعون للتصدير. كما لم تتم ابحاثاً جادة ودائمة للتطوير الزراعي طبقا للإمكانات.

كوبا: وفرت الدولة اسعاراً حسنة للمزارعين: زاد المزارعون الكوبيون الانتاج  كتجاوب مع  الأسعار الأعلى للمحاصيل. ان المزارعين  في كل مكان  يفتقرون الى الحوافز  لزيادة الانتاج  حينما تكون الأسعار متدنية قصدا او اصطناعيا،  كما هي غالبا هكذا.  وحين يحصلون على حوافز، ينتجون بغض النظر عن الظروف التي يتم في ظلها هذا الانتاج.

الأرض المحتلة: عدم المقاطعة والتطبيع أدت إلى تدني الأسعار وطبعا  دخل المزارع  مما قاد إلى الإفلاس وانسحاب المنتج الصغير من السوق لصالح الإنتاج الصهيوني. ليس الأمر هنا أن الأسعار حسنة أم لا بل المشكلة في غياب الحماية الحكومية من جهة والتخلي عن الحماية الشعبية من جهة ثانية. لذا، فإن  منتجات العدو تقوم هنا بالمطاردة الساخنة للمنتجات المحلية، وهذا واجب الجمهور التصدي له بالوعي بالاستهلاك كحماية شعبية.

كوبا: إعادة توزيع الأرض: ان المزارعين الصغار والحدائقيون هم الأكثر انتاجية من بين المنتجين الكوبيين في ظل ظروف مدخلات متدنية.وفي الحقيقة فإن أصحاب  المزارع الصغيرة على طول العالم ينتجون اكثر حسب الوحدة من المزارع الكبيرة. كانت اعادة التوزيع سهلة نسبيا في كوبا لأنه يحصل استكمالا لوضع لم يعد فيه كبار ملاك للأرض كي يقاوموا.

الأرض المحتلة: طبقا لعقيدة السوق لدى السلطة، لا يمكنها الإقدام على تقديم الأرض المهملة للاستغلال. كما أنها لا تسمح بأن لا يدفع المزارع مالاً للمالك  الكسول أو للسلطة لقاء استغلال الأرض وطبعاً دون أن يملكها. هذا رغم أن ملاك الأرض المهملة غائبون عنها بالإهمال.. اسميت هذا عام 1991 ب: إعادة توزيع الفائض”.

كوبا: لا يعتمد الناس على تقلبات اسعار الاقتصاد العالمي، وعلى النقل بعيد المدى، “والنية الحسنة” للقوة العظمى، في وجبتهم القادمة. ان الانتاج المنتج محليا ومناطقيا هو اكثر امانا.  الى جانب التعاون والترابط في حفز التطور الاقتصادي المحلي.

الأرض المحتلة: اتخذت السلطة منهجا عكسيا للتنمية والاعتماد على الذات بتشجيع المحاصيل الموجهة للتصدير سواء الزهور في غزة أو الخضار في الأغوار مخدوعة بالتصدير للاتحاد الأوروبي، اي ارتباط متعمق أكثر بالسوق العالمي وتقلباته مع إهمال للسوق المحلي وكفايته محلياً.

كوبا:  يقول الكوبيون، وابعد من هذا، ان هذا الانتاج ذي معنى بيئي جيد، بينما الطاقة المبذولة في النقل العالمي هي تبذير واتلاف  وغير مستدامة بيئيا.  ويرون أن هذا ممكن كذلك في البلدان التي تعتمد الزراعة الصغيرة  وخاصة اذا ترافقت مع دعم فني. كما ان من المستحيل تقريبا ان تجد صداقة  بين الزراعة الموسعة والبيئة.

الأرض المحتلة: لا توجد سياسة للبحث عن أسمدة ومبيدات صديقة للبيئة بل هي سوق لهذه المنتجات الصهيونية غير المراقبة. ولا يوجد حذر من السوق العالمي وكلفة النقل من مناطق بعيدة، بل تورط في الاستيراد بشكل مذهل. رأيت على رفوف سوبر ماركت مربى نبتة العليق مستورد من المجر!إن هذا تعبير نارد عن الشره الاستهلاكي الأعمى. وبدل دراسة تجربة كوبا حتى خلال الانتتفاضة الحالية يتم التتلمذ على النمط الزراعي الرأسمالي الصهيوني بتمويل دنمركي . فخلال هذه الهبة/الانتفاضة شاركت وزارة الزراعة في ورشة لإعداد البروتوكولات الزراعية والحيوانية مع وفي الكيان الصهيوني بتمويل دنمركي.

كوبا:  وبواسطة حفز الزراعة المدينية، تجعل المدن والمناطق المحيطة بها  عمليا مكتفية ذاتيا من حيث حاجتها للغذاء الهالك/ القابل للفساد واكثر جمالا  وتوفر فرص عمل اوسع. ان كوبا قد اعطتنا مثالا على زراعة مدينية تحتمل عدم الاستغلال.

الأرض المحتلة:  المدن ومحيطها أرض جرداء، وكل مدينة مرتبطة اقتصاديا مع قلب الكيان الصهيوني، اي ان اقتصادنا بلا قلب. وفوق هذا تُعتبر بسطات النساء لبيع المنتجات الريفية تقبيحا لمنظر المدينة.

كوبا: مع ندرة الوقود، فقد وضعت كوبا في موضع عدم القدرة على استخدام القوة الآلية  في الحقول فلجأت مضطرة الى البحث عن بدائل بالجر الحيواني.

الأرض المحتلة: لا ندرة في الوقود لكنه متوفر بنفس سعره لدى الكيان مع فارق هائل بين دخل الفرد في الكيان وفي الأرض المحتلة. توجد ماكينات زراعية لكنها كملكية خاصة أو فئوية أو لقوى الأنجزة، فهي تخضع لقوانين السوق وتفرض سعر استخدام مشابه للسعر في الكيان. وبالمقابل، كان هجران الأرض بدل استخدام التشغيل الحيواني.

كوبا: لا بد لأي بلد يريد التطور الصناعي من زراعة  توفر معظم غذائه. وبالطبع تظل  بعض المكننة الزراعية هنا  لازمة، فهو امر حاسم ان نتبين  – ومثال كوبا يفيدنا هنا- بأن مزارع اسرية صغيرة وتعاونيات  تستخدم ادوات ذات حجم معقول  يمكن ان تكون ممارسة  صديقة للبيئة،  وتزيد انتاجية العمل.

الأرض المحتلة: هناك إهمال للأرض والزراعة وعدم حماية للأرض الزراعيىة من زحف البناء الأفقي وخاصة الترفي بدل البناء العامودي ومنع البناء على الأرض الجيدة للزراعة. هنا يتحول البناء إلى عدو للزراعة.

كوبا: تفيد التجربة الكوبية ان بالامكان تغذية  السكان  بموديل المزارع الصغيرة والمتوسطة  القائمة على تكنولوجيا مناسبة للبيئة  وبهذا  يرون أن بوسعهم وصول الاعتماد على الذات في انتاج الغذاء،  وكل هذا يشجع الانتاج.

الأرض المحتلة:  لا أود القطع بقدرة  الأرض المحتلة على كفاية نفسها غذائيا ، ولكن على الأقل ضرورة وجود سياسة زراعية لاستغلال الأرض كما يجب. وبعدها نحكم. ناهيك عن أن القاعدة الأساس بخصوص الأرض في المناطق المحتلة أن الصراع مع الكيان هو على الأرض مما يوجب حتى استغلال القطع التي تقدم ريعا متدنياً.

كوبا:  توصلت كوبا إلى أن كثافة راس المال والمدخلات الكيماوية –ومعظمها غير ضرورية- يمكن التخلي عنها بشكل واسع.  وهذا يمكن تطبيقه عالميا.

الأرض المحتلة: كما أشرنا يتم هنا استخدام المدخلات الكيماوية والمبيدات المحرمة دوليا. أما راس المال، ففي غياب خطة اقتصادية وطنية جدية لا يعود لكثافته دوراً. بل كثافة رأس المال مستخدمة في البنية  البيروقراطية غير المنتجة بل غير المشغَّلة.

الاستنتاجات:

وأخيراً: فإن تجربة البردايم الكوبي والحماية الشعبية في الأرض المحتلة عبر تطبيقهما، على ابتعاد واتساع المسافة الجغرافية واختلاف الحالة بين البلدين تؤكدان إمكانية الأخذ بهما في غير مكان في العالم دون تجاهل خصوصية كل بلد على حدة.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

[1] أنظر كتاب الحماية الشعبية مصدر سبق ذكره

Exit mobile version