Site icon

نشرة “كنعان”، 3 ديسمبر 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6678

في هذا العدد:

تغريدات مشتبكة (7)، عادل سماره

أبو الصادق شاعر أناشيد الفدائيين والثورة، رشاد أبوشاور

ملاحظات عن نتائج الحرب ومضاعفاتها على غزة، أسعد أبو خليل

✺ ✺ ✺

تغريدات مشتبكة (7)

عادل سماره

حاكم الامارات يستقبل رئيس الكيان

لافتة كانت الضجة ضد حاكم الامارات في استقبال رئيس الكيان.

بصراحة رأيت ذلك عاديا من نظام غير عروبي بالمطلق. ولافت ومهم انسحاب الوفد الايراني مشكورا.

ولكن لماذا لم نلتفت منذ عام 1979 وخاصة حينما اعادوا العلاقة لنظام مصر كزعيم للجامعة العربية.

لماذا نسينا ان كل نظام اعاد علاقته مع نظام مصر هو تطبيعي؟ وكل نظام عربي او اسلامي لم يقاطع انظمة التطبيع هو تطبيعي. فهل كان ما قام به بن زايد غير أنه اقام حفل تطبيعي شامل بدل المفرق.

لقد ادى التطبيع التدريجي والخبيث الى تطبيع الشارع العربي عمليا وان كان عاطفيا يرفض التطبيع. وهذا وضع الانظمة في مأمن وهي تمارس الخيانة.

أليس قبول المبادرة العربية تطبيعا! أليست المطالبة بحدود 1967 تطبيعا. أليست كافة الحلول دولتين ودولة ثنائية وديمقراطية ودولة واحدة لكل الاديان او استفتاء كل الذين في فلسطين تطبيعا.

صراحة لم أجد الامر غريبا. بل الغريب هو العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين الامارات ومختلف الدول العربية والاسلامية التي تقول بان فلسطين عربية. اليس تسابق المثقفين العرب على جوائز من اثرياء الخليج الجهلة تطبيعا. اليس صمت الاعلام عن اي تطبيع عربي او اسلامي خيانة موصوفة.

بعد ما يحصل علينا الخوف من ان نكذب على أنفسنا وعلى الناس. هذا صراع مديد ولا بد من مواقف تأسيس.

ماذا نفهم حينما نسمع محللا عسكريا بان الحرب ستبقى محدودة ولن تأخذ شكلا إقليميا؟

نفهم ان الحرب هي: غزة مقابل

1) الكيان وامريكا واوروبا

2) الصمت المعيب ل 57 نظام عربي واسلامي

3) انتهازية روسيا والصين

4) وخنوع مليار ونصف عربي ومسلم فليغادوا الصراخ في الشوارع لأنه صار تافها.

هذا سيزعج ادوات نظام ونظام فليكن. ولينطلق عملاء الانظمة من مثقفين وأكاديميين.

 لا عذر لصمت مق/اوم/ة اليمن والعراق عن الامارات وامريكا في بلدانهم لان النضال حتى التحرير.

■ ما معنى وجود مواقع وفضائيات تلهج بمديح هذا النظام العربي او الاسلامي او ذاك! بعد كل ما يحصل. اليس هذا شبقا للعبودية؟

ان الكفر بكافة هذه الانظمة والقوى هو بداية الطريق إلى الحرية والتحرر والتحرير.

■ منذ 7تشرين كان السؤال: ماذا بعد العدوان على غزة. اجاب الكيان لا يهمنا سنواصل ستة اشهر. اما العربان ومشايخ طهران فثرثروا هذيانا عن دولتبن ودولة واحدة للثلاثة اديان او لساكني فلسطين او للاصليين….الخ وكل هذا هروبا من عار ترك الفلسطينيين لوحدهم..بينما منذ الصباح الباكر واصل الكيان العدوان.

خذلان 1982 يتكرر.

■ رأيت صورة طفل من غزة بجانب اغراض من لصوص السعودية فاصبت بالصدمة كيف لم يتم طمر المصور بالأحذية. كل من يقدم لشعبنا اي شيء ويعلن عنه هو عدو وتافه يستثمر سياسيا وطائفيا لأننا ندافع عن مليار ونصف من الخنوع. نحن الشرف.

■ هدنة هشة في غزة وعدوان شامل على الضفة. لن نسأل عن وحدة الساحات والجبهات ولكن على الشعب العربي اقتلاع التطبيع خاصة وان الانظمة التي تتولى رعاية الهدنة هي انظمة التطبيع. هناك خبث وجبن وتأمر وتلطي.

✺ ✺ ✺

أبو الصادق شاعر أناشيد الفدائيين والثورة

رشاد أبوشاور

غزة يا غزتنا        يا مكوفلة بالنار

غزة يا غزتنا        يا سواعد الإصرار

من أناشيد أبو الصادق لغزّة

قبل حوالي خمسين عاما

لو سألت فلسطينيا عن صلاح الدين الحسيني، فربما يحّك جبينه باحثا في ذاكرته عن هذا الإسم، وبعد وقت من الشعور بالعجز عن التفطن لأجابك بلهجته الشعبية::والله ما باعرف. ولو سألته عن (أبو الصادق) فلن يكون الجواب مغايرا، رُغم أن كلمات (أبو الصادق) تتردد يوميا، ويترنّم بها فلسطينيون/وفلسطينيات كثيرا في المناسبات الوطنية، وغير المناسبات، وهذا أمر مثير للحيرة والتساؤل.

في بداية انطلاقة الثورة الفلسطينيّة الكبرى 1936-1939مال الفلسطينيون تقية، وربما تواضعا، (لتنكير) أسمائهم، وعدم التعريف بأسمائهم كاملة، ثم درجوا على هذا العُرف حتى بات قاعدة يتبعونها، وهكذا درجوا على هذا العرف في مرحلة انتشار الثورة الفلسطينية المعاصرة العلني الجماهيري.

أيّام الانتداب البريطاني، ومع بدء مواجهته بالسلاح، صعد الثوار إلى الجبال، وكمنوا في المغاور والكهوف، ولجأوا لإخفاء أسمائهم، وتكنوا بأسماء أبنائهم، فهم(أبو جهاد) و( أبو فايز) و(أبو صقر) و( أبو الليل)..ولم يكن بمقدور الاحتلال البريطاني التعرّف على أصحاب تلك الأسماء وقراهم ومدنهم، وهكذا كانت التكنية للتضليل والتتويه. ولأن الأسماء تتكرر وتتناسخ لم يكن سهلاً أن يتعرّف حتى عيون الاحتلال على أولئك الأبطال، وإن تم ترداد أسمائهم تلك في أغاني الأعراس والمناسبات تمجيدا لبطولاتهم ومآثرهم.

أبو الصادق، صلاح الدين الحسيني، أحد أبرز مبدعي أناشيد وأغاني الثورة الفلسطينية المعاصرة. هو من مواليد غزة عام 1935، وقد انتسب لحركة فتح عام 1967، والذي اجتذبه ونظّمه لحركة فتح هو أحد المؤسسين (أبو الهول)، هايل عبد الحميد، بعدما تعرف على موهبته الشعرية الشعبية.

عائلة (الحسيني) مشهورة بأنها مقدسية، ولكنها موجودة أيضا في غزّة، وهي عائلة عريقة، وذات حضور وطني يعتبر امتدادا للعائلة في القدس، وعموم فلسطين.

تعززت معرفتي ب(أبو الصادق) في دمشق، وبيروت، وتونس، وبشقيقه القاص الأديب زين العابدين الحسيني، صاحب المجموعة القصصية الجميلة( خميس يموت أولاً).

لحن أناشيد أبو الصادق عدد من كبار الملحنين الفلسطينيين والعرب، يتقدمهم: عبد العظيم محمد، حسين نازك، مهدي سردانه، علي إسماعيل، صبري محمود، وجيه بدرخان، محمد الجمل، وغيرهم من كبار الموسيقيين المشهورين، والذين ربما لا تعرفهم أجيال هذه الأيام، حتى لو استمعت للأناشيد التي أبدعها أبو الصادق.

عام 1975 أصدر الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين مجموعة شعرية بعنوان( أغاني الفدائيين) لأبي الصادق، وبتقديم أمين عام الاتحاد آنذاك المفكّر والباحث والشاعر ناجي علوش( أبو إبراهيم): إن للأناشيد طاقة تعبوية غير محدودة، فهي نتيجة اتحاد الكلمة الشعريّة والصوت واللحن، توقظ مشاعر عميقة، وتثير كوامن الأشواق والجروح. ومن هنا تأتي أهميتها وأهمية انتشارها. ويضيف: وحين تذكر أناشيد الثورة لا بُدّ أن يرد اسم أبو الصادق، ذلك أنه رافقها منذ ولادتها وعايشها، وساهم مساهمة جادة في نموها وتقدمها.(ص8)

ضمّت مجموعة(أُغنيات الفدائيين) نصوص الأغنيات، والأناشيد، مع نوطة لكل اغنية ونشيد، وهكذا يمكن الحفاظ على اللحن مع الكلمات، وقد دوّن الموسيقار الفلسطيني الكبير حسين نازك النوطات، وحفظ للأجيال الألحان مع الكلمات.

تبدأ المجموعة بنشيد (العاصفة) والذي يتذكره من كان يستمع لإذاعة( صوت العاصفة) التي كانت تفتتح بثها اليومي به، والتي يقول مطلعها:

بسم الله بسم الفتح

بسم الثورة الشعبية

بسم الدم بسم الجرح

 اللي بينزف حُريّة

وتتردد صيحة: عاصة عاصفة عاصفة

في خاتمة النشيد (ص11)

وقد يتحسّر أبناء ذلك الجيل الذي عاصر النشيد وبطولات العاصفة على تلك الأيام، وهم يجددون الآمال هذه الأيام مع طوفان الأقصى، والفلسطينيون لم يفقدوا الأمل رغم الخيبات، ودائما نهضوا وجددوا العهد مع وطنهم وقضيتهم، وواصلوا أناشيدهم وأغانيهم التي تُعبّر عن الأمل وتبعثه في النفوس.

واكب (أبو الصادق) الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ تأججها في الأغوار بعد هزيمة حزيران 67، ومع بروز الحضور الفدائي، فكتب نشيد (الكرامة)، والذي يُمجّد معركة (الكرامة) البطولية، وما تحقق فيها من وحدة وطنية بين الفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني، فأنجزا معركة بطولية كانت بداية للرّد على هزيمة حزيران. يقول مطلع النشيد:

وحدنا الدم يا كرامة

وحدنا الدم

والشمل التيم يا كرامة

الشمل التم

ف جبال النار فدائية

بين الأغوار

فدائية

عاجبين الأرض العربية

وحدنا الدم

لحرب التحرير الشعبية

وحدنا الدم..وحدنا الدم

معركة الكرامة وحدت الفدائي والجندي، وتحققت بانتصار معركة( الكرامة) التي وقعت في شرقي نهر الأردن، وألحقت بجيش العدو الصهيوني هزيمة منكرة، ورفعت معنويات الجماهير، وأعادت لها الثقة بأن الانتصار ممكن التحقق بالوحدة الوطنية…

أحيانا كتب (أبو الصادق) نصوصا صغيرة الحجم، ولكنها عميقة مكثفة ومشحونة، مثل (اعطيني جعبة وبارودة)، وهي تجسّد ما يطلبه ويحتاجه الفدائي للتفرّغ لخوض المعركة مع العدو:

أعطيني جعبة وبارودة

وزاد تلات تيام

تلات ألغام

واطلقني

ومش طالب

ترافقني

إحمي لي ضهري يا أخويا

وما تخلّي إيدين الشّر

وعينيها

تلاحقني (ص 31)

لكن أيادي الشر وعيونها لاحقت الفدائي الفلسطيني، وأخذت تطارده نيابة عن (العدو) وصنفته (فدائي شريف) و( فدائي غير شريف) لتبرير مطاردته و..قتله، وقتلت من صنفتهما معا، وكان الهدف قتل الفدائي، أي فدائي، ولذلك صاح (أبو الصادق) :

احمي لي ظهري

يا خويا

وأخوه لم يحم ظهره، فقد غرس خنجر غدره في ظهره.

كان أبو الصادق مؤمنا بأنه عربي فلسطيني، وأن الفدائي الذي يكتب له وعنه وباسمه هو عربي فلسطيني، وأنه اختار أن يكون (فاديا) لأمته، لأن فلسطين ليست قضية الفلسطيني وحده، بل قضية الأمة من محيطها إلى خليجها، ولذا يرتفع صوته  في نشيد( عربي فلسطيني):

دمّي..دربي

بلدي..اسمي ..عنواني

عربي..فلسطيني (ص43)

بكلمات قليلة يرسم أبو الصادق هوية الفدائي الفلسطيني، وعنوانه، ويحدد انتماءه، ولكن هذا لم يكن ليرضي الطائفيين وإلإقليميين، في بلاد العرب مشرقا ومغربا، فتمت ملاحقته، وتواصل اغتياله، ولكنه لم يمت..وانظروا إلى بطولات غزّة، والضفة الفلسطينية، وحجم الحرب على شعب الفدائي، وأهوالها..وقدرته على الإنبعاث من الموت، ومن تحت الدمار!  

وللتأكيد على جوهر الثورة الفلسطينية، ثورة الفدائي، يُنشد أبو الصادق (مدّي يا ثورتنا):

مدّي ذاتية شعبية

مدّي بأمتنا العربيّة (55)

ويعود لتأكيد فكرته الجوهرية في الوعي العربي الفلسطيني في نشيد( هادي الثورة):

هادي الثورة عربية

هادي الثورة شعبية

ويعمّق الوعي بالمخاطر التي تتهدد مسار الثورة :

مش عربي أبداً مش عربي

اللي بيطعن ثورة شعبي

مش عربي أبدا مش عربي

اللي بيرمي الشوك بدربي

..ومن قبل (كُلل) السيّد المسيح بالشوك عندما حمل الفكرة وبشّر بها: البشر أخوة، وطلب من (حوارييه) : اذهبوا وبشّروا الأمم..رافضا الانغلاق، والتمييز بين البشر.

دائما رددت على مسامع الصديق ( أبو الصادق) طربي واستمتاعي بنشيد( طّل سلاحي):

طّل سلاحي من جراحي

يا ثورتنا طّل سلاحي

ولا يمكن قوة في الدنيا

تنزع من إيدي سلاحي

طّل سلاحي ( ص71)

مرّات كثيرة هيّء لأعداء عروبة فلسطين أنهم أجهزوا على ثورة فلسطين، ومقاومتها، وعلى حضورها العربي والعالمي، ولكنها تنبعث من الرماد متجددة، ومنها ينطلق طائر الفينيق، ويبهت المتآمرون قصار النظر، فها هو الذي تتجدد حياته ينهض من الموت..أليس هذا ما تحققه فلسطين في انبعاثها المتجدد منذ 7تشرين أوّل وحتى يومنا.. وإلى وقت يمتّد مبشرا بفجر وولادة فلسطين العربيّة المنتصرة على كل من كللوها بالشوك، وفركوا أيديهم الدموية وكأنهم انتهوا منها..فإذا بها تنتفض ويتجدد سّر حياتها بكل ما تختزنه في روحها من معان وقيم إنسانية وحضارية ووجودية لأمة عريقة قلبها فلسطين.

أقام أبو الصادق في القاهرة، بعيدا عن غزة التي ولد فيها وأحبها، لأنه رأى فشل مشروع (أوسلو)، وتوفي فيها عام 2011 عن 76 عاما.

أبو الصادق حي بما تركه لنا من ثروة تجلّت في أناشيد سيبقى شعبنا وأحرار أمتنا ينشدونها، ولن تنساه غزة مسقط رأسه، والقدس مهوى قلبه، وسيترنّم بها كل ثائر ومجاهد في وطننا العربي الكبير…

✺ ✺ ✺

ملاحظات عن نتائج الحرب ومضاعفاتها على غزة

أسعد أبو خليلTop of Form

سبعة أسابيع مرّت على الحرب الإسرائيليّة الوحشيّة ضد غزة. هذه حقبة كافية كي نستخلص بعض العبَر منها عن الغرب وعن العرب.

أولاً، إنّ استمرار الحرب دليل معاناة جيش العدوّ في محاولته لتحقيق أهدافه. سقطَ للعدوّ (فقط منذ بدء التوغّل البرّي وفقط في غزة) ٦٧ جندياً (من المُعلن عنهم، وعدوّنا كذّاب، كما اكتشف بعضكم). قارنْ ذلك باجتياح العدوّ للجنوب في اجتياح ١٩٧٨ عندما سقط له ١٨ جندياً فقط. العدوّ يتقدّم في غزة ببطء شديد، والوتيرة تنذر بخسارات أكبر لو تقدّم أكثر. قبول العدوّ بوقف النار (ولو لفترة قصيرة) دليل ضعف لا دليل قوّة. هو كان قد أعلنَ أنه لن يتوقّف قبل القضاء على «حماس» بالكامل، والهدف لا يزال بعيد المنال كما كان عند البدء بالعمليّة (وإعلان نتنياهو أن «الموساد» سيتعقّب قادة «حماس» هو دليل فشل أيضاً). والعدوّ ينجح في الالتزام بعقيدته المؤسِّسة عندما يحقّق نصراً سريعاً كما فعل في ١٩٦٧ أو في حروبه ضدّ لبنان حتى ١٩٨٢. القدرة الصاروخيّة لـ«حماس» لم تتعطّل، بل هي طاولت تل أبيب أخيراً. النبض البياني لـ«حماس» لم يضعف على مرّ الأيام.


ثانياً، فشلت آمال أميركا وإسرائيل في إبعاد «حماس» عن الشعب الفلسطيني. بايدن وصحبه أصرّوا على مرّ العدوان أن «حماس» لا تمثّل الشعب الفلسطيني. كالعادة، يظنّ المستعمر الأبيض أن باستطاعته اختيار زعماء المضطهدين الملوّنين. كان العنصريّون البيض يختارون للسود ممثّليهم من الخانعين بينهم. أنور السادات هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي والإسلامي عند الغرب. زادت شعبيّة منظمة التحرير عندما أصرّ الغرب وإسرائيل على إقصائها من المعادلة. والحركة الوطنيّة فشلت في مسعاها لإقصاء «الكتائب»، بل إن مسعاها في عزل الحزب زاد من شعبيّته عند المسيحيّين. كل الدلائل تشير إلى أن «حماس» هي الأكثر شعبيّة عند الشعب الفلسطيني. هل هناك شك في أن «حماس» ستفوز بأي انتخابات ضد محمود عبّاس وحسين الشيخ وعصابة رام الله؟ إنّ سبب عدم إجراء انتخابات في الضفة والقطاع لسنوات طويلة هو أن أميركا وإسرائيل لا تضمنان خسارة «حماس»، وإلا كانت هي عجّلت في الانتخابات. نعرف نحن في لبنان كيف تستغلّ أميركا الانتخابات: هي أصرّت على إجراء انتخابات بعد اغتيال الحريري لأنها أرادت أن تستفيد من المناخ المُلائم لقوى ١٤ آذار. إنّ تحوّل أبو عبيدة إلى ظاهرة شعبيّة في كل العالم العربي يعكس ما يُصطلح على تسميته بالنتائج غير المُتوخّاة—أي أنك يمكن أن تهدف إلى تحقيق هدف ما من عمل حربي فتأتي النتائج عكسيّة (مثل صعود ظاهرة عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي الذي كان يهدف إلى إنهاء ظاهرته بالكامل). «حماس» ضمنت شعبيّة لسنوات آتية، وبناءً عليه يمكنها أن ترث منظمة التحرير أو أن تؤسّس لمنظمة فلسطينيّة جامعة. وأكبر اقتراع ثقة بـ«حماس» هو غياب اللوم العلني من أهل غزة، وهذا ما كان يعوِّل عليه العدوّ (عوَّلَ عليه إلى درجة أنه استعان بممثّلة لفبركة شريط لوم «حماس»).


ثالثاً، التفوّق الجوي بات العنصر الوحيد عند العدوّ. هو ليس عنصراً بسيطاً، لكنه العنصر الوحيد. المشاة كان عنصراً في الحروب التي انطلقت منذ النكبة، لكن ذلك تدهور بدليل تقصير نسبة القتل بين العرب والإسرائيليّين (أذكر دراسة لـ«مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة» في أوائل السبعينيّات وفيها ورد أن نسبة القتل كانت ١٠٠ لواحد، لمصلحة العدوّ). أراد العدوّ أن يقتل عدداً هائلاً من الفلسطينيّين بغية تقليص نسبة القتل لمصلحته.


رابعاً، أصبح استهداف المدنيّين اختصاصاً للعدوّ. حركات المقاومة عبر التاريخ المعاصر خاضت في نقاشات طويلة حول جدوى أو أخلاقيّة استهداف مدنيّين خارج فلسطين المحتلّة أو داخلها. حتى حركة «حماس» بعد موجة التفجيرات في الانتفاضة الثانية خاضت في نقاشات داخليّة تأثّرت بالنقاش العام عند الشعب الفلسطيني.

خامساً، النظام العربي الرسمي ليس معطّلاً. هو بأمر من السعودية يخدم مصلحة إسرائيل. هو عطّل مبادرات في قمّة الرياض تحدّثت عن تسليح الشعب الفلسطيني أو استخدام سلاح الاقتصاد أو قطع العلاقات مع إسرائيل. وعلاقة السعوديّة السرّية مع إسرائيل أقوى من علاقات الدول العربيّة العلنيّة مع إسرائيل. السعوديّة والإمارات أثبتتا (من خلال الإعلام وسلوك الجامعة العربيّة) أنهما حليفتان وثيقتان لإسرائيل في أوقات الشدّة وأوقات الرخاء.

سابعاً، خسر العدوّ المعركة الإعلاميّة بالكامل. صحيح أن الإعلام الغربي النافذ لا يزال يناصر إسرائيل ويطمس الرواية الأخرى بقدر المستطاع، لكن ضخ السردية الفلسطينيّة عبر المواقع يفوز بالتعداد والتداول والوقع. مقارنات التظاهرات من أجل فلسطين بالتظاهرات من أجل إسرائيل تظهر تفاوتاً كبيراً لمصلحة فلسطين، وهنا نتكلّم عن دول الغرب المتعصّبة للصهيونيّة. وهاشتاغات التعاطف هي بنسب ملايين لمصلحة فلسطين. ماذا يعني أن الشباب الأميركي الأبيض أعاد اكتشاف رسالة بن لادن إلى أميركا والتي يتحدّث فيها عن انحياز أميركا لإسرائيل كعنصر من عناصر العداء ضد أميركا (لكن بن لادن مرجع سيئ للغاية)؟ «القاعدة» و«داعش» تخصّصتتا في قتل المسلمين (والغربيّين عند «القاعدة») ولم تستهدفا إسرائيل أبداً (وإسرائيل كانت تحتضن مقاتلي «القاعدة» في سوريا، باعتراف الحكومة الإسرائيليّة). نوعيّة بروباغاندا إسرائيل باتت مثار سخرية وهي كانت في زمن أبا إيبان مضرب المثل في الغرب (طبعاً، كانت بروباغاندا إسرائيل، أمس واليوم، تعتمد على الكذب والتلفيق والفبركة).

ثامناً، لن يعي الغرب مضاعفات سياساته في حرب غزة إلا بعد إخماد النيران. السلوك الغربي الحكومي، في السياسة الخارجيّة والداخليّة، سيعيد النظر في النظرة إلى الغرب في كل مجتمعات الدول النامية. أي طرح شعار لعقوبات دوليّة والقانون الدولي وجرائم الحرب سيُقابل بالسخرية والتشكيك. لاحظت أن أي إعلان من الحكومة الأميركية حول روسيا بات يستدعي كمّاً هائلاً من الهزء والسخرية. لا يمكن لأيّ عاقل أن يصدق مزاعم الحكومات الغربيّة. طبعاً، هناك جمعيّات ووسائل إعلام مُمَوَّلة من الغرب والتي ستستمرّ في عملها للترويج لقيم غربيّة زائفة. لكن تصوّر أن تعقد جمعيّة مموّلة من ألمانيا أو سويسرا أو فرنسا مؤتمراً أو ورشة عمل عن «حريّة التعبير» أو عن «التعايش» أو «احترام الاختلاف» أو (وهنا النكتة الكبرى) عن اللاعنف. أو لنتخيّل أن السفارة الهولنديّة تعظنا عن حقوق الإنسان أو أن السفارة الألمانيّة تحدّثنا عن القانون والشرعية الدوليّة. مهمة هؤلاء باتت أصعب. وسائل إعلام سوروس و«الناتو» ستعاني. وسوروس الابن أكثر مجاهرة بالأجندة الخبيثة من والده: هو يهنئ الحكومة الأوكرانيّة على دورها في الحرب ويؤجّج لها مثل الحكومات الغربيّة.

تاسعاً، بدأت أميركا وحلفاؤها يفقدون السيطرة على مقدّرات العالم. الفصائل العراقيّة التي قصفت القاعدة الأميركيّة أوضحت أنها تفعل ذلك لمعاقبة أميركا على موقفها من فلسطين. الثمن الذي ستدفعه أميركا بسبب تبنّيها حرب الإبادة في غزة سيكبُرُ. طبعاً، الحكومات ليست في وارد محاسبة أميركا وهي التي تنصاع لأوامرها. ودول العالم النامي تتمرّد بتشجيع من الصين وروسيا. وعندما يتمرّد الحليف السعودي، وإن قليلاً، على الراعي الأميركي، فإن هذا يفتح المجال أمام المزيد من المبادرات نحو الصين (لم تكن زيارة الوزير السعودي بصحبة وفد الجامعة العربيّة للصين قبل أيام من أجل إيقاف الحرب، بل لإطالة الوقت أمام إسرائيل لتكمل ما بدأت به. لكن إسرائيل في ٢٠٠٦ والآن في غزة تخيّب آمال حلفائها لأن أعداءها أشدّ بأساً منها).

عاشراً، تحرّر العرب والمسلمون في الغرب. أو لنقل إن الشباب العربي في الغرب تحرّر من أثقال كبّلت عمل ونطاق أجيال سبقته. لم أكن أتصوّر أن أرى في شوارع مدن كاليفورنيا شباباً (عربياً ومسلماً بأكثره، لكن مع وجود يهود وبيض مسيحيّين وبعض المسنّين التقدميّين) وهم يهتفون لحريّة فلسطين ولشعار «من البحر إلى النهر». إنّ الإصرار على الهتاف الأخير هو تحدّ بوجه المنظمات الصهيونية وحكومات الغرب التي تريد أن تحظر الشعار. هذا القمع أدّى إلى ردّة فعل عكسيّة. هناك فتاتان لبنانيّتان في نيويورك تعرّضتا لحملة تشنيع فظيعة (ما يُسمى هنا بالـ«دوكسنغ»، أي التشهير عبر نشر معلومات شخصيّة عن الشخص من أجل التسبّب بمعاقبة ماليّة واجتماعيّة) لأنهما شوهدتا وهما تنزعان ملصقات للمخطوفين الإسرائيليّين في غزة. هذا التمرّد من قبل الجيل الجديد سيصطدم لا محالة بثوابت السياسات الغربيّة: أي أن قدرة الغرب على التسويق لديموقراطيّته ستضعف جراء حاجتها إلى مزيد من القمع الداخلي للتعامل مع الشباب العربي والمسلم الذي يعيش في مجتمعاته. وهذا الشباب لا يأبه للقانون: رأيناه في فرنسا وبريطانيا متجاهلاً للقوانين حول التظاهر.

حادي عشر، نظريّة المسار الإبراهيمي سقطت في غزة. افتراض أن طمس القضيّة ودفنها ممكن بوجود أنظمة مُطبّعة زال، وقدرة الإدارة الأميركيّة (شريكة حرب الإبادة المباشرة) على بسط الصلح الإبراهيمي تقلّصت كثيراً. والنظام السعودي يريد أن يتقدّم، لكنه يحجم خوفاً من ردود الفعل في المملكة وفي العالم العربي. غزة غيّرت المعادلات والمعايير والحساسيات. لم يعد لمقولة أن قضية فلسطين ليست مهمة اعتبار حتى في عواصم الغرب. بايدن كان أول رئيس منذ نيكسون لم يباشر بخطوات محددة في «مسيرة سلام».

ثاني عشر، قدرات حماس والحزب والحوثيّين مخيفة للمشروع الصهيوني. الرغبة في قلب النظام الإيراني لا تزال توجّه سياسات واشنطن وتل أبيب. حماس والحزب شكّلا مشروعاً صلباً ومتراصّاً وتعاملا مع الخطر الأمني بشدّة خلافاً لتجربة منظمة التحرير، حيث كانت المنظمات متراخية ومخترقة بسبب عدم غربلة المتقدّمين للانضواء. والسرية لم تكن معتمدة (يذكر الذين عاصروا التجربة أن الأسماء الحركيّة كانت أقرب إلى المزاح، وكان الجميع يعرف الأسماء الحقيقيّة للرفاق والإخوة في الخليّة). المشروع الصهيوني يزيد من وحشيّته لأنه يدرك أن هؤلاء من طينة مختلفة وجديدة لم يألفها الجندي الإسرائيلي من قبل. تراقب صور تقدّم المشاة وتتذكّر العنجهيّة التي تحرّكوا بها في غزواتهم في لبنان.

ثالث عشر، الغرب أعلن أنه شريك لإسرائيل في الحرب على غزة، وهو سيدفع الثمن من جراء ذلك من قبل تنظيمات جديدة على الأغلب. حرب الإبادة على غزة ستولّد حركات وتنظيمات ثأريّة جديدة والاقتصاص سيكون عالميّاً على الأرجح لأن كل عواصم الغرب (ربما باستثناء إيرلندا) شاركت إسرائيل في حربها. شعرت حكومات وشعوب الغرب بأن العرق الأبيض في خطر وأن جحافل السود والملوّنين ستصعد بصعود المقاومة الفلسطينيّة في غزة ولبنان. أميركا لم تشعر بعد بمضاعفات هذه الحرب.

الحرب على ما تقف عليه اليوم ليست في مصلحة إسرائيل عسكرياً أو سياسيّاً. هي نصر ضد الأطفال والإنسانيّة في العالم. صحيح أن المعركة لم تنتهِ بعد، لكنّ النصر الإسرائيلي الذي كانت إسرائيل تحلم به على طريقة ١٩٦٧ ولبنان فاتَ أوانه مهما حصل بعد اليوم.

* كاتب عربي – حسابه على تويتر
asadabukhalil@

::::

الأخبار”

________

تابعونا على:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

Exit mobile version