Site icon

الدولة القطرية ضد الوحدة والتحرير، عادل سماره

كتابي الجديد قريبا: “العـروبـة في مواجهـة: الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي”

عادل سماره

المقال التالي ضمن مواد هذا الكتاب:

الدولة القطرية ضد الوحدة والتحرير

ناقشت هذه المسألة في كتابي دفاعاً عن دولة الوحدة: إفلاس الدولة القطرية.  رد على محمد جابر الانصاري. منشورات دار الكنوز الادبية، بيروت 2003. ومركز المشرق/العامل رام الله 2004 وأعود لعرض هذه المسألة مجدداً بإيجاز على ضوء التطورات حتى حينه.

يزعم دُعاة الدولة القطرية أنها كلما نضجت كلما صارت قاب قوسين أو أدنى من الوحدة ومنهم الأنصاري. ولكن مرور الزمن، أي العقود أكدت أن هذه الدولة القطرية كلما تجذرت قُطرياً مع الزمن تتحول إلى عدو للوحدة وحتى للدول القطرية الأخرى خدمة للإمبريالية والصهيونية! وربما ليس هناك أوضح من تجربة العدوان ضد العراق عام 1991 حيث كانت أخطر نتائج مشاركة دول قطرية العدوان ضد العراق هي إقتلاع المشترك القومي العربي من ثقافة ونفسية وواقع الطبقات الشعبية العربية ثم تلا ذلك الربيع الخريفي العربي سواء عدوان دول قطرية عربية  ضد دولة قطرية عربية أو دعوة الجامعة العربية لهذا العدوان بل والطلب من مجلس الأمن إقرار العدوان ضد دول قطرية عربية مثلاً ليبيا وسوريا!

يعني ما نقوله أن الدولة القطرية، طالما هي قطرية، فهي ضد الوحدة العربية حفاظاً على المصالح القطرية للطبقات الحاكمة وهي المصالح بل النظام الذي لا يستقيم ولا يقوى على البقاء دون التبعية والارتباط بقوى خارجية خاصة الإمبريالية. وهنا تتقاطع مصالح هذه القطريات كل على حدة مع الإمبريالية التي هي ضد الوحدة العربية منذ وثيقة كامبل بانرمان 1907. وهذا بدوره يجعل الدولة القطرية في خدمة الكيان الصهيوني سواء بقصد وتنسيق أو بنتيجة الموقف والعلاقات وهذا ما أسميناه الحبل السُرِّي بين الدولة القطرية والكيان الصهيوني بمعنى أن إيجادهما متوازياً وسقوطهما متوازيا وفقط على يد دولة الوحدة.​

لماذا نقول كلما طال الزمن أو تتالت العقود؟ فرغم هزيمة 1948 إلا أن دولاً عربية هي قطرية ولكن كانت تقودها قوى ذات توجه قومي خبا ذلك التوجه مع فشل الوحدة المصرية السورية 1958 ولاحقاً الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق 1963.

فعلى وجه التقريب بدأت مجموعات فدائية فلسطينية تضرب داخل المحتل 1948 من قطاع غزة بقيادة المقدم المصري مصطفى حافظ حيث كان القطاع تحت الإدارة المصرية ومجموعات فدائية فلسطينية يقودها عبد الحميد السراج تضرب من الأردن وسوريا خلال فترة الوحدة المصرية السورية 1958-1961 إلى أن جرى فك الوحدة بالانفصال الذي دعمه النظام الأردني والسعودي وطبعا الإمبريالية. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال فترة الوحدة عانى الكيان الصهيوني من أقل استجلاب للمستوطنين سواء بالمعنى العددي أو النسبي بخلاف كافة سنوات اغتصاب فلسطين حتى حينه.

أهمية هذه النشاطات الفدائية لا تكمن في قوة ضرباتها بمعنى أنها كانت ستقود إلى التحرير، ولكن تكمن أهميتها في أن الدولة القطرية التي لم تفقد بعد البعد القومي والتي قوي توجهها للتحرير بسبب الوحدة في هذين البلدين كانت تحاول تحرير فلسطين ولو على عاتقها نفسها.

لذا، كان العدوان الثلاثي 1956 ضد مصر حيث شارك الكيان الصهيوني فيه مع فرنسا وبريطانيا كلٌ لهدفه ومصالحه. وكان ايضا حينها وما بعد الاستعداد التركي للعدوان ضد سوريا الأمر الذي دفع النظام السوري عام1958 للوحدة مع مصر. وعلى الأغلب كانت رغبة ذلك النظام في الوحدة للحفاظ على نفسه أكثر مما هي قناعة بالوحدة الأمر الذي سهَّل الإنفصال.

هنا يسعنا الاستنتاج بأن الدولة القومية هي وحدها التي تأخذ التحرير على منحى الجد بغض النظر عن قدرتها بينما الدولة القطرية تفقد الأرض ولا تقوى أو حتى لا تقرر تحريرها وكأننا ، بل نحن، أمام معادلة مفادها:

·       تُفقد أجزاء من هذا القطر أو ذاك، من سوريا لتركيا ومن العراق لإيران ومن فلسطين للكيان الصهيوني.

·       ويبقى تحرير الأرض رهنا بتبلور الدولة القومية دولة الوحدة.

ماذا عن مواقف القوى السياسية من تحرير فلسطين؟

فيما يخص القوى القومية أي البعث والقوميين العرب ومصر الناصرية والقومي السوري لقد بقيت هذه القوى مع تحرير فلسطين على الأقل من حيث القناعة والخطاب الأمر الذي قاد إلى عدوان 1967 والهزيمة التي حاقت بمصر وسوريا مما شكَّل رادعاً للدولة القطرية في البلدين بمعنى عدم السماح بالعمل الفدائي من أراضيهما ونقصد هنا سوريا التي احتضنت المقاومة حتى اليوم لكن دون أن تسمح بانطلاق المقاومة من أرضها بينما فقدت مصر قطاع غزة الذي قادت المقاومة فيه فصائل فلسطينية الجبهة الشعبية وحركة فتح بشكل خاص. كما قادت نفس الفصائل وفصائل أخرى العمل الفدائي في الضفة الغربية بعد 1967 سواء من داخل الضفة المحتلة نفسها أو عبر الدوريات الفدائية من الأردن دون رغبة النظام بالطبع وهو ما قاد إلى مذبحة ايلول 1970 ضد المقاومة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الفصائل الفلسطينية قبل هزيمة 1967 وبعدها كانت على خلاف فيما يتعلق بالتحرير والتحالفات من أجل التحرير. ففي حين كانت حركة فتح مع “فلسطنة” الصراع أي من مدخل قطري فلسطيني، كانت حركة القوميين العرب والبعث مع قومية الصراع. ويمكن تلخيص هذا الأمر في اختلاف الشعارين بين فتح والقوميين العرب قبيل 1967 :

·       كان شعار فتح التوريط

·       وشعار القوميين العرب ما فوق الصفر وما دون التوريط.

لكن حصول هزيمة 1967 حسمت الأمر للعمل الفدائي المفتوح كل حسب طاقته الأمر الذي نجم عنه ذهاب فتح قُطرياً إلى ابعد مدى، وذهاب الجبهة الشعبية بعيدا عن المكون القومي في الصراع حيث عملت بشكل قُطري وببعد أممي. وعليه، لم يكن اياً منهما قد أدرك حتمية تماسك المحلي/اي القطري والقومي والأممي. وبالطبع، فإن ما أضعف هذا النضال بأكمله أن هذا النضال الوطني الفلسطيني بقي مشتتاً فصائلياً وعجز عن تشكيل جبهة وطنية حتى اليوم.

كانت هناك فرصة للجبهة الشعبية تحديداً أن تلعب دور قوة قيادية محركة لتيار عروبي عام سواء للوحدة أو لتحرير فلسطين، وكانت هناك أنوية في المشرق والمغرب لقوى جاهزة لهذا التوجه لكن الجبهة لم تتمكن من الوصول إلى هذا الدور ربما لأنها في فترة صعودها بهَّتت المضمون القومي للصراع لصالح المضمونين القطري والأممي.

بالمقابل أين كانت تتموضع جماعة الإخوان المسلمين؟

كانت مجموعات الجهاد المقدس في فلسطين، وهي مكونة من مواطنين فلسطينيين مسلمين مسيحيين تقاتل قبيل اغتصاب 1948 ضد العصابات الصهيونية التي خلقتها وتحتضنها جميع بلدان الغرب الراسمالي الإمبريالي. كانت هذه المجموعات وطنية الطابع عروبية الإنتماء.

ولكن بعد اغتصاب فلسطين وقفت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ضد النظام الناصري وتحالفت دائماً وحتى حينه مع النظام الأردني ضد الحركة الوطنية! وهذا يطرح السؤال القائم حتى حينه:

لماذا تقف هذه الجماعة ضد القوى القومية والجمهورية وضد القومية العربية بخلاف مختلف قوى الدين السياسي على صعيد عالمي، كما اوضحنا غير مرة في سياق هذا الكتاب!

بل اذكر في بداية العمل المقاوِم بعد هزيمة 1967 كان رد الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي علينا بعبارة واضحة: “لا نضال في ظل إحتلال” الأمر الذي بقي حتى  انطلاق الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987.

وحيث بدأت حركة حماس دورها النضالي من خارج م.ت.ف وأطلقت على نفسها “الإسلامية” وليس العربية الإسلامية أو الفلسطينية ألإسلامية، فهي قد حافظت على موقفها الضد قومي!  وذهبت باتجاه التوجه الإسلامي فقط. هل هذا تأثّراً بتسمية جمهورية إيران الإسلامية 1979؟

وبغض النظر عن ملموسية أو إمكانية تجنيد عالم إسلامي لتحرير فلسطين، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا استشناء البعد القومي وهو الأقرب بل وهو الذي دفع الثمن سواء اغتصاب فلسطين العربية وثمن سلسلة عدوانات صهيونية إمبريالية ضد أقطار عربية وليس ضد اقطار إسلامية؟. ولماذا لم تلاحظ، أو لاحظت ولم تهتم، قيادات الإخوان المسلمين أن دولة الوحدة المصرية السورية هي التي كانت اقرب لمشروع التحرير الجاد ولذا ضُربت وتكرَّس الإنفصال بمعنى أن من هو مع التحرير يجب أن يكون حليفا لمن هو ايضاً مع التحرير!

لسنا هنا بصدد غمط الدور البارز لحركتي حماس والجهاد الإسلاميتين حتى قبيل طوفان الأقصى ويوم 7 تشرين تحديداً، ولكن الدرس الذي نأمل أن تكن حماس خاصة قد تعلمته منذ يوم 7 تشرين العظيم وحتى كتابة هذه السطور هو: أن هذا الحدث الكبير قد جلَّس كلٌ في موضعه الطبيعي بمعنى أن الدول الإسلامية كالدول القطرية العربية لن تقاتل في فلسطين.

كنا نعرف موقف الدولة القطرية العربية سابقاً حيث تحتضن ال.م.ق.ا.و.م.ة. ولكن لا تُطلق لها العنان من أرضها بل من أرض غيرها وهذا حال سوريا وقد يعود هذا إلى إدراك الدولة السورية انها لا تستطيع مواجهة الكيان بل ثلاثي الثورة المضادة منفردة وبأنها قد تدفع ثمناً باهظاً لوفعلت. وقد يكون هذا صحيحا، ولكن ما دفعته سوريا بسبب إرهاب قوى الدين السياسي هو أضخم ولا شك مما كانت ستدفعه لو أطلقت العمل الفدائي مباشرة من أرضها. ومع ذلك فإن دعم سوريا وإيران لحزب الله أثمر تحرير الجنوب اللبناني وأعطى درسا هاماً هو:

·        أن قطرية لوحدها أعجز من التحرير وبأن حفاظها على نفسها في وجه الوحدة  هو بقصد او بدون قصد إعاقة للتحرير

·       وبأن غياب الدولة، سلطة الدولة هو المناخ الطبيعي لل.م.ق.ا.و.م.ة وذلك ثبت في الأردن ما بين 1967-1970 وفي لبنان منذ 1982 وحتى حينه.

لقد أوضحت جمهورية إيران الإسلامية موقفها بعد 7 تشرين بأنها جاهزة لمساعدة ال.م.ق.ا.و.م.ة في أكثر من بلد عربي ولكنها ليست مستعدة للقتال في فلسطين تحديداً، وهذا يعني تغلب المضمون والإنتماء القومي على المضمون والإنتماء الإسلامي ولكنه ايضاً لا يقلل من أهمية الدعم الإيراني. لقد أكدت إيران بعد 7 تشرين على لسان وزير خارجيتها حسين أمير عبد اللهيان ولسان الإمام خامنئي أنها لم تسلح ولم تمول ولم تدرب المنظمات الفلسطينية. ولكن نعتقد أن هذا خشية الموقف الأمريكي اي أنها فعلت ذلك لكنها لن تقاتل، لنقل للدقة حتى حينه.

  وأذكر بالمناسبة حديث الراحل أحمد جبريل أمين عام ومؤسس الجبهة الشعبية القيادة العامة قبيل قرابة عشر سنوات على قناة الميادين حين قال: إذا كانت إيران جادة فلتقاتل معنا في فلسطين. لكنني أرى أن لإيران حقها في التموضع.

وبالمقابل، فإن تركيا الإسلامية ايضاً لم تدعم ا.ل.م.ق.ا.و.مة بالسلاح قط. صحيح أنها احتضنت عبر الإخوان المسلمين قيادات حماس وفتحت فرصة لعدة مؤتمرات فلسطينية إسلامية في عاصمتها، لكنها حافظت على تحالفها مع الكيان ومع الناتو ووسعت إحتلالها لأراض عربية في سوريا خاصة وفي العراق! واليوم تقف موقف الخطاب العالي النبرة ضد الكيان  اي بعد 7 تشرين لكنها لم تطلق رصاصة واحدة بل حافظت على تدفق ما يطلبه الكيان من منتجات تركية[1].

وهذا يقودنا أخيرا إلى سؤال وإلى إستنتاج متواشجين:

والسؤال: لماذا وقفت حركة حماس ضد سوريا أي مع حرب إرهاب قوى الدين السياسي الذي تقوده مباشرة تركيا ولا مباشرة الإمبريالية والصهيونية! وإذا إفترضنا أن حماس خُدعت بأن سوريا الدولة سوف تسقط لا محالة، فما الذي ستكسبه حماس من ذلك؟ أي سقوط قطر عربي لصالح إرهاب قوى الدين السياسي؟ هل ذلك لاعتقاد حماس بأن تحرير فلسطين سوف يأتي إثر ذلك بقيادة تركيا وبأن العروبة ضد تحرير فلسطين! متروك الجواب للزمن.

وأما الجواب فهو أن تحرير فلسطين كما أوضح 7 تشرين لن يكون على يد الدولة القطرية التي لو شائت فهي تخشى و/أوعاجزة بل يأتي على يد الدولة العروبية المركزية الواحدة أو الموحدة. وهذا الدرس ليس لحماس بل لمختلف الفصائل الفلسطينية وحركة التحرر العربية.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version