Site icon

نشرة “كنعان”، 6 يناير 2024

السنة الرابعة والعشرون – العدد 6696

في هذا العدد:

الثورة والاختراق والتجسس (الحلقة الثانية)، عادل سمارة

الحرب التي لا تراها: ومثقفون يخفونها وخاصة عراقيون! عادل سماره

عاريا أرتجف في ساحة المهد، رشاد أبوشاور

✺ ✺ ✺

الثورة والاختراق والتجسس

(الحلقة الثانية)

عادل سمارة

(نتابع نشر هذه الحلقات التي سبق ونشرنا في “كنعان” قبل ما يزيد عن 12 عاماً)

ملاحظة: خلُصت الحلقة السابقة إلى أن الغرب الرأسمالي كعدو يخترق مجتمعاتنا بالديمقراطية التي فقدت محتواها التقدمي وغدت هي نفسها محتجزة بعدوانيتها. نناقش بعد هذا آليات الاختراق المحلية الداخلية العربية التي ينفذ منها العدو بل تستدعيه. إن ما يلي دخول في البُنى المضروبة سواء الطبقية والدولانية وحتى الفردية، حين يغدو الصراع بين وطني ولا وطني، تغدو كافة الأسلحة مشروع إشهارها.

لم تتمهل الثورة المضادة طويلاً لتقفز إلى الاشتباك. وهو أمر بهر الكثيرين فلووا أعناقهم احتراماً لها وانبهاراً بها وخلطوا بين الحراك الشعبي وبين حراك الاختراق بالوعي أو السذاجة. ما اكثر وأخطر عديمي الوزن في السياسة والصراع القومي والطبقي، وحدهم يمشون على الماء بلا غرق، ويطيرون في الهواء بلا اجنحة. هؤلاء جزء من السوق، فإما أن يبيع وإما أن يُباع، وفي السياسة لا فرق. وأخطرهم من يضع ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة والممانعة في صف أنظمة الاعتراف بالكيان وصالات النفط ليُري الناس بأنه “جذري بالمطلق”.

لا يمكنك أن تكون محايداً في قطار متحرك“-(هاوارد زِن) المؤرخ الراحل الأبيض الذي وقف حياته لصالح السود والهنود في بطن معقل الإمبريالية فالعولمة. كيف تُحايد في وطن يُستباح استباحة معولمة! من الخارج المدفع والدولار اي الاختراق، ومن الداخل النفط والأعراب !

ليس حقيقياً الزعم أن كل ثورة في قُطر عربي مختلفة عن الأخرى ولا متطابقة مع الأخرى، وهذا يستدعي قراءة دقيقة وحذرة. وهو ما تدركه الثورة المضادة ايضاً فتعمل على صعيد الوطن بأسره من جهة وتخصص لكل قُطرية أدوات تخريب من جهة ثانيةً. ولكن، يصح القول أن الطبقات الشعبية العربية والوسطى كذلك لا تختلف دوافعها وأهدافها في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين والآتيات الصالحات كذلك، بمعنى أنها متقاربة إن لم نقل متشابهة الأوضاع من حيث موقعها في العملية الإنتاجية، وفي التهميش عن العملية الإنتاجية وعن السياسة، ومتشابهة متقاربة من حيث الفقر والمعاناة من الفساد وسرقة جهدها. وفي الوقت نفسه، فإن تحركها دليل درجة من الوعي السياسي الاجتماعي الذي يقارب أن يغدو وعياً طبقياً. حين نقول بهذا، نفهم لماذا تتحرك وتتقارب، نفهم ما يجمعها وما يدفعها. ولكن علينا أن نفهم كذلك، اختلافاً معيناً في مساراتها، فقيادة الجيش المصري لم تخرج على النظام (وخاصة راس المال الطفيلي والمافيوي) ولا عن علاقته بالولايات المتحدة ولكن أدركت في الوقت نفسه أن التصدي المباشر للشعب لن يُسعفها، والأمر نفسه في حالة قيادة الجيش التونسي. أما الجيش اليمني فانشق بين النظام والحراك الشعبي، وربما كانت البنى القبائلية وراء ذلك، وكان الانشقاق في الجيش الليبي ضعيفاً في حين لم ينشق الجيش السوري. لماذا ذكرنا الجيش وهو ليس الخصوصية الوحيدة بين قُطْرية وأخرى، لأن الجيش بعد التجويف والتجريف على مستوى كافة القُطريات العربية هو إحدى القوتين المنظمتين الوحيدتين المسوح بهما والمسموح لهما.

ولكن، ما هو التشابه، بالمفاهيم الطبقية والاجتماعية لقوى الثورة المضادة التي تشن على الأمة هجمة قاتل أو قتيل؟

ما الذي يجمع الشيخ يوسف القرضاوي[1] (إسلامي سُني وهابي ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) مع هنري برنار ليفي (يهودي ماوي سابقاً، وصهيوني فرنسي اليوم) مع برهان غليون العلماني في فرنسا، مع أردوغان الإسلامي المتغربن الذي يمثل مصالح برجوازية قومية طورانية صاعدة تحلم بمشاركة الغرب في استعمار الوطن العربي في تقاسُمٍ صاغه المركز والصهيونية ويتمسك بالعلاقة مع الكيان الصهيوني الأشكنازي، مع قيادة الإخوان المسلمين الذين يرفعون راية الإسلام وينسقون خطاهم مع الولايات المتحدة موئل الصهيونية والمحافظية الجديدة التي تجهز لمعركة مجدو، مع حزب التحرير الإسلامي الذي لم يرمِ على الكيان وردة منذ عام 1948، ويطالب بإعادة الخلافة لتركيا رغم أن الرسول الأكرم أكد الخلافة للعرب ولقريش تحديداً، إلا إذا كان أرطغرل من أحفاد هشم بن عبد مناف، مع عزمي بشارة وأدواته السرية والعلنية في أرض الاحتلال الأول 1948 والثاني 1967[2] عضو الكنيست الشيوعي سابقاً والقومي لاحقاً والذي خرج في بعثة تبشير تطبيعي إلى قطر، مع الجناح المدرَّب أميركياً من شباب الفيس بوك[3] للمطالبة ب “الديمقراطية” الغربية، مع صفوت الزيات الذي يفبرك الصراع العسكري على الأرض طبقاً للمبلغ المدفوع دون حَمِية قومية،  مع الأمير تركي[4] بن عبد العزيز وبندر بن سلطان، مع عبد الحليم خدام مع خليفة حنتر قائد متمردي ليبيا وعميل أل سي. آي إيه كما تقول أميركا نفسها، مع المجموعات الرثة التي تجندت للتخريب والاغتيال في ليبيا وسوريا وربما لبنان، مع ماركسيين كانوا يسمون هذه المجموعات بروليتاريا ثورية وإذا بهم ينسبون الحراك الشعبي في سوريا لهؤلاء، مع  فقراء الطوائف الذين تمتطيهم برجوازياتها كل عمرهم فيَقتلون ويُقتلون ليأكلوا، مع اللبراليين واليساريين سابقاً من موائد منظمات الأنجزة وخاصة النسويات  اللواتي يزعمن التحرر والعلمانية وحتى الإلحاد؟ من يجمع كل هؤلاء مع قناة الجزيرة[5] التي بنت سمعتها على النقد المالح/الفاضح لأنظمة تشترك هي معها في سيدها الأميركي البريطاني، وما يجمعها مع جامعة الدول العربية التي استنجدت التدخل الغربي لتدمير ليبيا؟

ما الذي يجمع هؤلاء؟

لا يمكن وصفهم ب طبقة لأن تنوعاتهم ترفض ذلك سواء من حيث طبيعة العمل فمنهم من هو عاطل عن العمل بالمطلق ومنهم من يعيش على ريع بالمليارات، ومنهم الفيلسوف ومنهم من يُلقي بكتب بغداد الرشيد في النهر ويحرق مكتبة الإسكندرية، ومنهم من يؤكد أن الله طلب من المسلمين مقاتلة اليهود إلى يوم الدين ومن يتعايش مع المستوطنين في الكيبوتسات، ومنهم من يخطب علانية ضد التطبيع ويتغزل سراً بالمطبعين. قد يجمعهم أنهم جميعاً يتعيشون على المال السياسي، على ريع دورهم المضاد للأمة العربية وبالطبع للاشتراكية، لكن السيولة المالية وتشابه مصدرها لا تخلقان حالة طبقية؟ فماذا نسمي هؤلاء؟ صحيح أن هؤلاء ناقلات للاختراق الغربي الرأسمالي، وصحيح أن درجات وعيهم لذلك متفاوتة، ولكنهم جميعاً يعلمون ما يفعلون ولا يندمون. وصحيح انهم أفراد وحتى مجموعات مبعثرة، ولكن دورهم في التخريب وخدمة العدو يمكن ان يهدم أنظمة وطبقات ويودي إلى ضياع.

بهذا المعنى، فإن التحليل الطبقي بالمعنى الكلاسيكي لا ينطبق على هذه الحالات. فهم ليسوا نتاج نمط إنتاج واحد ولا حاملين ولا محمولين على نمط إنتاج، ولا حتى نمط الإنتاج الرأسمالي الحالي. كما انهم ليسوا توليد تشكيلة اجتماعية اقتصادية واحدة، فهم إما من بلد رأسمالي متقدم في التطور والنهب (فرنسا بريطانيا والولايات المتحدة)  “ومتطورة جداً بشأن المرأة لدرجة عرض جسدها “لحماً” على الفضائيات وإما من بلد كالسعودية أو قطر تعيش على ريع النفط والغاز، لا تقلق في الأمن الغذائي ولا الأمن الوطني ولا السيطرة على السوق المحلي كما هو شان الأنظمة البرجوازية، تحكمها عائلة وبسيطرة ابوية /بطريركية تغتصب النساء أكثر مما تتزوجهنَّ وفي الحالتين لا تتحرك المراة خارج غرف المخادع!.

وإذا كانت الطبقات تُفهم عبر علاقات الإنتاج، دور الناس في هذه العلاقات، اي باكثر حتى من دورهم (كما يرى البعض) في ملكية أدوات الإنتاج، فإن هؤلاء جميعاً طفيليون، بدءاً من الشيخ القرضاوي وصولاً إلى أي مرتزق منهم يعيش بدوره في خدمة نظام حكم أو مخابرات وحتى “سِمانْ الخليج” الذين جعلوا تلك القُطريات بلا إنتاج ومن ثم بلا علاقات إنتاج، وحصروا الأمر في الوقوف على باب بئر النفط، ليأخذوا دولاراً ويعطوا الشركات الأجنبيةعشرة! أما الريع الذي يحصله هؤلاء الحكام في الخليج، فيُعاد غالباً إلى المركز الراسمالي، ليُنفق بعضه على شريحة جديدة في العالم والوطن العربي منها موظفي الأنجزة على شكل عائدات غير منظورة، لا علاقة لها بالإنتاج بل بخدمات تزعم التنمية وتولد التبعية الممنهجة وخاصة للديمقراطية الرأسمالية الغربية. تحقق هذه الجماعات واولئك الأفراد من البلطجي حتى الفيلسوف ومن الشيخ السلفي حتى الشيوعي التابع الذي يكره القومية العربية دون ان يفهمها، يحقق هؤلاء دخلاً لم يتأتى من إنتاج مادي ملموس قام به هؤلاء، وهذا ما لا يخلق بينهم اي مستوى من التماسُك ويجعلهم أدوات لمن يدفع لهم، وهذا سر تماسكهم.

وإذا صح زعمنا أن ليس لهؤلاء اصلا طبقياً، كالعجين من الطحين السيئ (ملوش عِرِقْ كما تقول نساء ريف فلسطين)، فإن هناك ما يجعل منهم صفاً واحداً كما نرى اليوم!

ليس هؤلاء فئة طبقية من مدخل علاقات الإنتاج، حتى وإن كان مصدر الدخل ريع علاقتهم بالأجنبي أو وكيل الأجنبي، عائدات غير منظورة، لا يقومون او يرتكزون على نمط إنتاج. كما لا ينطبق عليهم وصف جيش، لأن للجيش في النهاية عقيدة واحدة غالباً هي وطنية، وهؤلاء ليسوا كذلك. كما أن الجيش مؤسسة متواصلة الوجود، أما هم فتجميع مؤقت لإنجاز مهمة محددة زمنيا ومكانياً.


[1] هل يصح تسمية كل شيخٍ عالماً؟ ربما كان يصح هذا في عصور لم تكن فيها القراءة والكتابة معممة للجمهور. هل تحتاج الناس اليوم إلى رجل المؤسسة الرسمية الذي تستخدمه الانظمة الحاكمة ليفسر للناس الدين كما يفعل القرضاوي؟ ومع ذلك، إذا صحت تسمية الرجل عالماً، فهل يمكن أن يكون خادماً للسلطان، واي سلطان، سلطان دويلة مثل قطر، خلع الرجل اباه! وابعد، كيف يقبل هذا العالم بأن تكون قطر بيتاً مفتوحاً للقيادات الصهيونية شمعون بيرس وتسيفي ليفني وغيرهما  والشيخ نفسه هناك؟ ترى، لو طلب منه الأمير لقاء بيرس سراً، هل كان سيرفض؟ أما الأهم: أليس الشيخ ممن يعتبرون فلسطين “وقفاً إسلامياً” فكيف يعيش في كنف ذلك الأمير الذي يعتبرها “وقفاً يهودياً بل صهيونياً”

[2] ما زلت على موقفي بأن د. عزمي بشارة الذي خرج طوعاً من فلسطين وزعم انه منفي، ولم يُكذِبه من يعرفون!، خرج في مخطط تطبيعي. و د. بشارة ليس سهلاً، له امتدادات وتمفصلات في الأرض المحتلة 1967 ايضاً على مستوى قيادات يسارية وأوجد تمفصلات في الوطن العربي لاستكمال مشروعه لإقامة حركة ديمقراطية عربية على النهج الأميركي، أليس هذا موسمها العالي. نشرنا لأحد تمفصلاته قبل أن نكتشفه في كنعان كاتب صغير هو أحمد اشقر، لنكتشف بعد سنين أنه كان يعيش في كيبوتس! كان قد كتب في كتابه ضد محمود درويش ان درويش مطبع (التوراتيات في شعر محمود درويش، قدمس 2005 ص 25 وغيرها) هذه كتابته العلنية. أما حقيقة معتقده فقد دأب على إرسال رسائل لي في منتهى البذاءة ضد كنعان وفريقها من نيسان 2010 إلى اكتوبر 2010 بأسماء سرية. وقد توقفت رسائله بعد أن افتضح أمره. بدوري لا أعرف انه تزوج حينها، بل اعرف ان له صديقة إسرائيلية كتبت لي بالإنجليزية  تؤكد أن أحمد اشقر هو الذي كان يكتب بأسماء مستعارة وكان أخبرها بهذه الرسائل، كما أكد أهل قريته أنه عاش في الكيبوتسات خوفاً من “الفقر”! حتى إلى كنعان هناك مندسين، فأي دور!

[3] من اللافت أن الجزء الأميركي من الحراك الشبابي يلعب لعبة خطرة مفادها: “نحن الشباب لم نعد نطيق أن نبقى بلا دور… لا نريد ان يتحكم بنا احد…” لكنهم يتجاهلون أن من يتحكم بهم هي الماكينة الإعلامية والمالية الأميركية! من هنا، فالحراك الشبابي دون رؤية ومشروع سيأخذه أولاد هيلاري إلى حضن هيلاري!

[4] عام 1986 كنت اعمل في صحيفة العرب في لندن لأنفق على دراستي، حينها كتب عني إميل حبيبي، قومجي هارب من فلسطين. ذات يوم دخل رجل بلباس عربي مهيب، فقفز الصحفيون بين من يقبل يديه أو ينحني له. بقيت جالساً. سألتني الزميله منى غباشي (متزوجة الان من الكرتونيست سعيد فرماوي-رحل سعيد لاحقا)، لن تنهض؟ قلت لا، قالت سيرفضك (صاحب الجريدة فهذا من ممولي الجريدة) قلت ليكن. لم يرفضني الرجل. أما الضيف فهو الشيخ الفاسي رئيس الطائفة الشاذلية في العالم الإسلامي، سُجن في عهد الملك فيصل ثمانية سنوات في بئر لعلاقته بالراحل عبد الناصر. خلال زيارات ابنته هند له تعرف إليها الأمير تركي وتزوجها فطردته العائلة السعودية إلى مصر. بعدها تصالح مع النظام واقام منتدى “الجنادرية” للإيقاع بالكتاب والشعراء عبر الأعطيات. مؤخراً قال السيد وئام وهاب على فضائية المنار أن تركي قتل هنداً! ما الفرق بين الجنادرية وبين المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لِ د. عزمي بشارة في الدوحة؟

[5] تفاوتنا في اكتشاف قناة الجزيرة، وكان الكثيرون “يتشرفون” بالظهور على شاشتها. قبل ثلاث سنوات اتصل بي شخص اسمه (كما اذكر) خالد اليشرطي وقال أنا مساعد د. فيصل القاسم في برنامج الاتجاه المعاكس ندعوك إلى الدوحة مع شخص آخر لنفس البرنامج حول التنمية في الوطن العربي. قلت، ولكن انا ارفض الظهور على هذه الشاشة. تلكىء الرجل لبضع ثوانٍ وقال: لماذا؟ قلت لأنها استضافت شمعون بيرس وتسيفي ليفني. قال هذا آخر ما عندك؟ قلت نعم. رغم ذلك، ما زال كثيرون يلومون من يرفض الجزيرة لأنها منبر يشاهده الكثيرون. نعم، ويلاه على وعيهم!

✺ ✺ ✺

الحرب التي لا تراها

ومثقفون يخفونها وخاصة عراقيون!

عادل سماره

رحل منذ ايام الصحافي الثوري جون بيلجر (ديسمبر 1939-ااكتوبر 2023).

الذي وثُّق جرائم امريكا وبريطانيا وخاصة في العراق أكثر من اي بلد آخر مثلا أفغانستان وفيتنام …الخ. انتج أفلاما عدة ومنها فيلم “فلسطين لا تزال قضية” والفيلم المرفق “الحرب التي لا تراها”.   

 ​https://youtu.be/5mDuxFnn2RY?si=SXzxto-RqkzE8Ysa

 أكثر تركيز الفيلم على دور الصحافة الغربية في الدعوة إلى وتغطية وتشجيع وتبرير تدمير العراق الأمر الذي قادر برأينا إلى اجتثاث ثلاثي تمت تغطيته بأحدها:

·      اجتثاث البعث

·      إجتثاث الجيش

·      إجتثاث العراق

أي تمت تغطية اجتثاث العراق واجتثاث الجيش باجتثاث البعث وهو الأمر الذي تستر وراءه عملاء أمريكا في العراق بتنويعاتهم. وفي الحقيقة تكمن وراء الاجتثاثات الثلاثة مصلحة مادية سلطوية لطائفة كمبرادورية ضد طائفة مثيلة لها. والطائفية تتقاطع تماماً مع الاحتلال والاستعمار بلا مواربة فهي الأكثر جاهزية للتبعية والخيانة ناهيك عن أنها جهالة جهلاء بطبيعتها.

ولكن الغريب أن تنشبك “شيوعية ” مع الاحتلال ومع الطائفية! يمكنك أن تفهم تماما عملية تواشج بين الشيوعية الحقيقية والصوفية أما تواشج شيوعية مع طائفية واحتلال، فهذه لم تحصل سوى في العراق.

المثال الواضح والبائس حين يأتيك اليوم مثقفون عراقيون من خلفية “شيوعية” هاربين إلى السويد وينشغلان حتى اليوم فقط وراء كلمة:”لماذا تعتبر صدام شهيداً” أي يتجاوزون على نهب البلد ووضع اليد على النفط اي على العراق، ودمار البلد ومصرع أكثر من مليون عراقي ناهيك عن المصابين بعديد التشوهات من اليورانيوم المنضب والقمع واغتصاب الذكور والإناث…الخ. هذا إلى جانب هيمنة المرجعيات الدينية على السياسة والعقائد والحريات وتحالفها مع نظام هو عميل للإمبريالية.

مثقفون من هذا النمط لا يختلفون عن جميع أنظمة وقوى الدين السياسي الطائفية بل بانشغالهم في مسألة صدام وحسب لا يبصرون، وربما يبصرون ويوافقون على سلطة التي خلقتها أمريكا يقوم رئيس وزرائها (ومنصبه بناء على تقاسم طائفي) باعتقال من يضرب قواعد أمريكا وهي تدنس تراب وسماء العراق ويفتخرون أن بعضهم جرى قتله في كردستان العراق أي الإقليم المُصهين! هل إعادة العجلة لأيام صدام أهم من كل كوارث العراق الحالية؟

في ماذا يختلف هذان الشيوعيان عن نوري المالكي الذي يفتخر بصداقته مع مسعود البرازاني وخاصة ايام صدام بينما منذ شهر قُتل إبن برزاني في العدوان ضد غزة وقدم له نتنياهو التعزية علانية. فهل عدو العراق صدام أم المالكي والسوداني. دعنا نقول صدام عدو العراق، ولكن ما تأثيره اليوم؟ أليس التشاغل بمسألة صدام غير أنه تغطية على النظام العميل والذي يجتث ليس عروبة العراق وحسب بل الوطن نفسه؟ ومع ذلك يستهين البعض بالعروبة ويدعي ان العراق من المحور! هناك شرفاء عراقيون من المحور ولذا يجب القول إن النظام هو من محور امريكا والغرب والكيان والصهيونية العربية والإسلامية اي أن احترام المشاهد يشترط ذكر الجانبين.

ملاحظة: إن كنت لا تتقن الإنجليزية، لا حيف ولا عيب، شاهده من إبنك، ، إبنتك أخيك جارك…الخ.

✺ ✺ ✺

عاريا أرتجف في ساحة المهد 

رشاد أبوشاور

وأنا أتأمل، بقدر استطاعتي وقدرتي على إبقاء عيني مفتوحتين، لأرى مشاهد الموت والدمار على الشاشة التي تنقل بعض ما يقترفه العدو في قطاع غزة، تعود إلى ذاكرتي مشاهد من تلك الأيام والسنوات البعيدة بقسوتها: طائرة عالية تسبح في الفضاء الشاحب، تنخفض وتعلو، ولها عين واحدة تخفق بالترافق مع ( الونين)، فيرتجف البدن، فطفولتنا تتفتح على ما هو مرعب، دون أن نعرف السبب لهذا الوحش الذي يسبح في الفضاء، ومن فوق رؤوسنا يرسل ضوءه اللامع المتفحص الباحث عنّا، ونحن من هلعنا نلتصق بأمهاتنا، وأنا الذي بلا أم أنطوي على نفسي وألتصق بالتراب موارياً عيني حتى لا أرى، ولكن (الونين) وهو الدوي الذي لا ينقطع يغيب ويعود باحثا، وأنا الذي بلا أم التصق بأمي التراب، فأمي دفنت في قبر كبير للعائلة أمام بيت خالي، وأبي يحمل بارودة ويقود مسلحي قريتنا ذكرين مع رجل آخر، و..بقي في القرية لرّد اليهود عنّا بالرصاص، ونحن، امرأة عمي وأبناؤها في العراء قرب بلدة (بيت جبرين) في واد يوارينا عن الطائرة، ولكن الطائرة لا تكف عن الباحث عنّا…

شعرت بالعطش، وغيري من الأطفال طلبوا من أمهاتم أن يسقينهم، وألحوا، ومن بعد حضر رجل يحمل وعاء فيه ماء، وأخذ يغرف ويسقينا، وأنا شربت و..نمت جائعا بردانا خائفا محتضنا التراب لأن أمي بقيت في ذكرين يحتضنها التراب قبل أن ترى الطائرة التي تسبح في الفضاء ولها عين واحدة تضئ وترمش وتفتش عنا، دون أن نعرف لماذا، وماذا تريد منا، ولماذا تلاحقناّ!

لو أن أمي بقيت ولم تمت لاحتضنتني لصق صدرها.

_2_

كنت أحب سيدي مرشد، وهو عم أبي وزوج خالته، وأبي كان –كما علمت من بعد يناديه، أو يستذكره ب( أبوي مرشد)- وانغرس حضوره في ذاكرتي في الأشهر الأخيرة من عام 1948، وبالترافق مع أيام الحرب.

لم يغادر سيدي مرشد، ونحن الأولاد كنا نناديه هكذا (سيدي مرشد)، أولاد عمي عبد الرحمن و..أنا..الكرم، كرمه الذي زرع أشجاره بيديه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الأتراك، هو الذي قاتل على الدردنيل و..في اليمن حيث انهزمت قواتهم وانسحبوا، وبعدئذ عاد إلى ذكرين وانهمك في نكش أرضه وزراعتها من جديد بغراس الزيتون، والتين، والعنب، وسوّر كرمه بأشجار الصبّار، ورعاها حتى اخضرّت واينعت وأثمرت فأطعم كل مشته وهو يردد: اللهم أطعمنا وأطعم منّا..والله استجاب له، ونحن الصغار أكلنا عنبا وتينا وصبّارا لذيذا مما زرعت يداه.

أذكره بثوبه الأبيض وعليه تراب من تراب أرضه التي رأيته يمسّد عليها ويربت ويتشمم راحتيه وهو يردد: فيها رائحة وضعها الله من سرّه ومحبته ومباركته..إنها نعمة صونوها تصونكم، وكان يُمسّد على رؤوسنا الصغيرة، ويريت على ظهورنا وهو يردد: حماكم الله، والله ماني عارف كيف ستكون أيامكم الجاية!

سمعنا الطخ، وكنّا في كرم سيدي مرشد، فجاء أبي مندفعا، وهو يصيح: يلاّ أركضوا إلى بيت جبرين مع أحمد، وهو الحفيد الكبير للجد مرشد، وابن عمي عبد الرحمن، فاليهود دخلوا بعض القرى، وهم يهجمون على قريتنا. ثم خاطب سيدي مرشد: يلا يابا مرشد إلى بيت جبرين، ومن هناك إلى الخليل إذا دخل اليهود.

 ما زال المشهد في رأسي وقلبي و..روحي. انحنى سيدي مرشد وتطاير شعر لحيته الأبيض على صدره وركع ثم سجد على التراب، وحفن حفنة وأخذ يفرك شعر لحيته بالتراب: تتركون هذه الأرض يا محمود أنت وابن عمك، يقصد إبنه عبد الرحمن وهو أكبر من أبي بعدّة سنوات، وأخذ يُمرّغ لحيته بالتراب، ويحفن ويلطخ لحيته من تراب أرضه! . من هم اليهود لتهربوا منهم يا محمود؟! اهجموا عليهم بالعصي، بالحجارة، بالشباري _ الخناجر الصغيرة التي يحملها الفلاحون_ واطردوهم بعيدا عن أرضكم..آخ لو أن صحتي تساعدني لأريتكم ماذا سأفعل مع اليهود..آخ!

رفض سيدي مرشد مغادرة ذكرين، و..مات ودفن في أرضها بعد أيّام قليلة، وما زال رفاته هناك. (بعد سنوات كتبت عنه قصة بعنوان (الأسلاف) وقد ترجمت ونشرت في مجلة عالمية اسمها بروفيل).

-3-

نُقلنا إلى كروم الخليل، ونمنا تحت الأشجار وغرقنا بماء المطر وفي الوحول، وعانينا من الجوع ..واسعفتنا (بركة) أبونا الخليل، وهي جريشة مطبوخة، أو برغل مطبوخ، والتهمناها فأسكتت جوعنا..ونمنا في بيوت صيفية في (كروم) الخليل التي بلا أبواب وبلا شبابيك..وبعد معاناة امتدت حضرت سيارات شحن وحملتنا إلى (مخيم الدهيشة) جار بيت لحم..وأقمنا تحت الخيام، وحملنا حجارة لنجلس عليها تحت الخيام لنتعلم القراءة، ونبدأ من:

راس روس

دار دور

ومن تلك الأيام انغرست دورنا في رؤوسنا، وفي أرواحنا، وفي قلوبنا.

الخيام وما أدراك ما الخيام! لا تحمي من برد، لا ترّد المطر، وماء المطر كان يتدفق من تحت أطراف الخيمة التي منحت لأبي، وهي زعموط يعني مثل القُمع المقلوب، فعائلتنا ثلاثة أفراد أبي وجدتي أمه..وأنا.

سقط علينا الثلج في مخيم الدهيشة، وبعض الخيام سقطت، وبعضها طارت، و..جاءت سيارة حملت من رغبوا إلى بيت لحم، و..جُمعنا في المسجد المقابل لكنيسة المهد، مسجد عمر رضي الله عنه، وأنا وأبي أقمنا بضعة أيام، وجدتي فاطمة بقيت مع أختها أم عمي عبد الرحمن في خيمتهم الواسعة، وأنا دهشت في بيت لحم، في ذلك اليوم، بالأحرى الصباح عندما استيقظت من تحت البطانيات ورفعت رأسي واسترقت السمع فملأت الموسيقى رأسي..فتسللت ب(شويش) حتى لا يستيقظ أبي ويسألني، وتوجهت إلى باب المسجد..فرأيت حشدا كبيرا ورايات وأولادا يدقون الطبول و..دهشت وانبهرت، واندفعت واقتربت من المشهد الملوّن، فأرجفني البرد الذي اجتاح بدني شبه العاري، ولكنني ورغم ارتجافي واصلت التفرّج، وأخذت أقف على قدم واحدة وأرفع الثانية، وهكذا إلى أن رأيت أبي وسمعت صوته مناديا بشئ من الغضب، فذهبت إليه غير راغب بترك الفرجة والموسيقى، ورؤية الأولاد الذين يرتدون ملابس جميلة تغطي كل أجسادهم وتبعث الدفء فيها.

وبعد أيّام عدنا إلى مخيم الدهيشة بعد توقف العاصفة الثلجية، واستأنفنا قراءة دروسنا تحت الخيام.

رأينا رجالاً كبارا يتجمعون على الإسفلت الذي يذهب من بيت لحم إلى الخليل، وهم يهتفون بغضب، وسمعنا أساتذتنا يلوّحون بأيديهم صارخين:

يلاّ يا أولاد يلاّ

انضموا للمظاهرة واهتفوا:

لن نعيش لاجئن

بدنا العودة لفلسطين

وصاح أُستاذنا سليمان مزهر:

هبّت النار والبارود غنّى

وظهر الشاعر خليل زقطان في منتصف التجمع، وارتفع صوته:

قسما بجوع اللاجئين

وعري سكّان الخيام

لنصارعن الموت

من أجل الوصول إلى المرام

آنذاك عرفنا كيف تهب النار، ولكننا احتجنا لوقت حتى نعرف كيف يغني البارود!

أترون كيف تغني الصواريخ في غزّة؟

الأولاد هناك يُقتلون، ويموتون وهم لا يعرفون الأسباب، فهم أصغر من أن يعرفوا شيئا، لأنهم بالكاد قد خرجوا من أرحام أمهاتهم…

في هذه الأيام يرتجف ألأطفال في قطاع غزة بردا..وغضبا.. لأنهم يعرفون وجوه أعدائهم والمتآمرين عليهم، ألا ترون وتسمعون فيديوهات طفلاتنا وأطفالنا في قطاع غزة؟ إنهم قادمون لكم جميعا يا أعداء فلسطين المتفرجين على آلامها ومعاناتها التي حتما ستنتهي بهزيمة (كل) أعدائها وفي مقدمتهم الإمبراطورية الأمريكية رأس الشر والجريمة…

قادمون لعقابكم ايها المتفرجون..والويل لكم!

النكبة!: منذ 75 توقع كل أعدائنا أنها نهايتنا كشعب فلسطيني، بريطانيا والصهاينة والمتخاذلين من حكام (عرب) يعملون في خدمة راعيتهم أميركا، و..لم يتوقعوا أننا حفظنا وصية سيدي مرشد: قاتلوهم بالشباري، بالحجارة ..بالعصي..بال..وقد قاتل شعبنا بالشباري والحجارة والكلاشنوكفات، وها هو يقاتل بصواريخ القسام وسرايا القدس وأبو علي والناصر صلاح الدين..وبصواريخ وقنابل ورصاص كل أخوة ورفاق السلاح في القطاع البطل مدهش العالم..ومدن ومخيمات الضفة التي تنخرط في المعركة…

تنويه: أنا كنت هناك قبل 75 عاما، عشت فصول نكبة ال 48.. وها أنا أعيش وأشهد ترنح الكيان الصهيوني منذ يوم 7 تشرين..يوم بدأ الطوفان.. وما بعده، رغم دعم الإمبراطورية الأمريكية ورئيسها الصهيوني التافه الخرف بكل الأسلحة لكيانهم الصهيوني وكيانه العنكبوتي لتقوية رُكب قادته وجنرالاته المرتجفة أمام المقاومة الفلسطينية .. والمتصاعدة على طريق القدس.

________

تابعونا على:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

Exit mobile version