Site icon

نشرة “كنعان”، 21 يناير 2024

السنة الرابعة والعشرون – العدد 6708

في هذا العدد:

خليل حاوي: شاعر الانبعاث الحضاري، رشاد أبوشاور

في ذكرى مئة عام على وفاة لينين l لينين في كتابه – حول الإمبريالية: ما مدى أهمية هذا اليوم؟ فالنتين كاتاسونوف، ترجمه عن الروسية د. زياد الزبيدي

من اتفاقية رودس إلى الإعلان الثلاثي: كيف قُلّصت جغرافية قطاع غزة؟ أحمد الدبش

✺ ✺ ✺

خليل حاوي

شاعر الانبعاث الحضاري

رشاد أبوشاور

أعود إلى أعماله الشعرية وأقرأ ما تيسر منها بين فترة وأخرى، فهو من الشعراء الذين تركوا في ذائقتي مكانة خاصة. إنه الشاعر الكبير خليل حاوي، صاحب نشيد (الجسر)، والجسر للعبور، عبور الأمة من مكان إلى مكان و..مكانة، من زمن الانحطاط إلى زمن الكبرياء والعنفوان والتغيّر وأخذ المكانة الحضارية اللائقة التي تنقل الأمة من حالة الهوان والانكسار إلى حالة الشموخ ونفض الذل والاستكانة والخنوع. ولا عجب أن أتذكره حاليا مع انتفاضة طوفان الأقصى، انتفاضة فلسطين، والعقاب الذي يوقعه الشعب المعذّب المقهور المضطهد في أعدائه وأعداء الأمة من محيطها إلى خليجها، بينما حكامها يتفرجون، وهم كما وصفهم خليل حاوي يخرجون من جيب (السفير)!.

نهاية الخمسينات ومطلع الستينات كانت حركة الشعر(الحديث)، شعر التفعيلة، شعر التجديد..تحضر بأسماء شعرائها الكبار: بدر شاكر السياب، البياتي، أدونيس، بلند الحيدري، صلاح عبد الصبور، أحمد حجازي، نزار قباني.. و..من لديه أسماء فليضفها، فأنا لست مؤرخا ولكنني تربيت على الشعر وودت لو أكون شاعرا، وربنا لطف..فحدت إلى النثر، وكتابة القصة القصيرة..وما زلت، والرواية..وما زلت، وبقي الشعر متعتي، وراح بعض الشباب إلى قصيدة النثر التي لم ترقني، ورأيت فيها كثيرا من التزوير والادعاء، وقليلا من مواهب لم تعمر ولم تثمّر..وهذا رأي شخصي!.

خليل حاوي كنّا قرأنا له، ولكننا لم نستمع له، وكنا متلهفين على سماعه، وقد تحقق الأمر عندما دعاه الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وكان مقره في الجسر الأبيض في دمشق عام 1961، فالتقينا: فايز خضور، وكريم كاصد وهو عراقي كان يدرس في جامعة دمشق، و..أنا، ومعا توجهنا متلهفين لرؤية وسماع خليل حاوي.

مطاع صفدي الروائي والمفكر وصف خليل حاوي ب(شاعر الانبعاث الحضاري)، ورأيت من يومها، كما غيري، بأن خليل حاوي هو حقا شاعر الانبعاث الحضاري:

وتباركت رحم التي ولدت

على ظهر الخيول

ولدت وما برحت بتول

بطلاً يروّي سيفه لهب الشهاب

              (من قصيدة: رسالة الغفران من ثمود إلى صالح)

ويصيح ساخرا في وجوه من يبيعون مجد الأمة:

يا من خصاك الفلس

هل عوّضت بالشحم المرّفه

عن حماك المستباح؟

 وتأكدنا أننا في حضرة شاعر متميز بصوته ورؤيته الحضارية فصفقنا له طويلاً، وخرجنا من تلك الأمسية ونحن ننشد مع خليل الحاوي مقاطع من قصيدته (الجسر)، تلك التي رأينا فيها بشارة بقدوم جيلنا الذي سيعبر من (مستنقع الشرق) إلى (الشرق الجديد)!

مضت سنوات، فتوجهت ذات يوم إلى دار (العودة) للنشر في شارع المزرعة ببيروت، حيث كان الناشر أحمد سعيد محمدية متحمسا لتقديم طبعة جديدة من أعمالي الروائية والقصصية، فإذا بي وجها لوجه مع الشاعر الكبير خليل حاوي..وكم سررت بالمصادفة.

قدمني الصديق محمدية للشاعر الكبير، فأبدى اهتماما، وإذ جلست قربه، مال وسألني:

أتقرؤون لي يا رشاد؟ نترت نفسي واقفا وبدأت أقرأ له مقطعا من الجسر:

أترى يولد من حبي لأطفالي

وحبي للحياة

فارس يمتشق البرق على الغول

على التنين، ماذا هل تعود المعجزات؟

بدوي ضرب القيصر بالفرس

وطفل ناصريُ وحفاة

روضوا الوحش بروما، سحبوا

الأنياب من فك الطغاة

ربّ ماذا

ربّ ماذا

هل تعود المعجزات؟

(من قصيدة عودة إلى سدوم..الأعمال الشعرية الكاملة منشورات العودة)

ثم تشعب بنا الحديث، وأخبرته بحضور امسيته الدمشقية في مقر اتحاد طلبة فلسطين، وكيف خرجنا ونحن نشعر بالزهو، بل أخذنا نصيح عاليا: أيها النوّام، لقد ولد شاعر كبير، شاعر انبعاث حضاري متميّز.

قال وابتسامة تضئ وجهه: أنا أدرّس في الجامعة الأمريكية، ولا أجلس في مكتبي، بل أتمشى مع طلبتي في الساحة، ونتبادل الأحاديث..فتعال لنلتقي هناك.

في اليوم التالي صباحا كنت أقف بباب الجامعة الأمريكية. استدار بين طلبته فرأني..فلوّح لي فاتجهت صوبه، ومشيت بين طلابه وطالباته، ولم أشارك بالكلام، بل سرت صامتا، مستمتعا بسماع الحديث الغني بينه وبين طالباته وطلاّبه.

كان ذاك لقائي الأوّل والأخير بالشاعر الكبير، فقد انفجرت الحرب، وزحف جيش العدو إلى بيروت..وسقط على رؤوسنا النبأ الفاجع: انتحار الشاعر الكبير خليل حاوي!

لم يتحمل خليل حاوي، شاعر الانبعاث الحضاري، المبشّر بنهوض الأمة..هول الهزيمة المهينة، وزحف جيش العدو وبدء حصاره لبيروت ابنة الحضارة الفينيقية..فوضع حدّا لحياته ببندقية صيد كان يمتلكها يوم 6/6/ 1982 .

 أنا أتذكره في هذه الأيام المجيدة التي يُمرّغ فيها أبطال فلسطين، أبناء قطاع غزة، أبناء الطوفان..طوفان الأقصى..أنوف جيش الصهاينة برمال غزّة، ويذلونه، ويتصدون ويصمدون لأكثر من مائة يوم مذيقينه كؤوس الهوان، ووضعه و(دولته) في مكانهم المناسب لهم: جيشا لا يقوى سوى على قصف المدنيين وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها، وتمزيق أجساد الأطفال والأمهات..والاختباء في جوف دبابات الميركافا التي يحرقهم أبطال غزة في جوفها، ويجعلونهم فرجة للعالم.

 لقد تمّ تنفيس أكذوبة الجيش المتفوّق الذي لا يُهزم..هو المسلّح بكل صنوف الطائرات والصواريخ والدبابات الأحدث في العالم..فإذا به يُصطاد كما يصاد البط..بأسلحة المقاومين المتميزين المتواضعة، بروح الإقدام والاشتباك من مسافة صفر.

انهض يا خليل حاوي، يا شاعر الانبعاث الحضار..وتأمل ما ترى، فها هم الفلسطينيون يقتلون الوحش، ويخلعون أنيابه، ويقصون مخالبه، ويتركونه في الميادين مجللاً بعاره وذلّه…

قدمت الدكتورة الناقدة ريتا عوض لأعماله الكاملة الصادرة عن دار العودة في طبعة كاملة ضمّت كل أعماله الشعرية: لقد أكد خليل حاوي في تجربته الإبداعية أهمية الدور الذي يضطلع به الشاعر في عصره، بما هو ضمير الأمة ووعيها المتوهج. وقد كان على الشاعر الحديث في هذا العصر أن يتبنّى القضايا الكبرى في وطنه ويحمل هموم أمته حتى يعيد للشعر دوره الكبير الذي عُرف به في الحضارة الإنسانية وينفي عنه صفات التلهي بالهموم الذاتية، والميوعة العاطفية الرومنطيقية، والجماليات الفارغة. وقد وصلت التجربة الشعرية العربية المعاصرة مع خليل حاوي إلى الحداثة الحقّة وأعاد بالروائع الشعرية التي أبدعها للشاعر العربي الدور الرائد الذي عرف به في تراثنا الحضاري.

خليل حاوي، يا شاعر الانبعاث الحضاري، معك ننشد لمن يعبرون الجسر، وتمتلئ نفوسنا بالشموخ ونحن نرى أهلنا في اليمن ينضمون للمقاومة مع الجنوب اللبناني الشجاع، والمقاومة العراقية..مع أهلنا في قطاع غزّة، ومدن وقرى ومخيمات الضفة فننشد نشيد العبور، نشيد الجير:

يعبرون الجسر في الصبح خفافا

أضلعي امتدت لهم جسرا وطيد

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

إلى الشرق الجديد

أضلعي امتدت لهم جسا وطيد

✺ ✺ ✺

في ذكرى مئة عام على وفاة لينين l

لينين في كتابه – حول الإمبريالية

 ما مدى أهمية هذا اليوم؟

فالنتين كاتاسونوف: عالم اقتصاد روسي، أستاذ معهد موسكو للعلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية، كاتب ومحرر مؤسسة الثقافة الاستراتيجية

ترجمه عن الروسية د. زياد الزبيدي بتصرف

20 يناير 2024

 يصادف يوم 21 يناير الذكرى المئوية لوفاة فلاديمير إيليتش لينين، مؤسس الدولة السوفياتية، الذي ترك إرثًا نظريًا هائلاً.  تتكون أعماله الكاملة من 56 مجلدًا (كتب، مقالات، ملاحظات، رسائل، وثائق).  في زمن الإتحاد السوفياتي، اضطررت إلى الرجوع للعديد من مجلدات هذه المجموعة باستمرار.  كان لا بد من قراءة بعض الأعمال للضرورة (التحضير للامتحانات والمحاضرات والعروض).  قرأت بعضًا منها بإرادتي الحرة وباهتمام.  ومن بين هذه الأعمال، أسلط الضوء بشكل خاص على كتاب “الإمبريالية، باعتبارها أعلى مراحل الرأسمالية”، الذي كتبه لينين في عام 1916.  ولا أزال أتصفحه بين حين وآخر..

 تم تقديم عمل “الإمبريالية، باعتبارها أعلى مرحلة من الرأسمالية” بحق في العهد السوفياتي كنوع من “البوصلة” التي سمحت للسياسيين والاقتصاديين والمؤرخين والفلاسفة بالتنقل في عالم معقد لمجموعة واسعة من الأحداث.  ساعد الكتاب، بكلمات معاصرة، في تجميع “الألغاز” من أجزاء فردية وتفاصيل وحقائق تتعلق بمجال الاقتصاد والمالية والسياسة والعلاقات الدولية والشؤون العسكرية والأيديولوجية والدعاية وما إلى ذلك.

باختصار عن تاريخ تأليف كتاب لينين.  وقد كتبه في سويسرا عام 1916 أثناء عمله في مكتبة زيورخ.  تم إعداد الكتاب على مدى عدة أشهر.  كانت مواد المراجع للنسخة النهائية، والتي كانت على شكل كتيب (حجم أقل من 150 صفحة)، عبارة عن عدد كبير من الملخصات والمقتطفات والملاحظات التي كتبها المؤلف أثناء عمله مع المصادر الأولية.

 وبحسب الباحثين، بلغ حجم المواد الأولية حوالي 50 ورقة مطبوعة (وحدة القياس المطبعية: الورقة المطبوعة الواحدة تساوي حوالي 16 صفحة من نص الكتاب).  لكي نكون واضحين، هذا يساوي تقريبًا حجم المجلد الأول من “رأس المال” لكارل ماركس.  وفي وقت لاحق، تم نشر هذه المواد تحت عنوان “ملاحظات حول الإمبريالية” (المجلد 18).  تحتوي على مقتطفات من 148 كتابًا (منها 106 ألمانية و23 فرنسية و17 إنجليزية و2 مترجمة باللغة الروسية) ومن 232 مقالًا (منها 206 ألمانية و13 فرنسية و13 إنجليزية)، منشورة في 49 دورية مختلفة (34 ألمانية و7 فرنسية وإسبانيةو8 إنجليزية).  ومن بين المصادر الرئيسية التي اعتمد عليها لينين “كارل كاوتسكي”، و”جون هوبسون”، و”رودولف هيلفردينغ’، و”غيرهارت شولتز-جيفيرنيتز”، و”هيرمان ليفي”، و”أوتو ييديلس”، و”ألفريد لانسوبيرج”، و”جاكوب ريسر، و”سيغموند شيلدر” وغيرهم الكثير.

 في تلك الأيام، عندما كنا ندرس عمل «الإمبريالية، باعتبارها أعلى مراحل الرأسمالية» في الجامعات السوفياتية، غرس فينا الأساتذة أن لينين ينتقد بشدة جميع المؤلفين الذين أشار إليهم دون استثناء.  هذا صحيح.  ومع ذلك، بعد القراءة المتأنية، تقتنع بأن لينين استعار أولاً ولم ينتقد إلا بشكل ثانوي.  ليس من قبيل الصدفة أن يطلق بعض الباحثين على عمل لينين هذا اسم “ملخص” أو “مراجعة”.  إنه تجميع (بالمعنى الجيد للكلمة) لمجموعة واسعة من المصادر المحلية والأجنبية بشكل خاص حول أحدث الظواهر في الاقتصاد والسياسة الرأسمالية.  من خلال حماسته ومثابرته، “حرث” لينين مجموعة كبيرة من المواد – تقريبًا كل ما كتب في ذلك الوقت والذي كان مهمًا حول موضوع الإمبريالية والرأسمالية الاحتكارية.

 كتب لينين في مقدمة العمل (الذي ظهر بعد ثورة 1917) أنه كان مقيدًا بظروف مثل الرقابة القيصرية، لذلك اضطر إلى التخلي عن معظم أحكامه وتقييماته الأيديولوجية.  وضغط العمل في شكل كتيب (كانت الخطة الأصلية هي كتابة مجلد كامل).  ولكن، ربما، أصبح هذا الوضع، على العكس من ذلك، ميزة.

 تتم قراءته باهتمام حتى من قبل أولئك الذين لا يتشاركون في الإيديولوجية الماركسية اللينينية.

 أعترف بصدق: لقد قرأت العديد من أعمال لينين دون اهتمام وبصعوبة كبيرة.  وليس فقط بسبب تركيزها الزائد على الأيديولوجية الماركسية (التي أنتقدها انا بشدة)، ولكن أيضًا بسبب الأسلوب الأدبي الثقيل إلى حد ما للمؤلف.  لكن عمل “الإمبريالية باعتبارها أعلى مراحل الرأسمالية” لا يمتلك مثل هذه الخصائص.  إنه يختلف في الأسلوب عن معظم الأعمال “الكلاسيكية” الأخرى.  ربما يمكن تفسير ذلك من خلال حقيقة أن لينين كان لديه مؤلف مشارك غير معلن في هذا العمل.  ومع ذلك، ربما ينبغي أن يسمى محررا.  علاوة على ذلك، كان هذا المحرر موهوبًا جدًا – المؤرخ والأكاديمي السوفياتي المستقبلي ميخائيل بوكروفسكي. عاش М. Pokrovsky في ذلك الوقت في فرنسا وقام بتحرير سلسلة من الكتيبات التي نشرتها دار النشر Parus حول دول أوروبا الغربية خلال الحرب العالمية الأولى.  من بين أمور أخرى، قام بتحرير الكتاب المذكور من تأليف لينين.  انطلاقا من بعض الأدلة، قام الأكاديمي المستقبلي باختصار المخطوطة المرسلة بشكل كبير وأقنع لينين بإعداد ليس دراسة من الوزن الثقيل، ولكن كتيب جذاب وشعبي.  ومن الجدير بالذكر أن النسخة النهائية من المخطوطة كانت بعنوان “مقالة شعبية”.

 نُشر العمل لأول مرة في منتصف عام 1917 في بتروغراد ككتيب منفصل من قبل دار نشر باروس.  وفي وقت لاحق، أعيد طبع العمل عدة مرات خلال حياة المؤلف.  وخلال حياة لينين، تمت ترجمته إلى عدد من اللغات الأجنبية ونشره في الخارج.  أعد لينين خصيصا مقدمة للطبعتين الفرنسية والألمانية (نُشرت لأول مرة عام 1921 في مجلة الكومنترن العدد 18).

في البداية، حدد لينين الغرض الرئيسي من كتابة العمل على أنه توضيح أسباب الحرب العالمية الأولى. والمثير للدهشة أن معظم المفكرين الموثوقين في الغرب، الذين شاركوا في دراسة الرأسمالية في مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين، “ناموا” خلال الحرب العالمية الأولى. لفتوا الانتباه إلى التدويل المتزايد بشكل حاد للحياة الاقتصادية والمالية للدول، لكنهم في نفس الوقت استخلصوا استنتاجات خاطئة. وهم يعتقدون أن تدويل الحياة الاقتصادية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين فرادى الدول هو الذي من شأنه أن يضمن الأمن الدولي. أن الحروب (على الأقل الحروب الكبيرة) لن تفيد أحدا (بما في ذلك الاحتكارات). في بداية القرن العشرين، كان هناك جو من الاسترخاء العام في العالم، اعتقد الجميع عن طيب خاطر أن عصر الحروب قد انتهى، وكانت البشرية تنتظر مستقبلا هادئا وسعيدا. في ذلك الوقت، سادت أيديولوجية “المادية الاقتصادية” و “التقدم” في جميع أنحاء العالم. لقد أخطأ علماء” الكنبة ” والعديد من السياسيين بقسوة. نظروا في الأسباب الكامنة وراء مذبحة 1914-1918، التي أودت بحياة الملايين (قتل أكثر من 10 ملايين جندي، وأصيب 18.3 مليون، وبلغ عدد الضحايا المدنيين 11.4 مليون). 

 لينين، انطلاقا من أعماله المكتوبة قبل عام 1914 (أول 25 مجلد)، لم يتوقع أيضا مثل هذه الحرب واسعة النطاق.  لكن يجب أن نعطيه حقه، فسرعان ما أدرك ك «كلاسيكي» أسبابها الأساسية وتمكن من صياغتها بوضوح.  في وقت كتابة هذا المقال، كانت عبارة “الإمبريالية…” هي التفسير الأكثر اكتمالا وعمقا وقابلية للفهم للمذبحة العالمية التي وقعت في الفترة 1914-1918.  لذلك لا يمكن وصف كتاب “الإمبريالية…” بأنه مجرد تجميع.  فقد قدم المؤلف مساهمة كبيرة في فهم الظواهر الجديدة في الاقتصاد والسياسة الرأسمالية.

 لقد كان الكتاب حقًا مثالاً لكيفية ربط الأحداث في عالم السياسة، وخاصة السياسة العالمية، بالعمليات والتغيرات التي تحدث في المجال الاقتصادي للمجتمع.  وعلى وجه التحديد، أظهر لينين أن مثل هذا التغيير الجذري في الانتقال من المنافسة و”السوق الحرة” إلى الاحتكارات وتقسيم السوق على يد الاحتكارات يجلب تحولات خطيرة في السياسة.  وقد أطلق لينين على هذه التحولات اسم انتقال الدول الغربية الرائدة إلى الإمبريالية.

 في ذلك الوقت، بدا الجمع بين كلمتي “الإمبريالية” و”الرأسمالية” الواردتين في عنوان الكتاب غير عادي بالنسبة للكثيرين.  لقد تم فهم “الرأسمالية” على أنها نموذج معين للبنية الاقتصادية للمجتمع (الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، واستغلال العمالة المأجورة، وتحقيق الربح، وتراكم رأس المال، وما إلى ذلك). و”الإمبريالية” (من imperium باللاتينية – القوة والهيمنة) هي سياسة دولة تهدف إلى الاستيلاء على البلدان والأقاليم الأخرى وإخضاعها.  تعود الإمبريالية إلى قرون مضت، عندما لم يكن هناك أي أثر للرأسمالية، ولكن كانت هناك إمبراطوريات عظيمة.  على سبيل المثال، البابلية، الآشورية، الفارسية، الرومانية، العثمانية.  أظهر لينين أنه في القرن العشرين يظهر نوع جديد من الإمبراطورية، وهو ما لا يمثل قوة الأرستقراطية من ملاك الاراضي، أو الطبقة العسكرية أو النخبة الكهنوتية، بل يمثل الأوليغارشية الرأسمالية القائمة على قوة الاحتكارات.

 اسمحوا لي أن أذكركم بالنقاط الأساسية في كتاب “الإمبريالية…”.  ويتكون من 10 أقسام (فصول).  الهدف الرئيسي لمؤلفه هو اظهار أنه بين القرنين التاسع عشر والعشرين كان هناك تطور لرأسمالية عصر التراكم البدائي لرأس المال (وكذلك المنافسة الحرة) إلى رأسمالية احتكارية، وتحديد العواقب الاقتصادية والسياسية لهذا التطور.  إذا كانت السمة الرئيسية للمرحلة الجديدة من الرأسمالية في المجال الاقتصادي هي هيمنة الاحتكارات، ففي المجال السياسي كانت العدوانية المتزايدة للدول التي وجدت نفسها تحت سيطرة الاحتكارات.  لقد وصف لينين التكثيف الحاد للتوسع الاقتصادي والسياسي والعسكري الخارجي لرأس المال بأنه نوع جديد من الإمبريالية.  حدد لينين خمس سمات رئيسية للإمبريالية:

1) يصل تركيز رأس المال ومركزيته إلى درجة تتشكل فيها الاحتكارات؛

2) اندماج رأس المال الاحتكاري الصناعي والمصرفي وتكوين رأس المال التمويلي على هذا الأساس؛

3) يصبح تصدير رأس المال هو السائد مقارنة بتصدير البضائع؛

4) يجري التقسيم الاقتصادي للعالم من خلال اتحادات الاحتكارات الدولية؛

5) ينتهي التقسيم الإقليمي للعالم، وتبدأ إعادة تقاسمه.

 إذا كان من الممكن تسمية العلامات الأربع الأولى اقتصادية، فإن العلامة الخامسة ذات طبيعة عسكرية – سياسية.  في الكتاب قيد المراجعة، أظهر لينين أن الحرب العالمية التي بدأت عام 1914 لم تكن نتيجة لمجموعة “عشوائية” من الظروف.  وقد نتجت عن أسباب اقتصادية، في المقام الأول بسبب حقيقة أن الرأسمالية “الكلاسيكية” بدأت تتطور إلى رأسمالية احتكارية.  وحتى الرأسمالية “الكلاسيكية” (مع ما يسمى بالمنافسة “الحرة”) تجد صعوبة في البقاء داخل الحدود الوطنية، لأن الإنتاج الرأسمالي، في سعيه لتحقيق الربح، يواجه حتما طلبا فعالا محدودا في السوق المحلية.  وبالمناسبة، فإن مؤلف كتاب “الإمبريالية…” قد فهم هذه القضية بعمق عندما كتب في نهاية القرن التاسع عشر كتاب “تطور الرأسمالية في روسيا.  عملية تشكيل سوق داخلية للصناعة الكبيرة” (نُشر لأول مرة بشكل قانوني ككتاب منفصل في عام 1899).

 فضلاً عن ذلك فإن رأس المال الاحتكاري يصبح محشورا إلى حد لا يطاق داخل الحدود الوطنية، ويتزايد حجم التراكم النسبي المفرط لرأس المال بشكل حاد.  التراكم المفرط نسبي على وجه التحديد، وليس مطلقًا.  وهو ما يعني انخفاض ربحية رأس المال نسبيًا وفي نفس الوقت انخفاضًا مستمرًا.  يندفع رأس المال إلى الخارج حيث يمكنه الحصول على معدل ربح أعلى.  وخارج الحدود الوطنية يواجهون مقاومة ومنافسة من عواصم البلدان الأخرى.  وفي حدود معينة، تجري المنافسة الرأسمالية بشكل سلمي.  يتم تنظيم هذه المنافسة جزئيًا من قبل العديد من الاتحادات الاحتكارية الدولية.  لكن التناقضات الناجمة عن التراكم المفرط النسبي لرأس المال تصل إلى هذه الدرجة من الخطورة عندما لا تعود الاتحادات الاحتكارات الدولية قادرة على ضمان تقسيم أسواق البيع ومصادر المواد الخام ومجالات استثمار رأس المال بالوسائل “الحضارية”.

بدأت الاحتكارات تجتذب قدرات دولها للنضال من أجل «مكانها تحت الشمس».  أولاً سياسية ودبلوماسية، ثم عسكرية.

وهنا تنشأ الحروب الإمبريالية.  كانت أولى الحروب في عصر الإمبريالية هي: الإسبانية الأمريكية (1898)؛ الأنجلو بوير (1899-1902);  الروسية اليابانية (1904-05).  وكانت هذه مجرد “بروفات” انتهت بالحرب العالمية الأولى 1914-1918.

 الشيء المثير للاهتمام في كتاب “الإمبريالية…” هو الاستنتاج بأن الإمبريالية هي المرحلة الأعلى والأخيرة في تطور الرأسمالية.  الفصول من 7 إلى 10 مخصصة لوصف عام للإمبريالية، وانتقاد المفاهيم القائمة وتحليل المكانة التاريخية للإمبريالية باعتبارها المرحلة الأعلى والأخيرة للرأسمالية وعشية الثورة الاشتراكية.  في الجزء الثاني، وصف لينين الإمبريالية أكثر من مرة بالرأسمالية “الطفيلية” و” المتعفنة” و”المحتضرة”.

 وفي أعمال لينين اللاحقة، أصبحت خصائص الرأسمالية الاحتكارية هذه ثابتة.  وكتب لينين في وقت لاحق أن الرأسمالية أصبحت احتكارية – حكومية.

في أكتوبر 1917، كتب لينين كتيب “الكارثة الوشيكة وكيفية مكافحتها”، حيث عرّف مثل هذه الرأسمالية على النحو التالي: “إن رأسمالية الدولة الاحتكارية هي التحضير المادي الأكثر اكتمالا للاشتراكية، وهي عتبتها، وهي تلك الدرجة من السلم التاريخي – وبين (الدرجة) والدرجة التي تسمى الاشتراكية، لا توجد درجات وسطية”.

 في كتابي “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية – تحولات القرن (1916-2016)” أستطيع ان أؤكد: يحافظ عمل لينين على أهميته ويساعد بشكل كبير على فهم العديد من الظواهر الاقتصادية والسياسية في عالم القرن الحادي والعشرين.

✺ ✺ ✺

من اتفاقية رودس إلى الإعلان الثلاثي: كيف قُلّصت جغرافية قطاع غزة؟

أحمد الدبش

21/01/2024

قطاع غزة هو الشريط الساحلي من فلسطين، الذي بقي بيد القوات المصرية، حتى توقيع اتفاقية الهدنة بين العرب والكيان الصهيوني، والتي عُرفت باتفاقية رودس (12 كانون الثاني/يناير- 24 شباط/ فبراير 1949). وكان يطلق على “قطاع غزة”، حينذاك، اسم “المنطقة الخاضعة لرقابة القوات المصرية بفلسطين”، وقد عدّل الاسم لاحقًا، فصار ما هو عليه الآن.

كان قطاع غزة قبل عام 1948 يسمى “لواء غزة” الذي كان يشتمل على ثلاث مدن، غزة والمجدل وخان يونس، و54 قرية، اغتصب الصهاينة منه مدينة المجدل و45 قرية دمرت جميعها تدميرًا كاملًا، وأزيلت معالمها العربية والإسلامية دون الالتفات إلى قيمتها التاريخية أو الدينية أو الأثرية.

و”قطاع غزة” الذي تبقى بعد نكبة 1948 هو جزء من “لواء غزة” الذي هو جزء لا يتجزأ من فلسطين، وهو يمثّل الشريط الساحلي الذي تبقى بعد الاغتصاب الصهيوني، وقد انحصر القطاع في مساحة ضيقة تبدأ من رفح جنوبًا إلى بيت حانون شمالًا بمسافة تتراوح ما بين 40 إلى 45 كيلومترًا، ويتراوح عرضها ما بين 5 إلى 7 كيلومترات تضمّنت مدن: غزة، وخان يونس، ورفح، وقرى عبسان وبني سهيلا، وخزاعة، ودير البلح وجباليا، وبيت لاهيا وبيت حانون. كما ضم معسكرات اللاجئين الفلسطينيين في كل من رفح، وخان يونس، ودير البلح، والبريج، والمغازي، والنصيرات، وشاطئ غزة، وجباليا.([1])

اتفاقية رودس بين مصر والعصابات الصهيونية

بوشرت مفاوضات الهدنة بين مصر و”إسرائيل” في جزيرة رودس اليونانية. حاولت مصر استرجاع مدينة بئر السبع التي كان من المفروض أن تظل ضمن الدولة العربية بموجب خطط التقسيم، لكنها فشلت رغم عرضها إقامة إدارة “مدنية” التزامًا بمذكرة نائب وسيط الأمم المتحدة، الدكتور رالف بانش. اتفق الطرفان على أن تبقى المنطقة المحيطة بالعوجة (256 كم مربع) على الحدود المصرية منطقة منزوعة السلاح. كماتم الاتفاق على أن لا يتواجد في المخافر الإسرائيلية في ديرسنيد وتل جمة والمعين أكثر من فصيل من الجنود، ولم يُسمح بتواجد الجيش الإسرائيلي في قرية بير عسلوج. وظلّ قطاع غزة – الذي أضحى مأوى لـ 200 ألف لاجئ فلسطيني طُردوا من منطقتي غزة وبئر السبع – في أيدي المصريين.

كان الهم الأول الذي يشغل بال المصريين هو إخلاء حامية الفالوجة مع أسلحتها وعتادها. وسُمح للحامية بالخروج بعد تبادل مراسلات. كما جرى بحث مصير السكان الفلسطينيين في الفالوجة وعراق المنشية بعد إخلاء الجيش المصري منهما، واتفق على أن “يُسمح للسكان المدنيين الراغبين في البقاء في الفلوجة وعراق المنشية بالبقاء فيهما… ويكون جميع السكان آمنين على حياتهم، ومساكنهم، وممتلكاتهم، ومقتنياتهم الشخصية”.

لم تحترم إسرائيل شروط اتفاقية الهدنة عدا الاتفاقيات المعقودة بشأن إخلاء الجيش المصري من ما كان يُطلق عليه جيب الفالوجة. لم تتحول العوجة (Nitzana) ولا بير عسلوج إلى مناطق منزوعة السلاح، ولم تُخفض قوات الجيش الإسرائيلي في المعين وتل جمة إلى قوات رمزية، بل على العكس، أصبحت هاتان المنطقتان منطلقًا للهجمات على قطاع غزة ومصر.([2])

نشأت الإدارة المصرية لقطاع غزة، بعد المفاوضات بين مصر والعصابات الصهيونية (12 كانون الثاني/يناير- 24 شباط/ فبراير 1949)، والتي أسفرت عن اتفاقية رودس، فقد جاء في المادة السادسة من اتفاقية الهدنة الفقرة رقم (1): “في منطقة غزة – رفح يكون خط الهدنة كما هو محدد في البند 2 ب (1) من مذكرة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 حول تطبيق قرار مجلس الأمن الصادر في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، أي خطا من الساحل عند مصب وادي الحسي في تجاه شرقي عبر دير سنيد قاطعًا طريق غزة – المجدل إلى نقطة تبعد 3 كيلومترات إلى الشرق من الطريق المذكور، ثم يتجه جنوبًا في موازاة طريق غزة – المجدل ثم يستمر كذلك إلى الحدود المصرية”.([3])

وقد تم تحديد باقي خط الهدنة بشكل مفصل في الفقرة الثالثة من المادة السادسة كما يلي:
“يمكن الاحتفاظ بمواقع أمامية إسرائيلية يحدد كل منها بفصيل واحد في هذه المنطقة في النقاط التالية: دير سنيد على الجانب الشمالي من الوادي (خط الهاجرة 10751090)، النقطة 700 إلى الجنوب الغربي من سعد (خط الهاجرة 10500982)، مقالع الكبريت (خط الهاجرة 09870924)، تل جمة (خط الهاجرة 09720887)، وخربة المعين (خط الهاجرة 09320821). يخلى الموقع الأمامي الإسرائيلي عند المقبرة (خط الهاجرة 08160723) في اليوم الذي يلي اليوم التالي لتاريخ توقيع هذا الاتفاق. ويخلى الموقع الأمامي الإسرائيلي عند التل 79 (خط الهاجرة 10451017) في موعد لا يتجاوز أربعة أسابيع من اليوم الذي يلي تاريخ توقيع هذا الاتفاق. وبعد إخلاء الموقعين الأماميين المذكورين أعلاه، يمكن إنشاء موقعين أماميين إسرائيليين جديدين عند خط الهاجرة 08360700 وعند نقطة تقع إلى الشرق من التل 79 الواقع إلى الشرق من خط الهدنة”.([4])

نصت المادة 11 على أن خط الهدنة “لا يمس أي بند من بنود هذا الاتفاق بأي شكل من الأشكال حقوق أي من الفريقين أو مطالبه أو مواقفه في التسوية السلمية النهائية لقضية فلسطين”.([5])

هذا يعني أن هذه المنطقة لا تعني منطقة ذات حدود سياسية أو إقليمية، وإنما هي المنطقة الفلسطينية التي تولت الحكومة المصرية إدارتها بالشروط الواردة في اتفاق الهدنة، وبقرار مجلس جامعة الدول العربية بتاريخ 12 نيسان/ أبريل 1948 الذي قضى بأن:
“دخول الجيوش العربية فلسطين لإنقاذها مجرد تدبير مؤقت خال من كل صفة من صفات الاحتلال والتجزئة لفلسطين”.([6])

فوضى التسميات

سمّيت هذه المنطقة بـ”المنطقة الخاضعة لرقابة القوات المصرية بفلسطين”، وبتاريخ 8 آب/ أغسطس 1949، صدر قرار من وزير الحربية والبحرية المصري، محمد حيدر، يُخول الحاكم الإداري العام للمناطق الخاضعة لرقابة القوات المصرية في فلسطين جميع السلطات والاختصاصات التي كانت مخولة للمندوب السامي البريطاني.([7])

بناء على ذلك، توالت الحكومة المصرية إدارة “المنطقة الخاضعة لرقابة القوات المصرية بفلسطين”. وظلت المنطقة تحمل هذا الاسم، إلى أن أصدر اللواء محمد نجيب، رئيس وزراء مصر، بتاريخ 12 كانون الأول/ ديسمبر 1953، القانون الأساسى رقم 621 لسنة 1953، ومنذ ذلك الحين أطلق على هذه المناطق اسم “قطاع غزة”.([8])

وأصدر نجيب قرارًا بتعيين الأميرالاي عبد الله رفعت “حاكمًا إداريًا لقطاع غزة”.([9])

تقليص خط الهدنة


على أثر اتفاقية الهدنة الموقعة في ردوس بين الوفدين الإسرائيلي والمصري، بتاريخ 24شباط/1949، تحدّدت “خارطة” منطقة غزة، وبدأ فصل جديد من حياة شعبنا الفلسطيني، فبعد أن كانت هذه المنطقة تعرف بلواء غزة والتي ضمت أربع مدن وستين قرية وبمساحة تبلغ 13688 كم مربع، أصبحت تعرف باسم “المناطق الخاضعة لرقابة القوات المصرية في فلسطين”، وتضمنت فقط مدينتين هما غزة وخانيونس، وتسع قرى، هي: جباليا والنزلة، بيت لاهيا، بيت حانون، دير البلح، بني سهيلة، عبسان الكبيرة والصغيرة، خزاعة، رفح، وعلى مساحة من الأراضي لا تتجاوز 365 كم مربع تمثّل نسبة 20.6% من أراضي لواء غزة وبنسبة 1.35% من أراضي فلسطين.

تنبه المؤرخ د. سلمان أبو ستة بعد مراجعة الإحداثيات الدقيقة للنقاط الواردة في الفقرة الثالثة من المادة السادسة، والذي يفترض أنها تحدد الأراضي الفلسطينية الخاضعة لرقابة القوات المصرية، أن مساحة غزة تبلغ “555 كيلو متر مربع”.([10])

إذن، كيف تقلّص خط الهدنة إلى الوضع الحالي وكيف ضاع من غزة 200 كم مربع؟

يوثق أبو ستة أنه تم اقتطاع 200 كم مربع من قطاع صغير أصلًا، تحت ذريعة الحد من محاولات اللاجئين العودة إلى قراهم؛ فاوض الضُباط الإسرائيليون المسؤولون عن الهدنة نظيريهما المصريين محمود رياض وصالح جوهر، بشأن إمكانية إزاحة خط الهدنة لمسافة 3 كم باتجاة غزة، وبهذا تقلصت مساحة غزة من 555 كم مربع إلى 362 كم مربع. وهكذا انُتزع وادي الحسي، بما يضمه من مياه جوفية، من قطاع غزة، وأزيح خط الهدنة إلى داخل القطاع.([11]) 

تم توقيع اتفاق سري [بين القوات المصرية المسؤولة عن القطاع بقيادة الكولونيل محمود رياض، وبين قيادة القوات الجنوبية الإسرائيلية بقيادة الليفتنانت كولونيل كالمان – يُراجع خريطة رقم (2)، المصدر هيئة أرض فلسطين\ لندن]، تحت اسم “اتفاقية التعايش” (modusVivendi)، بتاريخ 22 شباط/ فبراير 1950 في العوجة (Nizana)، وسُجل في مجلس الأمن بتاريخ 17 آذار/ مارس 1950. لم يكن الشعب في غزة، وفي مصر عمومًا، على علم بهذا الاتفاق. ولكن عندما بدأ ترسيم خط الهدنة، هب الرجال والنساء في القرى التي تضررت من التعديل لاعتراض سبيل ضباط الهدنة بالصراخ والعويل والاحتجاج على تقطيع أوصال أرضهم.

تقضي المادة الثالثة من “اتفاقية التعايش” بأن الاتفاقية المذكورة هي “ذات طبيعة محلية بالكامل ولن يكون لها تأثير من أي نوع على بنود اتفاقية [الهدنة] الأساسية”. لكن هذه المادة لم تُطبق، بل تم ترسيم الخط بالبراميل، ومن ثم بخط حراثة بواسطة جرار زراعي، وأخيرًا وبعد حرب قناة السويس )العدوان الثلاثي(ع ام 1956، بأعمدة ثابتة وبشريط شائك مكهرب.([12])

بعد مضي عقود، اعترفت “إسرائيل” بالتلاعب الحاصل، حيث كتب الصحفي المطلع عكيفة إلدار، في جريدة “هآرتس”، في 2005/9/27، مقالًا بعنوان “كيف ضحكنا على المصريين؟” يقول فيه:
“تطوع الكولونيل عاموس هوريف، الذي كان عضوًا في لجنة الهدنة لبيان كرم إسرائيل. لقد بين المسح الجيولوجي أن الكثبان الرملية شمال قطاع غزة ترقد فوق خزانات من المياه الجوفية الطازجة، وهي ضرورية لتطوير المستوطنات الجديدة، التي أقامتها إسرائيل في النقب الشمالي. ولم يكن المصريون على علم بذلك. وكان الإسرائيليون ينتظرون الفرصة المناسبة (لتغيير الخط)”.

كتب يورحام كوهين، الذي كان ملحقًا للجبهة الجنوبية في ذلك الوقت، وكان ضابط الإتصال مع المصريين في تلك المحادثات، في يوليو 1984 في مجلة الجيش الإسرائيلي، أنه “عند تخطيط الحدود، كانت قرية عبسان الصغيرة في الجانب الإسرائيلي دون شك، وهذا يعني أن على أهل هذه القرية التخلي عن بيوتهم ومزارعهم وبساتينهم وتحويلهم إلى لاجئين لا يملكون شروى نقير. وعندما رأوا قافلة سيارات الجيب التي تحمل ضباط الهدنة اجتمع حولهما النساء والأطفال وأثاروا ضجة كبيرة. ووضعت بعض الأمهات أطفالهن في سيارات الجيب بين البكاء والعويل. وقد أنقذ الجنود المصريون ضباط الهدنة، وغادرت القافلة القرية”. ويقول كوهين: “إن محمود رياض كان محرجًا، وكان الإسرائيليون ينتظرون هذه الفرصة بفارغ الصبر (لاقتطاع أرض قطاع غزة) ولأن الحكومة المصرية خشيت أن تستغل المعارضة في مصر هذه القصة لإسقاطها. قررت الموافقة (سرًا) على اتفاقية محلية باسم “التعايش”. وقد تردد رئيس لجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة في الموافقة عليها، لأنه لم يجد في اتفاقية رودس أي بند يسمح بتبادل الأراضي. ومع ذلك وقع الطرفان على اتفاقية وأرفقوا بها الخريطة”.([13])

بمقتضى اتفاقية التعايش المحلية (غير دولية) أعارت مصر لـ”إسرائيل” الأراضي المحيطة بقطاع غزة من الجهتين الشمالية والشرقية بمساحة إجمالية حوالي 193 كم مربع، وتصل في عمقها في بعض المناطق إلى 3 كم شرق الحدود الحالية للقطاع، مثل منطقة عبسان وخزاعة.

لقد أنشأت “إسرائيل” في هذه المساحة المقتَطَعة مستعمرات عدة، ذكرنا بعضًا منها في دراستنا “من النجد إلى “سديروت”… عن تاريخ بلدات غلاف غزة واستعمارها”.([14])

من جهة ثانية، فقد احتلت العصابات الصهيونية العوجا [التي تقع في الجنوب الغربي من بئر السبع، تبعد ثلاثة كم عن الحدود الفلسطينية – المصرية، كما تبعد بنحو 195 كم عن مدينة الإسماعيلية، الواقعة على قناة السويس]، ولأهمية موقع العوجا، تقرر أن تكون منطقتها (65.000 فدان) منطقة حرام، مجردة من السلاح، بين العرب والعصابات الصهيونية. وفي مستهل صيف 1953 شنت العصابات الصهيونية بالاشتراك مع طائراتها هجمات على البدو المخيمين في هذه المنطقة، أدت إلى خسائر في الأرواح وأحرقت الخيام وقتلت بعض الجمال والأغنام. وأخيرًا هاجمتها العصابات الصهيونية، واحتلوها في عام 1955. وتصف الجامعة العربية هذا الاحتلال بقولها:
“بعد الساعة الواحدة من صباح 20/9/1955 بقليل دخلت قوة يهودية إلى منطقة العوجاء المنزوعة السلاح واستولت عليها، وقبضت على مندوب الأمم المتحدة، وهو الكابتن سيزلاند السويسري وجرحت الضابط المصري الموجود فيها مع أربعة من الجنود المصريين. وقد جرح اثنان منهم بجراح خطيرة. والمعروف أن منطقة العوجاء هي مقر لجنة الهدنة المصرية الإسرائيلية المشتركة وليس بها غير مندوب الأمم المتحدة وضابط مصري وأربعة جنود، وضابط إسرائيلي ومعه أربعة جنود كذلك، وتنص المادة الثامنة من اتفاقية الهدنة العامة على منع وجود أية قوة عسكرية فيها”.([15])

طوفان الأقصى” وأراضي قضاء غزة

في صباح يوم السبت 7 تشرين الأول/ أكتوبر، تمكنت قوات النخبة في “كتائب القسام” من تنفيذ هجوم منسق متزامن على أكثر من 50 موقعًا عسكريًا صهيونيًا، وتم الاشتباك في25 موقعًا عسكريًا صهيونيًا. وأسفرت هذه العمليات، وفق معطيات الكيان الصهيوني ـ حتى الآن ـ عن مقتل أكثر من 1400 صهيوني، و4000 جريح، كما أن عدد الأسرى الصهاينة والأجانب المحتجزين لدى قوى المقاومة، قُدربـ 250 أسيرًا.

فأراضي ما يسمي بـ”غلاف غزة”، والأصح “قضاء غزة”، هي أراضي فلسطينية تابعة لما يسمى الآن بـ”قطاع غزة”، كانت تحت سيطرة الجيش المصري بموجب اتفاقية الهدنة الموقعة في ردوس بين الوفدين الإسرائيلي والمصري بتاريخ 24شباط/ فبراير 1949، والمعتمد من قبل مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة. ولكن العصابات الصهيونية أعادت السيطرة عليها لاحقًا بمخالفة صريحة لخط الهدنة والمكرس كاتفاق دولي، وبعد صدور الإعلان الثلاثي لعام 1950 (كما أُطلق عليه أيضًا الاتفاق الثلاثي لعام 1950)، وهو بيان بيان مشترك من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة البريطانية وفرنسا لضمان الوضع الإقليمي الراهن الذي تم تحديده بموجب اتفاقيات الهدنة العربية الإسرائيلية لعام 1949.

إذن، عملية “طوفان الأقصى” هذه، تمت على أراضي فلسطينية تابعة لما يسمى الآن “قطاع غزة”، اقتطعتها العصابات الصهيونية من الجانب المصري، بموجب “اتفاقية التعايش” [اتفاق محلي، ومخالف لاتفاق الهدنة] بتاريخ 22 شباط/ فبراير 1950، ومساحتها 193 كممربع، وهي مناطق كانت تحت سيطرة الجيش المصري بموجب اتفاقية الهدنة الموقعة في ردوس بين الوفدين الإسرائيلي والمصري بتاريخ 24شباط/ فبراير 1949، بالإضافة إلى مثلث العوجا ومساحته 260 كم مربع، الذي تم احتلاله في عام 1955.

باختصار، “طوفان الأقصى” عملية مشروعة طبقًا للمعاهدات الدولية التي رسمت خط الهدنة بين العصابات الصهيونية ومصر في العام 1949، ولا يحق لأحد الاعتراض عليها.

الهوامش

 ([1])هارون هاشم رشيد، قصة مدينة: غزة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية، بدون تاريخ نشر، ص 64.

 ([2])د. سلمان أبوستة، أطلس فلسطين (1917- 1966)، ط1، هيئة أرض فلسطين، لندن، 2011، ص 91.

 ([3])اتفاقيات الهدنة العربية ــ الإسرائيلية: نصوص الأمم المتحدةوملحقاتها،مؤسسة الدراسة الفلسطينية، بيروت، 1968، ص (11- 33) ــالرقم الرسمي للوثيقة 1254/S.

<4D6963726F736F667420576F7264202D20C7E1C7CADDC7DEEDC920C7E1E3D5D1EDC9202D20C7E1C5D3D1C7C6EDE1EDC92E646F6378> (palestine-studies.org)

 ([4])اتفاقيات الهدنة العربية ــ الإسرائيلية: نصوص الأمم المتحدةوملحقاتها،مؤسسة الدراسة الفلسطينية، بيروت، 1968، ص (11- 33) ــالرقم الرسمي للوثيقة 1254/S.

<4D6963726F736F667420576F7264202D20C7E1C7CADDC7DEEDC920C7E1E3D5D1EDC9202D20C7E1C5D3D1C7C6EDE1EDC92E646F6378> (palestine-studies.org)

([5])اتفاقيات الهدنة العربية ــ الإسرائيلية: نصوص الأمم المتحدةوملحقاتها،مؤسسة الدراسة الفلسطينية، بيروت، 1968، ص (11- 33) ــالرقم الرسمي للوثيقة 1254/S.

<4D6963726F736F667420576F7264202D20C7E1C7CADDC7DEEDC920C7E1E3D5D1EDC9202D20C7E1C5D3D1C7C6EDE1EDC92E646F6378> (palestine-studies.org)

 ([6]) رشيد، مرجع سبق ذكره، ص 65.

 ([7])الوقائع الفلسطينية ـ الجريدة الرسمية لقطاع غزة، ملحق رقم (3) للعدد الحادي عشر، 15 أيلول/ سبتمبر 1952.

([8])إصدار القانون الأساسي للمنطقة الواقعة تحت رقابة القوات المصرية بفلسطين | منشورات قانونية
(manshurat.org)

 ([9])الوقائع الفلسطينية ـ الجريدة الرسمية لقطاع غزة، عدد ممتاز 749 ـ 26 كانون الثاني/ يناير 1954.

 ([10])هيئة أرض فلسطين | إسرائيل الدولة السارقة أبدآ: كيف قضمت إسرائيل قطاع غزة في اتفاقية سرية
(plands.org)

 ([11])د. أبوستة، مرجع سبق ذكره، ص 98.

 ([12])د. أبوستة، مرجع سبق ذكره، ص 98.

 ([13])هيئة أرض فلسطين | إسرائيل الدولة السارقة أبدآ: كيف قضمت إسرائيل قطاع غزة في اتفاقية سرية
(plands.org)

 ([14])أحمد الدبش، من النجد إلى “سديروت”… عن تاريخ بلدات غلاف غزة واستعمارها | الكرمل (alcarmel.net)

 ([15]) مصطفي مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، الجزء الأول ـ القسم الثاني، دار الهُدى، كفر قرع، 1991، ص 469.

________

تابعونا على:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

Exit mobile version