Site icon

التساكُن الثلاثي واستدخال الهزيمة بدل التطبيع، عادل سماره

ملاحظة: هذا المقال جزء من كتابي “في نحت المصطلح وتحرير المعنى”، د. عادل سماره، مركز المشرق العامل للدراسات الثقافية والتنموية/رام الله/فلسطين المحتلة، 2022.

وهو مقال مؤسِّس للمقال الذي نشرنه قبل ايام بعنوان التساكن الثلاثي أخطر من الهيمنة المنشور في كنعان ضمن الرابط التالي.

ما أقصده هو أن إستدخال الهزيمة من قبل الأنظمة العربية، وكما يبدو لاحقاً الأنظمة الإسلامية كما إتضح من الموقف المتخاذل تجاه العدوان ضد غزة وهو موقف ترجمته العملية دعم العدوان لتصفية القضية الفلسطينية، هذا الاستدخال تعمق حتى إشتمل إلى جانب الأنظمة الحاكمة تساكُناً ثلاثياً بين :الأنظمة والقوى السياسية وحتى الشارع العربي والإسلامي. وإذا كان استدخال الهزيمة أو حينما يكون سياسي عسكري ثقافي اقتصادي وحتى نفسي، فهو لا يعني ان الشعب متآمراً ولكنه في حالة ضياع وخنوع وتفكُّك من مجتمع، طبقات حتى إلى افراد متفردين حتى بعكس الفردانية الرأسمالية التي رغم فردانية الفرد يبقى له انتماءً وطنياً وقومياً أو بالمعنى العام جماعياً.

استدخال الهزيمة بدل التطبيع:

هذا المصطلح محاولةٌ لصياغة تعبيرٍ عن التطبيع يحمل معنىً أكثر وضوحًا من التطبيع نفسه، أو توضيح التطبيع بوضعه في سياقه العملي والثقافي والنفسي والاقتصادي والسياسي والجنسي. 

لذا، معذرة لمن قد يصدمه الوضوح، إلاّ أن الكتابة عن دم شعبٍ وأمَّة لا تسمح بالغموض والتلطي.  كيف لا، بينما لا يظهر اليوم على سطح الوطن الكبير سوى غبار التطبيع الكثيف ليخفي حضور المقاومة الفذّة وصورة الشهداء الذين يقاتلون بعد الاستشهاد.

لقد نحتت الحركة الوطنية المصرية مصطلح مناهضة التطبيع منذ اتفاقات كامب ديفيد وهي مأثرة لها لا شك. كانت هذه بمثابة تعبيرٍ جديد عن مقاطعةِ ورفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، تعبير كان لا بد منه إثر اعتراف النظام المصري برئاسة السادات بالكيان الصهيوني حيث أخذت العلاقة مع الكيان مسارًا نقيضًا للصراع التناحري معه ومع القوى التي أوجدته وتدعمه وتقاتل به ونيابة عنه في آن.

 لكن نظرة معمقة تجد أن المصطلح/التطبيع لا يكفي للتعبير عن العلاقات السياسية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية النفسية العسكرية، وحتى الجنسية…الخ بمحتواها الطبقي وهو ضد- قومي طبعا وضد- وطني. 

هناك أربع محطات أساسية للتطبيع/كاستدخال للهزيمة:

 كيف يتم الرد على كل هذا التطبيع، هذا أمر يعتمد على طبيعة أي نظام أو حزب أو مفكر. المهم أن العلاقة بهؤلاء هي تطبيع.

هناك محطات تفصيلية للتطبيع:

المشاركة في مؤتمرات دولية أو إقليمية يتواجد فيها الكيان.

العيش في مستوطنة، كيبوتس، أو موشاف، أو مدينة مع المستوطنين هو تطبيع.

التنسيق الأمني تطبيع.

المزايدات بإنكار المحرقة مما يخدم الكيان هو تطبيع.

المقصود باستدخال الهزيمة هو أن أنظمةً وطبقاتٍ وأحزابًا وأفرادًا، بحكم مصالحها وتهافت التزامها وتخارج وعيها، توصلت إلى استحالة الانتصار على العدوّين الرئيسيين من الثورة المضادة:

فانحاز هؤلاء إلى الثورة المضادة باعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقة معه ليصبحوا المكون الثالث للثورة المضادة، أو ليؤكدوا أنهم المكون الثالث للثورة المضادة لأن لهؤلاء تاريخ سابق في خدمتها أضافوا إليه بالتطبيع إضاءة أكثر على ماهيتهم ودورهم.

هذا المصطلح هو قراءة نفسية لواقع مادي قائم على الأرض، فهو يعني أن هذه الأنظمة، الطبقات، الأحزاب، المثقفين قد توصلوا إلى حالٍ من الهزيمة بحيث أخذوا يفكرون ويتصرفون ويُخاطِبون ويَعِظون كمهزومين. إنهم حالة من الاستقرار في قاع المرحلة استقرارا أو ترسُّبًا مريحًا.

لقد غدت الهزيمة نمط حياتهم، وهذا يبرر التبعية واللاوطنية وعدم التنمية، وبالطبع اعتبار الكيان الصهيوني الإشكنازي واقعًا شرعيًا وجزءًا من الوطن العربي والمنطقة وصاحب الدور القيادي فيها! وهذا ما قصدته بمصطلح الاندماج المهيمن.

قد يوحي مصطلح التطبيع لمن لا يعرف الطبيعة التناحرية للصراع بأنَّ هناك إشكالية بين طرفين شرعيين مما يشجع على حلها وبقاء كل طرف على “أرضه”. وهذا ليس الحال في فلسطين والوطن العربي. فالكيان الصهيوني الإشكنازي غير طبيعي وهو استعمار استيطاني رأسمالي اقتلاعي وتوسعي وأبيض معًا، ومن هنا فهو بلا شرعية وعليه، فالتناقض معه تناحري.

لا يتسع المجال هنا للحديث اللغوي عن تفسير التطبيع، بل إن التفسير اللغوي البحت هو الذي يأخذ المعنى بعيدًا عن السياسة والاقتصاد …الخ. ومن هنا كان لا بد من نحت مصطلح يحمل مختلف المعاني المترتبة على التطبيع ليتضح الأمر على خطورته. فاللغة البحتة غير المسيسة هي ملاذ يساعد على إخفاء الحقيقة.

لقد استخدمنا هذا المصطلح للمرة الأولى عنوانًا لكتابنا: اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة. قراءة في تخليع حق العودة، وذلك في عام 2000. ولكنه عولج بإسهاب في كتابنا: التطبيع يسري في دمك الصادر عام 2010. 

لقد قامت إيديولوجيا أو ثقافة، إن أردت تصويب المعنى، على أساسين:

ولذا، فإن الخروج من الصراع مع العدو لم يكن كما قد يعتقد البعض فقط بعد كامب ديفيد، أي بعد اتفاق كامب ديفيد 1979 بين النظام المصري والكيان الصهيوني، بل كان قبل ذلك بكثير رغم عدم الإعلان عنه، والخطورة في عدم الإعلان عنه. 

أما على مستوى القوى السياسية والإيديولوجية فإن معظم الحركة الشيوعية العربية قررت الاعتراف بالكيان، وخاصة بعد اغتصاب فلسطين وارتكزت في هذا على أمرين:

الأول: سقوط السياسة السوفييتية في عهد ستالين في الاعتراف بالكيان ودعمه وتخيلها أنه سيكون قاعدة اشتراكية لها في فلسطين في مواجهة الأنظمة الرجعية العربية التابعة للإمبريالية.

والثاني: ارتكاز تبرير هذا التيار الشيوعي على كون الأنظمة العربية تابعة وعميلة للغرب. 

إن المبرر السوفييتي هو تأكيد على تخلف فهم السوفييت للنظام الرأسمالي العالمي، أو/والانجراف وراء طموحات دولة عظمى حيث من أجل ذلك تدوس على شعوب بأكملها. وطبقًا لسيطرة السوفييت على العديد من الحركات الشيوعية في العالم، فإننا لا نعتقد أن الحركة الشيوعية العربية هي التي أثرت على موقف السوفييت لصالح الكيان في مسألة كون الأنظمة العربية تابعة وعميلة بل العكس أي أن التأثير كان من السوفييت. 

وهكذا، فإن استدخالات الهزيمة التي تلت اعتراف النظام المصري بالكيان ترتد في أصلها لما ذكرناه أعلاه. ولكن اعتراف النظام المصري فتح الباب على مصراعيه.

فاستدخال الهزيمة هو، كما أشرنا أعلاه، مشروع سياسي عملي في شل القدرة على المقاومة والدفاع تمامًا بل والترويج للهزيمة، ومن هنا تداخل العملي والنفسي معاً. ولذا فقد أخذ استدخال الهزيمة ثلاثة مستويات:

أما تطبيقيا، فاستدخال الهزيمة يتمظهر في التطبيع الاقتصادي والثقافي والسياسي والنفسي والجنسي …الخ.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version