Site icon

نشرة “كنعان”، 4 فبراير 2024

السنة الرابعة والعشرون – العدد 6718

في هذا العدد:

من واعتصاماه …إلى أبو السرهد! عادل سماره

الاتصالات السرّية بين الصهيونية والنازية، كلاوس بولكين، تعريب د. أسامة دليقان

فنانون سوريون والموقف من إيران، طارق الأحمد

✺ ✺ ✺

من واعتصاماه …إلى أبو السرهد!

عادل سماره

غريب العنوان لا شك. لكن اللحظة أغرب. وستصبح اشد غرابة وقد يصل بالبعض حافة الهذيان. هي امرأة عربية حرك لها المعتصم جيشاً إلى ملك الروم وقال له:

سأرسل لك جيشاً أوله عندك في القسطنطينية وآخره عندي في بغداد.  وأرسل الجيش وفتح عمورية وانقد الماجدة العربية.  وحينها قال أبو تمام قصيدته التاريخية فتح عمورية:

السيف اصدق إنباءً من الكتُبِ….في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعِبِ

للعلم: هناك من يعتبرون الفتوحات العربية الإسلامية عدواناً وبأنها ليست من اصول الدين! لذا، يعتبرون الاحتلال الأمريكي وسقوط بغداد يوم 9 نيسان 2003 “يوم النصر”! يُثقفون /بل يُجهِّلون ضد الفتوحات وكأن التاريخ ليس سجلاً للصراعات الطبقية ومنها القومية، لم تكن فيه إلا حروب الفتوحات منذ الإسكندر المقدوني وحتى بلنكن ونتنياهو وبايدن!

لم يكن كل تاريخنا ما بعد المعتصم جميعه بنفس اصالته، ولكن أحط لحظات تاريخنا هي صراخ مآت آلاف الحرائر في غزة واعتصاماه، بينما يضع الحكام أيديهم على فم كل منهن حتى الاختناق.

ولذا قال عمر ابو ريشة:​

“رُبَّ وامعتصماه انطلقت… ملىء افواه الصبابا اليُتَّمِ

لامست اسماعهم لكنها… لم تلامس نخوةَ المعتصمِ. “

لم يكن يدري عمر ابو ريشه أن أولئك الحكام كانت نخوتهم لجولدا مائير رغم تواضع سحنتها وضخامة أنفها. وهو عمر ابو ريشه الذي لاحقاً صار سفير سوريا في أمريكا وهو الذي بهر الرئيس الأمريكي جون كنيدي حينما قدم أوراق اعتماده.

 في ثلاثينات القرن العشرين وفي فلسطين وتحديداً في قرية جٍدُّ صغيرة بيت عور الفوقا/غرب رام الله (على صفحتي صورة أحد أبراجها الخاص بأجدادي) كان يعيش سليمان عبد المجيد سماره الذي لُقِّب لاحقاً “أبو السرهد” لا ادري لماذا نحتوا له هذا الإسم وربما مقصود به الذي يقتحم أو يُهاجِم.

كان قاطع طريق محترف وهو أحد ثلاثة رجال هو، وأحمد إمدلله والغوج. كانوأ يقتحمون الأغنياء ويسوقون قطعانهم ليبيعوها في حوران.

في إحدى القرى صادف هو وزميله أحمد إمدلله إمرأة جميلة في حقل. تخلى زميله عن شهامة الصعلوك وقرر اغتصاب المرأة الفلاحة.

لم تكن تعرف أن زميل المغتصِب هو أبو السرهد، ويبدو أنها سمعت بشهامته: فصرخت:” أنا في عرض ابو السرهد”. نهر زميله لكنه لم يرتدع، وببساطة، قتله، أطلق عليه رصاصة قتلته.

بعد ذلك فهم من المرأة أنها لا تعرف أنه ذلك الرجل لكنها سمعت به.

أخذ الشك به الاستعمار البريطاني فطارده في عدة أماكن، وكان حين يتواجد في القرية ويأتي الإنجليز يقوم ختيارية العائلة بإخفائه. وذات مرة طوقه الجيش الإنجليزي في قرية بيت عور التحتا في سهل شمال غرب القرية إسمه “حلاَّبه” لكنه اخترق الطوق حيث أنزل نفسه تحت بطن الفرس وأطلقها ونجا. لم يكن ضخما ولا طويلاً. قال أحد أهل القرية محمد إبراهيم الذين شاهدوا الموقف: “جوَّزتك بنتي حليمه عَطِّية أبو” تزوجها بعد تحرير من السجن.

في عام 1936 اثناء الثورة الكبرى اعتقل جهاز شرطة محلي تابع للبريطانيين اسموه “البوليس الإضافي” الطالب في المدرسة الهاشمية يوسف محمد سماره الذي كان يذهب إلى المدرسة ب “البسكليت/الدراجة الهوائية ” ومعه رسالة للثوار من سعيد إشقير قائد الفصيل في المنطقة.

أرسل ابو السرهد إلى فايز ايوب قائد الشرطة: أن إخلي سبيله أو أقتلك” فأخلي سبيله قبل تسليمه للإنجليز.

لاحقاً أُصيب أبو السرهد واعتقله الاستعمار البريطاني وبقي سنوات دون محاكمة حيث كان كلما اقتربت جلسة المحاكمة يضيف نُتفاً من الخبز في الجرح فيلتهب إلى أن كان خروج الاستعمار من فلسطين فتم “تبييَض السجون” قبل أن يسلِّم الاستعمار أسلحته من الرصاصة إلى الطائرة المقاتلة للكيان الصهيوني.

ربما شرحت لكم هذه الحالة لماذا لم نجد معتصماً من 57 دولة سوى في اليمن.

✺ ✺ ✺

الاتصالات السرّية بين الصهيونية والنازية

  كلاوس بولكين

تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان

(1)

حاولت الحركة الصهيونية لعقود إخفاء تاريخ علاقاتها بالنازية الألمانية. ومع عودة الاهتمام العالمي بجرائم الإبادة الجماعية التي ما تزال تمارسها هذه الأخيرة، وخاصةً في غزة اليوم، من المفيد تسليط الضوء على بعض المعلومات والوثائق التي قد تبدو مُدهِشةً لبعض القرّاء، نظراً لهيمنة الرواية الصهيونية الكاذبة التي تتظاهر بأنّها «الحَمَل الوديع» و»ضحية الهولوكوست» و»معاداة السامية»، مخفيةً سنوات من الخدمات المتبادلة المشينة بينهما، ولكن غير المستغرَبة إذا تذكّرنا أنّ هذَين المَسخَين وُلِدا من الرّحم المتعفّنة نفسِها – رأس المال المالي الإجرامي العالمي.

تحت عنوان «الاتصالات السرّية بين الصهيونية وألمانيا النازية بين 1933 و1941» نشر الصحفي والباحث البارز من ألمانيا الشرقية كلاوس بولكين دراسةً في عام 1976، في مجلة «دراسات فلسطينية» باللغة الإنكليزية بجامعة كاليفورنيا. ونقدّم فيما يلي تعريباً لمقتطفات منها بتصرّف.

المَركب صهيونيّ، والربّان نازيّ

بالنسبة للقادة الصهاينة، فتح وصولُ هتلر إلى السلطة إمكانية تدفّق المهاجرين اليهود إلى فلسطين. وكانت هذه الهجرة إحدى نتائج اتفاقية «هافارا» (سنتحدث عنها لاحقاً)، حيث أسس الصهاينة شركة النقل البحري الخاصة بهم، واشتروا سفينة نقل الركّاب الألمانية «هوهنشتاين» وغيّروا اسمها إلى «تلّ أبيب». وانطلقت السفينة في رحلتها الأولى من ميناء بريمنهافن الألمانيّ إلى حيفا في مطلع العام 1935. وعلى هذه الرحلة نُقشَت على كوثَل السفينة (مؤخّرتها) الأحرف العبرية للاسم الجديد «تل أبيب»، في حين رفرفَ على صاريها في الوقت نفسه عَلَم الصليب المعقوف النازي – «توليفةٌ تعجّ بالسخافة الميتافيزيقيّة» كما وصفها فيما بعد أحد المهاجرين على متنها. والأنكى من ذلك أنّ قبطان السفينة بالذات، وكان اسمه لايديغ، كان عضواً مسجَّلاً في الحزب النازي!
قبل ذلك بسنتين، كانت «معاداة السامية» قد أصبحت سياسة حكومية ألمانيّة رسمية عندما سمّي هتلر مستشاراً للرايخ الألماني في 30 كانون الثاني 1933. وشهد ربيع ذلك العام بداية فترة من التعاون الخاص بين الصهيونية والنظام الفاشي الألماني لزيادة تدفّق المهاجرين اليهود الألمان ورأس المال إلى فلسطين. ونجحت السلطات الصهيونية في الحفاظ على هذا التعاون سرّياً لفترة طويلة. فقط منذ بداية الستينيّات، بدأت تظهر انتقاداتٌ هنا وهناك. كان ردّ الفعل الصهيوني يتألف عادةً من تصريحات بأنّ الاتصالات بين الجانبين إنما أقيمَت فقط بذريعة «الحفاظ على أرواح اليهود». ولكن الاتصالات كانت متميّزة بشكلٍ واضح، لأنها حدثت عندما كان العديد من اليهود والمنظَّمات اليهودية يطالبون بمقاطعةِ ألمانيا النّازية.
يقول بولكين إنّ «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» قدّم ورقة في بداية مؤتمره السادس عشر، أشارت إلى ما يلي: «بعد تسلّم هتلر للسلطة في ألمانيا، وبينما كانت القوى المناهضة للفاشية في العالم وأغلبية المنظَّمات اليهودية تطالب بمقاطعة ألمانيا النازية، كان ثمّة تعاونٌ واتّصالاتٌ جارية بين القادة الصهاينة والحكومة الهتلرية» – ويشير بولكين إلى أنّ مرجع هذا الاقتباس هو: لائحة معلومات «الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، 1969.
ويقتبس في دراسته عن المسؤول الصهيوني أليعازر ليفني، الذي كان محرّر صحيفة الهاغانا خلال الحرب العالمية الثانية، بأنّه صرّح خلال ندوة نُظِّمت من قبل صحيفة «معاريف» عام 1966 بما يلي: «إنّ إنقاذ القيادة الصهيونية لليهود لم يكن هدفاً بذاته، بل وسيلةً»؛ (وسيلة لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين). واعتُبر من التابوهات التشكيك في رد فعل الحركة الصهيونية على الفاشية الألمانية، والتي في سياق حكمها الذي استمرّ اثني عشر عاماً قتلتْ كثيراً من اليهود.
وكتب بولكين في دراسته بأنه يصعب العثور على أدلة أصلية أو وثائق تتعلق بهذه الأحداث، وأنّ دراسته لن تقدّم بطبيعة الحال صورةً كاملة؛ ورأى بأن الصورة لن تكتمل سوى عند الوصول الكامل إلى الأرشيفات والوثائق طيّ الكتمان وخاصّةً تلك المُقفل عليها داخل «إسرائيل».

اليهود الألمان

قبل وصول هتلر للسلطة كان يُنظر لأغلبية اليهود الألمان بوصفهم ألماناً، ولم يكونوا يشعرون بأيّ تعاطفٌ يُذكَر مع المساعي الصهيونية. وكانت الإحصاءات الألمانية المُجمَّعة قبل تسلُّم الفاشيّين للسلطة، تصنّف الأقليّة اليهودية تحت عنوان الإيمان الدينيّ فقط. أمّا تصنيفهم كـ»عرق» فهو أمرٌ تُركَ إدخالُه للمشرِّعين الفاشيّين، كوسمٍ لليهود، وبالتالي تضمّن حتى أولئك المنحدرين من أصول يهودية الذين كانوا بالفعل جزءاً مندمجاً من المجتمع الألماني.
وفقاً للإحصائيات في ألمانيا عام 1933 كان يعيش 503 آلاف يهودي، شكّلوا 0.75% فقط من إجمالي السكّان. وكان 31% من جميع اليهود الألمان يعيشون في العاصمة برلين، ويشكّلون 4.3% من سكان المدينة. وتشير الإحصاءات الألمانية أيضاً إلى أنّ السكان اليهود في ألمانيا تناقصت أعدادهم بين عامَي 1871 و1933، من 1.05% إلى 0.76%.
كان هؤلاء اليهود الألمان، بأغلبيّتهم، إمّا غير صهاينة أو معادين للصهيونية. وقبل 1937 كان «الاتحاد الصهيوني لألمانيا» ZVFD يواجه صعوبات كبيرة في أنْ يلقى رواجاً أو آذاناً صاغية. ومن بين اليهود في ألمانيا المشمولين في إحصاء العام 1925، كان هناك، على سبيل المثال، فقط 8739 نسمة، أيْ لا يشكّلون حتى 2% ممّن يحقّ لهم الاقتراع في الانتخابات الصهيونية (أعضاء في منظّمات صهيونية). وفي الانتخابات المحلّية للجالية اليهودية في بروسيا، التي عُقدتْ في شباط 1925، كان هناك فقط 29 عضواً من أصل 124 منتخَبين ينتمون إلى مجموعات صهيونية.
والخلاصة أنه قبل سيطرة هتلر على السلطة، لم يكن الصهاينة بالأساس سوى أقليّة صغيرة وضعيفة النفوذ نسبياً بالمقارنة مع المنظّمات غير الصهيونية التي كانت تلعب الدور السائد في أوساط اليهود. وعلى رأس هذه الأخيرة، كان التنظيم الذي عُرف اختصاراً بـ CV أو «الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان ذوي الإيمان اليهوديّ»، الذي تأسس عام 1893، وكما يشير اسمه ضمنيّاً يعتبر اليهود الألمان ألماناً في نهاية المطاف، ويعتبر أنّ مهمّته الأساسية مقارعة «العداء للسامية».
وبالتطابق مع هذا الموقف، صرّح الاتحاد المركزي (CV) أيضاً برفضه الحادّ للصهيونية. حتى أنّه تبنّى قراراً في مجلسه المركزي في 10 نيسان 1921 اختتمه بالكلمات التالية: «لو كان العمل من أجل الاستيطان في فلسطين لا يعدو كونه مهمّةً لتقديم المعونات والمساعدات، لما كنّا قلنا شيئاً ضدّه، ولكنّ الاستيطان في فلسطين هو في المقام الأوّل موضوعُ سياسة يهوديّة قوميّة، لذلك يجب أن نرفض دعمه».
ولاحظ الكاتب اليهودي فيرنز ف. موسى ما يلي: «في حين رأى قادة الاتحاد المركزي واجباً خاصّاً أنْ يتم تمثيل مصالح اليهود الألمان في النضال السياسي الفعّال، وقفت الصهيونية بالمقابل مع عملية الاستبعاد الممَنهَج لليهود من المشاركة في الحياة السياسية الألمانية. لقد رفضت الصهيونية، وكأمرٍ مبدئي بالنسبة لها، أيّة مشاركةٍ لها في النضال الذي قاده الاتحاد المركزي للمواطنين الألمان ذوي الإيمان اليهودي».

وجهان لأيديولوجيا واحدة

كانَ موقف الصهاينة تجاه الهيمنة المشؤومة الوشيكة للفاشية على ألمانيا آنذاك، يتحدّدُ بمزاعمٍ أيديولوجيّة مشتركة؛ فالصهاينة كما الفاشيين يعتمدون على أفكار عنصريّة غير علميّة. وتتلاقى الحركتان على الأرضية نفسها من المعتقدات والأساطير… وكلاهما شوفينيّتان وتميلان للإقصاء العِرقي.

ترحيب ودعم نازي

لا عجب وهذه الحال أنْ رحّبَ الفاشيّون الألمان بالفعل بالمفاهيم الصهيونية، حتى أنّ ألفرد روزنبرغ، وهو من الأيديولوجيّين الأساسيّين في الحزب النازي كتب ما يلي: «يجب دعم الصهيونية بقوّة بحيث يتمّ نقل عدد من اليهود الألمان بالتأكيد وبشكلٍ سنويّ إلى فلسطين، أو على الأقلّ دفعهم إلى أن يرحلوا من البلد». فيما بعد كتب هانز لام: «ممّا لا جدال فيه أنّه في المراحل الأولى من السياسة اليهودية اعتقد النازيّون أنه من الملائم تبنّي موقفٍ مؤيّد للصهيونية».

(2)

نتابع تسليط الضوء على أبرز ما ورد في دراسة (الاتصالات السرّية بين الصهيونية وألمانيا النازية بين 1933 و1941) التي نشرها كلاوس بولكين عام 1976. ويتناول هذا الجزء الدعم السياسي والدعائي المتبادَل بين هاتين الفاشيَّتَين. وإذا كان للشيوعيّين شرف القيادة والنصر بمعركة القضاء على إحداهما في (الحرب الوطنية العظمى)، فإنّ القضاء على الفاشية الصهيونية، التي ما تزال توغل بدماء شعوبنا، يقترب بفضل مقاومة الشعب الفلسطيني البطل مع مقاومات شعوب المنطقة والتضامن الشعبي الأممي للقوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية.

في سياسته المُعلَنة، اعتبر (الاتحاد المركزي للمؤمنين اليهود الألمان)، المعروف اختصاراً بـ CV، أنّ الحركة الصهيونية سدّدت له وللنضال ضد الفاشية (طعنة في الظهر). بينما رأت الصهيونية مصلحةً كبيرة لها في صعود هتلر كقائدٍ نازيّ (معادٍ للسامية)، معتبرةً أنه هو فقط مَن يستطيع أنْ يدفع باليهود الألمان المعادين للصهيونية نحو الارتماء في أحضان هذه الأخيرة.

مصائبُ «قَومهم» عندهم فوائدُ

من الأدلّة على تورّط الصهيونية في هذا الموقف الدّاعم عملياً لصعود النازية، تصريحٌ لرئيس تحرير صحيفة يوديشه روندشاو (الإحاطة اليهودية) الناطقة بالألمانية، في 8 كانون الثاني 1933، أيْ بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصول هتلر إلى السلطة، خلال لقاءٍ مع مجلس الاتحاد الصهيوني لألمانيا ZVFD، حيث قال: (إننا أمام فرصة، ليس لإيجاد أساس مشترك للتفاهم مع النازية بل للنقاش معها).

تمت دعوة هتلر في 30 كانون الأول 1933 ليصبح على رأس الحكومة. وكان برنامج الحزب النازي (في بنده الثامن) ينصّ على أن يطرد من ألمانيا جميع اليهود الذين دخلوها كمهاجرين منذ الثاني من آب 1914، وتجريد اليهود من المواطنة الألمانية (البند الخامس)، وطردهم من المناصب الرسمية (البند السادس). الصهاينة فقط هم مَن نظروا إلى ذلك بعين الاستفادة، كما يؤكّد المؤرّخ البريطاني كريستوفر كرايس – الذي تكتسب شهادته أهمّية إضافية لأنه لم يكن معادياً للصهيونية – حيث قال: (أصرّ القادة الصهاينة منذ بداية الكارثة النازية على جني المكاسب السياسية من هذه المأساة).

وكأوّل تعبيرٍ عامٍّ عن هذا الموقف، وصف حاخام برلين، يواخيم برينز، وهو صهيونيّ ملتزم، سيطرةَ هتلر على السلطة بأنّها (بداية عودة اليهودي إلى يهوديته). وكَتب برينز: (لم يعد ثمّة مكانٌ للاختباء أكثر من ذلك، فبدلاً من الاندماج، نأمل بالاعتراف بالأمة اليهودية والعِرق اليهودي). بدورها كتبتْ (الإحاطة اليهودية)، اللسان الرسمي للمنظمة الصهيونية الألمانية ZVFD في 13 حزيران 1933: (تعترف الصهيونية بوجود المسألة اليهودية، وتريد حلّها بأسلوبٍ كريمٍ وبنّاء، ولهذا تريد تجنيد العَون من كلّ الناس؛ سواء أصدقاء اليهود أو المعادين لهم). وهكذا تبنّت الصهيونية الخطَّ السياسيّ الفاشيّ نفسَه.

الرفض الصهيوني لمقاطعة النّازية

بعد ترديد الحركة الصهيونية جهاراً للموضوعات الفاشية، قدّمت اعترافاً صريحاً بالدولة النازية وأيّدت عنصريّتها: (على تراب الدولة الجديدة التي تنتهج مبدأ العِرق، نريد تنظيم بنية جاليتنا بأكملها بطريقة تكون بالنسبة لنا أيضاً مثمرةً لتطبيق مبدأ الأرض الأمّ على المساحة التي خُصِّصَت لنا).

وبينما دعت القوى المناهضة للفاشيةلمأ في ربيع العام 1933 إلى مقاطعة اقتصادية ضدّ ألمانيا النازية، شجب الصهاينة هذا النضال. وصرّحت الحركة الصهيونية بأنّ (بروباغاندا المقاطعة التي يقومون بها ضدّ ألمانيا هي بطبيعتها بالذات غير صهيونية، لأنّ الصهيونية لا تريد أن تقاتِل، بل أنْ تُقنِع وتبني).

ورغم المذابح وحملات القمع التي بدأ اليهود (وغير اليهود من معارضي النظام النازي) يتعرضون لها منذ ربيع العام 1933، فإنّ المؤتمر الصهيوني الثامن عشر المنعقد في صيف 1933 قابل هذه الأحداث بفتور. فخلال جلسته في 24 آب 1933 كان يُفترَض أن تُناقَش مواقف اليهود الألمان، ولكنّ رئاسة المؤتمر سارعت إلى حظر هذا النقاش، كما ونجحت بقوّة في حظر تبنّي مقاطعة البضائع الألمانية وشدّدت بشكلٍ كبير بدلاً من ذلك على الحاجة إلى تنظيم هجرة اليهود الألمان، وضغطت لتقليص المظاهرات المعارِضة لنظام هتلر إلى أدنى حدّ.

الدّعم النازي للسياسة الصهيونية

من الأدلة أيضاً على التخادم المتبادل بين هاتَين الحركتين الفاشيّتَين، أنّ الرتب العليا في الحزب النازي سمحت بكلّ أنواع النشاط السياسي للصهاينة. وكما لاحظت الشرطة السياسية في بافاريا في 9 تموز 1935: (كانت المنظمات الصهيونية تقوم لبعض الوقت بجمع التبرّعات من أعضائها ومؤيّديها لتعزيز الهجرة وشراء الأراضي ودعم الاستيطان في فلسطين. هذه التبرّعات لا تتطلّب إذناً حكومياً لأنها تتمّ في دوائر يهودية مغلقة. إضافة لذلك، لا يعارض الدَّورُ الذي تلعبه شرطة الدولة هنا تنظيمَ هذه الاجتماعات، لأنها تتعامل مع صناديق تمويل تهدف لتعزيز الحلّ العَملي للمسألة اليهودية).

وبعد العام 1933 سمح النازيّون للصهاينة بمواصلة دعايتهم إلى جانب الدعاية النازية، بينما حظروا في الوقت نفسه جميعَ الصحف الأخرى في ألمانيا، ووضعوها تحت الرقابة المباشرة لوزارة الدعاية، مثل صحف الشيوعيين والحزب الديمقراطي الاشتراكي، والاتحادات النقابية والمنظمات التقدمية الأخرى التي حُظِرَتْ جميعها. أما صحيفة الصهاينة الرئيسيّة يوديشه روندشاو (الإحاطة اليهودية) فقد سُمِحَ بصدورها دون أيّ عوائق.

في وقتٍ لاحق عقَّبَ فين فريد مارتيني، الذي كان مراسل (الصحيفة الألمانية العامة) في القدس، والذي قال إنه تربطه علاقات شخصية بالصهيونية، على ما وصفه بالواقعة التي تشكّل مفارقةً عجيبة: (من بين جميع الصحف، كانت الصحافة اليهودية [ويقصد الصهيونية] هي التي احتفظت ولسنوات بدرجةٍ ما من الحرّية التي حُرِمَت منها بالكامل بالمقابل الصحافةُ غير اليهودية). وأضاف مارتيني بأنّ (الإحاطة اليهودية) كانت قد أوردت غير مرّة آراءً تنتقد النازيّين دون أن يؤدّي ذلك إلى حظرها. وأقصى ما اتُّخِذَ من إجراءاتٍ بشأنها بعد العام 1933 كان حظر بيعها لغير اليهود. فطبقاً لرغبة النازيّين كان على اليهود أنْ يَتصَهيَنوا حتى ولو تمّ ذلك تحت ذرائع مناهضة الفاشية، ممّا أعطى الصحافة الصهيونية زخماً سريعاً ومتصاعداً، بحسب شهادة مارتيني.

يمكننا فهم كيف أمكن للصحيفة الصهيونية الاحتفال بنفسها بأنها من (المطبوعات الجيّدة) بالنسبة للقادة النازيّين، عندما ننظر إلى موقفها تُجاهَ حملة مقاطعة معظم اليهود للنظام النّازي في 1 نيسان 1933، حيث إنها لم تشجب أبداً جرائم النازية ضدّ هذه الشريحة من مواطني ألمانيا، بل رأت في المذبحة ضدّ اليهود إثباتاً للدعاية الصهيونية بأنّه (تم التخلّص من الخطأ القاتل للعديد من اليهود الذين اعتقدوا بإمكانية تمثيل المصالح اليهودية تحت عباءةٍ أخرى). بل واحتفَتْ بالمذبحة: (كان الأول من نيسان 1933 يوماً ليقظة اليهود ونهضتهم).

كانت حرّية نشاط الصهاينة تتضمن أيضاً نشرَ الكُتب، فحتى العام 1938 قامت كثيرٌ من دور النشر بما فيها دور النشر اليهودية في برلين (شارلوتنبرغ وشوخنفيرلاغ) بنشر المطبوعات الصهيونية دون أيّ معوّقات. وهكذا ظهرت وبشكلٍ (قانوني) تماماً في ألمانيا النازية، أعمال حاييم وايزمان وديفيد بن غورين وآرثر روبن».

:::::

   * جريدة قاسيون الأسبوعية، كانون2 21, 2024

✺ ✺ ✺

فنانون سوريون والموقف من إيران


#
إيران

طارق الأحمد


طالعت من الصباح ما يسمى تريند يقول فيه فنانون سوريون لهم ريادة في الرأي العام بسبب المسلسلات و الأغاني الخ… يقولون فيه: انا بكره إيران، و لاحظت حجم تزايد هذا الرأي و تفشيه بعد التسطيح الكبير في طريقة قيادة المجتمع..
لهذا الأمر دلالات:
١- الفشل الإعلامي الكبير لاعلامنا الوطني السوري كما لإعلام ما يسمى المhور في ان يكون مؤثرا في جيل الشباب رغم كل الحرب و اهوالها و رغم ما يحدث في فلسطين
٢- فشل النخب القيادية في الأحزاب و الدولة في تصدير خطاب مقنع لفئة الشباب او أن تكون مؤثرة فيهم حيث خطاب القيادات في واد و رأي جيلنا في واد آخر تماما
٣- رغم الحرب التي ارادت تفتيت سوريا قطعا قطعا و لم يقف حقا أثناء قمة خطورتها سوى ايران و روسيا و الصين بل اشترك الآخرون من الاخوة العرب الأعزاء في حمل السكاكين علينا، لكننا بدل أن يصبح من قاد الرأي من كتاب و محللون و نشطاء سياسيون و على قلة من وقف في الميدان بوسط المعركة الحامية، هم قادة الرأي و يمثلون الشعب المنتصر مع الدولة المنتصرة على المؤامرة أي في المواقع القيادية المختلفة و لهم راي و مشاركة و مساهمة في استكمال النصر و إعادة الاعمار، بدل كل ذلك،  قلنا لهم من انتم يا أصحاب التنظير السياسي و تجاهلناهم و ذهبنا لنكرم الفنانين و كأنهم أبطال و لا يوجد غيرهم( لست ضد الفنانين و لا تكريمهم بالمطلق لكنني اتحدث بالقياس) و تجاهلنا تقريبآ جل من وقف مع الدولة، و وضعنا قانونا يستطيع اعتبار كل من ينتقد بمثابة مجرم الكتروني حتى لو انتقد فاسدا..
٤- أيضآ حلفاؤنا إيران و روسيا فعلوا تقريبا نفس الشيء بانفسهم و هم ليسوا افضل منا على تقدير شعوبهم او الشعوب ​الصديقة الواقفة معهم..
الخلاصة المختصرة و لتتبعها مقالات: كل نصر و تضحيات ما بعدها تضحيات، تحتاج إلى الفكر و العقلاء و لا يوجد كما قلت و اردد دومآ سوى الحوار الوطني المستدام بين النخب سبيلا لإنقاذ بلدنا و تضحياته من تربص المشاريع الضخمة القادمة التي ستستطيع أن تفعل مع التسويات السلمية بنا ما لم تفعله بالحرب.

________

تابعونا على:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

Exit mobile version