Site icon

طوفان الأقصى… والانسحاب الأميركي؟ أحمد الدرزي

الجزء الأول

5 شباط 2024

يأتي الإعلان غير الرسمي عن الانسحاب الأميركي من سوريا بعد القلق الذي أصاب الديمقراطيين في أميركا من جراء انخفاض فرص نجاحهم في الانتخابات الرئاسية القادمة، وارتفاع حظوظ الرئيس السابق دونالد ترامب.

كان من تداعيات عملية “طوفان الأقصى” أنها حركت حالة الاختناق التي وصلت إليها منطقة غرب آسيا، والتي أرهقت بشكل واسع وعميق قوى المحور المقاوم بشكل متفاوت من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، وفرضت على الأميركيين، الأكثر تحكماً في مسارات المنطقة، إعادة التفكير في مشروع جديد يستوعب ارتدادات العمليات العسكرية المتناسقة على كل جبهات المواجهة، ما أدى بالإعلام الأميركي إلى الكشف عن انسحاب أميركي من سوريا والعراق ثم نفيه على لسان المتحدثة الأميركية فيكتوريا نولاند، ما يطرح السؤال الأهم في المرحلة القادمة “هل الانسحاب الأميركي من سوريا حتمي ووشيك”؟

لم يتوقع الأميركيون مثلهم مثل بقية الأطراف أن تذهب حركة حماس ومعها بقية قوى المقاومة في غزة بعيداً بتهشيم درة النظام الغربي في أهم منطقة في جغرافيا السياسة العالمية، كما لم يتوقعوا أيضاً بأن تذهب قوى المقاومة إلى تطبيق نظرية “وحدة الساحات” عملياً، وتجاوزها ما يعدّ خطوطاً حمراء باستهداف قاعدتهم العسكرية في شمال شرق الأردن وقتل ثلاثة جنود أميركيين وجرح 34 آخرين، كما لم يتوقعوا أن يتجرأ اليمنيون على ضرب سفنهم وبوارجهم الناقلة والحربية، وما يمكن أن يؤدي ذلك إلى المزيد من تآكل الهيبة الأميركية الحربية، بما يمكن أن يدفع إلى انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة قد تدمرها، وتهاوي البنيان الإقليمي الذي عملوا عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

أتى تسريب فكرة الانسحاب من أربع وسائل إعلامية أميركية، وقد سبقها تسريب البنتاغون مقترحاً أميركياً إلى حلفائه الكرد السوريين (قسد) في الحملة ضد “داعش” بالدخول في شراكة مع “النظام السوري”، بما يعكس مقاربات جديدة للملف السوري لدى وزارة الخارجية الأميركية، ويأتي رفض المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية بات بايدر الإجابة عند سؤاله عن هذا المقترح الذي سرّبته صحيفة “المونيتور”، ليؤكد ما يجول ضمن مراكز صناعة القرار، ليس حول سوريا فقط بل على مستوى منطقة غرب آسيا بأكملها.

ترافق التسريب الأميركي حول الانسحاب من سوريا مع الإعلان عن مفاوضات مع الحكومة العراقية لجدولة انسحاب ما يسمى “قوات التحالف الدولي” من العراق، وقد تم عقد أول جولة من المفاوضات مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قبل الهجوم التصعيدي الكبير للمقاومة العراقية على البرج 22 ضمن الحدود الأردنية.

أهمية الحضور الأميركي في سوريا ومنطقة غرب آسيا بالنسبة إلى واشنطن

– يأتي في مقدمة أهداف الوجود الأميركي تأمين الحماية الكاملة للكيان الإسرائيلي ضمن بيئة اجتماعية مقاومة لاستمراره، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا باستمرار سياسات الإنهاك والإضعاف والاستنزاف المتواصل للدول التي ما زالت ترفض عملية إدخال الكيان في النسيج الإقليمي وتقبل دوره الأعلى كمدخل للنظام الغربي.

– منع التواصل الحقيقي بين دول الهلال الخصيب، وما يمكن أن يشكل ذلك من مخاطر على استمرار النظام الإقليمي الحالي، الذي ولد بعد الحرب العالمية الأولى كإحدى النتائج الأساسية لها.

– ما يحققه الاحتلال الأميركي من منع إيران وشركائها في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين من السيطرة على المنطقة الممتدة من شرق المتوسط إلى الهضبة الإيرانية، وانفتاح طرق الممرات البرية حتى شانغهاي في الصين، وما يحمل ذلك من مخاطر سيطرة الأميركيين على الممرات البحرية.

– ضبط إيقاع القوى الإقليمية في المنطقة الأهم في العالم، ورسم حدود المواجهات والمنافسات الإقليمية، وخاصةً تركيا المتضررة من الاحتلال الأميركي، من جراء عدم السماح لها باستكمال احتلالها لبقية المناطق الشمالية في سوريا، بذريعة مكافحة الإرهاب واستئصال “قوات قسد” التي لم تقم بأي عمل إرهابي داخل تركيا.

5- المحافظة على وضعية الانقسام السوري إلى أجل غير مسمى بمنع الحلول السياسية التي لا تريدها حتى الوقت القريب، ما يبرر بقاء البيئة المضطربة أمنياً وسياسياً واجتماعياً واستخدامها كذريعة لبقاء قوات الاحتلال الأميركي بحجة مكافحة تنظيم “داعش” الذي صنعته، والذي تحوّل إلى ذريعة لبقاء مصالح الأطراف المتعددة المستفيدة من استمرار التمزق السوري.

6- رسالة تطمين إلى القوى الإقليمية والسياسية والعسكرية التي تعمل تحت المظلة الأميركية في منطقة غرب آسيا بأكملها، ومنعها من البحث عن شراكات سياسية واقتصادية مختلفة، تؤمن الضمانات المطلوبة لاستمرار دولها وسلطاتها ومصالحها.

دوافع الإعلان عن الانسحاب الأميركي؟

1- إدراك الأميركيين استحالة احتواء نتائج عملية “طوفان الأقصى” بعد المهلة الطويلة التي تم منحها إلى الإسرائيليين لتحقيق أهدافهم باستئصال حركة حماس وبقية حركات المقاومة وتهجير فلسطينيي غزة في اتجاه مصر، والذي ترافق مع عودة القضية الفلسطينية إلى مراكز صدارة الاهتمام العالمي كقضية لا يمكن تجاوزها.

2- الخشية من ارتفاع مستوى العمليات العسكرية لجبهة المقاومة وعدم الذهاب في اتجاه توسع المواجهات العسكرية بعد المأزق الكبير في اليمن وسوريا والعراق، والمزيد من التورط الأميركي في منطقة غرب آسيا، ما أظهر للأميركيين أنهم لم يعودوا يستطيعون التحكم بنتائج الصراع، وهم الذين حددوا صراعهم الأساسي مع الصين باعتبارها الخطر الاستراتيجي الأهم على استمرار هيمنتهم على النظام العالمي وفقاً لما حدده أخيراً رئيس الاستخبارات الأميركية وليم بيرنز.

3- يأتي الإعلان غير الرسمي عن الانسحاب الأميركي من سوريا بعد القلق الذي أصاب الديمقراطيين في أميركا من جراء انخفاض فرص نجاحهم في الانتخابات الرئاسية القادمة، وارتفاع حظوظ الرئيس السابق دونالد ترامب المعادي لبقاء أكثر من 800 قاعدة عسكرية أميركية خارج الولايات المتحدة، ونيته إكمال انسحاب القوات الأميركية من سوريا، وهو القريب من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي يطمح إلى استكمال احتلاله للشمال السوري كبديل من الأميركيين.

4-حاجة الأميركيين إلى نشر أجواء التهدئة في المنطقة ككل، والإيحاء بالذهاب نحو حلول كاملة لكل الاضطرابات والصراعات المدمرة والمزمنة، بما يوفر بيئة إيجابية للمفاوضات غير المباشرة مع إيران وسوريا وحزب الله وأنصار الله في اليمن، ويُبقي على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في صراعها على استمرارها كقوة عظمى وحيدة.

هذه هي دوافع وجود قوى الاحتلال الأميركي في سوريا والعراق، وأيضاً دوافع الإعلان عن الانسحاب من البلدين، ويبقى السؤال: هل فعلاً سينسحبون؟ هذا ما أحاول الإجابة عنه في الجزء الثاني.

الجزء الثاني

9 شباط 2024

وضع الأميركيين مصطلح الانسحاب قيد التداول بعد عملية طوفان الأقصى وما تركت من وقائع جديدة على مؤشرات مستقبل منطقة غرب آسيا بأكملها، يؤكّد أن كلمة “انسحاب” وتنفيذها على الأرض مرتبط باستراتيجيتها العامة.

استمرت العمليات العسكرية الأميركية المترافقة مع عمليات عسكرية إسرائيلية وبريطانية بتناغم واضح بين الأطراف الثلاثة الذين يعتبرون طرفاً واحداً في الاعتداءات على العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى رفض نتنياهو شروط حركة حماس التي أرسلتها، بما يشير إلى أن أجواء التصعيد مستمرة، وبما يطرح التساؤل حول جدية انسحاب الأميركيين من سوريا والعراق، فهل ما زال ذلك بعيداً؟

في الأساس، إن وضع الأميركيين مصطلح الانسحاب قيد التداول بعد عملية طوفان الأقصى وما تركت من وقائع جديدة على مؤشرات مستقبل منطقة غرب آسيا بأكملها، يؤكّد أن كلمة “انسحاب” وتنفيذها على الأرض مرتبط باستراتيجيتها العامة، ليس في هذه المنطقة، بل في العالم أجمع، نظراً إلى أهميتها القصوى في تثبيت قواعد لنظام دولي جديد. 

أوراق القوة 

1- النظام المالي العالمي الذي أسّسته ببرايتون وودز عام 1944 الذي يسَّر لها التحكّم في مصائر الشعوب والدول من خلال العقوبات المالية، ما جعل عدداً كبيراً من دول العالم تئنّ منها، وخصوصاً إيران والعراق وسوريا واليمن كتتابع زمني. هذا النظام يبقى السلاح الأمضى لتغييب القدرة على الاستقلال الكامل بشكل متفاوت.

2-ضعف القوى الدولية الناشئة أمام هذا النظام المالي العالمي، وخصوصاً روسيا والصين، وهما القوتان المعول عليهما لتغيير قواعد النظام الدولي، على الرغم من رغباتهما الكبيرة بانسحاب الأميركيين واعتبارهما من أكثر الرابحين من جراء هذا الانسحاب المحتمل. ومع ذلك، فإن موقفهما العام هو في الموقع الدفاعي في المواجهة مع الأميركيين، وهما ينتظران جلاء معارك المحور مع القوى الثلاث الأساسية سابقة الذكر، ليساهما في المكاسب الكبرى التي لما يقدما شيئاً يذكر مقابلها.

 3- الخاصرة الرخوة العراقية، فالعراق يعيش انقساماً سياسياً مزمناً ترك آثاره في المواجهة بين المقاومة الإسلامية في العراق وقوات الاحتلال الأميركي، ما كشف غطاء الحكومة العراقية عن المقاومة من ناحية النتائج، رغم الاعتراضات على عمليات الاغتيال الأميركي وارتقاء شهداء عراقيين في قواعد عسكرية شرعية لقوى المقاومة، وهي تستطيع من خلال هذا الانقسام الضغط على الحكومة العراقية وتمييع مفاوضات الانسحاب لتأخذ شكلاً جديداً وشرعية جديدة، ويبقى عالقاً في ذهن المسؤولين العراقيين مصير رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي الذي حاول العمل على استقلال العراق والتوجه نحو الصين.

4- الخاصرة الرخوة السورية بفعل تمزق سوريا والسوريين وعدم قدرتهم على إنتاج مشروع وطني جديد، بعدما أصبح تمزقهم مرتبطاً بمصالح القوى الإقليمية والدولية، وخصوصاً الولايات المتحدة التي امتلكت تأثيراً كبيراً في السوريين الذين ربطوا مصالحهم الخاصة بها، فهي تحيط نفسها بأسوار اجتماعية وعسكرية دفاعية في أماكن وجودها المباشر وغير المباشر، كما أنها تملك نفوذاً واسعاً على عدد كبير من السوريين في الداخل الذين يؤمنون لها المعلومات الاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية الواسعة، نتيجةً للتمزق من جهة، ونتيجة للأوضاع الاقتصادية القاهرة والمشردة للسوريين من جهة ثانية.

5-عودة إحياء تنظيم داعش الدموي وإطلاقه، فقد وفَّر هذا التنظيم الذي صممته وأشرفت عليه الاستخبارات الأميركية الذريعة لوجود القوات الأميركية في العراق وسوريا، وهي تعول على إعادته في حال قررت الانسحاب من البلدين. وقد أرسلت من قبل رسائل واضحة للبلدين بإطلاق عمليات استهداف القوات السورية والمقاومة العراقية في البادية السورية انطلاقاً من مناطق وجودهم قرب قاعدة التنف.

بين خيارات الانسحاب والبقاء 

استناداً إلى نقاط القوة الخمس السابقة، فإنَّ قرار الإدارة الأميركية بالانسحاب أو البقاء يمنحانها القدرة على المناورة ما دامت معاركها مع المحور لم تتوقف بعد، فهي تستطيع البقاء من دون أكلاف بشرية كبيرة، ويمكنها الانسحاب إلى أربيل والأردن، والاعتماد على شبكة المصالح العربية الكردية التركمانية التي بنتها في كل سوريا، وليس في منطقة الجزيرة السورية فقط، إضافة إلى رهانها على الدور الوظيفي المستفحل للفساد في سوريا والعراق الذي يرتبط فعلياً وموضوعياً بالسياسات الأميركية ويصب في خدمة مصالحها.

كما أن انسحابهم من العراق وسوريا ووجودهم في أربيل والأردن يمنحهم القدرة على الاستمرار في تهديد قطع التواصل البري من شرق المتوسط إلى شانغهاي في الصين، بما يعوّضهم عن بقائهم في منطقة يكونون معرضين فيها لتصاعد عمليات المقاومة وارتفاع أعداد القتلى الأميركيين.

تتصارع الإدارة الأميركية مع الزمن في الفترة القصيرة المتبقية نحو الانتخابات الأميركية، والاحتمال الأكبر أن تنحصر الانتخابات بين جو بايدن ودونالد ترامب، وأحد الخلافات بين الطرفين هو قرار الانسحاب من سوريا والعراق. وقد يقدم الديمقراطيون على منع استخدام خصمهم لهذه الورقة بقرار انسحاب شكلي مع استمرار الرهانات السابقة.

كما أنَّ ضغط زمن المواجهة مع محور المقاومة في كل الساحات يدفع إلى استعجال احتواء انتصار المحور في كل الساحات، وخصوصاً في قطاع غزة، بالعمل على تأسيس بناء نظام إقليمي جديد بعنوان “أورشليم جدة” يستطيع احتواء المقاومة الفلسطينية وتفريغها من انتصارها، والوصول إلى شكل من تفاهم جديد بمحاولة استقطاب سوريا إلى هذا النظام الإقليمي الجديد، بما يفرض قواعد جديدة للصراع وضمان أمن “إسرائيل” إلى أجل غير مسمى، وبما يترك من تصورات جديدة حول ضرورات بقاء قوات الاحتلال الأميركي بشكل مباشر في سوريا والعراق.

على الرغم من كلّ الخيارات الأميركية المفتوحة وأوراق القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، فإن محور المقاومة بمواجهاته المفتوحة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق وسوريا، ومعهم إيران الداعمة إلى أقصى الحدود، يمتلك أوراقاً موازنة للأوراق الأميركية، فقد أثبتت قواه القدرة على إحباط كل المخططات الأميركية والضغط عليه للوصول إلى حالة الإقرار بواقع جديد ما زال الأميركيون يمتنعون عن الاعتراف به. 

المحور يخوض مواجهته وحيداً من الناحية الفعلية، رغم العدد الكبير من الدول التي ستستفيد من متغيرات “طوفان الأقصى”، وخصوصاً الصين وروسيا اللتين لم تقدما شيئاً من المساعدة والمؤازرة للمحور، وليس أمامه إلا الاستمرار بالاعتماد على نفسه بشكل أساسي، والعمل على رفع مستوى المواجهة مع الأميركيين حتى إخراجهم من منطقة غرب آسيا بأكملها بشكل فعلي. هذه القوى تستطيع ذلك إذا ما ربطت معركة الداخل مع معركة الخارج، وخصوصاً في سوريا والعراق.

:::::

“الميادين”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version