سعيد محمد – لندن
أدرك اليهود المستوطنون الأوائل الذين قدموا إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر سريعاً بأن هذه الأرض في جنوب سوريا ليست مجرّد قطعة أخرى من الصحراء العربيّة الخالية من البشر، وانما بلاد مأهولة وبكثافة بشعب عريق متمسّك بأرضه وثقافته ولن يسهل اقتلاعه. بل وحاول بعض رواد الحركة الصهيونية الذين زاروا الأرض المقدّسة إقناع عموم الحركة بتغيير موضع تنفيذ مشروع الدّولة العبريّة بالتعاون مع الإمبراطوريّة البريطانيّة، إلا أن إرادة كبار حاخامات الصهيونيتين المسيحية الانكلوساكسونيّة واليهوديّة استقرت في النهاية على ضرورة الاستمرار في استيطان فلسطين تحديداً بحكم الروابط التوراتية المزعومة، وتبنت لذلك معادلة (أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض) كاستراتيجيّة تقضي بإفراغ الأرض من شعبها العربيّ، واستبداله ب(شعب) ملفّق، يهود من أرجاء المعمورة استجلبوا بالترغيب والترهيب، ليكونوا مادة المشروع الصهيوني وأدواته، وأيضاً كتكتيك دعائي، لاستدرار حماسة أثرياء المسيحيين واليهود نحو التبرع بسخاء لمشروع الهندسة الاجتماعيّة الذي كان لا بدّ منه لتحقيق الرؤى التوراتيّة السقيمة. وبحكم الهيمنة الغربيّة على صناعة المعرفة والإعلام في العالم تكرّست هذه الصورة المزورة عن فلسطين طوال عقود التأسيس للكيان العبري المؤقت بين دخول اللّنبي إلى القدس (1917) والحرب العربيّة الإسرائيلية الأولى (1947- 1949)، ولم تتغيّر كثيراً بعد إعلان قيام (إسرائيل) في 1948 واكتشاف العالم فجأة أنّ ثمة عدة مئات من ألوف الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين قد أصبحوا لاجئين في مخيمات بائسة، إذ أن الصورة التي سمح بتداولها حينذاك هي لكتل بشريّة من البدائيين البائسين الذين فروا مذعورين من القتال.
على أن مجموعات فريدة من الصور الفوتوغرافيّة (بالأسود والأبيض) التي التقطتها بعثات تبشيرية غربيّة نشطت في (الأرض المقدّسة) بين 1881 و1948 لأغراض التوثيق الاستعماريّ الهوى انتهت اليوم كواحدة من أهم الوثائق التاريخيّة المصورة عن فلسطين، الأرض وناسها، طوال سبعين عام سبقت (النكبة): مزاجها الطوبوغرافي، وتنوعها الديموغرافي بين المدائن والأرياف والمضارب، ومعالم تطوّر أدوات المجتمع المحليّ في فضاءات التعليم والصحة والعمارة والتجارة والإعلام والفنون والعمل الأهلي، ومحطات من تاريخ نضاله الوطنيّ المبكّر سعياً للتحرر والاستقلال، كما بورتريهات وصور من ألبومات عائلية، تطيح بمجموعها بكل محاولات الإلغاء الآثمة.
لنصف قرن ظل الوصول إلى هذه الوثائق الثمينة التي نقلت لاحقاً إلى مكتبة الكونغرس الأمريكي مقتصراً على الخبراء والمتخصصين، إلى أن أقدمت مجموعة من أنصار فلسطين في الولايات المتحدة (مشروع كرامة) على نشر مجموعة مختارة منها على الانترنت وفي كتاب مطبوع فاخر باللغة الإنجليزية عنون ب )صور فلسطين 1898 – 1946( – أنظر تقديماً للكتاب في الأخبار عدد 18 ديسمبر 2023 -، لتلحق بها دار هيماركيت اليساريّة للكتب وتطرح، بالعربيّة والإنجليزية هذه المرّة، مجموعة أخرى، في كتاب تحت عنوان “ضدّ الإلغاء: ذاكرة فوتوغرافيّة لفلسطين قبل النّكبة*” سيتوفر بنسخته المطبوعة للعموم في العشرين من شهر فبراير / شباط الحالي.
شارك في إعداد هذه المجموعة من الصور وتحرير أوصافها كلا من تيريزا أرانغورين وساندرا باريلار، مع تقديم كتبه الناشط محمد الكرد، وهي دون شكّ تأتي كمساهمة أخرى وازنة في سياق تعرية حملة إلغاء متجددة ضد الشعب العربي الفلسطيني من خلال حرب الإبادة الجماعية ينفذها الجيش الإسرائيلي، بتواطىء غربيّ وعربيّ، ضد قطاع غزّة، وكاحتفال صاخب بثقافة الفلسطيني، وتاريخه، وتقاليده، وعلاقته الوثيقة بأرضه، وتمسكه بالحياة، وقدرته اللانهائية على الصمود والمقاومة.
*Against Erasure: A Photographic Memory of Palestine Before the Nakba, Edited by Teresa Aranguren and Sandra Barrilaro Foreword by Mohammed El-Kurd, Haymarket Books, 2024.
https://www.haymarketbooks.org/books/2325-against-erasure
نشر هذا المقال على غلاف ملحق كلمات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد السبت 17 فبراير 2024
:::::
موقع “الثقافة المضادة”، February 16, 2024
الثّقافة المضادّة – لن يمرّوا: مقالات في السياسة والثقافة
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
