Site icon

مثقّفو اليسار الغربي والدعاية الامبريالية، تعريب وإعداد: ناجي النابلسي

(1)

كانون2 21, 2024

نشرت مجلة «دراسات الاشتراكية العالمية» الصادرة باللغة الصينية مقابلةً مهمّة أواخر العام 2023 مع الباحث الماركسي الأمريكي-الفرنسي غابرييل روكهيل، أجراها معه جاو دينغكي المحرّر في المجلة المذكورة، والباحث المساعد بمعهد الماركسية التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية. وأعيدَ نشرها بالإنكليزية في دوريّة «مونثلي ريفيو» تحت عنوان «بروباغاندا الامبريالية وايديولوجيا مثقّفي اليسار الغربي: من معاداة الشيوعية

يعمل غابرييل روكهيل أستاذاً للفلسفة في جامعة فيلانوفا (بولاية فيلاديلفيا الأمريكية)، ويركّز في مؤلّفاته على النقد الثقافي والتاريخ وعلم الجمال والسياسة. ويعكف حالياً على إكمال كتابٍ سيصدر عن «مونثلي ريفيو» بعنوان «الحرب العالمية الفكرية: الماركسية مقابل صناعة النظرية الامبريالية». وفيما يلي مختارات (بتلخيص) من المقابلة التي أجرتْها معه المجلة الصينية «دراسات الاشتراكية العالمية».

ذكرتَ في أحد مقالاتك أنّ عملاء وكالة المخابرات المركزية حرصوا على قراءة النظريات النقدية الفرنسية لميشيل فوكو وجاك لاكان وبيير بورديو وغيرهم. ما سبب هذه الظاهرة؟ وكيف تُقيِّم النظرية النقدية الفرنسية؟

كانت «الحرب العالمية الفكرية» إحدى الجبهات المهمّة في الحرب الثقافية على الشيوعية، وهو موضوع كتاب أقوم حالياً بإكماله لمطبعة «مونثلي ريفيو». ولعبت وكالة المخابرات المركزية CIA على تشويه سمعة الماركسية وتقويض النضالات المناهضة للامبريالية، وكذلك الاشتراكية القائمة بالفعل. خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية باعتبارها القوة الامبريالية المهيمنة. ولكنها واجهت صعوبات بفرض هيمنتها العالَمية حيثما وُجِدَت أحزابٌ شيوعية قويّة… فشنّتْ دولةُ الأمن القومي الأمريكية هجوماً متعدد الجوانب لاختراق الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ومنافذ الأخبار والمعلومات الرئيسية. وأَنشأتْ جيوشاً سرّية زوّدتها بالفاشيّين، ووَضعتْ خططاً لانقلابات عسكرية إذا وصل الشيوعيون إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع (تم تفعيلها لاحقاً في استراتيجية التوتر بعد عام 1968 حيث ارتُكِبَتْ هجماتٌ إرهابية ضدّ المدنيين ألقي باللّوم فيها على الشيوعيين).
وعلى الجبهة الفكرية، دعمت النخبة الحاكمة الأمريكية إنشاء مؤسسات تعليمية جديدة، وشبكات دولية لإنتاج معرفةٍ مناهضة للشيوعية، أملاً بتشويه سمعة الماركسية. وروّجَتْ للمثقَّفين المعادين علناً للمادية الديالكتيكية والتاريخية، مع حملات تشهير شنيعة ضدّ مثقَّفين ماركسيين.
في هذا السياق الدقيق، يجب أن تُفهَم النظرية الفرنسية- جزئياً على الأقل- بوصفها نتاجاً للامبريالية الثقافية الأمريكية. لقد ارتبط المفكّرون المنتمون إلى هذه التسمية– فوكو، ولاكان، وجيل ديلوز، وجاك دريدا، وغيرهم الكثير– بطرقٍ شتّى بالحركة «البنيوية»، التي عَرّفت نفسها كمعارَضةٍ لأبرز فلاسفة الجيل السابق (سارتر)، حيث تمّ رفض التوجُّه الماركسي لهذا الأخير منذ منتصف الأربعينيّات، وسادتْ معاداة «الهيغلية» كشعارٍ مستتر لمعاداة الماركسية. مثلاً: أدان فوكو سارتر باعتباره «الماركسيّ الأخير» وادّعى أنه رجلٌ من القرن التاسع عشر، وخارجٌ عن العصر الذي يمثّله فوكو ومنظّرون آخرون (العصر الذي بات معادياً للماركسية).
اكتسب بعض هؤلاء المفكّرين شهرةً كبيرة داخل فرنسا، إلّا أن ترقيتهم في الولايات المتحدة هي التي دفعتهم إلى الأضواء الدولية، وجعلت أعمالَهم القراءةَ المطلوبة للمثقَّفين العالميّين. في مقالٍ نُشِرَ مؤخّراً في Monthly Review  تناولتُ بالتفصيل بعضَ القوى السياسية والاقتصادية التي كانت وراء الحدث الذي افتتحَ عصر النظرية الفرنسية: إنه مؤتمر 1966 الذي انعقد في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية في بالتيمور، وجمع العديد من هؤلاء المفكّرين لأوّل مرة. قامت مؤسسة فورد، التي شاركت مع CIA بتمويل «مؤتمر الحرية الثقافية» CCF، بتمويل مؤتمر بالتيمور والأنشطة اللاحقة الأخرى بما يصل إلى 36 ألف دولار (يعادل 339 آلاف دولار اليوم). وهو مبلغ استثنائيّ حقاً بالنسبة لمؤتمر جامعي، ناهيك عن التغطية الصحفية من مجلات، مثل: تايم ونيوزويك، الأمر الذي لم يُسمع به من قبل في مثل هذه الأوساط الأكاديمية.
كانت المؤسسات الرأسمالية، ووكالة المخابرات المركزية، وغيرها من الوكالات الحكومية، مهتمةً بتعزيز العمل «الراديكالي الأنيق» ليكونَ نسخةً مصطَنَعة من الماركسية. وبما أنهم لم يستطيعوا تدمير الماركسية ببساطة، سعوا لتعزيز أشكالٍ جديدة من النظرية، بحيث يمكن تسويقها على أنها «متطوِّرة ونقدية» رغم خُلوّها من أيّ مادةٍ ثورية، ليدفنوا الماركسية باعتبارها «عفا عليها الزمن». وكما نعلم الآن من ورقة بحثية لـ CIA عام 1985 حول هذا الموضوع، كانت الوكالة سعيدةً بمساهمات البنيوية الفرنسية، وكذلك «مدرسة الحَوليّات»، وبمجموعة «الفلاسفة الجدد» Nouveaux Philosophes. حيث أشارتْ الورقةُ خصوصاً إلى البنيوية المرتبطة بفوكو وكلود ليفي شتراوس، إضافة لمنهجية «مدرسة الحَوليّات»، لتتوصّل للاستنتاج التالي: «نحن نعتقد أن هدمَهم النقدي للتأثير الماركسيّ في العلوم الاجتماعية سوف يستمر على الأرجح كمساهمةٍ عميقة في المعرفة والدراسات الحديثة».
فيما يتعلق بتقييمي الخاص للنظرية الفرنسية، أودّ القول: إنّ من المهمّ الاعتراف بها على حقيقتها: إنها نتاجٌ- على الأقل جزئياً- للامبريالية الثقافية الأمريكية، التي تسعى لإزاحة الماركسية عبر ممارسة نظريةٍ مناهضة للشيوعية، تنغمس في الانتقائية الثقافية البرجوازية وتعبئة الألعاب النارية الخطابية لخلق ثوراتٍ متخيَّلة في الخطاب لا تغيّر في الواقع شيئاً.
علاوة على ذلك، تعمل النظرية الفرنسية على إعادة تأهيلِ وتعزيز أعمال مناهضي الشيوعية كفريدريك نيتشه ومارتن هايدغر، وبالتالي، محاولة إعادة تعريف «الجذريّ» على أنه «الراديكالي الرجعي». عندما يتعامل المنظّرون الفرنسيون مع الماركسية، فإنهم يحوّلونها إلى خطاب واحدٍ من بين خطابات أخرى، والتي يمكن- بل وينبغي- مزجها مع خطابات غير ماركسية ومعادية للديالكتيك كعلم الأنساب النيتشوي، والتدمير الهايدغري، والتحليل النفسي الفرويدي، وما إلى ذلك. ولهذا السبب يُطالِبُ العديد من هؤلاء المفكّرين بمُلكيّة «ماركسهم الخاص»، الأمر الذي يَخلق أحياناً الوهمَ بأنهم «ماركسيّون» بطريقة أو بأخرى.
الاتجاه السائد هو أنْ يستخرجوا تعسّفياً من عمل ماركس عناصرَ محدَّدة للغاية يفترضونها صدىً لعلامتهم الفلسفية الخاصة بهم. هذا هو الحال مثلاً مع ماركس الأدبيّ الشبحي الذي يعاني من العجز على اتخاذ القرار عند دريدا، وماركس المرتحِل بلا أرض عند دولوز، وماركس المخالِف المناهض للديالكتيك عند جان فرانسوا ليوتار، وأمثلة أخرى من هذا القبيل. وبالتالي، فإنّ خطاب ماركس يعمل بالنسبة لهم كعَلَفٍ لتغذية الشريعة البرجوازية التي ينتقون منها ما يطوِّرُ علامتهم التجارية الخاصة، ويعطيها هالةً من السّعة والراديكالية. لخَّص والتر رودني الطبيعة الحقيقية لهذه الممارسة النظرية عندما أوضح أنّه «مع الفكر البرجوازي، بسبب طبيعته غريبة الأطوار، والطريقة التي يحفّز بها غريبي الأطوار، يمكنكَ سلوكُ أيّ طريق، لأنه في نهاية المطاف عندما لن تذهب إلى أيّ مكان، يمكنك اختيار أيّ طريق!».

تتمتَّع «مدرسة فرانكفورت» أيضاً بنفوذٍ واسع في الصين المعاصرة. كيف تقيّم نظريّاتها؟ وما نوع العلاقة التي تربطها بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية؟

إنّ «معهد البحوث الاجتماعية»، المعروف بشكلٍ أكثر شيوعاً باسم «مدرسة فرانكفورت»، قد ظهر أصلاً كمركز أبحاث ماركسي بجامعة فرانكفورت بتمويلٍ من رأسماليّ ثريّ. وعندما تولّى ماكس هوركهايمر إدارة المعهد عام 1930، أشرفَ على تحوُّلٍ حاسم نحو الاهتمامات التأمّلية والثقافية البعيدة بشكلٍ متزايد عن المادية التاريخية والصراع الطبقي، وبقيادته لعبت مدرسة فرانكفورت دوراً تأسيسياً بإنشاء ما يعرف بـ«الماركسية الغربية»، وبشكل أكثر تحديداً «الماركسية الثقافية». شخصيات، مثل: هوركهايمر ومعاونه مدى الحياة تيودور أدورنو، لم يرفضوا الاشتراكية الموجودة فعلياً فحسب، بل قاموا أيضاً بربطها مباشرةً بالفاشية من خلال الاعتماد الملتبس- مثل النظرية الفرنسية إلى حدّ كبير- على مقولةٍ ايديولوجيّةٍ هي «الشمولية» أو «التوتاليتاريّة».
حيث تمّ تبنّي نسخة ميلودرامية وتَثاقُفيّة للغاية لمذهب عُرِف لاحقاً بـ TINA «لا يوجد بديل» There Is No Alternative. لقد ركّزوا على عالَم الفن والثقافة البرجوازييَّن باعتباره الموقعَ الوحيد المحتمَل للخلاص، ذلك أنّ مفكّرين مثل: أدورنو وهوركهايمر، مع استثناءات قليلة، كانوا مثاليّين إلى حدٍّ كبير في ممارساتهم النظرية، ولسانُ حالِهم: إذا كان التغيير الاجتماعي الهادف ممنوعاً في العالم العَملي، فيجب البحث عن الخلاص في عالَم الأشكال الفكرية المُستَحدَثة والثقافة البرجوازية المبتَكَرة، أيْ في المجال الفكري أو الرّوحي.

(2)

شباط 04, 2024

 كان الباحث الماركسي الأمريكي-الفرنسي غابرييل روكهيل محقّاً عندما أطلق على سلافوي جيجيك لقب «مهرّج البلاط الرأسمالي»، وهذا الأخير أحد نماذج مثقَّفي اليسار الغربي المعاصرين المشهورين، ومن أحدث مواقفه تعليقُه في أكتوبر الماضي على عملية «طوفان الأقصى» واصفاً المقاومين الفلسطينيين بأنهم «إرهابيون» ومكرّراً أسطوانة «حقّ» الاحتلال في «الدفاع عن النفس وتدمير التهديد»، ومؤكِّداً أنه «يحترم» بن غوريون وموشي ديان ويتشارك مع أنطوني بلينكن موقفه.

نتابع في هذا الجزء إجابات روكهيل عن أسئلة محاورِه جاو دينغكي في المقابلة المهمّة التي أجرتها معه المجلة الصينية «دراسات الاشتراكية العالمية» أواخر العام الماضي، والتي أعيدَ نشرها بالإنكليزية في دوريّة «مونثلي ريفيو» تحت عنوان «بروباغاندا الإمبريالية وأيديولوجيا مثقّفي اليسار الغربي: من معاداة الشيوعية وسياسات الهُويّة إلى الفاشيّة وأوهام الديمقراطية».

سلافوي جيجيك هو عالِمٌ ذو تأثير واسع في الأوساط الأكاديمية اليسارية العالمية الحالية، وبالطبع هناك العديد من الخلافات. لماذا تعتبرونه «مهرّج البلاط الرأسمالي»؟

جيجيك هو نتاج صناعة النظرية الإمبريالية. وكما أشار مايكل بارينتي، فإن الواقع جذري، مما يعني أن العاملين في العالم الرأسمالي يواجهون صراعات مادّية حقيقية للغاية من أجل التوظيف، والإسكان، والرعاية الصحية، والتعليم، والبيئة المستدامة، وما إلى ذلك. كل هذا يدفع الناس إلى اتخاذ مواقف جذرية أكثر فأكثر. وينجذب كثيرون نحو الماركسية بطبيعة الحال، لأنّها تعطي تفسيراً واقعياً للعالم الذي يعيشون فيه والصراعات التي يواجهونها، وتطرح حلولاً واضحة وقابلة للتنفيذ. ولهذا السبب يتعين على الجهاز الثقافي الرأسمالي أن يتعامل مع اهتمام حقيقي للغاية بالماركسية من جانب الجماهير العاملة والمضطَهدة. ويتمثّل أحد التكتيكات التي طوّرتها الرأسمالية، وخاصة في تعاملها مع الجماهير المستهدَفة من الشباب وأعضاء الشريحة الإدارية المهنية، في أن تقوم بالترويج لنسخة سلعيّة للغاية من الماركسية بحيث تُحرِّفُ جوهرَها الأساسيّ. وهي تحاول بالتالي تحويل الماركسية إلى (علامة تجارية) عصريّة تباع وتشترى مثل أيّ سلعةٍ أخرى، بدلاً من كونها إطاراً نظرياً وعملياً جماعياً للتحرّر من المجتمع الذي تحرّكه السِّلع.
يُعتَبر جيجيك مثالاً نموذجياً لهذا المشروع بعدّة طرق. فهو مُخبِرٌ محلّي مناهضٌ للشيوعية نشأ في جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية. وهو يدّعي بانتظام أنّ تجربته الذاتية، كمثقَّفٍ برجوازيّ صغير سعى إلى الارتقاء بمسيرته المهنية في الغرب، تمنحه بطريقة أو بأخرى حقّاً خاصّاً في الشهادة على الطبيعة الحقيقية للاشتراكية. ومن ثمّ فإنّ الحكايات الشخصية المتعلّقة بتجربته في جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية تحلّ محلّ التحليل الموضوعي. وهذا ليس مستغرباً من انتهازيٍّ يبحث عن المجد والشهرة. يُعيِّرُ جيجك وطنَه الاشتراكي بأنّه أدنى مرتبةً من الدول الرأسمالية الغربية التي زوّدته بمثل هذا الارتقاء لدرجة أنّه أصبح الآن معترفاً به كواحدٍ من كبار المفكِّرين العالميين من قبل مجلة (فورين بوليسي) ذراع وزارة الخارجية الأمريكية.
يتفاخر جيجك علناً بالدور الذي لعبه شخصياً في تفكيك الاشتراكية في جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية. كان كاتب العمود السياسي الأساسي في صحيفة منشقّة بارزة، اسمها «ملادينا»، والتي اتهمها الحزب الشيوعي اليوغوسلافي بتلقّي الدعم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA. كما شارك جيجيك في تأسيس «الحزب الديمقراطي الليبرالي»، وترشَّحَ للرئاسة في أوّل جمهورية انفصالية في سلوفينيا، ووعد حَرفيّاً بأنه «سيساعد بشكل كبير في تحلّل الجهاز الأيديولوجي الاشتراكي الحقيقي للدولة». وعلى الرغم من خسارته بفارق ضئيل، إلا أنه دَعمَ علناً الدولة السلوفينية وحزبها الحاكم بعد استعادة الرأسمالية، وبالتالي دَعَمها طوال العملية الوحشية للعلاج بالصدمة الرأسمالية التي أدّت إلى انخفاض كارثي في مستويات المعيشة لغالبية السكان (ولكن ليس لمستوى معيشة جيجيك بالطبع). وكان الحزب المؤيد للخصخصة الذي شارك جيجيك في تأسيسه موجَّهاً بشكل واضح نحو الاندماج في المعسكر الإمبريالي، لأنه كان المدافع الرئيسي عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

الترويج للتهريج

إنني أرى هذا اللّيبرالي من أوروبا الشرقية باعتباره مهرّجَ بلاطٍ للرأسمالية لأنه يجعل من الماركسيّة أضحوكة، ولهذا السبب بالتحديد يتمّ الترويج له على نطاقٍ واسع من قبل القوى المهيمنة داخل المجتمع الرأسمالي. وبدلاً من حقيقتها كعلمٍ تحرُّريٍّ جماعيّ متجذِّر في النضالات المادية الحقيقية، يقدّم جيجيك الماركسية كخطاب استفزازيّ من الخداع الفكري الذي يتلخّص في المواقف السياسية البرجوازية الصغيرة لطفل انتهازي فظيع. إنّ تصرّفاته الغريبة وأزياءه «الشيوعية» تُبهج البرجوازية وتستحوذ على فترات الاهتمام القصيرة لغير المتعلّمين. إنه كالمهرّج موهوبٌ في الحصول على النشوة أو الضحك من الناس، وهو ما يترجَمٌ بسهولة إلى إعجابات ونجاحات في العصر الرقمي. كما أنّه يجيدُ بشكلٍ خاصّ بيع سلع هوليود والجهاز الثقافي البرجوازي بشكلٍ عام. من الواضح أن «جلالة رأس المال» King Capital يحبُّ هذا المحتال، الذي ملأ جيوبه في هذه العملية. ومثل أيِّ مهرِّجٍ جيّد، فإنّه يعرفُ حدود اللياقة البلاطيّة ويحترمها في نهاية المطاف من خلال تشويه سمعة الاشتراكية القائمة بالفعل، وتعزيز التكيّف الرأسمالي، وحتّى دعم الإمبريالية بشكل مباشر في كثير من الأحيان.

«أخطر مثقَّف في العالَم»

إذا كان جيجيك حقاً (أخطر مثقف في العالم)، كما تصفه الصّحافة البرجوازية في بعض الأحيان، فذلك لأنّه يُعرِّضُ المشروعَ الماركسيّ لمحاربة الإمبريالية وبناء عالم اشتراكي إلى الخطر.
وتأكيداً للعلاقة الراسخة بين الارتقاء الموضوعي والانجراف الذاتي نحو اليمين، يمكن القول إن جيجيك أصبح رجعيّاً بشكل متزايد في دعمه للإمبريالية ضدّ الشيوعية. ولنتأمّلْ هنا حكمَه القطعيّ فيما يتعلّق بالجهود الحالية لتحدّي الاستعمار الجديد في أفريقيا، حيث يقول: (من الواضح أنّ الانتفاضات المناهضة للاستعمار في وسط أفريقيا أسوأ حتى من الاستعمار الجديد الفرنسي). وفي مداخلةٍ عامّة أخرى حديثة، قدّم توضيحاً واضحاً بشكل ملحوظ لنوع (الثورة) التي يدعمها. وفي مناقشة ثورات صيف 2023 في فرنسا في أعقاب مقتل ناهل مرزوق على يد الشرطة، استند إلى الرؤية الماركسية المهمّة – كما يفعل غالباً مع أيّ شيء متماسك يدّعيه – بأنّ الانتفاضات ستفشل إذا لم تكن هناك استراتيجية تنظيمية يمكنها إيصالها إلى النصر. ثم قدّم مثالاً على «الثورة» الناجحة قائلاً: (يمكن للاحتجاجات والانتفاضات العامة أن تلعب دوراً إيجابياً إذا تم دعمها برؤية تحرّرية، مثل انتفاضة الميدان في أوكرانيا في 2013–2014).
في الحقيقة، ما تم توثيقه على نطاق واسع هو أنّ انتفاضة «الميدان» كانت بمثابة انقلاب فاشيّ تم التحريض عليه ودعمه من قبل دولة الأمن القومي الأمريكية. هذا يعني أن جيجيك يعتبر الانقلاب الفاشي المدعوم من الإمبريالية، والذي أشار إليه سمير أمين باسم (الانقلاب الأوروبي/النازي)، مثالاً (إيجابياً) على (الرؤية التحرّرية) التي أدّت إلى ثورة ناجحة.
يوضّح هذا الموقف لهذا المثقّف، فضلاً عن دعمه القوي للحرب بالوكالة التي تخوضها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا، ماذا يعني أنْ تكون (المثقَّف الأكثر خطورة) في العالم – إنّه يعني أن تكون فيلسوفاً فاشيّاً متنكّراً في هيئة شيوعيّ.

(3)

شباط 11, 2024

يتطرّق الباحث والناقد الثقافي الماركسي غابرييل روكهيل إلى ما يُعرف بـ«سياسات الهُويّة»، فيقول إنه «بدلاً من الاعتراف بأنّ أشكال الهُويّة العِرقية والقومية والجِنسانية والجنسية، وغيرها، هي بُنى تاريخية تختلف مع مرور الزمن وتنتج عن قوى مادّية محدَّدة، يتم تأبيدها كأنها أساس لا جدال فيه لدى الدوائر السياسية الرأسمالية… مما يحجب القوى المادية التي تعتمل خلفها، والصراعات الطبقية التي تدور حولها».

في هذا القِسم من المقابلة التي أجرتها مع روكهيل (مجلة الاشتراكية العالمية) الصينية، يسأله محاوره جاو دينغكي: (كيف تفهم دور ووظيفة سياسات الهوية و«التعددية الثقافية» السائدة حالياً في اليسار الغربي؟). وفيما يلي عرضٌ لجوابه (بتصرّف).
سياسات الهوية، مثل التعددية الثقافية المرتبطة بها، هي مظهر معاصر للثقافوية والأصولية التي ميّزت الأيديولوجية البرجوازية لفترة طويلة. وهذه الأخيرة تسعى إلى تطبيع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن التاريخ المادّي للرأسمالية، بما ينفع الطبقة الحاكمة والمديرين الذين تعيّنهم. وبما أنّهم اضطرّوا إلى الاستجابة لجزء من المطالب والنضالات ضدّ الاستعمار والعنصرية والأبوية، لم يجدوا طريقةً لكبح تجذير هذه النضالات أفضل من سياسات «الهُويّة الجوهرية» التي تقترح حلولاً زائفة لمشاكل حقيقية للغاية، حيث لا تعالج أبداً الأساس المادي للاستعمار والعنصرية والقمع بين الجنسين.
وحتى النسخ التي نصّبت نفسها بأنها مناهضة لهذه السياسات، والتي نجدها في أعمال منظّرين مثل جوديث بتلر، لا تنفصل عن هذه الأيديولوجية. لقد سعوا إلى تفكيك بعض هذه المقولات من خلال اعتبارها بُنيات خطابية يمكن لأفراد أو مجموعات استجوابها والتلاعب بها وإعادة أدائها، لكنّهم كمنظّرين يعملون ضمن المعايير التفكيكية المثالية لا يقدّمون أبداً تحليلاً مادياً جدلياً للتاريخ؛ للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي أنتجت هذه المقولات/الفئات واضعةً إيّاها في مواقع «رئيسية» للصراع الطبقي الجماعي. كما أنهم لا ينخرطون في التاريخ العميق للنضال الجماعي للاشتراكية الموجودة بالفعل لتحويل هذه العلاقات. بدلاً من ذلك، يعتمدون على التفكيك وعلى نسخة لا تاريخية من نَسَب فوكو للتفكير في «الجَندر» والعلاقات الجنسية، ويتوجَّهون على الأكثر نحو تعدّدية ليبراليّة تقوم بإحلال مناصرة مجموعات المصالح (اللّوبيّات) بديلاً عن الصراع الطبقي.

غطرسة الأكاذيب ومَسح الذاكرة

على النقيض من ذلك، فإنّ التقليد الماركسي، كما أظهر دومينيكو لوسوردو في عمله الرائع (الصراع الطبقي)، لديه «تاريخ عميق وغني في فهم الصراع الطبقي بصيغة الجمع. وهذا يعني أنه يتضمن معارك حول العلاقة بين الجنسين والأمم والأعراق والطبقات الاقتصادية»، ويمكننا أن نضيف الجنس. وبما أنّ هذه الفئات اتخذت أشكالاً هرمية محدّدة جداً في ظلّ الرأسمالية، فقد سعت أفضل عناصر التراث الماركسي إلى فهم مصدرها التاريخي وتحويلها جذرياً. يُلحَظُ ذلك في النضال الطويل ضد العبودية المنزلية المفروضة على النساء، ومعركة تحرّر الأمم وشعوبها من التبعية للإمبريالية. بالطبّع مرّ هذا التاريخ بفترات متقطعة ولا يزال هناك الكثير من العمل يجب القيام به، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن بعض «سلالات» الماركسية – كالأممية الثانية – قد تلوّثت بعناصر من الأيديولوجية البرجوازية. ومع ذلك، وكما أثبت باحثون مثل لوسوردو وغيره، فإنّ الشيوعيين كانوا في طليعة هذه الصراعات الطبقية للتغلب على الهيمنة الأبوية، والتبعية الإمبريالية والعنصرية، من خلال الذهاب إلى جذور هذه المشكلات: العلاقات الرأسمالية.
سعت سياسات الهوية، كما تطورت في البلدان الإمبريالية الرائدة وخاصة الولايات المتحدة، إلى دفن هذا التاريخ من أجل تقديم نفسها هي كشكلٍ جديد جذرياً من الوعي، كما لو أنّ الشيوعيين لم يفكروا كثيراً في مسألة المرأة! أو مسائل الوطنية أو العنصرية… وعلى هذا فإنّ منظّري سياسات الهُوّية يميلون إلى التأكيد، بغطرسةٍ وجهل أو تجاهل، على كذبة أنهم أوّل من عالج هذه القضايا، زاعمين أنهم يتغلّبون على «الحتمية الاقتصادية» لدى الماركسيين الاختزاليّين المبتذَلين. وبدلاً من الاعتراف بهذه القضايا كمواقع للصراع الطبقي، يميلون إلى استخدام سياسات الهُويّة كإسفينٍ ضد السياسات الطبقية. وإذا قاموا بأيّ إشارة تدمج الطبقة في تحليلهم، تَراهم يختزلونها إلى مسألة الهُويّة الشخصية، بدلاً من علاقة المُلكية الهيكلية. ولذلك يميلون إلى طرح حلولٍ ثانوية، تركز على قضايا التمثيل والرمزية، بدلاً من التغلّب، مثلاً، على علاقات العمل الخاصة بالعبودية المنزلية والاستغلال العنصري من خلال التحويل الاشتراكي للنظام الاقتصادي الاجتماعي. وهم بالتالي غير قادرين على إحداث تغيير كبير ومستدام لأنهم لا يصلون إلى جذور المشكلة. وكما جادل أدولف ريد جونيور، فإنّ أنصار الهُويّة سعداء تماماً بالحفاظ على العلاقات الطبقية القائمة، بما في ذلك العلاقات الإمبريالية بين الأمم، وأود أن أضيف: بشرط وجود النسبة المطلوبة لتمثيل المجموعات المضطهِدة داخل المجتمع (الطبقة الحاكمة والطبقة الإدارية المهنية التي تخدمها).

تقسيم اليسار والتخادم مع الفاشيّة

بالإضافة إلى المساعدة في تهميش السياسات والتحليلات الطبقية داخل اليسار الغربي، ساهمت سياسات الهُويّة بشكلٍ كبير في تقسيم اليسار نفسه إلى مجموعة من النقاشات المنعزلة حول قضايا هُويّة محدَّدة. فبدلاً من الوحدة الطبقية ضدّ عدوّ مشترك، فإنّها تَقسم وتَقهَر العمال والمضطهَدين (تُفرِّقُ وتَسودُ) من خلال تشجيعهم على تحديد هويتهم أوّلاً وقبل كلّ شيء كأعضاء من أجناس وجنسيات وأعراق وأمم وأديان وطوائف، وما إلى ذلك. وفي هذا الصدد، فإنّ أيديولوجية سياسات الهُويّة هي في الواقع، على مستوى أعمق بكثير، سياسةٌ طبقية في نهاية المطاف ولكنْ طبقيّة برجوازيّة، تهدف إلى تقسيم الشُّعوب العاملة والمضطهَدة في العالم من أجل السيطرة عليها بسهولة أكبر. لا ينبغي أن يكون مفاجِئاً إذن أنْ تكون هذه السياسة هي الحاكمة في قلب الإمبريالية. إنها تهيمن على مؤسساتها ومنافذها المعلوماتية، وهي إحدى الآليات الأساسية للترفيع الوظيفي ضمن ما يسميه ريد «صناعة التنوّع». إنّها تحثُّ جميع المشاركين على التماهي مع مجموعتهم المحدَّدة لهم، وتعزيز مصالحهم الفردية عبر التظاهر بأنهم ممثّلوها المميَّزون. ينبغي أن نلاحظ أيضاً أنّ هذه السياسة لها تأثير في دفع بعض «معارضيها» إلى أحضان اليمين. فإذا كانت الثقافة السياسية السائدة تشجّع عقلية الانتماءات الفئوية الضيّقة الممزوجة بالفردية التنافسية، فليس مستغرَباً أنّ متطرّفين بِيض مثلاً، وكردّ فعل جزئي على حرمانهم من حقوقهم بسبب صناعة «التنوُّع» الزائف هذه، يدفعون بأجنداتهم الخاصة باعتبارهم «ضحايا» للنظام. وبالتالي فإن سياسات الهوية الخالية من التحليل الطبقي قابلةٌ تماماً للتخادم المتبادَل مع اليمين وحتى مع الفاشية.

سياسة طبقيّة

أخيراً، سأكون مقصّراً إذا لم أذكر أنّ سياسات الهُويّة، التي لها جذورها الأيديولوجية الحديثة في «اليسار الجديد» والشوفينية الاجتماعية التي شخّصها لينين سابقاً لدى اليسار الأوروبي، هي إحدى الأدوات الأيديولوجية الرئيسية للإمبريالية. لقد تمّ استخدام استراتيجية (فرِّقْ تَسُدْ) لتقسيم الدول المستهدفة من خلال تعزيز الصراعات الدينية والطائفية والعرقية والقومية أو بين الجنسين. كانت سياسات الهوية أيضاً بمثابة مبرّر مباشر للتدخّل الإمبريالي، وحملات زعزعة الاستقرار. حيث لعبت دور الأسباب المزعومة «لتحرير المرأة» في أفغانستان، ودعم مغنّي الرّاب السُّود الذين «يتعرضون للتمييز» في كوبا، ودعم السكان الأصليين «الاشتراكيين البيئيين» المزعومين المرشَّحين في أمريكا اللاتينية، أو «حماية» الأقليات العرقية في الصين، أو غيرها من العمليات الدعائية المعروفة، التي تقدم فيها الإمبريالية الأمريكية نفسها على أنها المُحسن الذي يتصدَّق على الهويات المضطهدة. يمكننا أن نرى هنا بوضوح الانفصال التام بين سياسات الهوية الرمزية البحتة والواقع المادي للصراعات الطبقية، بقدر ما يمكن للسياسة الأولى أن توفر غطاءً رقيقاً للإمبريالية، وهي تفعل ذلك بالفعل. وعلى هذا المستوى أيضاً، فإنّ سياسات الهُويّة هي في نهاية المطاف سياسة طبقية: سياسة الطبقة الحاكمة الإمبريالية.

(4)

شباط 18, 2024

(الولايات المتحدة ليست ديمقراطية ولم تكن كذلك قَطّ)، بهذه الحقيقة عَنوَن الباحث غابرييل روكهيل مقالاً سابقاً كتبه لموقع (كاونتربانش) عام 2017، حيث علّق فيه على مَن يتباكون على ما يسمّى (خسارة الديمقراطية) في الولايات المتحدة. ويعلّل روكهيل ردّ فعل هؤلاء المخدوعين بأنّه يرجع في جزء كبير منه إلى ما يمكن اعتباره (أنجَحَ حملة علاقاتٍ عامّة في التاريخ الحديث).

في مقاله المذكور كتب روكهيل: (المشكلة أنه ليس ثمّة أيّ تناقض أو خسارة مفترضة للديمقراطية، لأنّ الولايات المتحدة لم تكن ديمقراطية قَطّ. إنها حقيقة يصعب على الكثير من الناس مواجهتها، ومن المرجَّح أن يكونوا أكثر ميلاً إلى رفض مثل هذا الادعاء على الفور باعتباره غير معقول بدلاً من أخذ الوقت الكافي للتدقيق في السجلّ التاريخي المادّي لكي يحكموا بأنفسهم. لكن ما سنلاحظه، إذا تمّ فحص هذا السجلّ بشكل رصين ومنهجي، هو أنّ الدولة التي تأسّست على حكم النخبة الاستعمارية القائم على سلطة الثروة – وباختصار، الأوليغارشية الاستعمارية البلوتوقراطية – لم تنجح فقط في شراء لقب الدولة «الديمقراطية» لتسويق نفسها للجماهير، بل وجعلت مواطنيها، وكثيرين غيرهم، يُستَثمَرون اجتماعياً ونفسياً في أسطورةِ أصلِها القوميّ، لدرجةٍ جعلتْهم يرفضون سماعَ الحجج الواضحة والموثَّقة جيّداً التي تقول عكس ذلك).

من الناحية الموضوعية، لم تكن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية على الإطلاق. لقد تأسست كجمهورية، وكان الآباء المؤسسون المزعومون معادين للديمقراطية بشكل علني. وهذا واضح من (الأوراق الفيدرالية)، والمذكرات التي تم تدوينها في المؤتمر الدستوري لعام 1787 في فيلادلفيا، والوثائق التأسيسية للولايات المتحدة، بالإضافة إلى الممارسة المادية للحكم التي تم تأسيسها في الأصل في مستعمرة المستوطنين.

(ملائكة) بِيض و(متوحّشون) هنود

كما يعلم الجميع، فإن سكان أمريكا الأصليين، الذين أشار إليهم إعلان استقلال الولايات المتحدة باسم (المتوحشين الهنود الذين لا يرحمون)، لم يُمنَحوا سلطةً ديمقراطية في الجمهورية حديثة العهد، بل تمّ فوق ذلك جلب العبيد من إفريقيا… ينطبق الشيء نفسه إلى حَدٍّ كبير على العمّال البيض العاديين. وكما وثّق باحثون مثل تيري بوتون بالتفصيل: «لم يعتقد معظم الرجال البيض العاديين أن الثورة [المسمّاة بالأمريكية] انتهت بحكومات جعلت مُثُلها ومصالحها هي الهدف الأساسي. بل على العكس من ذلك، كانوا مقتنعين بأن النخبة الثورية أعادت تشكيل الحكومة لصالحها وقوّضت استقلالَ الناس العاديين. ففي نهاية المطاف، لم يقم المؤتمر الدستوري بإجراء انتخابات شعبية مباشرة للرئيس أو المحكمة العليا أو أعضاء مجلس الشيوخ.

(من يملك يحكم)

كان الاستثناء الوحيد هو مجلس النواب، ومع ذلك تم تحديد المؤهلات من قبل المجالس التشريعية في الولايات، والتي كانت تتطلب دائماً تقريباً حيازة الممتلكات كأساس لحق التصويت. ليس من المستغرب إذن أن يشير النقّاد التقدميون إلى هذا الأمر حتى آنذاك. فلقد صرح باتريك هنري بصراحة فيما يتعلق بالولايات المتحدة: (إنها ليست ديمقراطية)، ووصف جورج ماسون الدستور الجديد بأنه (أجرأ محاولةٍ لتأسيس أرستقراطية استبدادية بين الأحرار شهدها العالم على الإطلاق).
على الرغم من أن مصطلح (الجمهورية) كان يستخدم على نطاق واسع لوصف الولايات المتحدة في ذلك الوقت، إلا أن هذا بدأ يتغيّر في أواخر عشرينيّات القرن التاسع عشر، عندما أدار أندرو جاكسون – المعروف باسم (القاتل الهندي) أيضاً بسبب سياسات الإبادة الجماعية التي اتبعها – حملةً رئاسية شعبوية. لقد قدّم نفسه على أنه (ديمقراطي)، بمعنى المواطن الأمريكي العادي الذي سيضع حداً لحكم الأرستقراطيين من ماساتشوستس وفيرجينيا. على الرغم من عدم إجراء أيّ تغييرات هيكلية في أسلوب الحكم، بدأ السياسيون مثل جاكسون وغيره من أعضاء النخبة ومديريهم في استخدام مصطلح (الديمقراطية) لوصف الجمهورية، إيحاءً منهم بأنها تخدم مصالح الشعب، في حين كانت هذه (الديمقراطية) بالطبع كنايةً عن حكم الطغمة البرجوازية.

انتزاع تنازلاتٍ ديمقراطية

في الوقت نفسه، كان هناك قرنان ونصف من الصراع الطبقي في الولايات المتحدة، وكثيراً ما فازت القوى الديمقراطية الحقيقية بتنازلات كبيرة جداً من الطبقة الحاكمة. فتم توسيع مجال الانتخابات الشعبية لتشمل أعضاء مجلس الشيوخ والرئيس، على الرغم من أن (المجمع الانتخابي) لم يتمّ إلغاؤه حتى الآن، ولا يزال قضاة المحكمة العليا يعيَّنون مدى الحياة! واستطاعت تضحيات الطبقة العاملة ونضالات السُّود انتزاعَ توسيع الامتيازات لتشمل النساء والأمريكيّين من أصل أفريقي والأمريكيّين الأصليّين. وهذه مكاسب كبرى ينبغي بطبيعة الحال الدفاع عنها وتوسيع نطاقها من خلال إصلاحات ديمقراطية عميقة للعملية الانتخابية والحملة الانتخابية برمّتها.
إنّ تعبيراتٍ من قَبيل الديمقراطية البرجوازية، والديمقراطية الرسمية، والديمقراطية اللّيبرالية غالباً ما تُستَخدَم، لأسبابٍ مختلفة، لفهرسة هذا الشكل من حكم الأثرياء. ومن الصحيح أيضاً، وممّا يستحق التّأكيد، أنّ وجود بعض الحقوق الديمقراطية الرسمية في ظلّ الحكم البلوتوقراطي يعدّ بمثابة انتصارٍ كبير للطبقة العاملة لا ينبغي التقليل من أهمّيته. إنّ ما نحتاج إليه في نهاية المطاف هو تقييم ديالكتيكي يفسّر مدى تعقيد أنماط الحكم، والتي تشمل سيطرة القلّة في الولايات المتحدة على الدولة، والحقوق المهمّة التي تمّ اكتسابها من خلال الصراع الطبقي.
ولكن على الرّغم من أهمية هذه التطورات الديمقراطية، إلا أنها لم تغيِّر النظام العامّ لهيمنة حكم أرباب المال (البلوتوقراطيين.( في دراسة مهمّة للغاية تعتمد على تحليل إحصائيّ متعدد المتغيرات، أظهر مارتن جيلينز وبنجامين آي بيج أنّ (النخب الاقتصادية، والمجموعات المنظَّمة التي تمثل المصالح التجارية، تملك تأثيرات مستقلة كبيرة على سياسة الحكومة الأمريكية، في حين أنّ المواطنين العاديّين ومجموعات المصالح الجماهيرية ليس لديهم سوى القليل من التأثير المستقلّ أو أنّهم بلا تأثير).

تدويل الحكم التسلّطي

هذا الشكل البلوتوقراطيّ من الحكم ليس فعّالاً على المستوى المحلّي فحسب، بل على المستوى الدولي أيضاً. لقد حاولت الولايات المتحدة فرض شكلها غير الديمقراطي من القواعد حيثما أمكنها ذلك. وفقاً لبحث ويليام بلوم المضني، سعت الولايات المتحدة الأمريكية، بين نهاية الحرب العالمية الثانية وعام 2014، إلى الإطاحة بأكثر من خمسين حكومة أجنبية، معظمها منتخَبةٌ ديمقراطياً، ممّا يزيد تأكيدَ حقيقة الولايات المتحدة بوصفها إمبراطورية بلوتوقراطية، وليست (ديمقراطية) بأيّ مقياسٍ موضوعي لهذا المصطلح.

:::::

موقع “قاسيون”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version