الحلقة (1)
ملاحظة من “كنعان”
تنشر “كنعان” على حلقات كتاب الرفيق عادل سماره “العروبة في مواجهة الإمبريالية والأنظمة والاستشراق الإرهابي”، والكتاب مساهمة في مجالين رئيسيين:
1- المجال النظري
2- المجال السياسي الراهن أو السياسة اليومية
ونحن نعلم ان مواجهة هذه القضايا الهامة والساخنة سوف تشفي غليل الثوريين وتزعج البعض، ولكن هذه من طبيعة الحياة ولكن جوهر الحياة هو الصدق والمواجهة بالتحليل والموقف.
✺ ✺ ✺
عنوان الكتاب: العـروبـة في مواجهـة الأنظمة، الإمبريالية والاستشراق الإرهابي
المؤلف: د. عادل سماره
سنة النشر: 2024
الناشر: المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية
رام الله/ الشارع الرئيسي: فلسطين المحتلة
e-mail: samara.a.i@gmail.com
هاتف:2486676
خلوي: 0599113386
تصميم الغلاف: سلوى عمر شريتح
الخليل، فلسطين المحتلة
جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة إنتاج أي جزء من هذا المنشور أو تخزينه في نظام استرجاع أو نقله بأي شكل أو بأي وسيلة، إلكترونية أو ميكانيكية أو بالنسخ الضوئي أو التسجيل أو غير ذلك، دون إذن مسبق من الناشر.
✺ ✺ ✺
شكر وتقدير
هذا العمل مدين للجهد الذي بذله الرفيق د. مسعد عربيد/ فلسطين/ كاليفورنيا في النقاش المعمق للموضوعات التي بين دفتيه، وكذلك للجهد الفكري واللغوي الذي بذله الرفيق ابراهيم أحنصال/ المغرب، وطبعاً جهد الرفيقة الفنانة سلوى عمر التي أصرت على بذل جهد متواصل لإخراج الكتاب على أفضل ما يمكن.
وأشكر طبعاً المفكرين الذين ساهموا في إنضاج هذه المحتويات عبر إطلاعي على أعمالهم، والجنود المجهولين من الكتاب الذين لم ترد أسماؤهم في النص.
بل وأشكر من هم ضد هذا الكتاب لأنهم بتناقضهم حرَّشوا كثيراً من القضايا كي نطرحها، كيف لا، ألا يحرشنا الأضداد للرد والنقد! لذا قال الشاعر العربي دوقلة المنبجي شعراً جوهره قانون في الديالكتيك:
ضِدَّانِ لمَّا استُجمِعا حسُنا … والضدُّ يُظهر حسنه الضِّدُ.
وبالتأكيد الشكر لعناية التي وفرت كل الوضع الأسري للتركيز والإنتاج.
ويبقى أي تقصير هو مسؤوليتي أنا نفسي.
عادل سماره
فلسطين المحتلة
كانون الثاني 2023
✺ ✺ ✺
المحتـويــات
مقـدمة
الفصل الأول
في النظرية والواقع العربي
لماذا تختلف الإمبريالية في الوطن العربي؟
هل أنظمة عربية إمبرياليات تابعة Sub-Imperialisms أم مختلفة؟
ما هي الإمبريالية؟
كيف تعمل الإمبريالية في الوطن العربي؟
هل دول الخليج إمبريالية؟
ليست وحدها الأنظمة الحاكمة خادمة للإمبريالية
الإمبريالية والاستشراق الإرهابي كأسلحة دمار شامل للبشرية
العروبة من النظري إلى التطبيقي
قوميتان في الوطن العربي
أين نحن؟
الموجتان القوميتان الأولى والثانية
الموجة الأولى تخلق نقيضها الموجة الثانية
الموجة القومية الثالثة: تصنيع إمبريالي
القومية الحاكمة والقومية الكامنة واختلافهما بين المركز والمحيط
بين القومية والشعبوية إشكالية الخلط وحتمية الفرز
رأسمالية كمبرادورية ريعية كمب/ريعية وقطاع عام رأسمالي معولم
القطاع العام الرأسمالي المعولم
إكتمل الاستهداف وانتهت المساكنة.. من التلطي إلى التخطي
واصل العدو هجومه، فشل الرفض وعانينا المساكنة
كيف عرفنا من العدو أن القيادة تفاوض!
كيف غفلنا فرأيناها صُدَفاً؟
أقل من حكم ذاتي
الاستقواء بالضعف
ما العمل أو أقل
الفصل الثاني
الاستشراق الإرهابي طبعة خاصة ضد الوطن العربي
الاستشراق الإرهابي يبدأ بتصنيع القاعدة
توسع الاستشراق الإرهابي
تحالف الاستشراق الإرهابي، ولكن، من يستخدم الآخر؟
الفصل الثالث
الاستشراق الإرهابي في شكل دولة واستخدام
الماركسية والمسيحية والإسلام لتفكيك الوطن العربي
ماركس والاستشراق
الاستشراق الإرهابي: اختطاف المسيحية وابتلاع الإسلام
الاستشراق الإرهابي في طبعة استدوال
أولاً الكيان: إخضاع ماركس للاستشراق الإرهابي
ثانياً الدولة الإسلامية في العراق وسوريا
ربيع الإرهاب العربي
الكيان وداعش تشابه الهدف والتكتيك
الفصل الرابع
العروبة وأربع مسائل أخرى
الدولة القطرية ضد الوحدة والتحرير
في الطائفية: إعدام واستثمار طائفي مزدوج
المد الثوري غير تصدير الثورة، التصدير إلى أمة مطية!
من قاعدة إلى محمية، لماذا هرول الغرب إلى الكيان
التطبيع لا النووي يحمي
الفصل الخامس
وبعد… إلى أين؟ أي حلٍّ للصراع؟
عادل سماره ومسعد عربيد
السياق التاريخي لاستئصال العروبة ومذبحة غزة
الهدف والحلول والمصير
✺ ✺ ✺
مقــدمـــة
للواقع والتحدي والحدث دوره، وليس فقط بصمته على الإنسان، فهو يبدأ ويعيش معه. ولكن تفاعل واستجابة الإنسان لهذا التحدي المادي والمتمظهر لاحقاً إنسانياً، سياسياً اقتصادياً اجتماعياً نفسياً…الخ، يختلف بين شخص وآخر، بمعنى انخراط البعض في هذا الخضم الهائل وتمثُّلهِ إيجابياً ضمن جماعة ما، طبقة ما أو المجتمع بمجموعه. وبين من يذهب مذهباً فردياً بعيداً فلا يفقد تأثير الحدث والواقع الذي هنا يتخذ معنى ومضمون التاريخ، ولكن ينحصر في فردية ما وهذا يمكن وصفه بالذاتوي؛ أو يتخارج ثقافياً أو سياسياً أو اقتصادياً وهنا يصطف في مواجهة التاريخ وبالطبع المجتمع أي الشعب/ الأمة، ولكَ أن تختار أي التسميتين.
كعربي من فلسطين عِشت الحدث والواقع والتحدي والتناقض ومن ثم الصراع/ النضال العروبي ضد تحديات يمكنني القول فيها: إن هذا الوطن بأهله وامتداده الجغرافي وتواصله التاريخي، هو الوطن الأشد استهدافاً في العصر الحديث عصر رأس المال والإمبريالية وحتى العولمة بعدوانيتها، مقارنة مع مختلف بلدان العالم التي تعرضت للاستعمار والإمبريالية.
في مرحلة مبكرة من العمر يَنشدُّ المرء عاطفياً وحماسة في تفاعله مع ما يدور في الوطن، ويزداد هذا التفاعل عمقاً مع تطور عاملين متواكبين: العمر وتوفر المعرفة، المعلومة أو التحليل أو المدرسة الفكرية والحزبية إن شئت. وتوفُّر هذه الأمور هو تثقيف تأصيلي للانتماء حتى لو لم يتم بشكل حزبي أو مدرسي.
وكلما توفرت المعلومة والوسط الاجتماعي التثقيفي والحواري بشكل خاص، كلما غادرنا أو طورنا حماستنا من اندفاعة صدر عاطفية للتغيير إلى تحليل وتطوير مفاهيم للمسألة العروبية، تلائم متطلبات المرحلة وتطورات العصر.
تبقى المفاهيم الأولية للمسألة القومية عموماً صحيحة من حيث المبدأ، بمعنى شعور الأمة، أية أمة، بوجودها، وعيها لوجودها وفهم وتفعيل عوامل وحدتها التاريخية والجغرافية والثقافية والاقتصادية والنفسية…الخ. ولكن التعامل مع هذه الأمور في مستوى القبول بها دون تفعيلها والفعل فيها على ضوء المرحلة والعصر يحصرها في مستوى تطريبي اطمئناني تطميني، أي لا يكفي إذا ما بقينا مقتنعين بدور الحدث والواقع وأدائهما دون تدخلنا فيهما، لا سيما وأن الحدث متغير متعدد والواقع يتكيف بموجب الحدث والفعل الإنساني في الحدث. من هنا نصل إلى أن هذا الوطن تعرض ويتعرض لاستهداف متواصل، مما يوجب بناء فهم وتحشيد قوة حماية لهذا الوطن وتصليبها باستمرار.
وعليه، لا بد من إضافة عامل جديد للمكونات الكلاسيكية المألوفة للمسألة القومية في الوطن الكبير، هو في الحقيقة مزيج تفاعل هذه المقومات وهو: المصلحة المادية وخاصة للطبقات الشعبية في الوحدة والتنمية وصولاً إلى الاشتراكية.
والمصلحة المادية هنا هي مسألة ديمقراطية جوهرياً، لأنها تعني مصلحة الأكثرية الشعبية في هذا الوطن في التحرير والتحرر والوحدة والتنمية والاشتراكية، وهذا يقود بالضرورة إلى فرز أيُّ الطبقات مع هذه الضرورات وأيُّ الطبقات لها مصالح ضدها. أي التي مارست كأقلية ديكتاتورية طبقية على الأكثرية فكرَّست القطرية والتبعية والرأسمالية المتخلفة، وصولاً إلى عدوان نظام قُطر على نظام قُطر آخر في مشروع ممنهج لاجتثاث المشترك القومي؛ مما خدم الإمبريالية والصهيونية أيضاً، إن لم يكن بتحالف معهما!
مارست هذه الديكتاتورية الطبقية البرجوازية أربعة مفاعيل بالضد مع مصلحة الأكثرية الشعبية:
- لعبت دور أداة الغرب في مواجهة الوحدة العربية وإعاقة التنمية أو تكريس التخلف وتثبيت ذلك بالقمع والتخويف والتجويع والقتل في حالات كثيرة، وهذا نلخصه في: تجويف الوعي لتسهيل تجريف الثروة.
- التطبيع مع الكيان الصهيوني الأشكنازي رغم أنه عدو لمختلف بلدان الوطن وليس ضد فلسطين وحدها.
- تواطؤ معظم هذه الأنظمة مع هذه أو تلك من الأمم القديمة الثلاثة المحيطة بالوطن، أي تركيا وأثيوبيا وإيران بغض النظر عن تباين مواقفها تجاهنا.
- تبعية معظم هذه الأنظمة للإمبريالية بدرجات متفاوتة بين نظام عميل للغرب أو نظام يُبيح ثروات بلاده للغرب، أو نظام تابع عبر التبادل اللامتكافىء والتورط في قيود المؤسسات المالية الدولية الخطيرة الثلاثة: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. بل إن هذه العلاقة من التبعية وصلت ببعض هذه الأنظمة إلى التورط في ما أُسْميَ الديانة الإبراهيمية، التي هي فبركة لتعميق التطبيع مع الكيان ولتكريس التبعية للغرب، هذا ناهيك عن التجرُّؤ على الوطن بالحديث عن “ناتو عربي”! ولا ندري إن كان حصل سراً، وتلخيصاً هذه حالة صهينة.
لكن هذه التناقضات والمهام الشاملة والمصيرية تطرح علينا السؤال: هل كل هذا للعرب بمعزل عن أهل البلاد من غير العرب؟
هذا السؤال هو الذي اكتشف أو كشف عن حضور موضوعي هو مفهوم العروبة، الذي لم نتنبه له على أهميته وخطورة جهلنا به. هذا المفهوم بالنسبة لي يعني بوضوح أن هناك بوتقة تشكلت تاريخياً من الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والثقافة ومختلف التحديات التي عاشتها مختلف القوميات والإثنيات في الوطن الكبير، بما هي جميعاً لها نفس الحقوق كمواطنين بغض النظر عن أعراقهم ومذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم الأرضية: يسار، يمين، شيوعي، قومي…الخ، هذا هو المضمون الحقيقي للعروبة لأنها الإطار التاريخي الجغرافي الثقافي لمختلف أهل هذا الوطن الكبير.
قد يسأل البعض: لماذا لا يتم تبني الشعار الأوسع أي دولة الأمة الإسلامية؟
الدين جزء من الثقافة، هو الجزء السماوي من الثقافة، وهناك الكل الأرضي المجسد في العوامل القومية أعلاه، أي التاريخ والجغرافيا والإثنيات والفلكلور والاقتصاد والفكر والنظريات …الخ.
فسلطة الدولة الدينية بل سلطة الدين السياسي تأخذ البشر من الأرض إلى السماء مباشرة، مما يُضفي على السلطة طابع المقدس فتختزل كافة الحريات في ما تراه هي بما هي من طبقة، وليس كما يراها الله؛ وبالتالي تؤجل الرد على القمع الأرضي إلى الآخرة! أي تؤجل الاستغلال والقمع الطبقيين إلى ما بعد الأرضي.
وهذا ما نسميه الدين السياسي وليس الإيماني، لأن الدين أساساً إيماني بين الفرد والله حيث يمارسه الإنسان كما يفهمه هو كشخص. أما سلطة الدولة الدينية فتفرض نموذجاً أو تضع كل الناس في قالب عقيدي إيديولوجي واحد، مما يقلب معادلة الرأي/ التفكير/ الاعتقاد الحر إلى حرية الفكر/ الرأي/ الاعتقاد، بمعنى أن هذه الحرية تُمنح و/أو تُمنع من سلطة أرضية بهذه الدرجة أو تلك. لذا كتب سارتر متأثراً بماركس وبغرامشي بأن: “ما تحتاجه الطبقات المستغَلة ليس إيديواوجيا بل معرفة العالم كي تغيره”، كلنا نعلم أن تعبئة ملايين البسطاء بإيديولوجيا الدين السياسي أنتجت القاعدة وداعش.
تعود سلطة رجال الدين إلى ما ساد في الغرب في القرون الوسطى “السلطة ظل الله في الأرض”، مما يحصر العقل والحياة البشرية في مسار واحد، رؤية واحدة؛ ويجعل من الدين طربوشاً يغطي رأساً تخدم مصالح طبقة ضد الطبقات الأخرى. الإيمان علاقة بين الشخص والسماء، والمواطنة علاقة بين الشخص وكل شخص في المجتمع على قدم المساواة.
حَلَّتِ السلطة القومية الفارسية في إيران هذه المسألة باتخاذ تسمية “دولة إيران الإسلامية”، عِلماً بأن تركيبة الدولة في إيران متعددة القوميات والإثنيات. فالمكون الفارسي يشكل 45 بالمئة من مجموع سكان الدولة بينما الأكثرية من قوميات متعددة، مما يُحرج القوميات الأُخرى كي لا تُتهم بأنها ضد الإسلام. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذا الطرح الإيراني يعاني من أو يخلق أو لا يحل بل يُكرِّس إشكاليات ثلاثة:
الأولى: الإشكالية الطبقية في الحياة على الأرض حيث تقوم على أساس رأسمالي أي طبقي، وتحديداً غير اشتراكي. ولكن اللجوء إلى الدين يحول دون الصراع الطبقي، يمنعه وربما يٌكفِّره وهذا بحد ذاته كحيلولة، هو قمع طبقي من الطبقة/ السلطة على الطبقات الأخرى.
والثانية: توسيع هذه الدولة الدينية لتصبح دولة كل الدول والأمم التي تدين بالإسلام، سواء كانت في دولة أو مجتمع جميع سكانه مسلمين أو غير مسلمين؛ أي يصبح الصيني المسلم في الصين والكندي المسلم في بلاده تلك من رعايا هذه الدولة المفترضة! وبالتالي يصبح هذا الصيني أو الكندي في حالة فُصام، بمعنى وجوده جغرافياً وقومياً في قارة ونظام سياسي مختلف وانتمائه الديني في موقع آخر! وهذه إشكالية سواء تم اعتمادها من إيران وحدها أو فعلها غيرها أو فعل مثلها، لا تُحل دينياً نظراً لتعدد الأديان الأرضية والسماوية؛ بل تُحل بوصول العالم إلى الأممية الاشتراكية حيث لا طبقات ولا قوميات ولا دين واحد، بل تعدد الأديان كثقافات أو كجزء من ثقافات العالم. حينها لا إشكالية بين صيني مسلم في الصين أو في أمريكا.
ناهيك أن تقسيم العالم على أسس دينية يُعيده إلى أو يُنشِّط الصراعات الدينية والطائفية ويخلِّد الرأسمالية بما هي نظام اقتصادي اجتماعي طبقي استغلالي توسعي، يكرس الاستغلال ومن ثم الصراع الطبقي بدل أن يلغيه، ويقود إلى الحروب بين الأمم بدل وفي مواجهة وصول الأمم إلى الأممية الاشتراكية، إنه إعادة العالم إلى الوراء باسم الله.
والثالثة: فيما يخص الصراع العربي الصهيوني، فمن يطَّلع على تصريحات وتغريدات رجال السلطة في إيران مثلا وزير الخارجية عبد اللهيان والإمام خامنئي …الخ، يجد تعدداً في الطرح:
- الحل للقضية الفلسطينية في اقتلاع الكيان كسرطان.
- “الحل في فلسطين استفتاء بين الأديان الثلاثة” أي أن الصراع ديني وليس قومي عربي ضد الرأسمالية والإمبريالية، التي أقامت الكيان وتقاتل دفاعاً عنه. كما أن اليهود ليسوا من أهل البلاد، باستثناء قلة محدودة كانت في فلسطين قبل اغتصابها.
- “استفتاء بين سكان البلاد” دون تحديد من هم السكان وهل كل من هو في فلسطين له نفس حق أهل البلاد؟
- “حل بين أهل البلاد”.
- “الحل متروك للفلسطينيين” كما صدر على صفحة خامنئي خلال العدوان ضد غزة.
نلاحظ بأن إيرن لم تطور حلاً بل قدمت مقترحات ثم لاحظت عدم قبولها فلجأت لأكثر من تغيير، أو أن لديها حلاً لكنها تختبر حدود القبول به دون طرحه بشكل واضح وبقصد!
المهم في الأمر أن أفق التفكير الإيراني هو أفق دين سياسي وهذا في الحالة الفلسطينية يُخرج القضية من عمقها العروبي، ويتجاوز عن أن أي حل أو مصير لفلسطين لا بد أن يكون عبر كونها جزءاً من الوطن العربي، بل إن تحريرها لن يكون إلا عروبياً.
تختلف إيران من حيث الأعراق عن وطن العروبة من حيث الأكثرية العربية بشكل كبير جداً، ومع ذلك لا يُغمط أياً من هذه الأعراق حقه. ولكن المسألة أعمق لعدة عوامل منها: أن هناك دين آخر لعرب في الوطن نفسه أي العرب المسيحيين.
الأقوام أقدم من الأديان السماوية كما أن الأمم التي تدين بالإسلام متعددة الأصول القومية بشكل هائل، ولا يكفي الدين كجامع لها وخاصة أن التديُّن هو أمر يخص الفرد وخالقه، ولا يتناول التناقضات الطبقية على شدة أهميتها؛ هذا التعدد الهائل يجعل دمج هذه الأمم أمراً قسريا وبالتالي مستحيلاً.
هذا ناهيك عن أن إيران في منهجها السياسي الديني الدينسياسي تحصر الصلاحيات المصيرية للدولة بيد ولي الفقيه الرجل الفرد المنزَّه، وهي مدرسة أو نظرية لا يتفق عليها حتى مختلف أتباع المذهب الشيعي من الإيرانيين أنفسهم، فما بالك بالمذاهب الإسلامية الأخرى ناهيك عن العرب المسيحيين! فكيف يمكن أن تقبل بولي الفقيه مختلف التجمعات المسلمة في قازاخستان والصين وروسيا وأوربا وأمريكا …الخ! وولاية الفقيه تعني أن لا حزبية ولا عقيدة ولا نظرية إنسانية مسموح بها سوى نظرية الدين السياسي الحاكمة! وهذه تفتح على حقيقة طبقية أو تركيز الصلاحيات وحتى الحقوق في يد طبقة معينة، هي غالباً رجال الدين السياسيين.
تختلف ثقافة المجتمع العربي أو معظمه على الأقل عن الثقافة السائدة بل المفروضة سلطوياً في إيران فيما يخص المرأة، بل ليس في الوطن العربي من يتقاطع مع موقف إيران من المرأة سوى النظام السعودي. أي أن المرأة في معظم الوطن العربي لها حقوقاً أوسع من تلك التي في إيران، ليس الأمر كما في إيران. وهذا لا يعني عدم وجود ذكورية في الوطن العربي بل إن الأنظمة العربية تستغل أو توظف الهامش المسموح به للمرأة لصالح النظام الذكوري الرأسمالي التابع، ولذا أسميت المرأة التي تتسلم منصباً عاليا في هذا الوطن بـ النس/ذكورية، أي نساء في خدمة الذكور. وهو ما فصَّلته في كتابي: تأنيث المرأة الصادر 2010. دعنا نسمي هذا الأمر في الوطن العربي درجة من العلمانية.
إن جوهر الموقف الإيراني تجاه فلسطين وتجاه الدين والطوائف هو موقف ذو طموح جيوسياسي، حتى أوسع من قومي بل إمبراطوري في عصر تفككت فيه الإمبراطوريات القائمة على الدين، وحلت محلها محاولات إمبراطوريات رأس المال مجسدة في الحالة الأمريكية.
إن مسألة نفي الانتماء القومي لصالح إيديولوجيا الدين السياسي ليست في الأصل صناعة إيرانية، أي ليست شيعية إيرانية بل سُنية عربية أسستها تسمية “جماعة الإخوان المسلمين”، وهي على أية حال منسوخة عن الأحزاب الغربية، مثلاً “الحزب الديمقراطي المسيحي” في ألمانيا أو كثير من البلدان الغربية.
لكن اختلف مفهوم الدور لحزب دين سياسي، ففي الغرب حَكم هذا بالديمقراطية ولو هي طبقية وشكلانية، إنما أقر بالتعددية؛ بينما في إيران اختلف عن الأصل الغربي للمسألة في أمرين:
الأول: لا تعددية حزبية سياسة تنظيمية بل حزب أوحد هو حزب الدين السياسي واحد، وعلى رأس البلد ولي الفقيه كديكتاتور لا يُناقش في شيء بما هو المرجعية النهائية، ولا ندري هل هذا دوره وصلاحياته حقاً، أم أن هذا التفخيم لترويج المدرسة الإيرانية في السلطة القائمة على الدين كإيديولوجيا!
والثاني: أن إيران حافظت على الاسم القومي إلى جانب الإسلامي “جمهورية إيران الإسلامية”، أي القومي قبل الإسلامي. ولذا، فالسلطة الإيرانية دين سياسية لكن وطنية، ولا نود التفصيل في كونها طبقية …الخ. بينما جماعة الإخوان المسلمين يُعادون القومية العربية بالمطلق.
والمضحك أن كثيراً من قوى الدين الإسلامي العربية سواء الجهادية أو الدينسياسية البحتة، تُقلِّد إيران دون أن تفهم النهج الإيراني أو تأخذ نصف ذلك النهج، فتسمي نفسها حركة أو منظمة كذا وكذا الإسلامية وهي تعمل في فلسطين، لبنان، العراق، اليمن…الخ، فلا يذكرون حتى إسم البلد ناهيك عن الأمة العربية.
وهذا يطرح السؤال على الجميع: هل يوجد عرق إسمه الإسلام أو المسيحية؟ هل هناك دراسات أركيولوجية تثبت أن مسلماً فلسطينياً عربياً هو مثل مسلم في الصين أو في كندا؟ وكذلك هل مسيحي عربي من رام الله هو ذو جمجمة كجمجمة مارجريت تاتشر! لعل ما يثير الشك بأن قوى الدين السياسي الوحيدة في العالم التي ضد قوميتها، هي قوى الدين السياسي العربية! هذا يؤكد وجوب وضع الدين في المستوى الثقافي وليس العرقي.
قد يجادل البعض بأن الكيان الصهيوني يضم يهوداً من مائة قومية، وهذا صحيح، ولكن هؤلاء وإن أقيمت لهم دولة فذلك لا يعني أنهم أمة، فليس هؤلاء من عِرْقٍ واحدٍ لا من حيث اللون ولا الجمجمة ولا الأصل القومي أو الجغرافي؛ ولذا يجمعهم تحشيد إيديولوجي غيبي للعامة ومصلحة رأسمالية طبقية للسلطة التي ترشيهم بمنافع، لم يتمتعوا بها في بلدان أممهم الأصلية. وهنا يجب التحذير بأن “دولة إسلامية” تخدم وتبرر وتتقاطع، قصدت أم لا، مع هدف الصهيونية في “دولة يهودية”.
وهنا لا يختلف الطموح التركي عن الإيراني سوى في عدوانية النظام التركي الذي يستخدم الدين من جهة، ويغطي احتلاله أجزاء من الوطن العربي وأطماعه في أجزاء أخرى بالدين! كما يستخدم الدين لصالح السوق حيث تتدفق المنتجات التركية على الأسواق العربية وتتدفق على الكيان الصهيوني في حربه ضد الفلسطينيين في غزة خاصة 2023، مما يُسعفه اقتصادياً كونه، أي الكيان، في حالة حرب وعطالة الإنتاج وخاصة الزراعي. إن العلاقة الحميمة والقديمة بين تركيا والكيان الصهيوني منذ بداية الخمسينيات، وكون تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي يضع تركيا في موقع العدو المعلن، بل والعدو المعتدي ضد العروبة.
يفتح هذا الطرح بل الجدل والمحاججة على سؤالٍ أصعب وهو:
إذا اتفق القارئ مع هذا الفهم لمسألة العروبة فيحق له، بما هي عملية مشتبكة بطبيعتها، ألا يراها مجرد أطروحة نظرية يمكن القبول بها أو نفيها أو تعديلها كأنها مجرد تجريد نظري، لكنها مشروع عملي تغييري مشتبك، الأمر الذي يسأل عن الأداة لتجسيد العروبة؟
لم تغب الأداة بالطبع في العقود السابقة سواء الأحزاب العروبية أو الأنظمة السياسية عروبية الاتجاه وحتى وحدوية الطرح، سواء حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والحزب السوري القومي الاجتماعي، وإن كانت نظرته لجزء من الوطن الكبير؛ والأحزاب الشيوعية العربية التي هي من البيئة ولكن مواقفها متكيفة مع البُنى القُطرية، وهو الأمر الناجم عن رفضها للقومية العربية مما وضعها ضمن المتقبِّل للتجزئة وليس بالطبع خالقاً لها، إضافة إلى بعدها الأممي أي فشلها في التعاطي مع المكون القومي عبر اعتمادها الانحصار القُطري نشاطاً والامتداد الأممي عقيدة. وهذا الموقف تحديداً هو أهم خلاف بين التيار القومي والتيار الشيوعي في الوطن العربي.
هناك بالطبع كثير من الأحزاب في مختلف أقطار المشرق والمغرب والتي تبنت مواقف سياسية ضمن القطر الذي تعمل فيه، أي لم تطرح ولم تعمل على الصعيد العروبي العام إما لأنها لا تقبل بالعروبة، أو لأنها تزعم أن الأكثرية العربية تضطهد غير العرب. وهنا، لندع عدم القبول بالعروبة جانباً لنقول بأن فزاعة الاضطهاد القومي العربي لغير العرب من وفي الوطن، هي فزاعة استعمارية إمبريالية متحالفة مع الأنظمة الحاكمة في الوطن نفسه.
فالمصالح، وممارسة السلطة وحيازة الثروة في الوطن عموماً هي طبقية أكثر مما هي قومية، ولذا، فإن القمع يطال كل من يعارض أنظمة الحكم والاستغلال والإفقار والتوزيع المنحاز للثروة، يطال الطبقات الشعبية بمعزل عن الدين والقومية والإثنية، وهذا وإن كانت السلطة غالباً بيد البرجوازية العربية التي بالمقابل لا تمثل كل العرب بل تمثل طبقة.
لقد دخلت الأحزاب والأنظمة المذكورة أعلاه في منعطفات وتجارب وتحديات أدت في النهاية إلى هزيمتها، وبالتالي تراجع كثير منها عن أطروحاته التي كانت في حينها تقدمية. لذا، أصبحنا أمام أحزاب تسمي نفسها باسم القطر الذي هي فيه وليس باسمها وأفقها العروبي السابق، مما يعني أن هذا الحزب متماهٍ مع سلطة الدولة القطرية والتي يجب دمجها في الدولة العربية المركزية.
وبدورها انحدرت الأنظمة التي كانت تطرح الوحدة العربية سواء مارست تنفيذ أنماط من الوحدة أم لا، إلى مواقف قُطرية، الأمر الذي كشف بأن هذه الأنظمة سواء بقيادة حزب أو نظام حكم شعبوي هي قومية الطرح والشعار، قُطرية المصالح والتنفيذ وحتى الأفق.
في هذا المستوى، شكلت هزيمة 1967 منعطفاً حاداً في التاريخ العربي المعاصر، مفاده أنها أكدت بأن الكيان الصهيوني قاعدة لحماية مصالح الإمبريالية في الوطن العربي، أي أن هذا الوطن وحتى اليوم هو مستعمرات للغرب الرأسمالي الإمبريالي وليس فقط مجرد اغتصاب لقُطر عربي واحد هو فلسطين.
لقد كانت حرب تشرين 1973 محاولة جديدة من بعض الجمهوريات العربية لاستعادة الأرض المحتلة وإعادة بناء الموقف العروبي، وتمكنت من الانتصار لولا التدخل الإمبريالي لصالح الكيان الصهيوني؛ الأمر الذي أكد أن الصراع العربي الصهيوني هو دائماً نضال عربي ضد الإمبريالية والصهيونية كطرف واحد، بل واتضح بأن هناك صهيونية عربية تشارك هذا الثنائي العدو.
كانت حرب 1973 نصراً حقيقياً وإبداعاً عسكرياً رغم الانتكاسة، إلا أن توظيفها كان سلبياً؛ حيث قامت البرجوازية المصرية بالتطبيع مع العدو وفتحت باب الخروج الرسمي من الصراع، الأمر أو التطور السالب الذي فتح الطريق لعدة أنظمة أخرى للخروج من الصراع.
ونظراً لتحول كثير من الأحزاب من الأفق والموقف العروبي إلى الموقف والأفق القُطري، فقد خرجت كثير من الأحزاب من وعن مشروعها السابق في تغيير الأنظمة الحاكمة والوصول إلى دولة الوحدة. وحيث تخلخلت جبهة الأنظمة والأحزاب فقد بقيت جبهة الطبقات الشعبية العربية بانتمائها العروبي الفِطري ورفضها للتطبيع، وهذا ما أكده حراك الشارع العربي إثر انتصار 7 تشرين 2023، ولكنه حراك حوصر أو حاصر نفسه في الميادين ولم يتطور ضد مصالح الأعداء وحُماة تلك المصالح التي هي مستعمرات.
دعَوْنا دائماً إلى وجوب “استعادة أو استرداد الشارع العربي” من أيدي قوى إرهاب الدين السياسي، ومن التخويف والترويع السلطوي العربي. لقد مضى أكثر من حدث دامٍ خطير دون أن يتحرك الشارع العربي كما يجب، شهداء محاولات مسح العراق ثم الصومال ثم الجزائر ثم ليبيا ثم سوريا ثم اليمن، هم بالملايين ولكن الحراك الشعبي كان إلى حد كبير مكتوماً.
لكن ومجدداً أثبت حدث 7 تشرين الأول 2023 ما كان في العمق الوعيوي الشعبي حيث تحرك الشارع العربي من المحيط إلى الخليج مع فلسطين، أي مع العروبة في ثوب فلسطين، وهذا ما يجب التقاطه وتطويره إلى حرب الشعب في كل جغرافيا الوطن الكبير.
يُعبِّر الانتماء العروبي ورفض التطبيع عن التلاحم بين تحقيق الدولة العربية المركزية وإنجاز المعركة المركزية أي تحرير فلسطين، أي إن كل مكوِّن مِن شَقَّيْ الواجب العربي يشترط المكون الآخر. ولكن لإنجازهما صار لا بد من بلورة قوة منظمة تتفهم هذه المشروطية وتقاتل عديد المعارك، كي تكتسب من خلال ذلك القدرة على كسب الحرب النهائية ضد الثالوث العدو: الإمبريالية والكيان الصهيوني والصهيونية العربية.
ولكن، وعلى ضوء انحصار الحراك الشعبي العربي في المظاهرات وحسْب دون أن ينتقل الحراك نوعياً إلى حرب الشعب، يؤكد مشهد الصراع اليوم بلا مواربة أن الثورة المضادة قد أوصلت المشروع العروبي إلى الوهن بهدف مسحه.
لقد كشف انتصار 7 تشرين عن حالة الطلاق بين موقف الشعب وموقف السلطات الرسمية العربية، لكنه طلاق لا تناقضي، حيث بقي حراك الشارع العربي ضمن السقف الذي تسمح به الأنظمة، بل إن بعضها لم يسمح حتى بمظاهرة. فالمشهد هو الشارع في حالة تأييد لفلسطين كقضية عروبية والأنظمة في جانب التخاذل وعدم القيام حتى بالضغط غير المكلف على الأعداء، أي من مستوى استدعاء السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية، فما بالك إذا قُطع النفط وأُغلقت الممرات التجارية وترتب على استمرار هذا طرد منتجات الأعداء من الأسواق العربية؟
لذا كان ضمن أطروحتنا وباستمرار وجوب تحرك الشعب العربي لتفكيك المفاصل الأمنية للسلطة القُطرية، بداية بتفكيك ومهاجمة مصالح الكيان والاستعمار بتنوعاتها والاصطدام مع الأمن السلطوي الذي سيحميها، ومن ثم توسع الصدام وصولا إلى تفكيك الأنظمة وتغييرها.
لقد أوضحت مواقف الأنظمة العربية من العدوان الإبادي ضد قطاع غزة وتعاطيها مع وزير خارجية العدو الأمريكي كما لو كان وسيطاً عدلاً، مع أن أمريكا تقود الحرب وتشارك فيها بجيشها ومخابراتها، بأن هذه الأنظمة هي في المعسكر المعادي للعروبة ولفلسطين.
أَنقل التقديم بعد ما تقدم إلى حقل ساخن آخر يرفضه الكثيرون، وهو رفض التناقض المصطنع بين القومية بما هي مرحلة في فترة التحرر الوطني والاجتماعي وبين الاشتراكية أو لنقل الماركسية والشيوعية، وبأن من تمترسوا عند الزعم بأن المسألتين متناقضتين هم في الحقيقة لم يفهموا النظريتين لا القومية ولا الماركسية فهماً عميقاً يُسيطر على الفكرة ولا تُسيطر هي عليه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هذا ديدن التروتسكية التي في أفضل أحوالها تشتط كوزموبوليتياً فتقف ضد مطلق المسألة القومية حتى في حالة الأمم التي تخضع لاستعمار واستعمار اقتلاعي! لكن هذا التفاخر بأممية متخيلة ينطوي على تبرير خبيث لاغتصاب فلسطين من الكيان الصهيوني بإدانة المقاومة، وذلك عبر تغييب عروبة الصراع وبالتالي المقصود تعجيز الفلسطينيين عن الانتصار، لأن هؤلاء وغيرهم من الأعداء يدركون أن التحرير عروبياً.
لقد أوضحنا في سياق صفحات هذا الكتاب أن القومية ليست الشوفينية، وبأنها مرحلة في التطور التاريخي الاجتماعي البشري ولذا هي خطوة تاريخية تقدمية، ولا يقلل من شأنها انحراف قوى قومية وخاصة في الغرب الرأسمالي الإمبريالي إلى الشوفينية والنازية. ونخصص هنا الحالة العربية حيث المسألة القومية هي نضال تحرري من المحيط إلى الخليج.
كي يقف هذا المشروع التحرري على قدميه لا بد أن يفرز المجتمع العربي قوة ثورية ذات رؤية تاريخية ومستقبلية معاً، ولنقل تاريخية بالمعنى القصير أي القرن الماضي الذي شهد محاولات الاستقلال والتحرر العربية، والتي ضُربت بهزيمة 1967. وتلتها حروب تصفية الجمهوريات العربية وجيوشها وخاصة بعد حرب أكتوبر 1973، ودخول الجيوش العربية منتصرة الأراضي المحتلة 1967 ثم خذلانها من النظام المصري، ودخول الإمبريالية الحرب بالجسر الجوي للحيلولة دون انهيار الكيان الصهيوني ومواصلة التصفية بإخضاع وتهبيط مصر؛ إلى العشرية السوداء في الجزائر، إلى تدمير واحتلال العراق، إلى تدمير سوريا وليبيا واليمن وصولاً إلى إهلاك لبنان. دعنا نقول تدمير الجمهوريات والجيوش العربية.
أما الرؤية المستقبلية فقد فتحت لها الباب معركة 7 تشرين الثاني 2023 حيث دخلت المقاومة المحتل 1948، الأمر الذي دفع الثورة المضادة للرد بمواصلة التطبيع بشكل مكثّفٍ خلال قيام الكيان بمذبحة غزة! أي مارست هذه الأنظمة الحرب الأخرى ضد الفلسطينيين والعروبة. وحيث أن المقاومة هي نَبْتٌ شعبي لا رسمي، فإن اجتثاثها مستحيل، ولكن بقاءها وإعادة فاعليتها تشترط حركة ثورية برؤية الصراع التناحري مع ثلاثي الثورة المضادة.
فيما يخص النص:
معظم مواد هذا الكتاب هي في نص كتابنا بالإنجليزية Arab’s Regime Arab’s Eneny الذي صدر في العام 2023، وقد نقلتها إلى العربية لأن المعني بها أساساً هو القارئ العربي وقرَّاء العربية عموماً، ولكن السبب المُلِحّ أكثر لنشرها بالعربية هي معركة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، سواء لأهمية حصولها ولأهمية وخطورة ما اتضح في مجريات العدوان الصهيوني ضد المدنيين في قطاع غزة أساساً، وحتى في الضفة الغربية المحتلة رداً على نصر أكتوبر ومواقف الأنظمة العربية خاصة والإسلامية عامة؛ والتي اتسمت الخذلان للمقاومة عبر توجهها بالترجي للعدو الأمريكي وما يسمى الأمم المتحدة، لوقف الحرب الجوية والبرية والبحرية الصهيونية ضد المدنيين الفلسطينيين. والحقيقة فإن مواقف الـ 57 سلطة عربية وإسلامية هي حرب أخرى ضد الشعب الفلسطيني والعروبة، فهي تطبيعية وإن لم تُعلن ذلك. لقد أثبت موقف الأنظمة العربية تجاه المذبحة ضد المدنيين العُزَّل في غزة صحة كتابنا، بأن النظام العربي عدو العرب، فهذا التواطؤ العربي الرسمي والإسلامي الرسمي مُرَكَّز فيما يلي:
الأول: الإقرار بأن الكيان الصهيوني يجب أن يبقى وبأن تطبيع هذه الأنظمة هو الحماية الحقيقية له بأكثر من النووي،
الثاني، فبناء على الأول يجب القضاء على ظاهرة المقاومة كي لا تمتد إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي،
والثالث: انتزاع القضية الفلسطينية من عمقها العربي أي العداء للعروبة، كي لا يكون هناك أي شكل من الوحدة العربية كعدو للدولة القُطرية.
هذا دون أن نتسع بالقول بأن هذه الأنظمة هي جزء من ثلاثي الثورة المضادة، أي الإمبريالية والكيان والصهيونية العربية.
اتضح ذلك كلياً يوم 11 نوفمبر 2023 في بيان الـ57 دولة عربية وإسلامية، حيث نفضت يدها من أي موقف مساند للشعب الفلسطيني ولو في مستوى استدعاء أو سحب سفير الكيان، أو أية دولة غربية تساند المذبحة أو ترفض وقف إطلاق النار ضد المدنيين! لقد جاء موقف هذه الدول تأكيداً لجوهر الكتاب بأن النظام العربي عدو العرب! وتَكرَّر الموقف المتخاذل نفسه في مؤتمر المناخ في دُبيْ فاتح نوفمبر 2023، حيث ضم المؤتمر رئيس سلطة الكيان مع عدد من الحكام العرب أو ممثليهم، بينما يصب الاحتلال نار أحدث الأسلحة الجوية الأمريكية على المدنيين في قطاع غزة! لذا، يجد القارئ بعض الإشارات في الكتاب إلى يوم 7 تشرين الأول 2023 حيث كان ذلك ضروريا ومفيداً للمضمون.
تكررت الإشارة في بعض صفحات الكتاب لنفس النقطة أو العنوان أو الموضوع حيث كان ذلك ضرورياً لمقتضيات التوضيح. وهنا أود التوضيح للقارئ أن الكتاب لا يتضمن تقييماً لإنجاز 7 تشرين والحرب الجارية، لأن الكتاب ليس صحيفة أو مركزاً صحافياً إعلامياً يعمل على أساس يومي؛ فالكتاب تحليل بالطبع، ولذا يأتي بعد الحدث ولا يتورط في تقييم يومي قد يوصل الكاتب إلى استنتاجات خاطئة.
يعالج الفصل الأول من الكتاب مسألة الإمبريالية نظرياً وتمظهراتها في الوطن العربي وعلاقة الأنظمة العربية بها، بل وحتى تَمثُّل هذه الأنظمة جميعها أو معظمها لدور الإمبريالية في بلدان هذه الأنظمة نفسها، أي أن الأنظمة تحولت إلى إمبريالية على وطنها؛ ومن هنا كان تطابق موضوع الكتاب بأن النظام العربي عدو العرب مع تفاعلات 7 تشرين الأول وتخندق الأنظمة العربية وحتى الإسلامية لصالح الثورة المضادة، وتجسيد دورها في مذبحة قطاع عزة وهي ظاهرة خطيرة لا يوجد نظيراً لها في أي بلد في العالم!
وتناول الفصل الثاني ما أسميناه الاستشراق الإرهابي بما هو طبعة استشراقية خاصة في الوطن العربي، وله سمات تختلف وتتجاوز تمظهرات الاستشراق الأخرى؛ بمعنى أنه خُصص ضد الوطن العربي. هو تحالف قوى الدين السياسي العربية وأنظمة الخليج مع مخابرات الإمبريالية في تدمير الجمهوريات العربية، وأهم سمات هذه الطبعة الاستشراقية أن مادتها البشرية عربية وإسلامية!
ويتناول الفصل الثالث الاستشراق الإرهابي في شكل دولة عبر مثالين هما الكيان الصهيوني ودولة إرهابيي داعش، وذلك بتوظيف كل من الماركسية والمسيحية والإسلام في تبرير هذا النمط من الدول، وكل ذلك في النهاية لتفكيك الوطن العربي.
الفصل الرابع
العروبة وأربع مسائل أخرى
الدولة القطرية ضد الوحدة والتحرير
في الطائفية: إعدام واستثمار طائفي مزدوج
المد الثوري غير تصدير الثورة، التصدير إلى أمة مطية!
من قاعدة إلى محمية، لماذا هرول الغرب إلى الكيان
التطبيع لا النووي يحمي
الفصل الخامس
وبعد… إلى أين؟ أي حلٍّ للصراع؟
عادل سماره ومسعد عربيد
السياق التاريخي لاستئصال العروبة ومذبحة غزة
الهدف والحلول والمصير
وأخيراً ملحق موجز عن مآلات الوضع في قطاع غزة حتى حين الدفع بالكتاب إلى المطبعة.
________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
