السنة الرابعة والعشرون – العدد 6766
في هذا العدد:
■ لإيران: لا شماتة ولا تهريج، د. عادل سماره
- انتصرت أمريكا، والهدف اجتثاث العروبة
■ عادل سماره: تغريدات مشتبكة
(1) من يعلق الجرس؟
(2) النبي المشتبك يقول…هذا ليس لكم/ن
(3) فخ المفاوضات
■ من كان يتوقع؟! وهذا ما نتوقعه وسيتحقق، رشاد أبوشاور
■ نظرة إلى فعالية ومشكلات سلاح بحرية حلف “الناتو”، د. منذر سليمان وجعفر الجعفري
✺ ✺ ✺
لإيران: لا شماتة ولا تهريج
- انتصرت أمريكا، والهدف اجتثاث العروبة
د. عادل سماره
ليلة أمس اضاءت قليلا على جوهر موقف إيران من الصراع أكثر من اي حدث أو حديث آخر لأنها كانت ليلة شرح مفصَّل، محاضرة تطبيقية لليلة كاملة خلافاً لموقف إيران إثر موقعة 7 تشرين أكتوبر التاريخية حيث لم تقم باي فعل. هذا إلى أن كان يوم 11 نوفمبر 2023 في مؤتمر أل 57 في بلاط آل سعود حيث اصطفت إيران والجزائر وسوريا كالآخرين المتصهينين أو المرتعبين أو المتآمرين…الخ بكل أدب وألسنة قصيرة ووافقوا على الاستغاثة بالأمم المتحدة أن تترجى الكيان بأن يشبع من لحم غزة.
ومع ذلك لم يفهم أو رفض كثيرون/ات فهم موقف إيران إلى أن جرى تدمير قنصلية إيران في دمشق واستشهاد جنرالات وخبراء إيرانيين ومواطنين عرباً سوريين، ويومذاك قالت الناس :”هذا ربي”، ولكن إيران لم تضرب فوراً، لأن الرد الطبيعي هو الرد الفوري لكنها اعتمدت الوعيد ضمن فتاوى خامنئي وتصريحات رئيسي، وتهديدات ساسة وعسكر ولمدة عشرة ايام أعطت الكيان وأمريكا وبريطانيا وكل الغرب والصهاينة العرب الوقت للاحتياط والإيحاء الفعلي بأن الرد سيكون شكلانياً، وليس كما قال الشاعر إبراهيم طوقان:
“وأخو الحزم من تكن…يده تسبق الفَما”.
في نهاية هذه الليلة صار يكفي أن تمشي في شوارع رام الله وتسمع ماذا تقول الناس البسيطة، ويمسك بك صديق ليقول كما قال الجميع “كيف هالمسرحية”؟
لكن السرَّ هنأأأأأك:
ربما لم يتابع معظم الناس التعديلات المتتالية على مواقف إيران منذ أحمدي نجاد وحتى إبراهيم رئيسي وخاصة أقوال عبد اللهيان وخامنئي منذ 7 تشرين 2023. لقد تعدلت وتحولت مواقف إيران من الصراع العربي الصهيوني من:
· الغدة السرطانية التي يجب إزالتها
· تحرير فلسطين
· الحل في استفتاء بين الأديان الثلاثة يران لا تسلح الفصائل الفلسطينية بل تقدم لها التمويل.
· إيران لم تعلم بما قامت به حماس ولا حتى المحور علم بذلك
لنلاحظ أنه كلما سخنت الساحة اصبحت شعارات إيران أكثر تساهُلاً.
ولكن، للأسف لم تنتبه الناس لكل هذا وبقيت مأخوذة باستعراض إيران لتطورها التسيلحي سواء إسقاط طائرة تجسس أمريكية متقدمة، وامتلاك صواريخ فرط صوتية، واقترابها من امتلاك النووي. وربما كل هذه القدرات حقيقية، لكن أكثر الناس لم تربط:
· بين القدرات
· وبين الصريحات والمواقف
بمعنى أن القدرات هي لحماية إيران وليست لقتال الكيان.
ربما يزعم البعض أن إيران تدخر قدراتها للمعركة الفاصلة. ومع أن يوم 7 تشرين كان يمكن تحويله لبدء المعركة الفاصلة، لكن لنقل، لا باس، ولكن:
من يؤمن بالمعركة الفاصلة:
· لا يطرح استفتاء على وطن هو لشعب واحد!
· ولا يقدم حلاً دينياً لحرب بين أمة وبين تجميع شتات من مئة قومية ويدعي مع ذاك أن هذا الشتات أمة.
أي كان بوسع إيران الإبقاء على ما زعمته ذات يوم: أن هذا كيان يجب إزالته، أو على الأقل “كيان غير شرعي” وليس ما قاله خامنئي بعد 7 تشرين: “إن الذين قالوا برمي اليهودي في البحر هم عربا”. مع أن العرب الحقيقيين لم ينادوا برمي اليهود في البحر.
ومع ذلك فإن إيران حيَّرت الناس أنظر:
· قبل اسبوع من 7 تشرين أعلنت إيران أنها صنعت صاروخا اسمه قاسم سليماني مصمم لضرب “إسرائيل”
· وقبل عامين قال مساعد الرئيس الإيراني للشؤون الاقتصادية، محسن رضائي، في تصريحه عام 2022
“أتمنى أن تعطينا إسرائيل ذريعة لنمحوها عن وجه الأرض”!
كان هذا بعد استشهاد قاسم سليماني، وها هو القول مناسب بعد استشهاد زاهدي وزملائه! فاين هو!
هذه الأقوال خدعت الناس مما جعل صدمتها اليوم بادية ويتم البوح بها.
أما بخصوص سليماني، فهذا تصريح ترامب بأن إيران طمأنت أمريكا بأنها ستضرب ضربا في الفراغ. قد يقول البعض ترامب كاذب، ونحن نؤكد على هذا، لكن لم يصدر من طهران أي تصريح أو توضيح أو نفي أو تكذيب وتحدي، ربما لأن ترامب وقح ويمكن أن يوفر تسجيلات صوتية.
خلاصة القول:
حين يكون الصراع مع الغرب والكيان، نحن مع إيران قاتلت معنا أم لا ودافعت عن نفسها أم لا. ولكن، نحن بوضوح ضد إحلال إيران محل العروبة لا في القتال ولا في السلام ولا في الإسلام. هي دولة قومية تحافظ على وطنها وشعبها وهذا حقها، ولكن ليس من حق أحد من أن يخلق منها اسطورة مصيرنا كما يفعل محللي الميادين والمنار والعالم وهم يلهجون ويلهثون. وهذا ليس لأننا لا نحب الفرس بل لأن مشروعنا وجوب وحتمية النهوض العربي فلا تحرير إلا بدمنا ولا وحدة وتنمية إلا بجهدنا، لذا يجب أن نمنع اي مساس بالعروبة.
إن تضخيم دور إيران تجاه فلسطين هو في الأساس لتعميق قتل العروبة باسم الإسلام، ومن هنا نقول: هذا أمر خطير ومرفوض. والعروبة ليست اي نظام عربي قط، باستثناء اليمن/صنعاء، كيف لا وهي أنظمة متصهينة، وبالطبع صهينتها ترفع من دور إيران بأكثر من حجمه.
إذن ماذا؟
لقد تابعت كتابات وأحاديث كثيرين، لكنني فوجئت أن لا أحد ذكر أن جيوشاً عربية قدمت مآت آلاف الشهداء لتحرير فلسطين بغض النظر عن النتائج. إن من الجريمة غض النظر عن الأسباب اي أن كل طلقة في فلسطين كانت في اشتباك مع الغرب جميعه، وذات يوم كان الشرق معه وصهاينة العرب معه حتى اليوم.
لدينا مشكلة وشكوكاً في من يعرفون أن عربا ضحوا في فلسطين بالدم ناهيك عن المال والسلاح، ويخشون ذكر ذلك لأنه يُغضب أمريكا أو إيران أو الحكام العرب!
واليوم، بعد أن قامت إيران بتجليس نفسها في المكان الذي تريد، هل تسمحوا لنا بالنالي؟
وهو من كتاب عبد القادر يسين، والرجل بالمناسبة شيوعي اي يُفترض، لكن ليس شرطاً، أنه ضد صدام حسين والقومية العربية، وللحقيقة، فإن الكاتب أنصف العراق فيما يخص الصواريخ التي أُطلقت ضد الكيان (ص 627 واعتمادا على مصدر غربي) من حيث تأثيرها وسقوط قتلى في جانب الكيان “مقتل 405 واصابت 3230 ودمرت الكثير، اي لم تسقط في مناطق مفتوحة” لأن معظم مؤيدي احتلال العراق من العرب يزعمون أن تلك الصواريخ لم تُصب شيئا! أنظر كتاب عبد القادر يسين: ” الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن العشرين منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ص 627، عن: هنري لورنس مأساة فلسطين، السلام المستحيل المجلد الخامس (1982-2001)، الكتاب التاسع (1982-1992)، من اجتياح لبنان إلى عشية أوسلو، 334-335. ترجمة بشير السباعي القاهرة المركز القومي للترجمة 2016 ص 285.
وهناك فيديو تفصيلي اصدره الكيان ثم سحبه يوضح الدمار الذي أحدثته الصواريخ العراقية.
خلاصة القول، إن المصير لفلسطين ومجمل الوطن الكبير هي العروبة التي تنسف أنظمة اليوم وتقتلع المساكنة الرباعية بين الأنظمة، والمثقفين والأحزاب التابعة، والإعلام وأخيرأ تخدير الشعب.
✺ ✺ ✺
عادل سماره: تغريدات مشتبكة
(1) من يعلق الجرس؟
(2) النبي المشتبك يقول…هذا ليس لكم/ن
(3) فخ المفاوضات
✺ ✺ ✺
(1)
من يعلق الجرس؟
بينهم وبيننا مسافة موقف اي مسافة عقل وانتماء. لماذا؟
في حين يقف الغرب بمطلقه مع الكيان ضد رد ايراني محتمل، نرى العرب والمسلمين بين من يقف مع الكيان علانية وبين من يتشفى بايران وبين من يستعيد صراعات قومية وطائفية بين العرب والفرس ليبرر وقوفه ضد إيران ولو عاطفيا.
ويبقى السؤال صعب الإجابة: من يعلق الجرس؟ من يعتلي فوق الخلافات والاخطاء ويرسي نهجا لا ثأريا من اجل البدء مجرد البدء بنهج جديد موحد حتى لو لم تنتهجه إيران لاحقا. كل موقف كبير يشترط ويحتاج كبارا مشتبكين بوعي لا ادوات ولا منشبكين عالقين في احقاد التخلف. في لحظة العدوان من العيب استرجاع الاخطاء والصدامات البينية. لا بد من ارساء نهج جديد ومجرد حصول هذا يتم التصدع في جدار الغرب العدو. اذا فاستذكار اخطاء طرف عربي او ايراني في اللحظة هذا ليس وقته.
(2)
النبي المشتبك يقول…هذا ليس لكم/ن
هو حرر مكة ومن بعده وصل العرب الهند والسند وحدود فرنسا ومعظم إفريقيا. وبأمثالكم توقفوا.
أضاعوا بغداد للتتار
والأندلس مع غرناطة للفرنجة
ومختلف الأقطار للغرب
وفلسطين للكيان
وبغداد مجددا لكل أوغاد الغرب وأوغادكم
واليوم تبكون غزة
فأي كَذَبَةٍ ومتكاذبين أنتم
وأنتم تنتظرون تعليمات بلنكن وعواطف نتنياهو!
اليوم للشهداء والمقاتلين المشتبكين والرافضين،
وليس لحاملي إذن القتال من أمريكا.
(3)
فخ المفاوضات
امريكا تقود القتل والمفاوضات ويبقى نتنياهو صغيرها ولو ضخم نفسه. هدف الطرفين استعادة الأسرى للايغال بعدها في الدم واقتلاع حتى التراب.
كان هدف 6 تشرين الاساسي اسر أعداء لتحرير الفدائيين. وهذا عظيم ولنتذكر ان خطف الطائرات منذ الطائرة الصهيونية للجزائر 1968 الى جزائر بن بللا وبو مدين وليست قيادة جزائر اليوم. من قادة العملية يوسف رجب الرضيعي وعمليات خطف طائرات اخرى كما كان دور ليلى خالد هو نهج وديع حداد والذي يكرسه السنوار والضيف. احذروا خداع العدو ومخاتلة المطبعين.
✺ ✺ ✺
من كان يتوقع؟!
وهذا ما نتوقعه وسيتحقق
رشاد أبوشاور
نعم: من كان يتوقع هذا الحدث العظيم الذي بمجرد حدوثه أذهل العالم، وفي المقدمة من كانوا ينتظرونه دون مقدرة على تحديد ملامحه، قدرته الصادمة، هزّه للكيان الصهيوني بفعل الطوفان، وهو حقّاً طوفان، أذهلنا حتّى نحن من كنّا ننتظره دون أن نحدد صفاته وقدراته، وواضح أن من أعدوا له واستعدّوا هم وحدهم من كانوا يعرفون ما يُعدّون، وما سيكون عصفه الصادم والمبهر، وإلى أين سيوصل.
استيقظت من النوم ذلك الفجر، وإذا بعض أفراد أسرتي بأنفاس مبهورة، وبكلمات فيه لهوجة، وبلهاث، يتصايحون..فالتقطت بعضها، ثم جمّعتها، وإذا بها: أبطال قطاع غزة يقتحمون، ووقفت جامد الجسد والنظرات متأملاً..وفجأة صحت ربما بشكل مسرحي: هذا ما كنّا ننتظره، أما من هم الذين أنجزوه فلا يهمني، فهم فلسطينيون، وهم أعدّوا لعدوهم فلسطين ما يطيش صوابه، ويصدمه، فهو عدو ممتلئ بالغرور والعنجهية والتشوّف، وهو يزداد توهما بقدرته وهو يرى زحف حكّام (عرب) عند قدميه يتوسلون منه الحماية وبعض القوّة والرضى الذي يسّر أمريكا ويطمئنها على دوام احتلالها وهيمنتها على بلاد النفط والغاز التي لا هوية لها ولا طموح ولا قدرات تميزها سوى السائل المتدفق من أرض باتت لمكتشفي النفط والغاز ولأسياد يهبون ما يقدّرونه بكرم منهم، ويأخذون كل شئ بتدوير الأموال في شراء أسلحة لا تلزم دويلات لا سيادة لها ولا انتماء، وفي بلاد بات الخنوع سمة رئيسية ثابتة لها.
من حققوا تلك المعجزة، هكذا فكّرنا، ينتمون لشعبنا، هم منا، ولذا نحن منهم، وبدأت الأسئلة تقرع رؤوسنا: إلى متى تمتد هذه الحرب التي شنّها جيش العدو على قطاع غزة، وهل فعلاً سينتصر بكل ما يتوفر لديه من أسلحة رهيبة، أمريكية، على أبطالنا، أخوتنا، أبناء شعبنا..ويمسح (الضربة) المباغتة التي أنجزها أبطال القسّام في فجر 7أكتوبر، و..يؤدب كل من تسوّل له نفسه أن يمّس هيبة جيش اعتاد الانتصار في كل حروبه مع جيوش العرب، وما لم ينتصر به صراحة في الميدان وضع اليد عليه بالسياسة والتفاوض واستخذاء مفاوضين يوجههم ساسة أفرغوا بطولات الجيوش في الميادين، كما فعل السادات في خواتيم حرب أكتوبر بعد كل بطولات جيشي مصر وسورية!.
أسفت على كل الغضب والنفور من (القسّام) وهي تتفرّج على الحرب التي خاضتها سرايا القدس وحيدة، وندمت على كل التهم التي الصقناها بها، وهمست للقسام عن بعد: ما فعلتموه هو الذي ساعدكم في تحقيق مفاجأة طوفان الأقصى..أعددتم ما استطعتم وهو كثير كثير وها هو فعله يتواصل حتى الشهر السابع..يا الله!.
في الأيام الأولى بعد ضربة الطوفان التي زعزعت العدو وأطاشت صوابه، كنت قلقا طيلة الوقت، كل الأيام..ثمّ بدأت مخاوفي تتلاشىى، ووجدتني أمضي بثقة خلف بيانات المقاومة، مقاومة القسام والسرايا..وأبوعلي، وكتائب الأقصى، وكل فصائل المقاومة في قطاع غزّة التي بدأت تعلن حضورها في الضفّة الفلسطينية منطلقة من جنين ومخيمها وطولكرم و..تمتد في أنحاء الضفة، والرهان على امتداد روح الطوفان إلى الضفّة التي أرسلت بعض أنباء عملياتها من مخيمات أريحا، وبخاصة مخيّم عقبة جبر الذي أذكره جيدا كوني من أبناء مخيم النويعمة غير البعيد عنه …
والآن ماذا أقول وقد وصلنا الشهر السابع، رغم كل التدمير والقتل: نثق بأخوتنا المقاومين، ومعهم نعلن التمسّك بالأهداف: إيقاف الحرب على قطاع غزّة وضمنا على الضفة، والانسحاب من كل القطاع لعودة أهلنا إلى بيوتهم، أو مواقعها المدمرة والتي حتما سيعيدون تعميرها، وتوفير كل ما يحتاجه أهلنا من الغذاء والدواء والوقود، و..بعدئذ الانتقال لتبادل الأسرى، فالذين وقعوا يوم 7تشرين أول في قبضة أبطال الأقصى والسرايا هم أسرى وليسوا رهائن، والحرب لم تقع يو7م ولكنها استؤنفت وأهدافها ثابتة، لنا في سجون العدو ألوف الأسرى البطال الذين يجب ان يغادروا السجون ليتنفسوا هواء الحريّة.
أما حقوق شعبنا فقد بدأت تتردد في هتافات حشود المتظاهرين في مدن العالم وبخاصة الغربي، وهذا بفضل تأثير بطولات أبطال الطوفان، وافتضاح جرائم الصهاينة وجيشهم المتوحش وما توفره له من أسلحة إدارة بايدن، وهو ما يتحقق في هتافات ملايين البشر في التظاهرات في نيويورك، ولندن، وباريس، وبرلين: فلسطين حُرّة حرّة، وأبعد من ذلك: من النهر إلى البحر فلسطين حرّة..وهذا ما حققه فجر طوفان الأقصى يوم 7 تشرين أوّل 2023…
✺ ✺ ✺
نظرة إلى فعالية ومشكلات
سلاح بحرية حلف “الناتو”
د. منذر سليمان وجعفر الجعفري
احتفل حلف الناتو مطلع الشهر الجاري بمرور 75 عاماً على تأسيسه ودخوله مرحلة الشيخوخة، كما يصفه مناوئو التمدد العسكري الأميركي للنخب السياسية في واشنطن، فيما أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن تماسك الحلف الذي “أصبح أقوى، ومفعماً بالنشاط، وكذلك أشد اتحاداً من أي وقت في التاريخ. وبالفعل ارتقى إلى مرتبة أكثر حيوية لمستقبلنا المشترك”، وأشاد وزير الخارجية الأميركي توني بلينكون بالحلف وبأنه ماضٍ في التمدّد “وقبوله أوكرانيا كعضو في نهاية المطاف”، في خطابه يوم 4 نيسان/إبريل 2024.
لكن الخشية من مستقبل الحلف بدّدت تفاؤل الرؤى السياسية الأميركية بعد إقرار وزير الخارجية بلينكن بالقلق من استمرار الالتزام الأميركي، لكل من أوكرانيا وحلف الناتو، في حال فوز الرئيس السابق دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية بعد أشهر قليلة، قائلاً للصحافيين أنه أصغى جيداً لقلق الحلفاء من “التداعيات البعيدة على الأمن العالمي إن لجأت الولايات المتحدة لأي سبب كان ابتعادها عن التزاماتها” (وكالة “إيه بي”، 4 نيسان/إبريل 2024).
لم يتأخر الأوروبيون في إعلان قلقهم من مستقبل الحلف، معوّلين على جلسات الدورة المقبلة لقمة الحلف التي ستعقد في تموز/يوليو المقبل في واشنطن، والتي “ستمثل فرصة حاسمة للحلفاء والشركاء لضمان وحدة التحالف وقوته وتصميمه في السنوات القادمة، وستكون أيضاً فرصة لحلفاء الناتو لتوضيح التزامهم الثابت بأوكرانيا حرة ومستقلة وآمنة ومنتصرة” (“مركز تحليل السياسة الأوروبية”، واشنطن، نيسان/إبريل 2024).
وقد شدّد “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” على رفع الدول الأوروبية معدلات إنفاقها على الشؤون العسكرية “وضاعفت من استيرادها للأسلحة الأساسية بين أعوام 2019 و2023″، زاعماً أن الصين التي تشكل التحدي الأساسي للحلف زادت معدلات ميزانياتها العسكرية بنسبة 7.2% للعام الجاري”، نقلا عن صحيفة “وول ستريت جورنال”، 5 آذار/مارس 2024.
مهّد حلف الناتو مناسبة إنشائه للإشادة بمتانة الترسانة البحرية للدول الأعضاء، خصوصاً الدول النووية زائد ألمانيا، إذ أضحى “بحر البلطيق بحيرة يسيطر عليها حلف الناتو،” ما يقود إلى استنتاج أعضائه بأنه “ليس هناك ما يدعو للقلق من المنظور الأمني” (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانون الأول/ديسمبر 2023).
في المقابل، ترى النخب السياسية والعسكرية الأميركية المنادية بإدخال تغييرات بنيوية إلى إطار الحلف أن ما يميز التحالف “هو تقادم رسالته وخواؤها، وخصوصاً أن الشروط الأساسية التي أدت إلى صعود التحالف لم تعد قائمة لأكثر من نصف عُمره”.
كما أن الدول الأوروبية الأعضاء مجتمعة تمتلك اليوم قدرات مادية أكثر من كافية لردع روسيا والتكافؤ معها” (معهد “ديفينس برايوريتيز” – Defense Priorities، 4 نيسان/إبريل 2024).
الصراع مع روسيا أصبح ساحة الصراع المحتملة مع الولايات المتحدة وامتداداً حلف الناتو، الذي ما فتئ يستعرض ترسانته البحرية وحمولته من حاملات الطائرات والمدمّرات والطّرادات، فضلاً عن غواصات على متنها أسلحة نووية تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ويقدّر الخبراء العسكريون أن باستطاعة دول الحلف تسخير “ما لا يقل عن 2000 سفينة” في أي معركة قادمة.
تبرز بين الفينة والأخرى حجم القيود التقنية لترسانة حلف الأطلسي، عدا عن تراجع أعداد القوى البشرية المختصة المطلوبة، ولم يعد سراً أسباب اصطدام بعض القطع البحرية الأميركية ببعضها البعض، نتيجة قصور برامج التدريب المطلوبة، بحسب تقارير لجان التحقيق المقدمة إلى لجان الكونغرس المعنية.
أما أوضاع البحرية البريطانية، الحليف الأوفى لواشنطن، فليست أفضل حالاً عقب تعرض جوهرة ترسانتها “إيتش أم أس كوين إليزابيث” لحادث عطل في مراوح محركاتها وخروجها من الخدمة قبل أن تبحر بصحبة البحرية الأميركية. وسبقها اصطدام سفينتين حربيتين بريطانياتين في ميناء البحرين “ما أسفر عن إلحاق الضرر بهما” (وكالة “إيه بي” الأميركية للأنباء، 4 شباط/فبراير 2024).
ولم تسلم قطع بحرية أخرى تابعة لكل من الدنمارك وألمانيا من العطل، “مما أسفر عن عقبات في مهام مرسومة لها في البحر الأحمر”. وأطلقت الفرقاطة الألمانية “هيسن” النار على مسيّرة حربية أميركية من طراز “بريداتور” فوق مياه البحر الأحمر.
وتزامنت الحادثة مع عطل اصاب رادار الفرقاطة “أيفر ويتفيلد” الدانماركية وخروج نظم صواريخها المضادة للطائرات على متنها من الخدمة آنذاك “لنحو 30 دقيقة في ظل استمرار صنعاء إطلاق وابل من صواريخها على القطع البحرية الموجودة” في المياه التي حظرتها على القطع الأميركية والبريطانية. وقد عادت الفرقاطة إلى موانئ بلادها (وكالة “إيه بي”، 4 شباط/فبراير 2024).
كما أن حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد” الضخمة والعاملة بالطاقة النووية عانت من خروج “نظام المنجنيق” للصواريخ الباليستية عن الخدمة، فضلاً عن حوادث كادت تؤدي إلى عدم اتمام هبوط مقاتلاتها على متنها بسلام، واضطرت إلى العودة إلى قاعدتها في ميناء نورفولك بولاية فرجينيا.
تراجع معدلات المنتسبين للقوات المسلحة، وخصوصاً في الولايات المتحدة، أدى إلى ارتفاع صيحات تفعيل التجنيد الإلزامي لتعبئة الصفوف وتعويض نقص الخبرات.
بموازاة تلك السمات في الترسانة الأميركية، ينبغي العودة إلى جوهر العقيدة العسكرية التي استندت في كل مراحل تطوراتها وتسليحها إلى مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، واقتصرت مهامها في العقود الأخيرة على مكافحة القراصنة والقوى المسلحة غير النظامية.
وسخّرت ميزانيات عالية لبناء قطع بحرية مناسبة لخوض حرب في مياه ضحلة قرب الشواطئ لمكافحة “حرب العصابات”، ووجد قادة البحرية الأميركية أنفسهم في حيرة، في ظل اضطرارهم إلى التوقيع على الإعفاء من الخدمة لعدد من تلك القطع التي لم يمضِ على دخولها الخدمة سوى بضع سنين.
بما أنّ هناك شبه إجماع على القلق على مستقبل الحلف على ضفتي الأطلسي، فماذا يخبئ المستقبل في المديين القريب والمتوسط، مع الأخذ بعين الاعتبار التراجع الهائل في معدلات الانفاق على البرامج الاجتماعية والصحية والتربوية في معظم اعضاء الحلف، وخصوصا دوله النووية زائد ألمانيا؟
أما الدول حديثة العضوية، فأمامها مسار طويل من التكيّف على أنماط العلائق القائمة والانخراط الفعلي لقواتها العسكرية بعد إدخال التعديلات المطلوبة من قبل قيادة الحلف.
وتحذر بعض النخب السياسية الأميركية الأوروبيين “من الاستعانة التامة بالولايات المتحدة لضمان أمنهم، في ظل التحوّل الطارئ على الأولويات في الداخل الأميركي، وكذلك على مجمل حضورها في آسيا والتحديات الناشئة هناك” (معهد “ديفينس برايوريتيز”، 4 نيسان / إبريل 2024).
اما النخب الفكرية الأميركية التقليدية، فهي دائمة التحذير من “توسيع روسيا رقعة عملياتها السرّية، وهناك دلائل على اتخاذ القوات الروسية مخاطر عملياتية أعلى في بحري البلطيق والشمال”.
وحثّت أعضاء الحلف على اللحاق بركب التقدم الروسي في تزايد اعتماده على “سلاح المدفعية، وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية” التي تتفوّق بمجموعها على كل ما يتواجد لدى دول الحلف (دراسة “معهد كارنيغي”، 18 كانون الأول/ديسمبر 2023).
:::::
مركز الدراسات الأميركية والعربية، واشنطن
الموقع الإلكتروني:
________
تابعونا على:
- على موقعنا:
- توتير:
- فيس بوك:
https://www.facebook.com/kanaanonline
- ملاحظة من “كنعان”:
“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.
ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.
- عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
- يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org
