Site icon

أوروبا تتوجس من عهد ثانٍ لترامب، سعيد محمد

لندن

ثمة شبح يحوم في أجواء عواصم الاتحاد الأوروبيّ هذه الأيّام: شبح عهد ثانٍ للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. إذ مع فقدان حملة نائبة الرئيس الحالي ومرشحة الحزب الديمقراطي كاملا هاريس لقوة الدّفع التي وضعتها لأسابيع في استطلاعات الرأي على قدم المساواة مع ترامب، فإن مسؤولو الاتحاد الأوروبي في بروكسيل على تواصل دائم مع مختلف العواصم عبر القارة، ويعقدون اجتماعات شبه يوميّة، للبحث في تقييم نتائج انتقال محتمل لمفاتيح الأبيض إلى مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسيّة التي ستعقد في الخامس من شهر نوفمبر / تشرين ثاني المقبل.

وعلى الرّغم من أن شبح عودة ترامب أمر مطروح منذ بعض الوقت، إلا أن الهواجس تضخمت بعدما قال أحدث استطلاع لنوايا الناخبين الأمريكيين هذا الأسبوع بأن ترامب قد تجاوز منافسته الديمقراطية باعتباره المرشح الذي يثق به الأمريكيون أكثر من غيره في الاقتصاد.

ويشارك في المشاورات بهذا الشأن التي يقودها موظفو مكتب رئيسة المفوضية الأوروبيّة أورسولا فون دير لاين سفراء الدّول الأعضاء المعتمدين لدى بروكسيل فضلاً عن مستشارين ومجموعات غير رسميّة من دبلوماسيين من عدة دول مركزيّة في الاتحاد.

ويحاول بيروقراطيو بروكسيل وضع سيناريوهات مختلفة لما يمكن أن تكون عليه سياسة إدارة أمريكيّة جديدة يقودها الجمهوريّون تجاه أوروبا أمناً واقتصاداً، ووضع تصورات أوليّة لصياغة استجابة موحدة من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد لتلك السيناريوهات، أخذاً بعين الاعتبار نقاط الضعف الأساسيّة التي قد تتكشف حال سحبت مظلّة التغطيّة الأمنيّة الأمريكيّة عنهم. 

وبحسب مطلعين على أجواء المقر الدائم للاتحاد الأوروبي في بروكسيل، فإن هواجس المسؤولين الأوروبيين تشمل احتمال فرض سلسلة من الرسوم والتعرفات الجمركية على صادرات القارة إلى السوق الأمريكيّة، ووقف مساهمة الولايات المتحدة المالية اللازمة لتمديد عمر النظام اليميني الحاكم في أوكرانيا، وكذلك وضع منظومة العقوبات المتراكمة ضد روسيا حال قررت واشنطن التخلي عنها لمصلحة تفاهم مع موسكو.

ومن المعروف أن مزاجاً صقورياً يحكم توجهات بيروقراطية بروكسيل فيما يتعلّق بروسيا، وهي اُنتخبت لدروة من خمس سنوات على برنامج للدفع نحو استمرار الحرب في أوكرانيا، وتوسيعها نطاقها، وتعزيز مفاعيل الحصار الاقتصادي وسلاسل العقوبات المفروضة على الاتحاد الروسيّ، وكان آخر إنجازاتها في هذا الشأن التوافق على قرصنة العوائد الماليّة للأصول الروسية المحتجزة في البنوك الأوروبيّة وتحويلها إلى نظام كييف.

ونقلت صحف لندن وباريس عن دبلوماسيين في بروكسيل قولهم “إن جميع العواصم الأوروبيّة تأخذ مسألة وصول ترامب إلى البيت الأبيض بجديّة”، وأنّه “من الضروري البحث سريعاً عن خطط للتعامل مع عواقب متوقعة لذلك كي لا نتفاجأ”.

وقال شارل ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، إن فوز ترامب قد يؤدي إلى “قرارات متعجلة” تتخذها الإدارة الأمريكية “يمكن أن يكون لها تأثيرات فوريّة هائلة على في أوروبا، أقله بالتأكيد على المدى القصير”. وأضاف: “إذا كان الفائز بانتخابات الخامس من نوفمبر المقبل ترامب، فسيكون ذلك بمثابة دعوة إضافية لنا نحن الأوروبيين للاستيقاظ والعمل أكثر لأخذ مصيرنا بأيدينا”.

وكان ترامب قد تعهد كجزء من برنامجه الانتخابيّ بفرض رسوم جمركية ثابتة بنسبة 10 في المائة على جميع الواردات إلى السوق الأمريكيّة، ما قد يقلّص صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة بنحو 150 مليار يورو سنوياً، في وقت تترنح فيه اقتصاديات القارة تحت ضغوط الكساد والتضخم وضعف الميزانيات العاّمة. وتوقع خبراء هذا الأسبوع أن يفقد اليورو ما قد يصل إلى 10 في المائة من قيمته أمام الدولار حال فرض ترامب رسومه الجمركية الموعودة.

وتميل بيروقراطيّة بروكسيل إلى تجنّب اللّجوء إلى فرض تعرفات جمركيّة مضادة وتحاول عوضاً عن ذلك استعطاف ترامب من خلال تقديم سلّة صفقات تجاريّة قد تثنيه عن فرض التعرفات المتوقعة وفق برنامجه الانتخابيّ.

من جهة أخرى، ينتقد ترامب علناً سياسة الدّعم الذي تمحضه إدارة الرئيس جوزيف بايدن لنظام كييف، وتعهد ببذل جهد لإنهاء الحرب في أوكرانيا فور انتخابه المحتمل في نوفمبر/ تشرين ثاني المقبل دون انتظار تسلم السلطات الدستوريّة رئيساً (في يناير / كانون ثاني العام المقبل). ويشكك الرئيس السابق أيضاً في ضرورة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي وفر مظلة حماية أمنيّة لأوروبا منذ ما يقرب من الثمانين عاماً الماضية، ويريد بدلاً من ذلك أن يدفع الأوروبيّون تكاليف تلك المظلّة لواشنطن. ويأتي ذلك في وقت دُفعت فيه الشعوب الأوروبيّة من خلال سياسات نخبها الحاكمة إلى تصوّر روسيا كأسوأ تهديد عسكريّ تواجهه القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945.

ويعرّي شبح ترامب الآن حقيقة تبعيّة حكومات الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة أقله من الناحية الأمنية. وتعاني فرنسا وبريطانيا القوتان العسكريتان الأهم في أوروبا من تآكل نسبي في قدراتهما القتالية، فيما تحاول ألمانيا إعادة اختراع قوات دفاعها كجيش هجومي، لكّن ضغوط الميزانيات العامّة في هذا الوقت لا تساعد الدّول الثلاث على اللحاق بالتغييرات التكنولوجيّة المتسارعة في صناعة الحرب الحديثة، ما يضع أمن القارة خلال نصف العقد الحالي تحت أهواء حفنة من الناخبين الأمريكيين في ويسكونسن وبنسلفانيا وغيرها من الولايات المتأرجحة بين المرشحين ترامب وهاريس.

وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا محدودية فاعليّة الأسلحة والتجهيزات الأوروبيّة الحاليّة فضلاً عن تراجع أعداد المجندين في جيوش القارة إلى مستويات قياسيّة. ويبلغ تعداد الجيش البريطاني مثلاً أقل من مائة ألف جندي، فيما لا يزيد تعداد نظيره الفرنسي عن 140 ألف جندي. ويمكن للجيشين معاً هزيمة بلد في حجم إيطاليا، لكنهما بالتأكيد ليسا بوارد الانتصار في مواجهة سافرة مع الجيش الروسيّ.  

وفي الواقع، قد لا يكون حال أمن الأوربيين أفضل إلا جزئياً في حال فازت هاريس في الخامس من نوفمبر المقبل، إذ أن الإدارة الديمقراطية الحالية توصلت إلى قناعة تجد في توسيع التفويض للجيش الأوكراني باستخدام أسلحة غربيّة طويلة المدى لاستهداف العمق الروسيّ حتمية لاستدعاء تحول نوعيّ في طبيعة ردّ موسكو على ذلك، وربما توسيع نطاق الحرب ليشمل دولاً أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ما سيفرض تورط الولايات المتحدة مباشرة في النزاع مع دولة نووية، وهو أمر لا ترغب النخبة الحاكمة في واشنطن فيه – أقله في إطار توازن القوى الحالي -. ويعتقد كثيرون الآن بأنه في حال فوز هاريس، فقد تدفع أوكرانيا لقبول اتفاق سلام يكون أفضل قليلاً من استسلام كامل، تجنباً للأسوأ، ما سيترك أوروبا وحيدة لحصاد زرع عداوتها المفتعلة ضد جارها العملاق في الشرق. 

نشر هذا المقال في صفحة الدّوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد الثلاثاء 29 أكتوبر 2024

:::

موقع “الثقافة المضادة”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version