Site icon

لا سلام في سوريا ولا بعدها: أمة لن تموت، (حلقة 10 من 10)، د. عادل سماره

وما… القادم؟!

منذ ثلاثمائة سنة وحتى اليوم غرق الكوكب في علاقات مذبحة رأس المال أو تذابح الطبقات الحاكمة/المالكة في معظم الأمم على المال والمقاتيل هم فقراء وجُند هذه الأمم ومعظم طبقات الأمم المقهورة. وبهذا القول نعني أن صراع العالم طبقي في الجوهر والمنتهى، حتى وإن أخذ مظهراً قوميا. وهذا استنتاج سيضج ضده الكثيرون وخاصة اصحاب المال لأنهم يتنكرون بالله والأديان والأخلاق والإنسانية والحرية والديمقراطية ومسلسل أكاذيب أطول من هذا بكثير.

صحيح أن هناك سلسلة أنماط إنتاج عبر التاريخ، عرفنا بعضها وقد نعرف أكثر، وصحيح أنها كانت متصارعة يهزم ويرث أحدها الآخر طبقاً لمسار تطور كل حضارة وصحيح انها تمفصلت مع بعضها البعض، ولكن أبشع وأخبث من نمط الإنتاج الرأسمالي لم يحصل، وربما لن يحصل.

ولكي لا يقود هذا الحديث إلى توهان، نقصد بنمط الإنتاج الرأسمالي من يملكون، وليس فقط لأنهم يملكون ولكن ايضاً لأنهم يحكمون أو يُحكم بما يحفظ مصالحهم، ومصالحهم هي استعباد واستغلال المنتجين ونهب المستهلكين، وقتل المضادين…الخ. فوراء علاقات العمل علاقات الإنتاج، السلع، السوق، التوزيع الملكية يقف البشر الذين يتحكمون بكل هذا وبمن يُنتجون كل المنتجات. فراس المال مقولة فلسفية تتجسد في علاقات اجتماعية أي تتبلور في أُناس، بشر وهنا الخطر.

أناخت الرأسمالية بكلكلها على العالم فهي بخلاف أنماط الإنتاج السابقة مبلورة في تشكيلات اجتماعية اقتصادية متفاوتة التطور والقوة، إلا أنها عبر هيمنتها بل سيطرتها، لم تترك، كسابقاتها، لأية بقعة فرصة التطور طبقاً لظروفها وخصوصيتها وطبقاً لإمكاناتها وخاصة إذا كانت وفيرة بل فرضت على الكوكب حالة من الاستقطاب والذي ملخصه: “من سبق إلى الرأسمالية يمنع غيره من الترسمل أو اللحاق أو حتى التكيف…الخ إلا عُنوة وبالقوة والثورة، وذلك بأساليب عديدة آخرها وأخطرها تدمير التطور وليس فقط احتجاز التطور. فرأسمالية الغرب أغلقت الباب ورائها وهو باب كان بحاجة لعزيمة البلاشفة والماوية لتحطمه.

لقد أفلتت اليابان من أنياب الرأسمالية الغربية مما دفع منظري هذه الغربية للقول نادمين: ” لا يابان بعد اليابان”! أي ممنوع على اية أمة أخرى. ولكن من اللافت أن هذا الغرب ولنقل أوروبا الغربية ولاحقاً أمريكا، بينما كانت تقتتل ببعضها لم تحجب التفاعل التقني والصناعي بين بلدانها! لكنها حجبت ذلك عن بقية الكوكب ولذا، نرى أن المقولة الحقيقية والفظيعة العنصرية الرأسمالية الغربية هي ” لا أوروبا بعد أوروبا”.

ولذا، ناصبت أوروبا وأمريكا ولاحقا اليابان العداء المطلق لروسيا السوفييتية وللصين الشعبية بل قامت بالغزو ضد الثورة السوفييتية وتواصل الصراع بأشكال عدة إلى أن سقط النظامين في تلكم البلدين، وواصل هذا الثلاثي عدوانه ضد هذين البلدين حتى في تطورهما الرأسمالي.  وكما ندمت أوروبا على إفلات اليابان فإن أمريكا تعض أنيابها ندماً على ما تزعمه إفلات الصين وكأنها لم تكن تراقب! فهي تعادي الصين حتى ولو رأسمالية وتعادي أية أمة ولو مرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي، فكيف إذا ما حاولت أمة فك ذلك الارتباط؟

وفك الارتباط يشترط في الحقيقة درجة أولى نسميها التنمية بالحماية الشعبية كي يصبح الشعب قوة الضغط من أجل الفكاك من إسار السوق الدولية أو النظام الرأسمالي العالمي اي الغربي، الضغط من القاعدة بدل القرار من القمة الذي ثبت فشله. ولكن التنمية لها شرطها بالتوجه الإنتاجي وخاصة التصنيعي ولو تصنيع الأساسيات للمجتمع. إن فك الارتباط يعني الثلاثي:

·       القوة البشرية الشعبية الواعية

·       الإنتاج الزراعي والصناعي

·       والقوة القتالية

وعليه، ففك الارتباط اي اختراق احتجاز التطور، بمعنى أن أي احتجاز يقتضي حيازة هذا الثلاثي. وتجنُّباً للإطالة فإن الرأسمالية، وهي وبال على البشرية، لكنها أكثر على الأمة العربية متمركزة بكثافة ضد فلسطين عبر تحطيم وإهلاك حيِّز هذا البلد العربي.

تركزت قراءتنا لسحق الحيِّز الفلسطيني منذ الاستعمار البريطاني عبر الاستيطان الصهيوني وحتى اللحظة وهو سحق متواصل على أرضية رأسمالية الكيان من جهة ومشروعه الاقتلاعي من جهة ثانية. ولكن سقوط سوريا لصالح الاحتلال المتعدد الصهيوني والتركي والأمريكي والكردي، ناهيك عن همج مرتزقة هم حالات عشرات الأمم يتحدانا بشدة هائلة مفادها درس سحق الحيز السوري مجدداً بعد أن تم سحق ذلك الحيز إثر اتفاق سايكس-بيكو ثم اقتطاع لواء الإسكندرون من سوريا ومحاولات تركيا سحق أجزاء أخرى من الحيز السوري وخاصة منذ الحرب الإرهابية ضد سوريا 2011 والآن بعد سقوط سوريا يُعمِل التركي سكينه في تقطيع البلد ويوازيه الكيان الصهيوني إلى جنوب سوريا، كما يحاول الكيان سحق أجزاء من الحيز اللبناني.

يندمج ما حصل من سحق حيز في هذا القطر أو ذاك ضمن سياسة أو خطة متكاملة لتحقيق وتخليد هدفين:

·       بقاء هيمنة واستغلال الوطن العربي على يد ولصالح الإمبريالية ومشاركة أنظمة عربية تطبيعية في ذلك طوعا وعلى حسابها

·       تحقيق مشروع الكيان “من الفرات إلى النيل” عبر امتداد الزحف الصهيوني في سوريا وصولا إلى كردستان العراق مما يشكل تحالف عدوين هما الكرد والكيان ضد الأمة العربية وبالطبع بحماية وخدمة للإمبريالية.

من سمات سحق الحيز في هذه الأقطار العربية وجود قوى محلية تنخرط في مشروع صهيمبريالي تكشف عن نفسها أكثر كلما تراجعت حركة التحرر العربية أكثر.

ارتكازا على تجزئة الوطن عبر سايكس بيكو، وهو أفظع إهلاك للحيز العربي، حاولت الدولة القطرية عرض نفسها كإمكانية استمرار حياة وتطور رغم تناقض هذه المحاولة بما أن الدولة القطرية نتيجة سفاح غربي وانتصار على دولة الوحدة. والمثير للشك وربما الضحك المُر ظهور بعض المثقفين المنشبكين بالدولة القطرية حيث بدلوا اسمها للدولة الوطنية! فإذا كان المقصود بالدولة وجغرافيتها، فلا توجد جغرافيا وطنية وأخرى خائنة. وإذا كانت الدولة أرض وشعب يملك هذه الأرض وهما تفرزان سلطة، فإن تسمية وطنية لا تجلس في محلها. جميع تمفصلات التجزئة هي دول قطرية وصلت السلطة في بعضها قيادات قومية التوجه وحتى اشتراكية التوجه لكنها بقيت دولة قطرية، ولذا لم تتحد، ولذا ايضاً كان الفتك بها سهلاً.

إن اي تمسُّك ب “شرعية” دولة قطرية أو ما تسمى وطنية هو في الحقيقة هروب من دولة الوحدة وتماهٍ مع التجزئة وبالتالي إهلاك متواصل للحيز العربي سواء من سبتة ومليلية والجزر الحجرية الأخرى، إلى صنافر إلى الأهواز إلى الإسكندرون إلى كل فلسطين إلى لبنان إلى سوريا إلى كل شبر تتموضع على قلبه حوافر اي جندي أجنبي أو طائرات أو مدمرات إلى سفارات وقنصليات الأعداء إلى مراكزهم الثقافية إلى مؤسساتهم الأنجزة…الخ.

وهذا يعني بوضوح أن المهمة الملقاة على عاتق حركة التحرر العربية هائلة مهولة ومخيفة! وهذا يقتضي حركة من مستوى وفهم وعمق وانتماء آخر تماماً. كيف لا وكل هذا التوحش المعولم يتهافت على هذا الوطن من جهة وتعمل برجوازياته لصالح هذا التوحش تخارجأ بل عمالة علنية من جهة ثانية.

لست هنا بصدد وضع مواصفات حركة تحرر عربية وأختصر بأمرين:

·       حركة عروبية الانتماء بمعنى كل من يقطن هذا الوطن، ولك أن تسميها حركة قومية أم لا

·       حركة ثورية اشتراكية بلا مواربة كي تقطع مع كافة الأوبئة الفكرية والسياسية التي حاقت بهذه الحركة والتي حاولنا قدر طاقتنا وعجزنا عنها.

وحدها هذه الحركة هي التي تناضل من أجل دولة الوحدة/الدولة المركزية والتي وحدها تحقق تحرير القضية المركزية وكل شبر آخر. ولأن هذه هي مهامها، فهي ستدخل حالة نضال معولم لأن هذه الأمة تحت عدوان معولم.

ولأن هذا العدوان جرى ويجري تكثيفه في فلسطين وعليها، ولأن الكيان يهتبل الفرصة ليعلن كل ما في بطنه من جشع وتفاخر وتبجح صارخا بأعلى من قامته وصوته أن مشروعه “من الفرات إلى النيل” وهي صرخة تعيد إلى الذهن رسماً كرتونيا عن الوغد الإمبريالي الفرنسي نابليون بونابرت الأول وقد وضع ساقاً على آسيا وأخرى على أوروبا فعجز عن ضم ساقيه وظل مصلوبا مشنوقا من نصفه الأدنى إلى الأبد.

لا أجرؤ ولا أغامر بزعم التنبؤ رغم انه من بنية النظرية الثورية “التنبؤ العلمي لكنني لا أرى أن بوسع الكيان التمدد بذاته ومستوطنيه من الفرات إلى النيل. ولعل مما يفسر ويخدم رأيي هذا تفاخر نتنياهو ودعم الدولة العميقة الأمريكية له، بافتخاره بأنه وضع تحت إبطه عديد الأنظمة العربية صاغرة للتطبيع لأن التطبيع من جهة والهيمنة العدوانية الأمريكية من جهة ثانية هما امتداد الكيان من الفرات إلى النيل. أما حصة كل طرف؟ ليس هذا ما يمكن القطع به، ولكن يمكن قراءته بالاقتصاد السياسي اي بنظرية اقتصاد التساقط وهي نظرية قومية طبقية معاً. فاقتصاد التساقط هو تقسيم الإمبريالية لثروات التوابع بحيث تأكل هي على الطاولة طعاما طازجا دسماً وتلملم برجوازية البلدان التابعة ما يتساقط من الفتات من ملاعقهم أو أفواههم العريضة على الأرض.  لكنني أُضيف على الطاولة حارساً/مراقباً/محاسباً، أو مخلب قط هو الكيان الذي يشارك في حراسة الحقول والعُجول ولذا يجلس في حضن الإمبريالية ويحصل على قطع أقل من اللحم والدسم. ولذا اسميها “اقتصاد التساقط وحصة للحارس قبل التابع”.

 وبالطبع فإن القوة المسيطرة هي قوة الإمبريالية تخدمها أجهزة أمن الأنظمة التابعة وهي ما اسميها “أمبريلة الذات” خدمة للإمبريالية الأم. لهذا، فالذي يتمدد عدديا من المحيط إلى الخليج هي الإمبريالية وأجهزة أمن التوابع بينما تسير مصالح الكيان على حساب هذه الأمة حيث يلعب دور المراقب والكاسب. أي لن يغطي اليهود من النيل إلى الفرات بكثافة ديمغرافية. لا بل إن تمددهم بأي شكل سيجعلهم عرضة للاصطياد.

لذا، صحيح أن توسع الكيان جغرافياً سيبقى محدوداً حتى لو استجلب كل يهود العالم، ولذا يعوض الكيان ذلك بشرق عربي تابع أصولي سلفي تركي متأمرك، وسيحاول ذلك من المشرق إلى المغرب. وستكون سوريا النموذج الذي سيحتذيه ملوك المقاطعات صاغرين.

ولكن ما الموقف من كل هذا التوحش؟ غير الرد والصد، وهو أكيد بمنطق التاريخ وليس بحساب التكهن الزمني فالتاريخ مطلق والزمن متقطع. وسيكتشف كثيرون بأن المعركة مع الغرب وبأن اقتلاع الغرب سيحمل معه الكيان. ذات يوم قال عبد الناصر: على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل”، وعصاه هو الكيان.

من لم يتعظ بالتجربة والتاريخ، لن يتعظ حتى بالواقع الصلد. لقد أثبتت واقعة غزة أن العالم الإسلامي إجهاض ضخم وأداة بيد الإمبريالية على بلدانه نفسها، وبأن الأمة العربية وحدها التي ستقاوم وعليها أن تقاوم وبأن تقطيعها منشور اليوم على الشاشات ودمها من غزة إلى الضفة إلى لبنان إلى سوريا إلى اليمن يؤكد بأن الصراع غربي وصهيوني ضد العرب. ولو كنا مستسلمين لما كان كل هذا الدم.

لقد اثبتت اليمن أن الجذر العربي ينبض وبقوة جعلت من بلد متوسط الحجم قادر على لجم الإمبريالية وخاصة بحريا. ومعروف أن فخر الوحش الأمريكي ليس النووي فهو في عدة بلدان، بل المارينز وها هو يتلطى من ضربات اليمن. وسيعتدون على اليمن حتى لو توقف العدوان على غزة لأن الثورة المضادة على قرار بأن لا يقف اي عربي على قدميه ابداً.

لعل أكثر ما يجب توضيحه للثورة المقبلة:

أولاً: لا تموت أمة ابداً

ثانياً: إن العامل الذي جعل تقويض الجمهوريات ممكناً هو عامل داخلي والذي تساوت فيه الجمهوريات مع الممالك والمشيخات، وإن بدرجات اقل وهو الحرب الأهلية في الوطن العربي من الأنظمة ضد الأمة.

ثالثاً: إن أخبث عامل ذاتي في كل هذا هو ما اسميه “الاستقواء بالضعف” والذي بدأه السادات استسلاما بزعمه “هجوم السلام” يعبر عن تحطيم التوجه القومي التنموي في مصر لصالح برجوازية كمبرادور وطفيلية متحالفة مع دينسياسي.

رابعاً: لقد تم اختراق القلعة الثالثة بالتغييب والقمع والتجهيل اي قلعة الشعب العربي، كان الاختراق الأول قرار عديد الأنظمة عدم النضال لتحرير فلسطين ومجافاة المسألة العروبية، وكان اختراق القلعة الثانية تساكن وتواطؤ قوى سياسية مع هذه الأنظمة بعد أن كان مشروعها إسقاط الأنظمة لأجل الوحدة. وكان انهيار القلعة الثالثة واضحاً أمام مذبحة غزة.

خامساً: عدم قدرة حركة التحرر العربية على استعادة الشارع العربي من الأنظمة التابعة والعميلة وقوى الدينسياسي مما حال دون إنجاز الطلاق من الشعبي للرسمي، اي حال دون الثورة الشعبية وبالطبع التقصير الأساسي في غياب الحزب الثوري الذي يعمق ومن ثم يقود ذلك.

سادساً: أثبت الموقف من غزة ولبنان وسوريا واليمن، أن اي ولاء لأي دولة من العالم الإسلامي أو العالم جميعه هو خيانة، فلا ولاء إلا للعروبة لا ولاء لأجنبي حتى لو إدعى الأممية، حيث في هذه الحالة تحالفا لا ولاء.

ولكن، وأخيراً، رغم أن الثورة المضادة قد نجحت في حصر النضال العربي ضد الغربي/الصهيوني في نسيان أن البداية في هذا الصراع تحديداً هو عام 1948، وتناسلت إثر ذلك مشاريع الاستسلام والتآمر بشكل أميبي، إلا أن طوفان الأقصى أوقف الصراع على قدميه وأعاده إلى 1948. وهذا رغم كل التضحيات والضحايا كان إنجازاً نفسياً معنويا، وعلى من به طاقة ثورة ان يُكمل، وسيفعل.

أختم بالرد على تشفي مستدخلي الهزيمة بنعتنا أننا فلولٌ. بل نحن جيوب مقاومة، لأن الأمة لا تموت ولأن هذه حركة التاريخ.

كُتبت بتاريخ 10 يناير 2025

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version