Site icon

من صفحات التاريخ: قراءات في الحقبة الستالينية (الحلقة الرابعة): أسطورة “الإبادة الجماعية الدموية لستالين” في أوكرانيا السوفياتية، الجزء الأول، ألكسندر سامسونوف، إعداد وتعريب د. زياد الزبيدي

* ألكسندر سامسونوف، كاتب صحفي ومحلل سياسي، مؤرخ وخبير عسكري روسي 

22 أغسطس 2018 

واحدة من أكثر الأساطير رعبًا وتدميرًا عن الاتحاد السوفياتي هي الكذبة عن “النظام الدموي” لستالين، الذي زُعم أنه أزهق أرواح عشرات الملايين من الأبرياء وخاصة في أوكرانيا. قلة من الناس يعرفون أن هذه الأسطورة صُنعت في ألمانيا النازية، ثم استخدمتها لاحقًا الولايات المتحدة في الحرب الإعلامية ضد الحضارة السوفياتية. 

على الرغم من وجود دراسات أساسية عديدة تعتمد على مواد أرشيفية تثبت عدم صحة الاتهامات الموجهة إلى جوزيف ستالين بشأن عمليات القمع الجماعي والإرهاب، إلا أن الأسطورة الكاذبة، التي يروج لها أشخاص مثل سولجينيتسين ورادزينسكي وسوفوروف-ريزون، لا تزال تهيمن على الساحة الإعلامية في روسيا والمجتمع العالمي. تستمر أعمال التشويه المتعمدة لتاريخ روسيا والسوفيات، كجزء من المواجهة التاريخية والإعلامية العالمية بين الحضارة الروسية والغرب. يتم تغذية المواطنين الروس (خاصة الشباب)، ناهيك عن أوكرانيا وجمهوريات ما بعد الإتحاد السوفياتي الأخرى، بحكايات مرعبة عن الموت والقتل في السجون ومعسكرات العمل (الغولاغ)، وقصص عن ملايين ماتوا جوعًا أو تمت إبادتهم عمدًا في الإتحاد السوفياتي، وعن مجاعة “هولودومور” المزعومة في أوكرانيا، وعن وحشية النظام القمعي السوفياتي “الأكثر دموية في العالم”.

تأخذ عمليات القمع ضد الاقطاع (الكولاك) والطابور الخامس” في هذه الروايات طابعًا خياليًا تمامًا، بينما يتحول ستالين إلى شرير من مستوى لا شبيه له. كل هذا يُضاف إلى صورة الإتحاد السوفياتي-روسيا في العالم كـ”إمبراطورية الشر” و”موردور الروسية”، حيث يعيش “الموسكوفيون المتوحشون” و”السوفيكس” و”الفاتنيكس”، المستعدون لأي لحظة لإغراق كل المعارضين في روسيا بالدماء، وإجبار الشعوب المحيطة على الدخول إلى “معسكر الاعتقال” الخاص بهم. 

أصل الأسطورة النازية

تم اختراع أسطورة “النظام الستاليني الدموي” في ألمانيا النازية. بعد وصول النازيين إلى السلطة، استخدموا تقنيات المعلوماتية والنفسية لتوجيه الرأي العام. كان جوزيف غوبلز وزير الدعاية، الذي روّج لأحلام شعب عنصري نقي يعيش في ألمانيا العظمى، إمبراطورية ذات “مساحة معيشية” شاسعة. شملت هذه المساحة الأراضي الواقعة شرق ألمانيا، بما في ذلك أوكرانيا. كان احتلال هذه المساحة يعني حربًا كبرى ضد الإتحاد السوفياتي. لذلك بدأت وزارة الدعاية النازية حملة إعلامية حول “الإبادة الجماعية” المزعومة التي نظمها الشيوعيون في أوكرانيا، والمجاعة المرعبة (“هولودومور”) التي زُعم أن ستالين خطط لها شخصيًا. كان الهدف من الدعاية النازية هو تهيئة الرأي العام العالمي لـ”تحرير” أوكرانيا من “النير البلشفي الدموي” على يد القوات الألمانية. لاحقًا، استخدم النازيون الأوكرانيون (أنصار بانديرا) نفس الأكذوبة عن المجاعة المصطنعة لفرض سيطرتهم على شعب أوكرانيا. 

 الدور الأمريكي في نشر الأسطورة

في الولايات المتحدة، قاد الحملة الإعلامية ضد الاشتراكية والاتحاد السوفياتي وستالين شخصيًا ويليام راندولف هيرست William Randolph Hearst، أكبر اخطبوط للإعلام ومؤسس شركة “هيرست كوربوريشن”، الذي اخترع صناعة الأخبار القائمة على الإشاعات والفضائح (ما يُعرف بـ”الصحافة الصفراء”). أصبح هيرست أحد أغنى الأشخاص في العالم وأكثرهم نفوذًا. في الأربعينيات، امتلك 25 صحيفة يومية و24 أسبوعية و12 محطة راديو ووكالتين إخباريتين عالميتين، بالإضافة إلى استوديو أفلام “كوزموبوليتان”. كانت صحفه تُباع بملايين النسخ يوميًا، وشكلت آراء عشرات الملايين من الأمريكيين. كما وصلت معلوماته إلى ملايين الأشخاص حول العالم عبر ترجمة تقاريره وأفلامه. 

في عام 1934، زار هيرست ألمانيا، حيث استقبله هتلر كضيف وصديق. بعد هذه الزيارة، امتلأت الصحف الأمريكية بقصص مرعبة عن جرائم القتل والتعذيب والإبادة الجماعية والعبودية والمجاعة في الإتحاد السوفياتي. كانت إحدى أولى الحملات التي شنها هيرست ضد الإتحاد السوفياتي هي الترويج لفكرة ملايين الموتى جوعًا في أوكرانيا، حيث زعمت الصحف الأمريكية أن 6 ملايين شخص ماتوا بسبب المجاعة في الإتحاد السوفياتي. 

 الحقيقة التاريخية

في الواقع، شهدت بداية الثلاثينيات مأساة حقيقية في الإتحاد السوفياتي مرتبطة بالمشكلة الزراعية في الإمبراطورية الروسية، وتبعات الثورة والحرب الأهلية، إضافة إلى أخطاء إدارية وتخريب محتمل من قبل عناصر معادية لستالين. أدى ذلك إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في بعض المناطق، بما في ذلك أوكرانيا، مما تسبب في نقص الغذاء وانتشار الأوبئة. تجدر الإشارة إلى أن الأوبئة كانت شائعة في ذلك الوقت، مثل وباء الإنفلونزا الإسبانية (1918-1920)، الذي أودى بحياة 50-100 مليون شخص حول العالم. 

ونتيجةً لدعاية النظام النازي في ألمانيا، تم تشكيل أسطورة ضخمة عالمية مفادها أن البلاشفة دبروا عمداً إبادة الملايين من البشر تجويعاً، بل وزُعم أنهم استهدفوا بشكل خاص “الأوكرانيين” على أساس عرقي. وفي خضم الحملة الإعلامية المكثفة ضد “المجاعة المُنظمة من قبل البلاشفة”، لم يكترث أحد تقريباً بحجج موسكو المضادة أو بكشف زيف هذه الادعاءات.

 استمرار الأسطورة في العصر الحديث

لم تتغير هذه الأساليب في الحروب الإعلامية اليوم. على سبيل المثال، “قضية سكريبال” – حيث انهارت رواية السلطات البريطانية سريعًا، لكن وسائل الإعلام الغربية تجاهلت أي تفسيرات من موسكو. يتم التحكم في السردية العالمية من قبل الغرب، الذي يواصل تصوير روسيا كـ”إمبراطورية شريرة”. 

التمويل الغربي للنازية

وهكذا، لم تقدم الولايات المتحدة الدعم المادي والمالي-الاقتصادي والتقني للنظام النازي في ألمانيا فحسب، بل دعمته إعلامياً أيضاً. وبموافقة كاملة من واشنطن ولندن، اكتسب “مشروع هتلر” القوة في ألمانيا، وسيطر على معظم أوروبا ليشن بعدها “حملة صليبية” ضد الإتحاد السوفياتي. 

عمد الغرب إلى صنع أسطورة “الوباء الأحمر” الذي زعموا أنه يخطط لضرب أوروبا وإبادة الملايين بل عشرات الملايين من سكان الأراضي الخاضعة له. بهذا، سعى سادة الغرب إلى الحفاظ على هيمنتهم على معظم الكوكب، وإخفاء طبيعتهم الوحشية المفترسة المتطفلة. 

في تلك الفترة، حصل النظام النازي على دعم إعلامي هائل، وأصبح هتلر نفسه شخصية بالغة الشعبية. وكان كل هذا بهدف تشويه المشروع السوفياتي التقدمي الرامي إلى بناء “حضارة مشرقة” ومجتمع المستقبل، وتحريض ما يسمى بـ”المجتمع الدولي” آنذاك ضده. 

من الجدير أن نتذكر، رغم الدعاية العالمية الكاذبة التي تلقي باللوم على ألمانيا واليابان الخاسرتين في الحرب العالمية، أن الولايات المتحدة وبريطانيا هي من موّلت النازيين في ألمانيا وساعدتهم للوصول إلى السلطة، وقدمت الدعم المالي لبناء مجمع صناعي عسكري ضخم، ومن خلال “مؤامرة ميونخ” أوضحت لهتلر أن أوروبا تحت تصرفه بالكامل، وأن الطريق إلى الشرق مفتوح. سُمح لهتلر بتشكيل تحالف قوي موجه ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي.

الولايات المتحدة وبريطانيا هما من مكّنا هتلر من إشعال الحرب العالمية. بينما استسلمت فرنسا – أو بالأحرى أصحاب النفوذ الحقيقيون فيها – لألمانيا دون قتال يذكر بعد ما سُمي بـ”الحرب الزائفة”، مضمّنةً للرايخ الثالث ظهراً حصيناً لعدوانه على روسيا-الاتحاد السوفياتي. أما بريطانيا فقد وعدت سراً بعدم فتح “جبهة ثانية” (مهمة رودولف هيس) طالما كان هتلر منشغلاً بالقتال في الشرق.

وهكذا، يجب أن نتذكر دوماً أن بريطانيا والولايات المتحدة هما من أشعلتا الحرب العالمية الثانية (كما أشعلتا قبلها الحرب العالمية الأولى وعشرات الحروب الصغيرة والكبيرة والثورات والانقلابات في أنحاء الكوكب)، حرب إبادة تهدف لتدمير الحضارة الروسية والشعب الروسي العظيم. وأن لندن وواشنطن كانتا – وما زالتا – العدو الرئيسي لنا. فكانت ألمانيا واليابان مجرد “هراوات للتحطيم” بين أيديهما. بينما لا تناقضات جوهرية بين روسيا وألمانيا واليابان، وكان تحالفها الاستراتيجي ليمنع عدوانية وأطماع الأخطبوط الأنغلو-أمريكي. لذلك تبذل لندن وواشنطن كل الجهود لإثارة النزاعات بين الروس والألمان واليابانيين، وإيقاعهم في صراعات فيما بينهم، ليجنوا من وراء ذلك مكاسب ضخمة والجائزة الكبرى – الهيمنة على العالم.

إحياء الأسطورة في الثمانينيات

ظلت الكذبة حول “المجاعة التي نظمها البلاشفة” قائمة حتى ثمانينيات القرن العشرين، عندما عادت إليها حياة جديدة. نشأت أجيال عديدة من الناس في الغرب على هذه الكذبة، وكان لديهم صورة سلبية عن الاشتراكية والاتحاد السوفياتي. في ثمانينيات القرن العشرين، كان مصير الغرب والولايات المتحدة يتقرر. كان المشروع الغربي، نظام الرأسمالية، المبني على التوسع المستمر للمجال الحيوي من أجل النهب واستنزاف الموارد، على وشك الانهيار. كان الغرب يهلك لأن المعسكر الاشتراكي لم يسمح للغربيين بامتصاص موارده وطاقته. كان الإتحاد السوفياتي في ذروة قوته العسكرية؛ وكان من المستحيل هزيمته بالوسائل العسكرية. كان شعب الإتحاد السوفياتي مؤمنا راسخا بدولته، وكان الاقتصاد ككل مكتفيا ذاتيا. وكان الطريق الوحيد إلى النصر هو تفكيك النخبة السوفياتية وإعادة برمجتها حتى تتمكن من تدمير المشروع السوفياتي والحضارة نفسها. ولهذا السبب أطلق الغرب حملة إعلامية جديدة واسعة النطاق ضد “الإمبراطورية الشريرة” الروسية. وقد قاد هذه “الحملة الصليبية” الجديدة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان.

 بدأت مرحلة جديدة من إشعال نار العداء لروسيا. وكان روبرت كونكويست Robert Conquest أحد أشهر الكتّاب الأمريكيين الذين تناولوا موضوع “الإرهاب الجماعي” في الإتحاد السوفياتي. حتى أن الرئيس ريغان كلفه عام 1984 بكتابة مواد لحملته الانتخابية الرئاسية تحت عنوان “ماذا تفعل عندما يأتي الروس؟ دليل للبقاء”، بهدف “تحضير الشعب الأمريكي لغزو سوفياتي محتمل”.

كان كونكويست – الجاسوس والدبلوماسي السابق – مُروجًا محترفًا للأفكار المعادية. عمل في قسم أبحاث المعلومات التابع لوزارة الخارجية البريطانية الذي أُنشئ لمحاربة الدعاية السوفياتية، ثم تحول إلى كاتب ومؤرخ “مستقل” مع استمراره في نفس النهج المعادي للسوفيات.

ذاع صيته بعد نشر كتابه عام 1968 “الإرهاب العظيم: تطهيرات ستالين في الثلاثينيات” The Great Terror، الذي اعتمد بشكل رئيسي على معلومات ظهرت خلال “حكم خروتشوف” (فترة بدء عملية إجتثاث الستالينية في الإتحاد السوفياتي)، بالإضافة إلى روايات من مهاجرين سوفيات ومنفيين، بمن فيهم نازيون أوكرانيون هاربون ومجرمون حربيون.

قدّر كونكويست أن المجاعات والتطهيرات الستالينية تسببت في مقتل 15-20 مليون شخص. ثم نشر عام 1986 كتابه “حصاد الأحزان: التعاونيات الزراعية القسرية في الإتحاد السوفياتي وإرهاب المجاعة”

 (The Harvest of Sorrow: Soviet Collectivization and the Terror-Famine)،

 متناولًا المجاعة في أوكرانيا ومناطق أخرى من الإتحاد السوفياتي، حيث زعم مقتل ملايين الفلاحين جراء الجوع والترحيل إلى معسكرات العمل والإعدامات.

لاحقًا تم الكشف عن تزييف كونكويست للحقائق. حيث فضح الصحفي الكندي دوغلاس توتل Douglas Tottle  تلفيق هذا الجاسوس البريطاني السابق والمحترف في الدعاية السياسية في كتابه “الاحتيال والمجاعة والفاشية: أسطورة الإبادة الأوكرانية من هتلر إلى هارفارد” الذي نُشر في تورونتو عام 1987.

Fraud, Famine and Fascism: The Ukrainian Genocide Myth from Hitler to Harvard

 By Douglas Tottle

أثبت توتل أن الصور المروعة للأطفال الجوعى التي استخدمها كونكويست كانت في الواقع تعود لمجاعات الحرب الأهلية الروسية. كما كشف أن الصحفي توماس ووكر Thomas Walker – الذي زود كونكويست لسنوات بصور وتقارير مزعومة عن المناطق المتضررة من المجاعة في أوكرانيا – لم تطأ قدماه الأراضي الأوكرانية أبدًا.

الخلاصة

وهكذا تم كشف الأكاذيب حول الملايين الذين ماتوا في “المجاعة المُخطط لها”، لكن الضرر كان قد وقع.  حيث غرقت الحقيقة التاريخية في بحر من الأكاذيب. لقد شن الغرب حربًا إعلامية شرسة ضد الإتحاد السوفياتي مستخدمًا مزاعم كاذبة تعود لأيام الرايخ الثالث.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version