Site icon

تونس 2011 – 2025: من بن علي إلى قيس سعيد، مرورًا بالغنوشي وقائد السبسي، الطاهر المعز

تقديم

بدأ نفوذ أُسرة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي والمُقرّبين منه مع خصخصة ممتلكات الدّولة والشعب من الأراضي الزراعية إلى المصارف والتّأمين والتجارة الخارجية والإتصالات، وارتفعت وتيرة الخصخصة والإندماج في الاقتصاد العالمي بعد “انتفاضة الخبز” ( أواخر كانون الأول/ديسمبر 1983 – أوائل كانون الثاني/يناير 1984 ) وتطبيق برنامج “الإصلاح الهيكلي” الذي فرضه البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي، بدايةً من سنة 1985، قبل انقلاب زين العابدين بن علي بأقل من سنتَيْن، وتسارعت عمليات الخصخصة وخفض الدّعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية بعد انقلاب السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1987، مع الإنضمام “للغات” ( 1990) التي أصبح اسمها منظمة التجارة العالمية سنة 1995، ومع اتفاقية الشراكة – غير المتكافئة – مع أوروبا ( تموز/يوليو 1995) وأدّت هذه المجموعة من القوانين واللوائح إلى توسيع الهوّة بين الكادحين والفقراء والبرجوازية المحلية المرتبط بأوروبا، من خلال السياحة وتصدير المنسوجات والملابس والإنتاج الفلاحي ( الحمضيات والزيت والتّمر…) كما أدّت هذه الخطوات إلى دعم أوروبا للنظام التونسي الذي استحوذت أُسْرة رئيسه زين العابدين بن علي على مفاصل الإقتصاد، ولتقريب الصّورة نُذَكِّر إن سُلُطات ما بعد انتفاضة 2010/2011 صادرت 220 شركة كانت تمتلكها أُسرة الرئيس الهارب بن علي، أو أقل من 1% من العدد الإجمالي للشركات في تونس، ولكنها في قطاعات مربحة (العقارات والفنادق والإتصالات والمؤسسات المالية والنقل الجوي والبحري وتجارة التجزئة…)  وتستحوذ هذه الشركات على نحو 55% من أرباح القطاع الخاص، في حين لا تصل حصتها من الوظائف إلى 11% من الوظائف، واستخدم بن علي سُلطته لتغيير التشريعات ووقّع شخصيًّا 25 مرسومًا لصالح أسرته لتستحوذ على أكثر من مائة شركة لم تكن تشملها التشريعات السابقة، ولتعزيز هذه “الرأسمالية العائلية والطُّفَيْلِيّة” المندمجة من موقع ضُعْف في الأسواق العالمية، مما أدّى إلى توسيع الهُوّة بين المناطق الساحلية والمناطق المحرومة غربي وجنوب البلاد، وارتفعت معدّلات الفقر والبطالة في ظل تدهور الخدمات العمومية وارتفاع متطلبات العيش وخدمات الكهرباء والمياه والنّقل وإيجارات السّكن، مما يُفسّر اعتصامات سكان الحوض المنجمي ( محافظة قفصة بالجنوب الغربي) وانطلاق انتفاضة 2010 – 2011 من هذه المناطق ( كما انتفاضة 1983 – 1984)…

من اليَسِير الآن نقد رموز السّلطة التي حكمت قبل سنة 2011، فكيف تطورت الأمور وما الذي حصل من تغييرات لصالح الفئات المحرومة التي أطاحت بسلطة ونظام زين العابدين بن علي وأُسْرَتِه؟

تونس بعد الإنتفاضة

كانت الإنتفاضة تلقائية، أي لا تمتلك قيادة ولا برنامج ولا بديل لسلطة بن علي، ولذلك تمكّنت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي من السيطرة على الوضع بسهولة، في غياب برنامج ثوري أو حتى تقدّمي لقوى اليسار ( القومي العربي والإشتراكي) وفي ظل مُساهمة اتحاد نقابات الأُجَراء ( الإتحاد العام التّونسي للشّغل) وبعض منظمات اليسار في إجهاض المبادرات الثورية المحلّية والمركزية ( لجان حماية الثورة واعتصامَيْ ساحة القَصَبَة …)، ونَصّبت الولايات المتحدة (بواسطة جيفري فلتمان، مساعد وزير الخارجية الأمريكي ) أول حكومة “جديدة” برموز السلطة السابقة ( محمد الغنوشي ) وبرجال أمريكا (نجيب الشابي وأمثاله)، ثم تمت عملية إعادة تدوير رموز سلطة بورقيبة وبن علي ( فؤاد المبزع والباجي قائد السّبسِي وكمال مرجان ومحمّد النّاصر وغيرهم) ونشأ تحالف موضوعي بين الفئات البرجوازية التقليدية التي تم إقصاؤها خلال فترة رئاسة بن علي مع القوى الأكثر رجعية ( الإخوان المسلمون) وأدّى هذا التحالف بتواطؤ من بعض القوى المحسوبة على التيارات التّقدّمية ( باسم “التّوافق” أو سُلطة الوِفاق ) إلى إعادة إنتاج نموذج الرأسمالية الطُّفَيْلِية الكمبرادورية، وكيلة رأس المال الإمبريالي الأوروبي بشكل خاص، بالتوازي مع تَغَوُّل شبكات الإقتصاد الموازي ( غير الرّسمي ) التي تراكمت ثرواتها بشكل استثنائي خلال عشرية حكم تحالف الإخوان والدّساترة ( قيادات حزب الدّستور، حزب بورقيبة وبن علي) من خلال السيطرة على الأُصُول التي صادرتها الدّولة من أُسْرَة بن علي، قبل خصخصتها وبيعها للمُقرّبين بأسعار رمزية، ثم إعلان “قانون المُصالحة” الذي استفاد منه الفاسدون واللصوص والمُتهرّبون من دفع الضرائب، والذي تم إقراره خلال سيطرة الإخوان المسلمين وحلفائهم على السلطة التنفيذية والتّشريعية والمجالس الإقليمية والبلدية، كما أقرّ هذا التّحالف عفواً تشريعيّا للأثرياء والمسؤولين الحكوميين السابقين مِمّن تورّطوا في السرقات أو حصلوا على امتيازات انتقائية مكّنتهم من الإستيلاء ( بأسعار رمزية ) على الأراضي والأُصُول التي تمت خصخصتها، ومكنتهم من تغيير صفة الأراضي الزراعية إلى أراضي صالحة للبناء وللمضاربة العقارية، وعادت المُمارسات السابقة للإنتفاضة لتطغى على المناخ الإقتصادي، ومن ضمنها احتكار المُقرّبين من السّلطة ( التحالف الذي يتزعّمه الإخوان المسلمون) لمعظم قطاعات الإقتصاد وإقصاء المُنافسين، وحصولهم على قُروض بشروط مُيسّرة أو مُساعدات حكومية ( إعانات مالية وخفض الضرائب وإعفاء من تسديد حصة الضمان الإجتماعي…) ومكنتهم هذه الإمتيازات من احتكار مجمل القطاعات الإقتصادية والسياسية والإعلامية ومن مراكمة الثروات في زمن قياسي قصير، وهي نفس الفترة التي ازدادت خلالها الفوارق الطبقية بين هذه الفئة الرأسمالية التي استفادت من التّهرّب الضريبي وتهريب الأموال إلى الخارج ليستحوذ 10% من الأثرياء على نصف ثروة البلاد فيما لا تزيد حصة نصف السكان على 18% ( بيانات سنة 2019) وارتفعت نسبة الفقر الرسمية من 15,2% سنة 2015 إلى 16,6% سنة 2021، كما تعمّقت الفجوة بين مناطق البلاد ( خصوصًا بين المدن الساحلية وغرب وجنوب البلاد ) في مجالات النشاط الإقتصادي والبُنية التّحتية وجودة التعليم والرّعاية الصّحّيّة والثروة والوظائف ونسبة البطالة والفقر، وفق المعهد الوطني للإحصاء، ولكي لا تتكرّر انتفاضة الحوض المنجمي ( 2008) أو بنقردان ( صَيْف 2010 ) وانتفاضة 2010/2011، بسبب تدهور وضع أغلبية المواطنين بعد الإنتفاضة، ارتفعت ميزانية الجيش بنسبة 100% بين سَنَتَيْ 2010 و2024، وازداد “التعاون العسكري” ( غير المتكافئ) مع الولايات المتحدة، وارتفعت ميزانية وزارة الداخلية بنسبة تقارب 100% بين سنتَيْ 2012 ( سنة فوز الإخوان المسلمين وحلفائهم بالسلطة وتوقيع اتفاق قَرْض مع صندوق النقد الدّولي) و2020، وازداد توغّل الأجهزة القمعية في حياة المواطنين وتعززت حراسة ثروات الأقلية الغنية، وخصوصًا أولئك الذين استفادوا من مُصادرة ممتلكات أُسرة بن علي وحواشيها، فقد صادرت الحكومة، سنة 2011 شركات الإتصالات والنقل والشّحن والنقل البحري والجوّي والمصارف والخدمات المالية والتّجارية وشركات التّأمين وغيرها من القطاعات المُربحة، وتم التفريط في هذه الأصول إلى المُقربين من السلطة الجديدة بأسعار رمزية أو إعادتها إلى اللصوص الذين كانوا مُقرّبين من بن علي والذين قَدّموا “خدمات” إلى السلطات الجديدة…   

في الأثناء، ارتفعت الدُّيُون الحكومية ودُيُون ما تبقّى من مؤسسات القطاع العام، بل تضاعفت خلال عَشْرِيّة حكم الإخوان المسلمين وحلفائهم، بالتوازي مع انخفاض موارد الدّولة وإيرادات الضرائب ( بسبب التّهرب المُنظّم والإعفاءات ) ومع ارتفاع عجز الميزانية، واستمرت الحكومة بداية من سنة 2012 ( تمامًا كما قبل الإنتفاضة) في الإقتراض من صندوق النقد الدّولي والإتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية، بشروط مُجحفة تضمنت خفض الإنفاق الحكومي وإلغاء أو خفض دعم السلع والخدمات الأساسية، والتّقشف الذي أضرّ كثيرًا بالأُجراء والفُقراء والفئات الوُسْطى، وخصخصة ما تبقى من القطاع العام لصالح نفس الفئات البرجوازية الفاسدة المُقرّبة من السّلْطة، والتي أنفقت مبالغ كبيرة خلال الحملات الإنتخابية، فازدادت ثروة هذه الفئة بفضل الإستحواذ على ممتلكات الشّعب والحصول على امتيازات عديدة جعلت ثرواتها تتراكم، بينما يزداد الفقر والبؤس والبطالة بين أفراد الشعب الذين كانوا وقود الإنتفاضة التي أطاحت ببن علي وجاءت بتحالف الإخوان المسلمين إلى السّلطة، فاضطر عشرات الآلاف من الشّبّان ( أكثر من 35 ألف سنويا) إلى المُخاطرة بحياتهم في البحر الأبيض المتوسط، أملاً في الوصول إلى أوروبا وتحسين وضعهم، فضلا عن الهجرة النّظامِيّة للعمالة الماهرة والأطباء والمُهندسين والفَنِّيِّين في مجالات عديدة…    

نموذج لتوسيع دائرة القمع

لم يستهدف القمع والإعتقال والمحاكمات والسّجن “الفاسدين ” وحدهم كما تُرَوّج الدّعاية الرّسمية، وإنما اتّسعت رُقعة القمع إلى مواطنين اكتفوا بالتعبير عن الرّأي ولم تظهر عليهم علامات الثراء بفعل تلقي أموال أجنبية أو بفعل سرقة المال العام أو التّحايل أو استغلال جهد الغير، ومن بين هؤلاء غسان بن خليفة الذي يلاحقه جهاز القضاء منذ سنوات، وتم اعتقاله وتفتيش منزل أسْرَتِه ومصادرة بعض وسائل الإتصال الخاصة به، وأصدرت محكمة الإستئناف مؤخرًا حُكما بالسجن ستة أشهر، ووقع اختياري له لأنه ليس راشد الغنوشي أو عبير موسي أو من قادة الدّساترة والإخوان المسلمين الذي تُدافع عنهم المنظمات الدّولية لحقوق الإنسان، وأنا لا أعرفه شخصيا ولكني أعرف إنه من مؤسسي الحملة التونسية للمُقاطعة ومناهضة الكيان الصهيوني ومناهضة الإمبريالية والصهيونية وتنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين، ومن الأصوات التي عارضت سلطة وحكومة زين العابدين بن علي عندما كانت المُعارضة جريمة لا تغتفر، وهو من داعمي نضالات الكادحين والفُقراء والمُهَمَّشِين، ومن الدّاعين إلى تحقيق السيادة الغذائية في تونس، وفق ما قرأتُ له بموقع “انحياز”، ولذلك فاجأني هذا الإمعان وهذا الإصرار على مٌقاضاته، وعملتُ يوم الإربعاء 23 تموز/يوليو إن محكمة الاستئناف في تونس قضت بسجن غسان بن خليفة لمدة ستة أشهر بتهمة “الاساءة للغير عبر مواقع التواصل الاجتماعي ” التي وُجِّهت له منذ سنة 2022، حيث تم اعتقاله وسجنه لعدّة أيام، وسبق أن تبرأ غسان بن خليفة من التهمة التي اعتبرتها لجنة الدفاع عنه تهمة مُلَفَّقَة وأثبتت المُعاينات انتفاء أي علاقة له بالصّفحة التي نسبتها الشرطة له ( “البُركان التونسي”)  وهي صفحةً ذات مضمون تكفيري مُناقض للقناعات التي يُعبّر عنها المُتّهم بن خليفة، وصرّح مُحرّرها (المتهم الرئيسي في هذه القضيّة)  أمام القضاء بأنّ لا صِلَة لغسان بن خليفة بهذه الصفحة، وأعلن عدد من الإعلاميين والنقابيين والحقوقيين والمحامين مساندتهم لغسّان بن خليفة، كما قررت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين عقد ندوة صحافية “لكشف مستجدّات هذه القضية”…

استخلاصات

أدّى تنفيذ أوامر صندوق النّفد الدّولي، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، إلى بَيْع الشركات المملوكة للدولة للقطاع الخاص بأقل من سعرها في السوق، فيما ارتفع عجز الميزانية ولجأت الحكومة إلى الإقتراض الخارجي أساسًا، فضلا عن الإقتراض من المصارف المحلية التي استفادت من القروض ( السندات والأُصول) التي تطلبها الدّولة لتغطية العجز، وارتفعت أرباح هذه المصارف بنسبة 13% سنة 2022 ( مقارنة بسنة 2021) في ظل أزمة خانقة بسبب توقف الإقتصاد خلال انتشار وباء كوفيد-19، كما أدّت “مُرونة السُّوق” التي فرضها صندوق النقد الدّولي إلى زيادة قيمة التهريب الضريبي واالجمركي الذي قُدِّرَ بنحو 1,2 مليار دولارا سنويا أو ما يُعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى الإعفاء أو التّهرب من سداد مساهمات أرباب العمل للتأمين الصحي والإجتماعي الذي يؤدّي إلى خسارة مليار دولارا سنويا، وقدّرت “اسكوا” ( اللجنة الإقتصادية للأمم المتحدة في غرب آسيا) التّدفُّقات المالية غير المشروعة في تونس ( بفعل الإقتصاد الموازي والتهرب من الضرائب والمساهمات في الصناديق الإجتماعية ) بنحو 2,6 مليار دولار أميركي سنويا وتهريب الأموال إلى الخارج بنحو 1,3 مليار دولارا سنويا، وتُقدّر قيمة إيرادات السلع المُهربة من الجزائر وليبيا ( خصوصًا الوقود والسلع الغذائية والملابس…) إلى تونس بنحو 2,4 مليار دولار سنويا، ولا تخضع هذه المبالغ (وغيرها ) إلى الضرائب مما يزيد من ثقل الضرائب غير المباشرة ( التي يُسدّدها جميع المواطنين بالتّساوي، سواء كانوا فُقراء أو أغنياء) وهي ما يُسميها البعض “ضريبة الإستهلاك” ( استهلاك السّلع والخدَمات) التي تُشكل حوالي 65% من الإيرادات الضريبية للدولة، مما ساهم في تدهور وضع الفئات التي أطلقت انتفاضة 2010 – 2011، في ظل ارتفاع عمليات الخصخصة وتراجع دور الدّولة في قطاعات التشغيل والسكن الإجتماعي والنقل العمومي والتعليم والصحة والخدمات وانخفضت ميزانية هذه القطاعات باستمرار في ميزانيات الدّولة بين 2006 و 2025، مقابل ارتفاع ميزانية الأجهزة القمعية، وفق بيانات البنك العالمي ( نيسان/ابريل 2025) وأدّى تدهور الوضع الإقتصادي إلى تكثيف هجرة الخبرات التقنية والطبية والعلمية، ضمن الهجرة المنظمة فضلا عن الهجرة غير النظامية وقدّر المرصد الوطني للهجرة عدد المهاجرين التونسيين بأكثر من 36 ألف سنوياً لأسباب اقتصادية.

لم يتغير الوضع الإقتصادي ولم تتحقق الوعود التي أطلقها الرئيس قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو 2021، ويُشكل مستوى الفقر والبطالة وأسعار السّلع والخدمات الأساسية وتوفير الكهرباء والنقل والسكن بأسعار تناسب مستويات دخل أغلبية المواطنين أهم معيار للحكم لصالح أو ضد أي نظام، وفشلت السلطات التونسية والحكومات المتعاقبة منذ 2011 في الإستجابة لأهم مطالب المنتفضين ( 2010 – 2011 ) وفي التخفيف ( ولا نتحدّث عن القضاء) على البطالة والفقر وارتفاع الأسعار وشح السلع الأساسية، وتُشير ميزانية الدّولة سنة 2025 إلى استمرار تدهور الوضع…

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version