Site icon

“كنعان” تتابع نشر كتاب: “غزة… لا…معصتاه: صدُّ المساكنة بالمقاومة”، الحلقة الرابعة، لمؤلفه د. عادل سماره

كنعان” تتابع نشر كتاب: “غزة… لا…معصتاه: صدُّ المساكنة بالمقاومة”، الحلقة الرابعة، لمؤلفه د. عادل سماره

✺ ✺ ✺

المساكنة والتطور الاقتصادي

لا تنمية فلا ديمقراطية

كثيراً ما تتم قراءة مسألة الديمقراطية من السطر الزمني الأخيرمما يجعلها أحجية يكمن عدم حلها في طريقة تناولها. ومن هنا فدعاة الديمقراطية في وطننا متعددين، فمنهم البسيط والمخلص ومنهم الخبيث والمتخارج وهذا أخطر بما هو خبيثاً.

وإذ يختلف الهدف من تناول أو الدعوة للديمقراطية تختلف بالطبع تعريفات كل فريق لهذه المسألة القديمة والشائكة.

وقد نقول بأن الديمقراطية هي مسألة علاقات، طريق تعامل وبالتالي هي نفسها لغة أو تجريد لغوي ليس له ملموسية، ولكن لتناولها وشكل تطبيقها ملوسيته بالطبع.  وهي تبدأ من المستوى البطريركي بمعنى العلاقات بين الجنسين في الأسرة وحدود ذكورية الرجل وحتى الولد تجاه البنت وحتى الأُم. ولا تستعيد المرأة في المجتمع الذكوري بعض التقدير إلا بعد كهولتها مما يجعل احترامها مسألة إعتبارية لا حق قرار أصبح في يدها.

تثبت تجربة الحياة أن البطريركية ترافقنا حتى في مراحل متقدمة من الثقافة وحتى الوعي ولذا، نعيش نحن الذكور حتى الثوريين حالة صراع في داخلنا مع مناخنا البطريريكي.

ومن الأسرة إلى النظام السياسي اي تعامل وموقف النظام من المواطنين أي حدود الحرية وحدود القمع.

ومن هنا، فإن اساس وما هو أسبق من الديمقراطية هي الحرية والتي تنقسم إلى موقفين أو سياستين على صعيد المجتمع:

حرية التفكير

والتفكير الحر

وبينهما بالطبع فارق وفاصل حَدِّيٍ جدا لا يتصالح قط، أو على الأقل لم يتصالح تاريخياً حتى اليوم. كما أن الحرية مقولة مجردة، ولكن مفاعيلها مهمة بما لا يُقاس في حال التجسيد.

فحرية التفكير هي قيد أو هي حدود تقييد أو السماح للمواطن من قبل السلطة التي لو كانت عادلة فليس لها الحق في التقييد، بل عليها واجب تعميق التقيُّد الذاتي الواعي بحقوق الآخرين اي ثقافة حق الآخر، لأن حرية الآخر حق له وإذا فهم كلٌ حقه كانت الحرية أو الانتقال إلى التفكير الحر اي الذي لا يقيده أحد بل يقيد نفسه عن الاعتداء على الآخر.

ولكن لفهم الديمقراطية أو تجليسها في الموضع التاريخي الحديث الذي ولَّدها اي عصر راس المال دون العودة إلى حقب أقدم، فالديمقراطية في النظام الرأسمالي اللبرالي مرتبطة أشد بالاقتصاد، وبالملكية الخاصة تحديدا وبالذكورية معا.

لذا، حُصرحق الانتخاب في بلدان الراسمالية المتقدمة ومنذ البداية في من يملكون ملكية كبرى وحقيقية وبدأ توسيع “الحق” بالتدريج وبعد نضالات ولم تحصل المراة عليه سوى في بدايات القرن العشرين. وفي هذا نجد التلاقي الصارم بين راس المال والبطريركية.

ولكن، كيف كان للذين لا يملكون غير جهدهم الجسدي والذهني أن يحصلوا على حق الانتخاب؟ وكيف يمكن أن يحصلوا عليه دون أن يتمكنوا من خلاله من وصول السلطة؟

هنا تلعب المصلحة المتبادلة دورها في حل الإشكال الأول وتأجيل ألإشكال الثاني اي وصول السلطة إلى ما بعد النظام الرأسمالي.

فيما يخص الإشكال الأول اي حق التصويت في التشكيلات الرأسمالية اللبرالية كان لا بد للنظام نفسه من تقديم مرونات معينة للطبقات الشعبية ولكن في نطاق حرية الفكر او النشاط السياسي وليس في نطاق التفكير و/أو الانتخاب الحر رغم ان الانتخاب يبدو حراً، ولكنه في الحقيقة محصور في من يمكنه الترشح، وهو ليس من هذه الطبقة.

هنا تحضر مقولة غرامشي حيث يصعب أو لا يمكن لرأس المال أن يأخذ العامل إلى المصنع بالقوة أو بالسخرة أو بأجر شديد الهبود أي بالسيطرة ولذا لجأ راس المال إلى الهيمنة ومن ضمنها شعور العامل بأنه “حر” ينتخب ويصرح سياسيا وقد يشتم…الخ، لأنه إذا ما حُرم فإنه قد يلجا إل الإضراب أو تخريب الآلة وبالتالي يتوقف خط الإنتاج الذي هو إكسير حياة راس المال اي الطبقة الحاكمة المالكة. وعليه، كي يستمر خط الإنتاج في العمل وبالتالي يستمر التراكم كان لا بد من حرياتٍ ما في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية.

وكما أشرنا فإن الوضول إلى السلطة فيما يخص الطبقات الشعبية، فقد اثبتت التجارب صحة التحليل المادي التاريخي بأن ذلك ممكناً عبر ديكتاتورية البروليتاريا والتي يمكن وصولها إما:

أو

ولكن، هل حصل هذا التطور أو التدرُّج في بلدان المحيط وخاصة الوطن العربي؟ بالطبع لا. أما كيف تمكنت الأنظمة في هذه البلدان أن تبقى في السلطة رغم أنها لم تتقيد حتى بالصيغة/التجربة اللبرالية الغربية؟

لم تأخذ مسألة الديمقراطية في الوطن العربي نفس المسار الغربي المذكور وذلك لعدة عوامل.

ساهم كثير من المفكرين العرب والغربيين في رد هذا الفشل إلى:

أحد جوانب الاختلاف، وهو جوهري، أن اللبرالية الراسمالية الغربية محكومة إلى حد كبير بوجود دستورهو فوق الحاكم، بغض النظر عن توفر آليات خبيثة لتجاوز الدستور، وبالتالي وجود معارضة هي ايضا تحت الدستور. ولكن في الوطن العربي يبقى الدستور خُلعة من الحاكم على الشعب، يخلعها على الشعب حين يريد ويخلعها عنه حين يريد ايضاً.

فالدساتير في الوطن العربي مجرد تصفيف كلام لا حمولة فعلية وتطبيقية لنصوصها، ولذا فالبرلمانات العربية هي مجرد جهاز وجاهات في خدمة رئيس السلطة التنفيذية وهو فرد وليست الوزارة مثلا وبالتالي تصبح المعارضة الحقيقية في الوطن العربي ممنوعة وسجينة وهذا ما إتضح في لحظة المساكنة اليو م تجاه غزة.

فحين يكون الدستور شكلانياً تكون المعارضة والبرلمان والصحافة على غراره.

ولكن دون أن ننسى أن الحاكم الفرد لا يمكن أن يكون مجرد فرد بلا بطانة ومخابرات وجلاوزة وشرطة وجيش جميعها أجهزة بمراتبية ترتبط قياداتها بالحاكم وتسحب ما يأمر به وما تخدمه به من تقرير ونصائح وترجيات وتسقطه على المجتمع.

وهذه جميعها صحيحة، ولكن ربما يقف وراء معظمها أو جميعها عامل اساس هو التخلف وإعادة توليد التخلف كما نظِّر جوندر فرانك وتطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي.

فالتخلف يعني غياب التصنيع أو وجوده بشكل جنيني ومُحاصَر مما يعني غياب خط الإنتاج الذي تحرص البرجوازية على بقائه عاملا كي يبقى تراكم التراكم صاعداً وبالتالي فليس في يد الطبقات الشعبية سلاح الإضراب ووقف خط الإنتاج وهو شديد الأهمية.

وبدورها فإن الراسمالية الكمبرادورية لعبت، ولم تتوقف، دور تكريس التخلف في القطر الواحد، وخنق الصناعات الجنينينة فيه وتكريس “تطوير” اللاتكافؤ بين اقطار الوطن العربي كي لا تتكون حركة عمالية ولا حزبية عربية عامة ولا تتكون ضرورة التواصل العمالي الواعي بمعنى المصالح الطبقية وهذا يقود كذلك إلى تهالك الشعور العاطفي القومي الذي يتحول إلى يوتوبيا وليس أمر مصلحي مادي على الأرض في الوحدة والحياة الكريمة.

ولا يقف الأمر عند غياب الصناعة والتي على هامشها يتحول العامل إلى جزء من العمل الاجتماعي اي الجماعي بمعنى أن مصلحته المادية في العمل إلى جانب رفاقه مما يخلق لديه ثقافة جمعية لا فردية.

وهنا تقوي السلطة مركزها بسياسات مختلفة تماما عن سياق التطور الطبيعي للديمقراطية الرأسمالية الغربية المألوفة، فتذهب إلى:

لذا، بوسع الأمير أو الشيخ أو اي حاكم يلقي بفتات الريع على الطبقات الشعبية أن يتسائل: على ماذا يحتج هؤلاء وأنا الطاعم الكاسي!

فاية نقابات مثلاً يمكن أنيثسمع صوتها في حالتي:

لذا، كانت إجابة عزمي بشارة عن سؤال: لماذا لا توجد ديمقراطية في قطر؟ فيجيب الشعب لا يطالب بذلك!

المساكنة دينياً

يتشابه اختلاف الموقف من الديمقراطية معالاختلال على الموقف من الدين بينالبلدان العربية والغرب. فقد تمكن اعتماد العقل من جهة والثورة الصناعية من جهة ثانية من تحويل الدين في الغرب إلى مجالين:

الأول: ممارسة الدين طقوسياً لا تعصباص وذلك في إدراك الوعي الجمعي أن هناك ما تم إنجازه في هذه البلدانوبالتالي فإن تفجير حرب داخلية سيدمر كل شيء وخاصة أن لا حاجة لذلك. هذا غضافة إلى أن تدفق التحويلات/الفوائض من المحيط وخاصة العربي إلى المركز.

والثاني: إستخدام الدين، وهو قابل لذلك لتبرير الغزو والعدوان الغربي ال{اسمالي الاستعماري

الإمبريالي والمعولم على هذا البلد أو ذاك في المحيط وهو ما أسماه سمير أمين رسملة الدين، بل نراه احتلال الدين.

وإذا كان التديُّن الطقوسي هو أمر عادي إيماني للفرد في الغرب، فإن رسملة الدين تزداد وتتفوق علىالإيمان كلما تأزمت بلدان الغرب إقتصادياً مما يجعل العدوان على البلدان الأخرى وخاصة التيبها مصالح للغرب اي مستعمرات إقتصادية أمراً مقبولا شعبياً. ومن هنا تتقاطع الفاشية في الغرب مع راس المال موصلة قوى عديدة إلى وضعي الدين السياسي والذي تجلى أمريكياً خاصة في المحافظية الجديد والتي تتفشى منذ أكثر من عقد في أوروبا الغربية.

لكن الدين ليس آلية خلاص الغرب الرأسمالي من أزماته الداخلية، بل السلاح والاستغلال وتوفير طربوش ديني في بعض الأحيان إن لزم، اي أن حل افشكاليات الأرضية في الغرب هو أرضي.

أما عن تقاطعأو تخديم الدين للراسمالية وخاصة التي تنتقل إلى حقبة الإمبريالية، فإن الهند نموذجا واضحا عليها. فالهند التي تتلمظ إمبرياليا يقودها حزب دين سياسي يتعطش إمبريالياص بل إن من أطروحاتها اعتبار الجزيرة العربية أرضا هندية، وتحديداً الكعبة المشرفة!

أدت هزيمة الأنظمة التقدمية العربية عام 1967 وماتبعه من تراجع القوى العلمانية قومية وشيوعية إلى تعبئة الفراغ إلى يد أنظمة وقوى الدين السياسي والتي لم يكن لها مشروعا لاإستقلاليا ولا تنموياً بل مشروعاً قروسطيا مما جعلها في حالة عداء ضد العروبة>

من الللافت أن الوطن العربي دخل بعد عدوان وهزيمة 1967 أزمةاقتصادية متواصلة والتي اقترنت بتوسع ظاهرة الدين السياسي بالطبع، ولكن حل هذه المسلكة ايالفقر والهزيمة وهما مسألتين أرضيتين إنما تم توجيه الحل إلى السماء! أي ان الفقر والاستغلال والهزيمة هي مشاكل أرضية لكن حلها أصبح مطلوب من الله! وهذا بالطبع دليل قدرة فتاوى قوى الدين السايسي على تخدير الوعي الجمعي وتحويله عن اسباب سواءالهزيمة أو التخلف والفقر.

صحيح أن الدين الإيماني لم ينقرض، ولكنه لم يلعب دوراً كفاحياً ضد قوى الدين السياسي بل إن جماهيره وهي عديدة جرى تحريكها ضد الأنظمة والقوى العلمانية أو على الأقل غير ذات التوجه الديني السياسي. وهنا حصل التقاطع أو التحالفف الثلاثي بين الأنظمة وقوى الدين السياسي والإمبريالية حيث أنشأت أو ولّدت هجينياً ظاهرة الاستشراق الإرهابي  التي طافت مختلف أرجاء الوطن العربي وتمظهرت بفظاظة في الربيع الخريفي العربي.

كانت رسالة قوى وأنظمة الدين السياسي مزدوجة:

وابعد من هذا، فقد تجلت ظاهرة الاستشراق الإرهابي في تمظهر الولايات المتحدة بقيادة ترامب إلى تصنيع “الإبراهيمية” من مزيج من أتباع الديانات الثلاثة وهي لعبة خطرة هدفها الإجهاز على العروبة خدمة للكيان الصهيوني الإشكنازي وهي مشروع جمع تحت مظلته أنظمة التبعية وقوى الدين السياسي الإرهابية والتي لم تطلق ضد الكيان الصهيوني كلمة واحدة ولكنها ظلت تلهج بتكفير سوريا وليبيا والبعث…الخ.

والطريف أن الإبراهيمية التي تتجاوز عن حقيقة تناقضات أتباع الديانات الثلاثة وتمفصلاتها الطائفية الأشد تناقضا، إلا أنها، رغم تحالفها مع الإسلام أبقت على تيار اسلاموفوبيا الضد الإسلام والمسلمين، ومع ذلك لم يحتج المسلمين المنخرطين في هذه الدينسياسية، الأمر الذي كان لا بد من 7تشرين أكتوبر 2023 كي تكشف عنه بوضوح، ومع ذلك لم يتغير لا الأنظمة المنخرطة في الإبراهيمية ولا قوى الدين السياسي التكفيرية! ولعل هذا أوضح تجلٍّ للمساكنة.

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version