Site icon

خفايا التسميات الدخيلة على العروبة: الشرق الأوسط وغرب آسيا، شحادة موسى

كاتب فلسطيني

نيسان/ إبريل 2026

تمهيد

شاعت كلمة مصطلح في غير موضعها في بعض الكتابات السياسية. ومن ذلك ما يتعلق بموضوع هذه المقالة، وهو مصطلح الشرق الأوسط وتفرعاته، ومصطلح غرب آسيا.

المصطلح لغةً من اصطلح أي اتفق، واصطلاحًا هو لفظٌ يتفق عليه أهل اختصاص للدلالة على معنىً محدد.

وبالتدقيق في أصل “مصطلح الشرق الأوسط” يتبين أنه ليس من وضع جماعة مختصة، وليس للمسمَّى، أي الشرق الأوسط، مدلول جغرافي، ولا يُستخدم في الأمم المتحدة ومنظماتها. فهذا المصطلح في المحصلة اسم لغير مسمَّى.

ولذا، يُستخدم في هذه المقالة لفظ “تسمية” بدلًا من مصطلح. والتسمية هي إعطاء اسم لمسمَّى: شيئٍ، أو شخصٍ، أو مكان. وما سُمي بالشرق الأوسط منطقة غير محددة جغرافيًا؛ تكبر وتصغر بحسب مراد واضع الاسم.

وبمرور الزمن وتغير الأحوال، أُضيفت إلى التسمية الأصلية صفات أخرى، مثل: الجديد، وشمال إفريقيا، والكبير. واستُخدمت جميعها لأغراض سياسية استعمارية، من أجل السيطرة على المنطقة العربية، واستغلال ثرواتها ومواردها. واستُخدمت إيديولوجيًا (عقائديًا) لاستهداف الشعب العربي في قيمه ومبادئه ولغته. وفي الحالتين، السياسية والإيديولوجية، جرى طمس اسم هذا الشعب وهويته الحضارية، كما سيتبيَّن في الصفحات التالية.

  1.  تسمية الشرق الأوسط

يتفق الذين تناولوا هذه التسمية على أنَّ العبارة مصطلح سياسي استعماري، مع تباين في ما يتعلق بنشأته ومجاله الجغرافي.

تحدث سمير مرقص، الكاتب والمفكر السياسي المصري، عن هذه التسمية وقال إنَّ المجال الجغرافي للمصطلح “مطَّاط” غير ثابت، وأنَّ السبب في ظهوره اقتصادي وتحديدًا الطاقة. فقد ارتبط المصطلح باهتمام القوى الاستعمارية بالمنطقة التي تأكد الحجم المذهل للنفط حول الخليج في إيران والعراق ممَّا دعا اللورد كيرزون، الحاكم البريطاني للهند آنذاك إلى استخدام المصطلح ليشمل تركيا، والخليج العربي، وإيران. ومع مرور الوقت ترسَّخ الاسم رسميًا ليشمل دول الخليج، والمشرق، ومصر، و”إسرائيل”.

(سمير مرقص، “الشرق الأوسط مطَّاطية جغرافية وطاقة وممرات اقتصادية”، الأهرام، 30 أيلول/ سبتمبر، 2023).

ويقول وحيد عبد المجيد، المستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إنَّ أول ذكر للمصطلح كان في القرن التاسع عشر من جانب إدارة الهند البريطانية إذ كانت الهند تحت الاحتلال البريطاني. وفي عام 1921 أُنشئت إدارة الشرق الأوسط التابعة لوزارة المستعمرات البريطانية، واستخدمت المصطلح آنذاك للدلالة على البلدان التي تقع بين شرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا وتشمل البلدان العربية الآسيوية، ومصر، وتركيا.

(وحيد عبد المجيد، “تحولات مفهوم الشرق الأوسط”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 26 أيلول/ سبتمبر 2025).

من جهة أخرى، يذهب المؤرخ الفلسطيني أحمد الدبش إلى أنَّ المصطلح أميركي وقُصد به أمركة الشرق. وابتُكِر مصطلح الشرق الأوسط في عام 1902 على يد الأدميرال الأميركي ألفرد ماهان الذي كتب آنذاك عن الأهمية الإستراتيجية للخليج العربي، وأطلقه على المنطقة التي كان الأميركيون والأوربيون يشيرون إليها بمصطلح “الشرق”. وهذه المنطقة تشير دون تحديد دقيق، إلى مساحة الأرض الممتدة ما بين المغرب، ومصر، والشام، والجزيرة العربية، قبل أن تصل في النهاية إلى تركيا. ويعقِّب الدبش على ذلك بالقول إن المصطلح لم يقم على جغرافية المكان؛ وإنما كان يصف إقليمًا تجمعه حضارة مميزة. (أحمد الدبش، “قصة صناعة الشرق الأوسط”، الجزيرة نت، 16/ 2/ 2025).

وعلى وجاهة وجهات النظر هذه، وأسانيدها بخصوص تسمية الشرق الأوسط؛ فإنَّ هناك رأيًا آخر يبدو أنّ له الأرجحية في تأصيل هذه التسمية. عبَّر عن هذا الرأي محمد جابر الأنصاري، كاتب ومفكر بحريني (1939- 2024). واستند فيه إلى المستشرق والمؤرخ اليهودي الصهيوني برنارد لويس. يقول الأنصاري إن مصطلح الشرق الأوسط في أساسه أوروبي، وقُصد به الإشارة إلى ما يقع شرق أوروبا أو شرق البحر الأبيض المتوسط. ويُنسب إلى برنارد لويس ذو التوجهات المعروفة حيال العرب والمسلمين القول بأن المصطلح وضعه ضابط بحري بريطاني عام 1920 لهذا القصد. وتسمية المناطق الثلاث: الشرق الأدنى، والشرق الأوسط، والشرق الأقصى، هي تسميات أوروبية. فالأدنى ما كان قريبًا من أوروبا، والأوسط ما كان أبعد قليلًا، والأقصى هو الأبعد عن أوروبا في شرق آسيا. (محمد جابر الأنصاري، “هذا المصطلح الهجين (مينا) هل يُراد به محو العروبة”، الخليج، 20/ 10/ 2011).

ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أن بريطانيا إبَّان انتدابها على فلسطين، أسَّست فيها في العام 1941 محطة إذاعية بريطانية تابعة لوزارة الخارجية باسم إذاعة الشرق الأدنى (بدأت في جنين وانتهت في القدس). وبعد انتهاء الانتداب (1948) انتقلت الإذاعة إلى قبرص حتى عام 1956. وبسبب العدوان الثلاثي على مصر في ذلك العام، قدَّم جميع الموظفين استقالاتهم.

والخلاصة أنَّ تسمية الشرق الأوسط غير جغرافية وغير عربية؛ وإنما هي تسمية غربية مرتبطة بمصالح القوى الاستعمارية وأطماعها في السيطرة على المنطقة واستغلال ثرواتها ومواردها. واستقر استخدام التسمية في الإشارة إلى البلدان العربية في المشرق العربي، وأحيانًا إلى الوطن العربي بمشرقه ومغربه، مع إضافة بلدان أخرى.

 ويشيع استخدامها الآن بهذا المعنى الملتبس لدى الأوساط العربية الرسمية والشعبية، ولدى الكتَّاب والمثقفين؛ فأخذوا يطلقونها عشوائيًا بلا مدلول محدد. وهو ما ينمًّ عن جهل سياسي وثقافي، وعدم مبالاة بخطورة هذه التسمية على الهوية العربية خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني. 

أُطلقت هذه التسمية أول مرة بالإنجليزية

Middle East and North Africa

وذلك في اثناء مؤتمر مدريد للسلام بين العرب و”إسرائيل” الذي عقد في العام 1991. ووردت التسمية في كلمة الرئيس الأميركي جورج بوش بعبارة “القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري في المنطقة وبضمنها “إسرائيل”.

 ولذلك كان من الطبيعي تجنُّب استخدام مسمَّيات عربية تنطوي على استبعاد “إسرائيل”، في حين أنَّ المقصود هو دمج “إسرائيل” في المنطقة من بوابة الاقتصاد والتجارة.

  ويشيع استخدام المختصر الإنجليزي لهذه التسمية بالعربية والإنجليزية

 ( مينا  MEANA).ويستخدم للإشارة إلى بلدان المشرق العربي الواقعة في جنوب غربي آسيا (12 دولة، ومعها مصر، والسودان، ويسمونها الشرق الأوسط)، وبلدان المغرب العربي التي تقع في الجزء الشمالي من إفريقيا، من ليبيا إلى موريتانيا. وتشمل التسمية أحيانًا إيران، وتركيا، وقبرص.

أمَّا استخدام هذه التسمية رسميًا فكان في العام 1994 بإطلاقها على المؤتمر الأول للقمة الاقتصادية الذي عقد في الدار البيضاء (المغرب) تحت عنوان “القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، الدار البيضاء، 1/ 11/ 1994. وحضر المؤتمر ممثلون عن (61) دولة منها الدول العربية، و”إسرائيل”، وقاطعته سورية، ولبنان.

وعُقدت سلسلة مؤتمرات تحت هذه التسمية برعاية وتنظيم مجلس العلاقات الخارجية (مقره في نيويورك)، ومنتدى دافوس العالمي (مقره في جنيف). والهدف ترسيخ العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية و”إسرائيل”.

وتُستخدم هذه التسمية في منظمات دولية وهيئات غير حكومية، مثل صندوق النقد الدولي، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وشركات تجارية، وجهات أكاديمية وإعلامية، ومؤتمرات، الخ. وكادت المسميات العربية المعروفة تاريخيًا لهذه المنطقة تغيب عن الاستخدام.

ويرى مثقفون، ورجال سياسة وفكر من المهتمين بالقضايا القومية، أنَّ هذه التسمية ليست مسألة شكلية بل هي تمس الهوية القومية وفكرة العروبة، الرابطة الجمعية لشعوب الأمة العربية. وفي ذلك خطر على الأجيال الناشئة بصفة خاصة، فتكاد لا تعرف حقيقة هويتنا، وهل نحن عرب أم شرق أوسطيين.

وكان محمد جابر الأنصاري من الذين تصدَّروا الدعوة إلى التصدي لهذه التسميات وأخطارها. وقد عبَّر عن ذلك في المقال الذي أُشير إليه آنفًا في تسمية الشرق الأوسط، وفيه وصف مصطلح مينا بالهجين، ودعا إلى وقف استخدامه، وقال: إنَّ شمالي إفريقيا تعبير جغرافي محض لتجنُّب تسمية المنطقة بالمغرب العربي أو المغاربي، أو ما إلى ذلك من تحديد الهوية. وخلص إلى أنَّ من الطبيعي أن ينتشر مصطلح كهذا في أوساطٍ غربية وإسرائيلية زمن تراجع العروبة وانحسارها، ولكن من غير الطبيعي أنْ يتبنى المصطلح الجديد أفراد من العرب بأريحية ورحابة صدر. هذه منطقة واحدة تجمع بينها العروبة والشعور العربي واللسان العربي. والعروبة واقع موضوعي وتاريخي ورابطة شعورية ولسانية.

ظهرت هذه التسمية عنوانًا لكتاب أصدره شمعون بيريز في مطلع العام 1993، وكان بيريز آنذاك وزير خارجية “إسرئيل”. وصدرت الترجمة العربية للكتاب في العام 1994 عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع، المصرية، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ.

قال بيريز إن هذا الشرق يمتد من مصر إلى باكستان، ومن تركيا إلى السودان.

وفي تأصيل هذه التسمية ومراميها، يمكن القول إنها استطرادٌ لتسمية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي أطلقها جورج بوش الأب في مؤتمر مدريد للسلام (1991)، تحت عنوان تحقيق السلام بين العرب و”إسرائيل” من بوابة الاقتصاد. وبيريز كتب كتابه بعد ذلك بعام واحد، وجوهر الكتاب يقوم على فكرة السلام الاقتصادي. ومن ثَمَّ، فإن الهدف الحقيقي لكليهما (بوش، وبيريز) هو الهيمنة على المنطقة العربية من بوابة الاقتصاد والتجارة. يقول بيريز إن العرب جربوا قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن؛ فليجربوا قيادة “إسرائيل” إذن. (عبدالوهاب المسيري، “الشرق الأوسط الجديد في التصور الأميركي الصهيوني”، الجزيرة نت، 2/ 11/ 2006).

وفي تقصِّي الدافع لهذا التوجه عند بوش، وبيريز، يتبين أنَّ أمن “إسرائيل” هو الغاية الإسترتيجية. يقول بيريز بوضوح في كتابه، إنَّ “إسرائيل” خاضت حروبًا وانتصرت في جولات عسكرية ولكنها لم تحقق نصرًا يمكِّنها من العيش بسلام في محيطها. وخصومها لن يستسلموا، وها هو الجيش “الإسرائيلي” انتهى إلى مطاردة الأطفال في الشوارع والأزقة (يقصد أطفال الحجارة وانتفاضة غزة والضفة الغربية، التي استمرت من 8 كانون الأول 1987 حتى اتفاق أوسلو 1993). (بيريز، الشرق الأوسط الجديد، ص 49). ويقول أيضًا إنَّ المجتمع الدُولي وشركاءَنا وعدوا بتقديم المساعدات إذا تحقق السلام واعترفت دول الشرق الأوسط  ب”إسرايل” (بيريز، ص9).

إنَّ ما يميز مشروع بيريز أنه يطرح خططًا تنفيذية لتحقيق الاندماج والأمن. ويقول في هذا الصدد: هدفنا النهائي خلق أسرة إقليمية من الأمم ذات سوق مشتركة، وهيئات مركزية مختارة على غرار الجماعة الأوروبية (بيريز، ص 62 – 63).

ولذا يُعدُّ “الاقتصاد الإقليمي” الجزء الأكثر أهمية في الكتاب، ويتضمن مشاريع ثنائية، أو متعددة القومية بين “إسرائيل” وجيرانها، ومن ذلك: معهد أبحاث الصحراء، مشاريع تحلية مياه، التعاون في الزراعة. ومشاريع دولية تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، مثل: قناة البحر الأحمر والبحر الميت، ومشاريع سياحية، وموانئ مشتركة، وخطط سكك حديد، ومشاريع طرق تربط شمالي إفريقيا بأوروبا.

وجميع هذه المشاريع تتضمن شراكة بين “إسرائيل” ودولة أو أكثر من دول المنطقة تعود بالنفع على الجميع، ولا يعود من مصلحة أحد في الخروج منها. وتعوِّل “إسرائيل” على ما تمتلكه من إمكانات تقنية تساعد في استثمار الموارد الضخمة وزيادة الانتاج والمردود.

وهكذا فإن بيريز يرى أنَّ السلام نصرٌ “لإسرائيل”، النصر الذي لم تحققه الحروب.

وفي مقابل هذه الرؤية، نرى اليوم أنَّ عبارة الشرق الأوسط الجديد تُستخدم في الكيان الصهيوني (إسرائيل) بمعنى إعادة ترتيب المنطقة، وفرض السلام بالحرب والسيطرة على خصوم الكيان من العرب والمسلمين.

أخيرًا لا بد من الإشارة إلى أنَّ عبارة الشرق الأوسط الجديد برزت برؤية أميركية في وقت لاحق على مشروع بيريز. وهي رؤية لا يخفى تأثير هجمات أيلول/ سبتمبر فيها. تلك الهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، ونفذتها بطائرات مدنية مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة. وقد وردت العبارة على لسان كوندوليزا رايس، وزيرة خارجية الولايات المتحدة آنذاك، في أثناء العدوان “الإسرائيلي” على لبنان في حزيران/ يونيو 2006. وكانت رايس في ذلك تعبر عن رؤية إدارة الرئيس جورج بوش الابن في إنشاء خريطة سياسية جديدة للمنطقة.

هذه التسمية لم يضعها برنارد لويس. هو وضع مُخططًا لتفتيت الدول العربية والإسلامية، وعُرف إعلاميًا بمخطط (أو مشروع) برنارد لويس. أمَّا عبارة الشرق الأوسط الكبير فقد ذُكرت أول مرة في خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 أيلول/ سبتمبر 2004. وكان في ذلك يعبِّر عن رؤية المحافظين الجدد في السيطرة والهيمنة، ومواجهة الحضارة العربية الإسلامية. واستُخدمت التسمية فيما بعد وصفًا لمخطط أو مشروع برنارد لويس.

وبرنارد لويس   Bernard Lewis (1916 – 2018) مستشرق ومؤرخ يهودي صهيوني بريطاني. انتقل إلى الولايات المتحدة في العام 1974 ليكون مستشارًا لوزارة الدفاع لشؤون الشرق الأوسط. حصل على الجنسية الأميركية في العام 1982، وشغل مقعدًا في معهد دراسات الشرق الأدنى، ليبدأ رحلته في التأثير في السياسة الخارجية الأميركية، وعلى صُنَّاع القرار في واشنطن.

 عُرف عن لويس عداؤه الشديد للإسلام. ويُنسب إليه أنه وضع في بداية الثمانينيَّات مخططًا لتفكيك الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كلٍ منها إلى مجموعة من الدويلات العرقية، والدينية، والمذهبية، والطائفية. ويشمل جميع الدول العربية، وتركيا، وإيران، ليصل إلى باكستان، وأفغانستان، وغيرها من دول وسط آسيا الإسلامية.

وأصبح هذا المخطط يُعرف لدى الباحثين والكتاب بمشروع الشرق الأوسط الكبير، تعبيرًا عن ضخامة المساحة، وعدد الدول التي يشملها. وأضاف بعضهم إلى هذه التسمية صفة الجديد إشارة إلى الكيانات الجديدة التي ستظهر نتيجة تفتيت الدول الأُم.

وتذكر مصادر عدَّة أنَّ لويس قدَّم مشروعه مرفقًا به خرائط الدول الجديدة، إلى الإدارة الأميركية ووافق الكونغرس عليه بالإجماع في جلسة سرية في العام 1983. وأُدرج المشروع في برنامج السياسة الأميركية للسنوات اللاحقة.

(من هذه المصادر: مركز الكاشف للمتابعة والدراسات الإسترايجية، “خطط تفتيت المنطقة”، آذار/ مارس 2011)؛ صبحي حديدي، “إسلام برنارد لويس: مئة عام من العزلة”، القدس العربي، 11آب/ أغسطس، 2016؛ أحمد قايد الصايدي، “الرؤية الأميركية للشرق الأوسط الجديد المُقرَّة من الكونغرس الأميركي”، كل العرب، 16 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2023).

بدأ لويس مشروعه بمقاله الشهير “عودة الإسلام”، في مجلة كومنتري (1976)، الذي وجَّه فيه تحذيرًا إلى الغرب بأنَّ الإسلام المعاصر سوف يرسم خطوط الصراع بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية، وهو صراع مستمر وسيدوم. فالإسلام على المستوى الديني منافس المسيحية على قلوب البشر، وعلى المستوى الحضاري هو الجار الأقرب والغريم الأخطر أمام الكون المسيحي.

(Bernard Lewis, The Return of Islam”, Commentary, vol.61, Jan.1976).

بهذا اتضح المضمون الإيديولوجي (العقائدي) لمشروع برنارد لويس، وافتراقه عن المشاريع الاستعمارية القائمة على السيطرة والهيمنة ونهب الثروات. كانت الحضارة، وليس الاستعمار، هدف لويس ومشروعه. وكان يستهدف الحضارة العربية الإسلامية؛ فبسقوطها تسقط الدول والدويلات المستحدثة وتخضع للغرب خضوعًا لا قيام بعده. لقد كان الهدف الإستراتيجي للمشروع دحر الحضارة العربية الإسلامية وإفشالها في عقر دارها، ومن ثَمَّ إخراجها من الميدان، لتنعقد السيادة النهائية لحضارة الغرب المسيحية – اليهودية.

وقد تنبَّه كتَّاب وباحثون ومؤرخون عرب، إلى مقال لويس ومشروعه، ووجَّهوا إليه انتقادات شديدة وحذَّروا من خطورته؛ غير أنَّ ذلك ظلَّ في إطار نقد الاستعمار وأخطاره. ومن هؤلاء على سبيل المثال:

عبد الوهاب المسيري (مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، 1999)، الذي يقول إنَّ الإسترتيجية الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة حتى يسهل التحكُّم فيه. وهذه هي الرؤية التي طرحها برنارد لويس منذ السبعينيات وتبنَّاها المحافظون الجدد، وتدور السياسة الأميركية في إطارها.

(عبدالوهاب المسيري، “الشرق الأوسط الجديد في التصور الأميركي الصهيوني”، الجزيرة نت، 2/ 11/ 2006).

وميشيل شحادة (المدير الإقليمي السابق للجنة مكافحة التمييز الأميركية العربية)، الذي يستخدم عبارة الشرق الأوسط الجديد الكبير في وصف مشروع برنارد لويس، ويربطه برؤية المحافظين الجدد لهزيمة الحضارة العربية الإسلامية وجعلها تابعة للغرب. ويقول إنَّ جذور مشروع لويس امتداد لمشروع أوروبا الكولونيالي، وإن رؤية لويس تعتمد على فرضية أنَّ الغرب المدعو بالعالَم المسيحي في صراع على السيطرة والهيمنة مع الحضارة الإسلامية. (ميشيل شحادة، “الشرق الأوسط الجديد الكبير: أساليب ترويض المنطقة العربية”، الجزيرة نت، 27/ 2/ 2007).

ينبغي التأكيد مرة أخرى، أنَّ برنارد لويس لم يكن يتحدث عن صراع سياسي مع الحضارة العربية الإسلامية؛ وإنما عن زعزعتها وتخريب محتواها، أي هزيمتها حضاريًا.

 وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ برنارد لويس هو صاحب مقولة صراع الحضارات، وكان له تأثير عميق في عالِم السياسة والاجتماع الأميركي صامويل هنتنغتون (1927 – 2008) S. Huntington الذي أخذ فكرة الصراع الحضاري وصاغها في أُطروحته الشهيرة “صراع الحضارات”. وقد صدرت هذه الأُطروحة أولًا في مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs (الشؤون الخارجية) (1993)، ثم في كتاب “صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي (1996)، وخلاصتها أنَّ الحضارات والثقافات، وليس الدول، هي مستقبل الصراعات الكونية.

وحدَّد هنتنغتون سبع أو ثماني حضارات عالمية منها الصينية، واليابانية، والهندوسية، والإسلامية، والغربية. وقال إنَّ الخلافات بين هذه الحضارات نشأت من القيم الدينية والاجتماعية، وهي المحرك للصراع في المستقبل.

ولكن التركيز في هذه الأُطروحة كان على الحضارة الإسلامية. فهو يرى أنَّ مشكلة الغرب الأساسية هي مع الإسلام، أو الحضارة المختلفة التي يعتقد أهلها بتفوُّق ثقافتها. وجادل بأنَّ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وصراعه مع الغرب، سينشأ صراع جديد بين اثنين من الأعداء لا يمكن التوفيق بينهما وهما الإسلام والغرب.

وأخيرًا، يمكن القول إنَّ مشروع برنارد لويس كان محصلة تاريخ طويل من هواجس الغرب من الحضارة العربية الإسلامية، وسعيه للتخلص من “أخطارها”. فقد وُجد في الغرب مستشرقون ومفكرون، ورجال دين، وغيرهم، يرَوْن في الحضارة العربية الإسلامية، دون غيرها من الحضارات، بمقوماتها الإيمانية والثقافية والاجتماعية، تحديًا حضاريًا وبديلًا لحضارة الغرب المسيحية اليهودية.

 وفي هذا السياق الحضاري ركَّز برنارد لويس مشروعه على هدفين متلازمين:

الأول، تشويه الدين الإسلامي ممّأ يجعل الأفراد والجماعات في الغرب ينفرون من هذا الدين، ومن الثقافة العربية الإسلامية وتطبيقاتها الاجتماعية.

والثاني، تفتيت الدول العربية والإسلاميةإلى كياناتإثنية، ودينية (طائفية ومذهبية) تتصارع فيما بينها؛فتزولوحدة شعوبهاوتنعدم قوَّتهم، وتسهل السيطرة عليهم وإخضاعهم لسيادة الغرب، فلا تقوم لهم قائمة.

والسؤال التلقائي الذي يفرضه هذا الهدف المزدوج، يتعلق بالأدوات البشرية والمادية اللازمة لتحقيقه. وهذه الأدوات متوافرة في الواقع، على المستويين الخارجي والداخلي.

فالأدوات الخارجية تتولَّاها دول غربية خصوصًا الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. وتتجسَّد في الإعلام الموجَّه لتشويه الإسلام والثقافة العربية الإسلامية، والإساءَة إلى العرب والمسلمين في ماضيهم وحاضرهم. وتتجلَّى أيضًا في دعم حركات الانفصال أو التقسيم المحلية، التي تسعى إلى تفكيك الوحدة الدستورية للدولة، وتقسيمها إلى كيانات عرقية، أو دينية. وأصبحت هذه الحالة واضحة تمامًا في عدد من الدول العربية والإسلامية في العقود الأخيرة.

أمَّا الأدوات الداخلية والمحلية فهي متعددة، ومن أبرزها تلك التي تكاد بأفعالها تتماهى مع مشروع برنارد لويس وأغراضه، وهي جماعات التكفير. وتحضر هنا تصريحات مسؤولين أميركيين بأن بلادهم ساهمت في إنشاء وتمويل بعض هذه الجماعات، مثل “القاعدة”، وتنظيم الدولة “داعش”، وهيئة تحرير الشام، وغيرها.

تعتنق هذه الجماعات باسم الإسلام، ما هو مغاير للدين الحنيف الذي آمن به المسلمون منذ أن نزل على النبي محمد. فهي تحكم بتكفير المخالفين لما تعتقد، وتمارس تمييزًا دمويًا بحق من يختلف معها في الدين، أو المذهب، أو العِرق. وتُنزل بهم العقاب بأساليب وحشية مناقضة لتعاليم الإسلام الحق، دين الرحمة والتسامح ونبذ التعصب.

وقد شهدت الساحات التي نشطت فيها هذه الجماعات، ممارسات بحق المخالفين، موغلة في الجهل والهمجية والانحطاط الأخلاقي، ومن ذلك: قطع الرؤوس، ونبش القبور، وهدم الأضرحة، وسبي النساء، وإهانة رجال الدين ورموزه، وغير ذلك من الممارسات الشنيعة التي تجعل النفس السويَّة تنفر من هذا الذي يسمُّونه “الإسلام” وأتباعه.

وهكذا تكون هذه الجماعات قد أدَّت خدمة إلى ما كان برنارد لويس وآخرون في الغرب يتطلعون إليه، وهو إغلاق القلوب أمام الإسلام والمسلمين. فتعززت ظاهرة الإسلاموفوبيا، أي الخوف والكراهية للإسلام وللعرب والمسلمين، وانتشرت في أوروبا والولايات المتحدة.

  وهناك الخدمة الأخرى التي تؤديها هذه الجماعات بحق الفئات المستهدفة. فمن شأن ممارساتها أنْ تدفع بهذه الفئات إلى البحث عن ملاذات خاصة خارج إطار الدولة. وهو ما يتمشَّى مع هدف برنارد لويس في تفتيت الدول العربية والإسلامية.

 وأمام هذه الأفعال والجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات يبرز السؤال: وهل يريد برنارد لويس أكثر من ذلك!

هذه التسمية السياسية حديثة. وقُصد بها أنْ تكون بديلًا لتسمية الشرق الأوسط. واستطرادًا أُلحِقت بها عبارة شمال إفريقيا لتكون التسمية بديلًا مكتملًا لتسمية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا MEANA).

في تسمية غرب آسيا لُغويًا، يلاحظ أنَّ المسمَّى هي الدول التي تقع في الجزء الغربي من قارة آسيا، والنسبة إلى هذا الجزء يكون بإضافة ياء مشدَّدة إلى غرب (غربيُّ آسيا). أمَّا غرب آسيا فهو ما يقع إلى الغرب من القارة.

لماذا هذه التسمية؟ قيل في الحيثيَّات إنَّ عبارة الشرق الأوسط مصطلح استعماري، وغرب آسيا تسمية موضوعية للدلالة على استقلالية المنطقة.

وقد ظهرت هذه التسمية بمحمولاتها السياسية والإيديولوجية، بعد أن بدأ المرشد الأعلى في إيران، علي الخامنئي، يستخدمها في سياق المواجهة مع الهيمنة الغربية، منذ العام (2010) على وجه التقريب. وأخذت التسمية تتبلور وتتزايد بين الأعوام (2018 – 2020)؛ وفيها دعا المرشد إلى استخدام غرب آسيا وشمال إفريقيا لتعزيز الهوية المستقلة.

وفي مطلع العام (2020) نشر علي مطر (شاعر وكاتب لبناني) مقالًا يقتبس فيه من كلام المرشد ما يبيِّن مقصده من هذه التسمية. يقول الكاتب:

“في مقابل تسمية الشرق الأوسط التي استخدمها الاستعمار، وتستخدمها الإدارة الأميركية من أجل تثبيت مفهوم الهيمنة الأميركية على منطقتنا، دعا الإمام السيد علي الخامنئي إلى استخدام مصطلح غرب آسيا وشمال إفريقيا، حيث قال في أحد خطاباته (إنَّ المنطقة التي يُصرُّ الأوروبيون أنْ يُطلقوا عليها اسم الشرق الأوسط، وهو شرق بالنسبة إلى أوروبا حسب مقياسهم، ويُقسِّمون المنطقة إلى شرق أقصى وشرق أوسط وشرق أدنى. وهذا يدل على تكبُّر الأوروبيين فأطلقوا منذ البداية على هذه المنطقة اسم الشرق الأوسط وهو اسم مغلوط، وتُعتبر هذه المنطقة غرب آسيا. فإنَّ آسيا قارة كبيرة ونحن نعيش في غربها)”.

ويضيف الكاتب أنَّ غرب آسيا “كمفهوم جغرافي، تشمل بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين وجزء كبير من تركيا وإيران والمرتفعات الأرمنية وجنوب القوقاز وشبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة سيناء”.  (علي مطر، “بين غرب آسيا والشرق الأوسط: قضية هيمنة واستعمار”، موقع العهد الإخباري، 1/ 2/ 2020).

بعد ذلك كتب عبدالله الخير (كاتب سياسي ومحلل لبناني) يقارن بين مفهومين: الشرق الأوسط، وغرب آسيا. ويدعو إلى التخلِّي عن الأول وتبني الثاني بوصفه مصطلحًا يناسب المؤسسات الفكرية والبحثية، ومراكز القرار السياسي التي تتصدى للهيمنة الغربية، ويقول:

 “إنَّ مصطلح الشرق الأوسط أنتجته القوى الاستعمارية وخلفياته كولونيالية ممَّا يدعو إلى مصطلح آخر يلائم شعوب المنطقة وتاريخها الحضاري. ومصطلح الشرق الأوسط إمبريالي يخدم مصالح أعداء المنطقة، وغرب آسيا مفهوم يجسِّد المصالح المشتركة لشعوبنا”. (عبدالله الخير، “غرب آسيا وليس الشرق الأوسط لماذا”، معهد أبرار للدراسات المعاصرة في طهران، 31/ 8/ 2021).

وتزامنًا مع ذلك كتب موسى السادة (كاتب وباحث سعودي) يقول: “إن مصطلح الشرق الأوسط ليس إشارة جغرافية إلى منطقة غرب آسيا فقط؛ وإنما هو أقرب الى إيديولوجيا وفيه يتغير الانتماء والهوية. فالطعام يكون شرق أوسطيًا، واللغة العبرية شرق أوسطية… والمرشد استخدم لفظ غرب آسيا تأكيدًا لاستقلالنا عن الشرق الأوسط وعلاقاته الاستعمارية”.

(موسى السادة، “الرؤية الخليجية الإسرائيلية لمستقبل الشرق الأوسط”، الأخبار، 29/ 9/ 2021).

بالتدقيق في كلام السادة والآخرين الذين تحدثوا عن تسمية غرب آسيا بهذا المعنى، يتبين أنه قولٌ يقوم على حُكمٍ دون حيثيَّات واضحة تجيزه. فهو يقارن بين مصطلح الشرق الأوسط، ومصطلح غرب آسيا، ويقول إنَّ الأول استعماري، والآخر استقلالي.

وهذا القول بحدِّ ذاته لا يكفي؛ فما يُقال عن هذا يمكن أنْ يُقال عن ذاك، بما في ذلك الانتماء والهوية. هذا مع العلم أنَّ الهوية تطلق على الإنسان والمجتمعات البشرية؛ أمَّا الجمادات مثل الطعام والملبس، وكذلك اللغة فهي من مكونات الهوية، أو هي رموز ومؤشرات تعبِّر عنها. وما يُقصد عادة بالاستعمار والاستقلال هي الشعوب وليس الجبال والأنهار.

وعلى أي حال، فإنَّ التسميتين (المصطلحين) تختلفان فعلًا في أنَّ الشرق الأوسط تعبير سياسي وغير جغرافي، في حين أنَّ غرب آسيا [غربيَّ آسيا] تعبير جغرافي محدَّد في الخريطة. ولكنهما تشتركان في عدم ذكر المسمَّى، وهو الشعب الذي يقطن هذه المنطقة. وقد سبق أنْ ذُكر في الحديث عن تسمية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أنَّ القصد منها كان دمج “إسرائيل” في المنطقة عن طريق الاقتصاد والتجارة. ومع ذلك يستخدم أصحاب غرب آسيا التسمية نفسها تقريبًا (غرب آسيا وشمال إفريقيا) مع تغييب اسم أهل المنطقة المقصودة. مع العلم أنَّ هؤلاء الأهل ليسوا مجهولي الهوية؛ إنهم العرب، والمنطقة كذلك معروفة تاريخيًا باسم الوطن العربي بجزأيه، الآسيوي المعروف بالمشرق العربي، والإفريقي المعروف بالمغرب العربي.

وتغييب الهوية العربية يظهر جليًا عند التطرُّق إلى الصراع في المنطقة. منذ بداية القرن العشرين ارتبط الصراع مع الغرب بالصراع مع الصهيونية، ويتمحور حول ما أصبح يُعرف بالقضية الفلسطينية، وبالصراع العربي – الصهيوني. والذين انبروا للدفاع عن هذه القضية هم الفلسطينيون ومعهم العرب، حكوماتٌ وشعوب.

والمرشد خامنئي قصد هؤلاء العرب عندما جاء على ذكر القضية الفلسطينية، ولكنه أغفل هويَّتهم القومية. فقد نشر في 18/ 2/ 2023 “تغريدة” عن القضية الفلسطينية خلَتْ من ذكر الشعب العربي ودوره في الدفاع عن هذه القضية. قال المرشد: في قضية فلسطين لو وقفت الدول الإسلامية بحزم وقاومت من اليوم الأول لكان الواقع اليوم في غربي آسيا مختلفًا حتمًا، ولكُنا اليوم أقوى وأكثر اتحادًا.

ولهذا، كان للتغريدة أثر سلبي لدى القوميين العرب. ومن ذلك ما عبَّرت عنه الكاتبة زهراء جمال وكتبت مخاطبة المرشد: “إننا نعلِّق على التغريدة من واجب الدفاع عن هويتنا الوطنية والثقافية”. (زهراء جمال، “لا يا حضرة المرشد خامنئي”، نشرة كنعان، 17/ 3/ 2023).

وأخيرًا قدم محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيرانية الأسبق، ما يوضِّح المضمون الإيديولوجي لتسمية غرب آسيا في إطار الصراع الدائر في المنطقة. فقد حدَّدَ ظريف هوية سكانها بأنهم مسلمون، عليهم العمل لمواجهة أخطار المشروع الصهيوني و”إسرائيل” الكبرى، وقال:

 “في مواجهة هذا المشروع الاستعماري والاستعلائي والعنصري، لدينا رؤية بديلة لمنطقة غرب آسيا، تتجسَّد في فكرة “منطقة قوية” تقوم على التعاون وليس الهيمنة بين دولها، تستند إلى القيم السامية لديننا المشترك، الإسلام. وفي وسعنا تأسيس جمعية حوار مسلمي غرب آسيا، تتحول إلى هيكلية أمنية لمنطقة قوية، ومستقبل ملهم لغرب آسيا عابر للصراعات والخلافات. وفي وسع بلدانها وشعوبها تحييد وهمْ إسرائيل الكبرى”. (محمد جواد ظريف، “إسرائيل الكبرى ومنطقتنا القوية”، الأخبار، 12/ 9/ 2025).

يُستخلص ممَّا سبق أنَّ تسمية غرب آسيا استُخدمت في سياق مواجهة الهيمنة الغربية والمشروع الصهيوني. وجرى تحميل المساحة الجغرافية مفاهيم إيديولوجية إسلامية تتجاوز الهوية القومية لسكان المنطقة العرب.

 ومن الواضح هنا أنَّ هذه التسمية تلتقي مع تسميات الشرق الأوسط في تجاوز الهوية القومية للشعب العربي. ولا يبدو أنَّ هناك من مسوِّغ لهذا الموقف غير الرأي القديم الذي يرى في القومية تعارضًا مع الإسلام، ومن ثَمَّ، يجري التعامل مع القومية العربية بوصفها عدوًا. وهذا الموقف هو الذي يجعل أصحابه يتجاهلون المصادر العربية الحديثة التي تتناول قضايا القومية والهوية. والمصادر كثيرة، وفي مجملها تعالج الخلل في الرأي المذكور، وتؤكد أنَّ العروبة والإسلام كانا وسيظلان في انسجام وتلازم. وخير مثال على هذه المصادر، “المشروع النهضوي العربي” الذي صدر في العام (2010)، وعرض الأبعاد الحضارية للمشروع. ومن ضمنها الديمقراطية التي تقوم على مبدأ الحرية والمساواة، وتُعزِّز اللُّحمة الوطنية والقومية استنادًا إلى رابطة المواطنة.

ويمكن القول باطمئنان إنَّ السجالات التي دارت في السنوات الأخيرة في شأن الهوية، قد أفضت إلى أنَّ الهويات الفرعية هي دعائم متينة للهوية الجامعة، وطنيةً كانت، أو قومية، أو دينية.

في الوقت ذاته، ينبغي التأكيد أنه باستثناء التوافق بين تسمية غرب آسيا وتسميات الشرق الأوسط، في تجاوز الهوية القومية العربية؛ فإنهما تختلفان اختلافًا جوهريًا. فتسميات الشرق الأوسط تخدم أغراضًا استعمارية، وتنطوي على مشاريع لدمج الكيان الصهيوني في المنطقة، في حين تهدف تسمية غرب آسيا إلى مجابهة المشروع الصهيوني وعدوانية الكيان.

وعلى أيِّ حال، يمكن بدلًا من هذه التسمية الملتبسة اختيار تسمية ملائمة للتعبير عن تحالف أو تعاون عربي إسلامي.

خاتمة

وهكذا، تبيَّن من عرض تسميات الشرق الأوسط وغرب آسيا، أنَّ الذين وضعوها ليسوا من أهل المنطقة المقصودة. فالمنطقة معروفة بأسمائها الأصلية وأبرزها الوطن العربي، الذي يعني أنها أرض عربية ووطن الشعب العربي.

 وتبيَّن أن هذه التسميات المستحدثة، على غرابتها، لم تأتِ بمحض المصادفة؛ وإنما وُضِعت عمدًا ولأغراضٍ خاصة بأصحابها، ونجم عنها أضرار معنوية ومادية بالمنطقة وأهلها. فهم بتسمياتهم هذه تعمَّدوا الحطَّ من شأن العروبة، وتغييب الهوية القومية الجامعة للأمة العربية. وأدى شيوع هذه التسميات إلى ما يشبه الفراغ الهويَّاتي، في وسط أسماءٍ ومسميات ليس لها دلالات عملية في الواقع.

 واتضح أنَّ تسميات الشرق الأوسط على وجه الخصوص تتميَّز بخلفياتها الاستعمارية وأهدافها الصهيونية. وكانت مداخل لسيطرة الغرب على المنطقة، وتدعيم الكيان الصهيوني. وارتبطت بمشاريع تقوم على تجزئة الوطن، والتبعية للقوى الاستعمارية، وخدمة الكيان، في استهداف صريح لوحدة الوطن والتنمية المتكاملة المستقلة.

وبمرور الوقت تغلغلت هذه التسميات بين أبناء الوطن، وشاع استخدامها على المستويات الرسمية والشعبية، وفي الأوساط الفكرية ومراكز الأبحاث والدراسات. لكنها ظلت استخدامات هجينة وعشوائية؛ فلم يَعُد يُعرف بالضبط ماذا يُقصد بالتسمية في استخداماتها المختلفة. مع ملاحظة أنَّ تسمية غرب آسيا حديثة وليس لها ذلك الانتشار الواسع الذي تحظى به تسميات الشرق الأوسط.

وبالنظر إلى ما لحق بالوطن العربي من أضرار معنوية ومادية من جرَّاء هذه التسميات وتطبيقاتها، أصبح من الضروري التصدي لها ووقفها، على المستويات الرسمية والشعبية.

ويبدأ ذلك من جامعة الدول العربية، للاتفاق على وضع تسميات أو مصطلحات بديلة، تعبِّر عن عروبة المنطقة وأصالتها. ويجري تعميمها على الحكومات، والهيئات الرسمية، ومؤسسات الفكر، والأبحاث، والإعلام، وغيرها من الجهات التي تستخدم هذه التسميات.

وعسى ذلك أنْ يُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version