Site icon

الصهيونية المسيحية: من حروب الفرنجة … إلى الإنجيلية الأميركية (الحلقة الثالثة): جون كالفن والبيوريتانيون الإنجيليون، مسعد عربيد

ب) جون كالفن

John Calvin

(1509-1564)

كان كالفن لاهوتيًا فرنسيًا وشخصية بارزة في حركة الإصلاح البروتستانتي، وهو مؤسس المذهب المعروف ب “الكالڤينيّة”   أو “البروتستانتية الكالفنية”. تخلى كالفن عن المسيحية الكاثوليكية وتبنى الآراء البروتستانتية، ويُعتبر كتابه “مبادئ الإيمان المسيحي” من أهم ما كتب في الحركة البروتستانتية.

أبرز أفكار كالفن

أ) في اللاهوت المسيحي

ليس هنا مكان لعرض أفكار كالفن في اللاهوتية المسيحية، ولكننا سنعرض بإيجاز بعض الملامح العامة المرتبطة بموضوعنا.

طوّر كالفن تفسيره للكتاب المقدس معتمدًا على عدة أسس أهمها:

أ) وجوب الأخذ بوحدة العهدين القديم والجديد للكتاب المقدس المسيحي، أي أن هذين العهدين يشكلان وحدة واحدة. وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه شكّل تجليًا للأثر اليهودي على المذهب الكالفيني الذي مهّد لـتأسيس الكنيسة الانجيلية، والصهيونية المسيحية – الانجيلية لاحقًا.

ب) إن اختيار الله قائم على إرادته وحدها، وليس على أعمال البشر. وعليه، فإن وعود الله في العهد القديم لم تكن، من وجهة نظر كالفن، مجرد رموز، بل حقيقية وملموسة، وهذا يشمل وعد الله ل “شعبه المختار” بالعودة إلى “أرض الميعاد”.

ج) أمّا الأساس الثالث لفكر كالفن، فيقوم على نظرية القضاء والقدر (القدرية)، التي تركّز، من الناحية اللاهوتية على الأقل، على مفاهيم السيادة المطلقة لله والإرادة الإلهية، التي تعني أن الله قد اختار الناس مسبقًا، بعضًا منهم للخلاص وبعضًا للإدانة الأبدية. وفيما يتصل بموضوعنا، فإن هذا يعني أن اختيار الله لليهود كشعب مفضل، ينطلق، بل يستند، إلى إرادةٍ إلهية.

ب) في اليهود واليهودية

أمّا في مواقف كالفن من اليهود واليهودية، فقد تمّيزت أحيانًا بالتعقيد، حيث جمعت بين مركزية العهد القديم في تفسير التعاليم الدينية، من جهة، والنظرة السلبية الناقدة لليهود المعاصرين له، من جهةٍ أخرى. وبشكل عام، يرى بعض الباحثين أن كالفن كان أقل عداءً تجاه اليهود مقارنة بغيره من معاصريه، وأن طروحاته كانت أكثر اعتدالًا في الفكر المسيحي السائد في تلك الآونة، وأقل تشددًا في تفسير العهد القديم والعلاقات بين المسيحيين واليهود.

□ أبدى كالفن تقديرً كبيرًا للتوراة (وللشريعة اليهودية) وتفسير نصوصها، واعتبرها مصدراً لإرادة الله، ما أدّى إلى وصفه أحيانًا بأنه “يهودي النزعة”. وفي هذا الصدد، اعتبر كالفن أن “إسرائيل” المذكورة في التوراة هي شريكة في “عهد الله” الذي تحقق في مجيء المسيح.

□ وبشأن يهود عصره، اتسمت مواقف كالفن، بالنقد والانتقاد، حيث وصفهم بعبارات سلبية مثل “العناد” و “العمى” الروحي وأنه لم يجد “التقوى لدى اليهود”، لرفضهم الاعتراف بالمسيح وتمسكهم بتفسيرات العهد القديم بدلاً من التفسير المسيحي. ولكنه، بالمقابل، أكدّ أن المسيحية تدين بوجودها للتراث اليهودي وأن المسيح “خرج من بينهم”، ورفض اضطهادهم لأن هذا يتعارض مع تعاليم الإنجيل.

□ اعتقد كالفن وعد الله لليهود بمثابة “نعمة الإله” عليهم، وأنه لا يمكن اعتبارها مجرد فعل مرّ عليه الزمن ومن الماضي، أي أنه وعد أزلي. فلا غرابة، إذن، أن أفكار كالفن هذه كانت دافعّا لزيادة أتباعه من يهود أوروبا، وفي إنجلترا بشكلٍ خاص.

□ ينبه بعض الباحثين إلى أنه من أجل الفهم الصحيح لموقف كالفن من اليهود، ينبغي التمييز بين اليهود المذكورين في الكتاب المقدس، من ناحية، وأولئك المعاصرين له، من ناحية أخرى. فكالفن لم يتمسك بالصفات السلبية حول اليهود الواردة في النصوص التوراتية ولم يطبقها على اليهود المعاصرين له، بل قدّم أحيانًا صورة إيجابية لليهود في العهد القديم كنماذج للإيمان والتقوى. هذا لا يعني أن كالفن تخلص كليةً من مواقفه السلبية تجاه اليهود وانتقادهم، إلا أنه آمن، وهذا هو بيت القصيد، بأن الطريق الوحيد لخلاص اليهود هو الإيمان بالمسيح، لذا كان يحدوه الأمل باهتدائهم مستقبلاً إلى المسيحية.

البيوريتانيون وكالفن

نفرد فيما يلي الحركة البيوريتانية بشيء من التفصيل في شرح أهم معتقداتها المتصلة باليهود، وتداعيات ذلك على صنع القرار السياسي في الغرب الإمبريالي عامةً، وفي بريطانيا والولايات المتحدة خاصة. وتعود أهمية هذه الحركة للدور الذي أدّته، ولا تزال، في نشر أفكار كالفن حول اليهود، في دعم المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين تحت غطاء عودة اليهود إلى “أرض الميعاد”. قد شكّل هذا الغطاء الديني الأرضية لتأسيس الصهيونية المسيحية وتأثيراتها السياسية والاجتماعية البالغة في الغرب.، خاصةً في بريطانيا والولايات المتحدة. بل ذهب البيوريتانيون إلى ما هو أبعد وأعمق، وآمنوا بأنهم “مرتبطون” بعهدٍ مباشر مع الله، وهو عهدٌ يُلزم الأفراد والمجتمع على حدٍ سواء بالعيش وفقاً لهذا العهد وتعاليم الكتاب المقدس.

البيوريتانيون Puritans (ويسمون أيضًا الطهوريون أو التطهيريون) هم مجموعة من البروتستانت ظهرت في إنكلترا بين رجال الدين البروتستانت الذين سعوا إلى إصلاح الكنيسة، ويعود اسمهم إلى “تطهير” كنيسة إنجلترا مما تبقى من رواسب كاثوليكية.

نشأت هذه الحركة في إنكلترا في القرن السادس عشر، وتأثرت بالمذهب الكالفيني، وكانت مرتبطة بشكلٍ وثيق بالكالفينية في جنيف، إذ جمع بينهم التمسك المتشدد بالعهد القديم. ويعزو بعض الباحثين ذلك إلى تقدير كالفن لشريعة العهد القديم ومنحها موقعًا مركزيًا في طروحاته.

ومن أبرز معتقدات البيوريتانيين، نذكر ما يلي:

أ) أسست تعاليم كالفن لتشدد البيوريتانيين واندفاعهم إلى الاعتماد على العهد القديم من الكتاب المقدس، فغالوا في أهميته ورفعوا مكانته أحيانًا إلى منزلة العهد الجديد، واعتبروه وحيًا سماويًا، التزموا بتشريعاته واستخدموا نصوصه في دعم أفكارهم السياسية والاجتماعية. وهكذا ترسخت ادعاءات ونبوءات العهد القديم في عقيدتهم الإيمانية.

ب) كان البيوريتانيون شديدي المحافظة على التقاليد اليهودية، وأولوا فكرة عودة (وأحيانًا يستخدمون مفردة إعادة) “بني إسرائيل” إلى أرض فلسطين اهتمامًا كبيرًا، لأنها (فلسطين) من وجهة نظرهم، كانت وطن اليهود ولا بد من عودتهم إليه. ومن وجهة نظرهم، فإن هذا سيشكّل المقدمة الحتمية لعودة المسيح (أي مجيئه الثاني)، طبقاً للنبوءات التوراتية.

وقد ساهم هذا المفهوم في تطوير شكلٍ من أشكال “النزعة المؤيدة للسامية”

Philo- Semitism  والتعاطف مع اليهود وتاريخهم، ما عزز الميول البروتستانتية المحبة لليهود التي بادر بها مارتن لوثر واستمرت تضرب جذورها عميقًا في الكنيسة الإنجيلية (الانجيليكانية).

ج) استلهم البيوريتانيون الإنكليز تعاليم كالفن حول نظرية القضاء والقدر (القدرية) وتأثروا بها، واعتقدوا بأن الله قد اختار مسبقاً “المختارين” للخلاص.

د) في المحصلة، يرى بعض المؤرخين أن الجذور الفكرية للصهيونية المسيحية، تكمن في هذه الأطروحات الكالفينية التي تركز على العهد القديم وفكرة “الشعب المختار”، يشوبها الخلط بين دولة الكيان الصهيوني في فلسطين من جهة، ويهود “إسرائيل” في التوراة من جهة أخرى. وقد مهّد هذا لظهور “الصهيونية المسيحية”، خاصة بين المجموعات البيوريتانية في إنجلترا والولايات المتحدة.

دور الحركة البيوريتانية وتأثيراتها

ترك البيوريتانيون آثارًا سياسية واقتصادية عديدة، لا تزال متفشية في الغرب، ومتجذرة في الوعي الديني في المجتمعات الأوروبية، والتي تشكّل، بالإضافة، عاملاً هامًا في صناعة القرار. ومن أهم هذه التأثيرات كانت هجرة البيوريتانيين إلى أميركا.فبالإضافة إلى دور الحركة البيوريتانية في إنجلترا في دعم ادعاءات العهد القديم بشأن عودة اليهود إلى “إسرائيل”، لعبت هذه الحركة دورًا رئيسيّا في الهجرة إلى العالم الجديد (أميركا). وكان من أهم دوافع هجرتهم هذه الهروب من الاضطهاد الديني والتوترات السياسية التي سادت في إنكلترا آنذاك، ساعين إلى تأسيس كنيسة “نقية” ومتحررة من القيود التي كانت تفرضها كنيسة إنجلترا، وإقامة مجتمع ديني يُحتذى به.

بدأ البيوريتانيون الإنكليز بالهجرة إلى الشواطئ الأطلسية لأميركا الشمالية واستيطانها في عام 1620، ولكن أغلبيتهم وصلت إلى هذه السواحل خلال “الهجرة البيوريتانية الكبرى” ما بين عامي 1629 و1643، حاملين معهم الأفكار والقيم الكالفينية. وبهذا يكونوا قد شكّلوا، إلى حدٍ كبير، ملامح التاريخ الأميركي المبكر، لا سيما في منطقة “نيو إنجلاند”، حيث أسسوا مستعمراتهم لتكون نماذجَ للحياة التقية القائمة على أسس دينية مسيحية ذات طابعٍ يهودي.

 وقد تجلت مظاهر هذا الطابع في تسمية هذه المستوطنات بأسماء عبرية، واقتراح بعض البيوريتانيين المتعصبين تحويل “يوم الرب” الى يوم السبت بدلاً من يوم الأحد، كما اعتنق بعضهم اليهودية واتخذوا لأنفسهم أسماءً من العهد القديم، ووصل الحد ببعضهم إلى إنكار الطبيعة الإلهية للمسيح، وهو ما ينسف العقيدة المسيحية من أساسها.

يأخذنا هذا إلى السؤال التالي: ماذا يعني هذا بالنسبة للموقف من الصهيونية والكيان الصهيوني، وكيف نفهم تأثيراتها العملية على ذلك؟

من الناحية السياسية، يقف تشددُ البيوريتانيين سدّّا منيعًا في وجه أي نقد للصهيونية وسياسات الكيان الصهيوني في فلسطين. فالخلط بين دولة “إسرائيل” الحديثة، من جهة، وبين اليهود و”إسرائيل” كم جاء ذكرهم في التوراة، من جهة أخرى يحول دون أي نقد أو معارضة لدولة “إسرائيل” واحتلالها وسياساتها الإجرامية تجاه الشعب الفلسطيني، ويَعتبر هذه المعارضة معادية للسامية ولليهود. وحيث أن موقف البيوريتانيين يستند إلى ركائز دينية “مقدسة” وغير قابلة للنقد، فإن أي نقد أو معارضة، وفق هذه النظرة، يصبح ضمنًا معاديًا للإرادة الإلهية.

لذا يمكننا القول، دون مغالاة، إن فكر كالفن أسسَ لما عُرف لاحقاً بـ “الصهيونية المسيحية” في بعض الدوائر البروتستانتية، خاصة في إنجلترا وهولندا والولايات المتحدة، وأدخل قدرًا كبيرًا من الاهتمام والتقدير للغة والثقافة والتراث اليهودي، لتصبح هذه جزءً من نسيج التراث المسيحي.

أمّا من الناحية الاقتصادية، فقد تأثر البيوريتانيون بنظرة كالفن إلى الثراء وجمع المال والتي مفادها أن النجاح المالي والكدح (ما يُسمى أحيانًا بأخلاقيات العمل) هي من أعظم وصايا الله. وقد كان كالفن من أوائل اللاهوتيين المسحيين الذين ميزوا بين الربا الاستغلالي وبين الفائدة في المعاملات التجارية الإنتاجية، وهو ما ساهم لاحقاً في تقارب المصالح الاقتصادية بين الجماعات البروتستانتية واليهودية في أوروبا.

اليهود بين لوثر وكالفن

قبل أن نختم حديثنا هذا، يجدر بنا أن نشير إلى بعض الفوارق بين طروحات كلٍ من لوثر وكالفن بصدد اليهود والصهيونية. فقد تنامت هذه الفوارق منذ تلك الفترة، أي بدايات الحركة البروتستانتية، ونرى أنها تنعكس اليوم في تجلياتها المعاصرة على المواقف السياسية للكنائس والطوائف والمنظمات، اللوثرية والكالفينية، في الغرب الأوروبي – الأميركي. 

ذكرنا سابقًا، أن مواقف كلٍ من لوثر وكالفن من اليهود، تستند إلى التفسيرات الدينية للعهد القديم، على الرغم مما تتضمنه من بعض الاختلافات. ففي حين تبنى لوثر في آخر أيامه موقفًا معاديًا لليهود ووصفهم بأنهم “أبناء الشيطان”، قدّم كالفن تفسيرًا أقل عداءً، مع أنه وصف اليهود أحيانًا بالعناد والتشبه بالشيطان والكذب والقسوة. بكلمات أخرى، يمكننا القول، إن كالفن خفّف من حدّة التفسير التقليدي العدائي لليهود في الفكر المسيحي آنذاك، وفتح مجالًا لفهمٍ أقل عداءً للعلاقة بين المسيحية واليهودية.

هذا ما كانت عليه الحال في زمن انطلاقة الحركة الإصلاحية البروتستانتية.

أمّا في زمننا هذا، فإن المقارنة بين مواقف الرجلين تتجلى في فضاءات المجتمع والسياسة، وتنعكس في المواقف من الصهيونية وكيانها في فلسطين المحتلة ومجمل الصراع العربي -الصهيوني.

وبدون المغالاة في التداعيات السياسة للاختلافات بين الكنائس اللوثرية والكالفينية، نكتفي بالإشارة الى تشدد الكنائس الإنجيلية في مواقفها من قضايا اليهود واليهودية وسياسات الكيان الصهيوني، بينما نرى، في المقابل، تحولات في موقف بعض الكنائس اللوثرية في نقد السياسات الصهيونية ودعم “حل الدولتين” ومطالبتها بإنهاء الاحتلال الصهيوني الثاني لفلسطين أي احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967.

 فيما يلي نعرض بإيجاز لبعض هذه الاختلافات بين لوثر وكالفن:

1. الخطاب والأسلوب

مع أن لوثر وكالفن اتفقا في نقد اليهود لأنهم أخطأوا في رفضهم للمسيح، إلا أنهما اختلفا في أسلوب التعامل معهم خاصة في سنوات لوثر الأخيرة. فقد بدأ لوثر حياته منفتحًا على اليهود ومحابيًا لهم، ولكنه تحول في نهاية حياته إلى عدائية شديدة.

أمّا كالفن فقد اتفق مع لوثر في تفسير العديد من مفاهيم العهد القديم، ولكنه كان أقل حدةً في انتقاد يهود عصره، ورفض اضطهادهم والتحريض ضدهم، ورأى أن واجب المسيحيين هو دعوة اليهود لقبول المسيحية. بعبارة أخرى، ركّز كالفن نقده على الجانب اللاهوتي في تفسير النصوص الدينية بدلاً من التحريض ضد اليهود.

2. النظرة التاريخية لليهود

رأى لوثر أن تشتت اليهود ومعاناتهم هي دليل على لعنة الله وغضبه عليهم، بينما احتفظ كالفن بشيءٍ من الاحترام لـ “أصل الشجرة” (اليهود)، معتبراً أن الله قد يحفظ بعض اليهود للعودة في نهاية الزمان، وهو ما يجعل الكالفينيين أكثر تعاطفاً مع فكرة “استعادة إسرائيل”، أي استيطان فلسطين.

3. في الجانب الاقتصادي

تمسك لوثر بالنظرة التقليدية التي سادت آنذاك في الأوساط الكاثوليكية التي تحرم الفائدة على القروض المالية، ولذا نراه يهاجم اليهود لعملهم في الإقراض، على خلاف كالفن الذي شرعن الفائدة في الأعمال والقروض التجارية والمالية، ما خفف من حدة الصدام مع اليهود وفتح باب التعاون في إطار النظام الرأسمالي الناشئ.

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version