Site icon

من صفحات التاريخ l إذاعة “هنا القدس”… استهداف الصوت قبل الأرض، احمد زكي العريدي

في السادس والعشرين من نيسان/أبريل 1948، لم يكن الهجوم على إذاعة “هنا القدس” مجرد حادثة عسكرية عابرة في سياق الصراع الدائر آنذاك، بل كان استهدافًا واعيًا لصوتٍ شكّل أحد أعمدة الهوية الثقافية والإعلامية الفلسطينية. فالإذاعة التي انطلقت عام 1936 في ظل الانتداب البريطاني، لم تكن مجرد وسيلة بث، بل كانت منصة جامعة للفكر والأدب والموسيقى، ومرآةً تعكس نبض المجتمع الفلسطيني وتنوعه.

الهجوم الذي نفذته العصابات الصهيونية أدى إلى تدمير أجزاء من مبنى الإذاعة وتعطيل بثها لساعات، كما أسفر عن مقتل اثنين من العاملين فيها، بينهم مذيعة باللغة الإنجليزية. هذا الاستهداف لم يكن موجهًا ضد حجرٍ أو أجهزة فحسب، بل ضد مضمونٍ ورسالة، وضد قدرة الفلسطيني على التعبير عن ذاته وإيصال صوته إلى العالم.

ورغم قسوة اللحظة، حملت استجابة العاملين في الإذاعة دلالة عميقة على الإصرار والاستمرارية. فقد تمكن عدد منهم، وفي مقدمتهم راجي صهيون، من إنقاذ المعدات ونقلها إلى رام الله، حيث استؤنف البث في اليوم ذاته بعد ساعات قليلة من التوقف. هذه العودة السريعة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل كانت فعل مقاومة بحد ذاته، يؤكد أن الصوت لا يُخمد بسهولة.

إذاعة “هنا القدس” كانت، في ذلك الزمن، واحدة من أبرز الإذاعات في المنطقة، بل ومن أوائلها في الشرق الأوسط. وقد تميزت بتعدد لغاتها، حيث بثت بالعربية والإنجليزية، إلى جانب لغات أخرى، ما منحها بعدًا دوليًا وجعلها نافذة فلسطين إلى العالم. كما احتضنت نخبة من الأسماء اللامعة في الثقافة الفلسطينية، مثل إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، وروحي الخماش، ويحيى اللبابيدي، وغيرهم ممن أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي والوطني.

لكن هذه التجربة لم تكن بمعزل عن سياقها السياسي. فحتى قبل عام 1948، خضعت الإذاعة لتدخلات سلطات الانتداب البريطاني، التي لم تتردد في إقصاء شخصيات مؤثرة مثل إبراهيم طوقان، في محاولة للحد من تأثير الخطاب الوطني. وهو ما يعكس أن الصراع على الرواية لم يبدأ مع النكبة، بل سبقها بسنوات.

إن استذكار الهجوم على إذاعة “هنا القدس” لا ينبغي أن يقتصر على كونه حدثًا تاريخيًا، بل يجب أن يُقرأ في سياق أوسع يتعلق باستهداف البنية الثقافية والإعلامية الفلسطينية. فالمعركة لم تكن يومًا على الأرض فقط، بل على الكلمة والصورة والرواية.

اليوم، وبعد مرور ثمانية وسبعين عامًا، لا تزال هذه الذكرى تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن حماية الصوت الفلسطيني في وجه محاولات الطمس والتشويه؟ ربما تكون الإجابة في استلهام تجربة أولئك الذين أعادوا البث من رام الله بعد ساعات من التدمير، مؤكدين أن الرسالة لا تُقاس بسلامة الوسيلة، بل بإرادة من يحملها.

هكذا تبقى “هنا القدس” أكثر من مجرد إذاعة؛ إنها رمزٌ لذاكرةٍ تقاوم النسيان، وصوتٌ ما زال يتردد في وجدان الفلسطينيين، رغم كل ما مرّ عليه من محاولات إسكات الصوت.

:::::

المصدر:

احمد زكي

tdnSosrpoe tf 01 26mia800m2:7l4ci6l499a663f1568c3r2p3506iAgu  ·

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version