منذ عقود ومنطقتنا تغلي على صفيح من نار في حروب ونهب وسلب للحرية والسيادة والاستقلال، كنتيجة حتمية لوجود إمبراطورية الهيمنة وأدواتها شديدة الرجعية، ونتيجة حتمية لصعود الرأسمالية التي تتغذى على الحروب الإمبريالية في طورها الاحتكاري المتزايد والمعهود. إلا أن هذا الاشتعال في حرب إبادية مباشرة يتكثف منذ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وتشتعل معه شاشات الإعلام المختلفة ومنها المرتهنة التي تعمل كسلاح آخر في يد قوى الهيمنة في المنطقة وتعمد إلى ما يسمى بسياسة الإغراق الإخباري، وهي سياسة تعتمدها أمريكا والاحتلال الإسرائيلي بإعلامهما المباشر وإعلام دول التطبيع العربي بنشر مكثف لمشاهد الدماء والأجساد الممزقة والدمار والخراب في الأرض والممتلكات وأساليب القهر على اختلافها بشكل متعمد ومكثف وملحوظ مستهدفةً بذلك البيئة التي تتعرض للإبادة والاحتلال والنهب، وعقول ووعي أجيال لم تشهد النكبة والنكسة وقد تكون لم تشهد حتى الانتفاضات الأولى والثانية والحروب على الجنوب اللبناني من ٢٠٠٦ وما قبلها، ولم تعرف حروبه المتكررة على غزة. وبالتالي لم تعرف هذه الأجيال أمريكا كعدوّ ولا غدتها السرطانية المسماة إسرائيل عن قرب، أجيال كان بإمكانها أن تحدث فرقًا على الأرض لولا حرب تزييف ممنهجة اعتمدت لسنوات وتكثفت خلال الحرب من خلال الإعلام المرتهن عن طريق آلية الإغراق والتي لا يمكن إدراجها تحت ذريعة” نقل الحقيقة” لأنها أسلوب استعماري قديم ومقصود واستخدم على مدى عقود وبشتى الأساليب، ويرمي إلى تحقيق أهداف نفسية ومجتمعية وسياسية ممنهجة تؤثر على ردود الفعل الجماهيرية للفرد والمجتمع؛ فيظهر تأثيرها بشكل فوري خلال الأحداث ويستمر ويتعاظم على المدى البعيد كخطر حقيقي وأداة فعالة ازداد استغلالها مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي، مما يستلزم منا إدراكها والوعي لمخاطرها.
هذا البحث البسيط يستعرض الرؤية النفسية والفلسفية والسياسية لعملية الإغراق وأثرها في الفرد والجماهير، وهو موجه لنا كعامة وأيضًا لمن يعملون في قطاع الإعلام أبناؤنا الذين لا يعي جزء منهم هذه الحقيقة وينغمسون في سلاح الإغراق عن غير وعيٍ أو قصد أو اطلاع حتى يصبحوا جزءًا منها.
عقولنا في حالة تأهب دائم لكن دون تأثير فعلي:
درس مختصون في علم النفس مناهضون للإمبراطورية الإغراق من المنظور النفسي وسيكولوجيا الجماهير كسياسة يهدف القائمون عليها إلى خلق حالة من القلق المزمن الطويل وجعل الناس تعيش في عدم استقرار وتأهب لمجهول. ومع طول المدة الزمنية تغير هذه العملية من طريقة عمل الدماغ، ما يؤثر سلبًا على رد الفعل الفعلي نحو الواجب أو نحو الجواب على سؤال ما العمل، حيث يركز الضغط المكثف لمشاهد الدمار والدماء والأشلاء على إحداث حالة من الكر والفر في الدماغ كونه مبرمج على رصد التهديدات والمخاوف. وعندما يتعرض لها بلا انقطاع وبشكل جماعي رسمي مغلّف بكذبة” نقل الحقيقة” يشعر الإنسان أن عليه بل من واجبه أن يراها- رغم امتهانها لكرامة هؤلاء الشهداء والجرحى والمفجوعين- إلا أن الذي يحصل في تركيبة الدماغ هو ارتفاع هرمون التوتر والشعور الدائم بالخطر؛ الأمر الذي يتحول تلقائيًا من التعاطف إلى البلادة العاطفية، فلا يعد الدماغ قادرًا ومدركًا شعور الواجب الوطني الفعلي، ليس لأننا قساة، بل لأن الدماغ يحمي نفسه من الاحتراق النفسي بشكل تلقائي؛ مما يؤدي ضمنًا إلى إدمان هذا النوع من الأخبار دون إحداث فرق، بينما تكشف الدراسات أن العقل البشري ينجذب للمشاهد السلبية لأنه يفسرها ضرورة بقاء؛ ما يدفع الشخص لاستمرار تناقلها ومشاهدتها رغم شعوره بالسوء، في حلقة مفرغة من القلق ومن تبدل المشاعر إلى التسليم أكثر واللامبالاة.
صناعة القدرية والشلل:
عبر عنها الطبيب النفسي المناضل فرانز فانون في أن الاستعمار يسعى لتكريس صورة المستعمَر كضحية دائمة أو ككائنات تعيش في مجتمعات من الفوضى والرجعية والدمار المتأصلة فيها، فيتعمد جعل الموت والخراب والفقر تبدو كلها كقدر محتوم لا يمكن تغييره وتطبيع هذا الموت في الوعي الجمعي من خلال تكثيفه، وهذا يؤدي فورًا إلى الهزيمة النفسية؛ فعندما يرى الفرد مجتمعه محطمًا باستمرار ويراه ضحية طوال فترة نضاله يتسلل إليه شعور العجز المكتسَب مما يقضي على روحه المقاوِمة ليقبل هذا المجتمع بأي حل حتى لو كان مساوِمًا واستعماريًا وحتى لو كان بقبول وجود هذا المحتل والمستعمِر والقاتل نفسه كوصيّ عليه، مقابل” الأمن أو السلم” مما يسهل على المستعمِر الكثير.
نزع الإنسانية عن الشعوب:
في كتابه” الاستشراق” شرح إدوارد سعيد كيف تعاملت الصحافة المرتهنة والممولة من الاستعمار وأدواته مع الشعوب الأصلية المستعمَرة كحسابات وأرقام عابرة في موجز إخباري بسياسة سماها سياسة الجسد الممزق والمحروق والتي تعني اعتبارهم مجرد خسارة جانبية بشيء يشبه المزاد العلني بتعبيرات مثل “الحصيلة بازدياد، وارتفاع عدد الضحايا…” ما يحول الإنسان صاحب الأرض والأحلام والقضية إلى مادة بصرية منفرة تعمد لاعتياد رؤيته بهذه الصورة النازعة لبشريته. في غزة على سبيل المثال لا الحصر رأينا كيف حرصت فضائيات دول القواعد العسكرية على نشر صور الأشلاء والدماء والدمار صور المجوعين بدون ملابس صور الأطفال والأمهات في الطوابير المزدحمة تمد يدها المجوّعة مع تأثيرات إضافية على ألوان الصور وموسيقى حزينة لتجعلها أكثر استضعافًا، وقد قالها إعلام غربي وإعلام الاحتلال مستخدمًا الصور التي صورها أبناؤنا معلقًا” أنظروا هذا هو شعب غزة يهرع للمساعدات بشكل فوضوي وحيواني وهمجي”. ورأينا كيف حرص إعلام القواعد العسكرية على نشر صور نساء لحظة صدمتهن باستشهاد أقربائهن بحالة من الذهول والفجيعة. حرص هذا الإعلام على نشر مقاطع لهن في حالة تنزع إنسانيتهن، وقد لا يقبلن بنشرها لو سُئلن عن رأيهن في ذلك! لأن هذه الطريقة في تصوير الناس في الحروب تنتهك كرامتهم الإنسانية وتنزعها منهم وهذا ما يسعى له المستعمِر، كما نذكر المشهد الذي ظهر فيه مجموعة من الأفراد يرفعون الهواتف لتصوير خيمة صحفيين تحترق يظهر فيها الصحفيون والنار تلتهمهم وتمتد لأجسادهم، وبدل أن يهرع هذا العدد الكثيف من حملة الهواتف لمحاولة انقاذهم وسحبهم من النار فضّلوا الوقوف والتصوير بمشهد صعب جدًا لم يحدث من فراغ، بل من سياسة إغراق استمرت لعامين جعلت حتى ردود فعل ناقل الحدث تختلف عن فطرته الطبيعية وجعلته- ودون أن يشعر- ينخرط في هذه المنظومة مع الفضائيات والجهات العاملة على هذا النوع من الإعلام.
سياسة الصدمة والترويع النفسي:
ترى نعومي كلاين المناهضة للنيوليبرالية أن إعلام الاستعمار يسعى من خلال سياسة الإغراق إلى خلق صدمة جماعية تفقد المجتمع ككل توازنه وقدرته على التفكير المنطقي الفاعل مما يسهل على القوى الاستعمارية وأدواتها تمرير سياسات اقتصادية وسياسية وفكرية مجحفة لا يمكن تمريرها في حالة الفطرة الدماغية الطبيعية للمجتمعات المستعمَرة إلا إذا كانت تحت تأثير سلاح الإغراق. ثم يتحول ذلك إلى تبرير التدخل من خلال بروبغندا تصوِّر هذه المجتمعات باليائسة والمدمرة وكأنها تحترق ذاتيًا فنسمع كثيرًا من الأمريكان وقوى الهيمنة العربية جملة” تستحق غزة أن تصبح منطقة متطورة سوف نبني عليها كذا وكذا ونجعل منها كذا وكذا..” .وكررتها أمريكا في الحديث عن إيران وفنزويلا، فبعد تدميرها أو إفقارها وقهر أهلها وإخضاعها لعقوبات وحصارات تأتي أمريكا لتقول أنها ستنتشلها من هذا الخراب، مما يرسخ فكرة الحاجة لوصاية خارجية للتخلص من كل هذا القهر، رغم أن ذات” الوصاية الخارجية” هي التي ارتكبته بكل وحشية واستحقاق، لكنها تزيل الذنب والمسؤولية عن نفسها وتنزع عنها وحشيتها وعدم أحقيتها في هذه الأرض والشعب والمقدرات، وتحوله إلى جميل وخدمة تود تقديمها وتنتشل بها المجتمعات المقهورة من” دمار متأصل” فيها عادةً ما تعزوه وتلصقه بالمقاومة أو بالدولة المناهِضة للإمبريالية والهيمنة الأمريكية الغربية.
الاغتراب عن الأرض:
إن سياسة الإغراق الإخباري حسب علم النفس السياسي تسخدم أيضًا لكسر الرابط النفسي بين الإنسان وأرضه؛ فعندما ترتبط هذه الأوطان بأذهان أبنائها بصور الدماء والفقر فقط ينشأ لديهم دافع نفسي للهروب أو الاغتراب الداخلي وهو ما يفرغ الأرض أو يحرمها من قواها الحية الحقيقية الفاعلة المتمثلة بالإنسان، الأمر الذي يحقق أهداف الاستعمار بعيدة المدى؛ والتي تتلخص بقبول المقهورين بالاضطهاد والهيمنة كقدر محتوم لانهائي، ثم الاقتناع باللاجدوى من مقاومته ورفضه، ثم البقاء في الأرض بالارتهان والاستسلام، أو التخلي عنها والهجرة.
كيف ترى الفلسفة سياسة الإغراق؟
تناولت الفلسفة في العصر الحديث وما بعده عملية الإغراق الإخباري واصفةً إياها بأنها استراتيجية تسخدم للسيطرة على الوعي وإلغاء القدرة على التفكير النقدي. وهناك اتفاق فلسفي على أنها أداة للتطبيع تجعل ممارسات الإمبراطورية الوحشية عناوين عابرة، مع خلق شعور بالعجز أمام الكم الهائل من المآسي التي ينفذها المحتل أو المستعمِر وتسعى أذرعه لعرضها بكثافة على الشاشات، لتشتيت الانتباه الجماعي عن رفض الإمبراطورية وفهم الدوافع والسياق التاريخي وقدراته الحقيقية، بل والتأسيس للقبول بها. في كتابه “مجتمع العرض” يشرح غي ديبور كيف يحول إعلام الهيمنة الحياةَ تحت الاحتلال إلى سلسلة من الصور والأخبار المتلاحقة والعناوين المكررة والمصاغة بأساليب ممنهجة ومقصودة ما ينقل الجماهير من فاعل أساسي في السياسة إلى متفرج ومشاهد سلبي يشعر أنه مطلع، لكن هذا الاطلاع وهم يمنع الفعل الحقيقي ويخلق استلابًا اعلاميًا مفتتًا للزمن؛ فصور الدماء والأشلاء الممتهِنة لكرامة الشهداء والجرحى والمجوَّعين تقتل التاريخ والجريمة نفسها؛ فكل صورة مع كل مجزرة تقتل في عقل المشاهد ما قبلها، فتظل المجتمعات تعيش في حاضر مفرغ من جدواه مشتت تغلبه العدمية.
وهذا يقودنا إلى رؤية الفيلسوف المعاصر بيونغ تشولهان عن الإغراق الإخباري مستخدمًا توصيف” الشفافية” في عرض كل شيء بغض النظر عن شعور أصحاب هذا المصاب، ويصورها كقوة عنيفة بيد المحتل أو المستعمِر كون التراكم الكمي يفتقر إلى العمق الحقيقي ويلغي المسافة الضرورية جدًا للحكم الذهني مما يجعل هذا الاندافع والانكباب على هذه المشاهد ذو فعل لحظي زائل بدلًا من التحليل الحقيقي الواعي المصحوب برد الفعل، مما يمكّننا من اعتبارها سلاحًا إعلاميًا فتاك.
كيف نمنع تأثير الإغراق الإخباري؟
هذا البحث البسيط لا يقول للقارئ توقف عن متابعة الأخبار، على العكس تمامًا، هو يهدف إلى توجيه الفرد والجماهير إلى أخذ الخبر من مصادر لا تسعى إلى استعماله كقوة ضدنا وضد وعينا وأدمغتنا، ومصادر لا تهدف لتحويلنا إلى متفرج سلبي مستسلم، وانتقاد الطريقة التي تجعل الخبر في سياق نقل الحقيقة فعلًا ، وليس من خلال امتهان كرامة الشعب المحتَل أو المستعمَر وجعله مادة بصرية استهلاكية إعلامية وتطبيع قتله وقهره وخراب أرضه وإفقاره في عقول أبنائه ومن يقطنون خارج حدود أرضه. كما يهدف لمقاومة هندسة الوعي التي تمارَس علينا إعلاميًا كسلاح تدميري مخادع يتسلل إلى قناعاتنا ورؤيتنا للأشياء دون أن نعرف.
هذا البحث الصغير هو دعوة لنرفض الهيمنة على العقل التي تقودنا لفعل رفضها بشكل فعلي على الأرض، خاصةً مع وجود الأخبار بين أيدينا بوفرة مع مواقع التواصل الاجتماعي. وبتفكير بسيط ومقارنة مع مراحل قديمة خلال مواجهة هذه المنطقة للاحتلال الإسرائيلي على سبيل المثال، وهذه المرحلة، يمكن النظر لجوانب عدة يمكن المواجهة من خلالها:
كسر سياسة الجسد الممزق التي تتبعها الصحافة المرتهنة، وذلك بتجنب التعاطي والتناقل مع أي إعلام يستخدم الأرقام لوصف الشهداء والجرحى والمفقودين بأسلوب سردي رخيص، ورفض تناقل ونشر والتعاطي مع أي إعلام يحرص على تصوير شعوبنا بانتهاك مشاعرهم وكرامتهم وإنسانيتهم لحظة الصدمة والمصاب والتركيز على تناقل والتعاطي مع السرد، سرد أسماء الشهداء والجرحى وقصصهم وأحلامهم وما حصل معهم وما تعرضوا له وماذا تركوا خلفهم، هذا يلغي فكرة تحويلهم إلى مادة بصرية للفرجة، بل قضية وحق وعدالة، ما يساعد أيضًا في تثبيت الذاكرة ورفض النسيان الذي يفرضه تلاحق الصور والمشاهد والأحداث وكثافتها.
إعادة امتلاك المكان؛ فبعد إدراك هدف الاحتلال في جعل الإنسان يكره أرضه وينفر منها يصبح من الواجب علينا الحرص على إبراز الصمود والتركيز على صورة الحياة والمحاولات الدائمة للوقوف مجددًا ونشر النفَس الشجاع للبيئة المجتمعية، بيئة المقاومة وسعيها للثبات وحب العيش، مع تجنب الفن الذي يحول معاناتهم لمادة للمشاهدات وحصد الأموال والدعاية، والتركيز على الفن المقاوم الحقيقي الذي يحترم صمودهم دون رمسنة الواقع والاسترزاق عليه.
الوعي الناقد كما يسميه الفيلسوف باولو فريري وهو من أهم منظري التربية النقدية التحررية في القرن العشرين، وذلك بتفكيك الخطاب أي تدريب العقل الجمعي على الشك، واستخدام التساؤلات يعني: لماذا يعرضون هذا الآن؟ لماذا يكتبون الخبر بهذه الصيغة؟ ومن المستفيد بشعوري بالتآكل والعدمية أمام واجبي الوطني والعروبي والإنساني؟ فبمجرد الشك يصبح من السهل على الجماهير أن تصل إلى الانتقائية وبمجرد إدراك وجود سلاح يستخدم في الحروب يسمى الإغراق الإخباري، يفقد هذا السلاح جزءًا كبيرًا من فاعليته وتأثيره، كما يشجع فريري على ما سماه” السيادة على الوقت” وقت التعرض للأخبار من هذا النوع بالذات الذي يركز على المشاهد المكثفة لكسر حالة التأهُّب القَلِق الذي يفرض علينا.
كسر الاحتكار الإعلامي بإعلام من البيئة نفسها، إن أكبر ما ساعد إعلام الهيمنة على فرض سرديته هو غياب إعلام شعبي مقاوم يسد الشاغر الذي يفتقر إليه المشاهد فيلجأ لهذا الإعلام، إن الحاجة تتعاظم لإعلام شعبي واعي مقاوم يوثق جرائم الاحتلال ويفضحه بأيدينا ومن منظورنا وسرديتنا التي ترى في الشهادة كرامة وفي الشهيد إنسان كان يحاول أن يعيش لا أن ينجو، وأن الشعوب المستعمَرة شعوب ذات حق وقضية وذاكرة وأحلام وحضارات وتجذر، وتفضح سردية الاحتلال وأذرع الأمريكان بل وتحصن مجتمعاتنا من فكرها وتزييفها، على أن يرسخ هذا الإعلام أن ما ترتكبه الإمبراطورية هو جرائم تتغذا عليها لتنهب الأرض والإنسان، وليس قدرًا محتومًا وليست كارثة طبيعية ولا شيء متأصل فينا وفي أراضينا، لأن انتصار العدو في معركة الوعي يعني انتصاره علينا دون أن يتحمل كلفة ذلك الانتصار حتى.
من النماذج الفنية والإعلامية التي ساهمت في تحصين مجتمعاتنا من فكر الهزيمة، على صعيد الرسم مثلًا الفنان إسماعيل شموط والفنان سليمان منصور، فبدل التركيز على الموت والدمار قدموا لوحات تجمع الأرض والإنسان والتاريخ في ثلاثية واحدة، قدموا لوحات ترسخ التجذر والبقاء والمقاومة وتكريم الشهداء والدور النضالي لكل فئة من فئات المجتمع على اختلافها.
وعلى صعيد السينما، ظهر ذلك في نضال أمريكا اللاتينية وأفريقيا بخلق سينما ترفض جماليات ورمسنات البؤس أو التباكي الرامي للشفقة والاستضعاف؛ فبدلًا من تصوير البكاء والفواجع لحظة الصدمة يتم تصوير الناس يخططون ويعملون ويقاومون، حرصًا على تحويل المُشاهد من مستهلك للألم إلى مشارك في التغيير.
أما على صعيد الأدب والإعلام (سويًا) لدينا مخزون ثوري هائل وإرث نضالي تركه لنا القيادي الشهيد غسان كنفاني يمكن استعماله كأنموذج والبناء عليه. غسان لم يكتب قصة فقط، غسان رسم ملصقات للمقاومة وكتب المسرحية والنص السياسي والبيان الرسمي كناطق باسم الجبهة الشعبية والرواية والقصة القصيرة، وفيها كلها وعلى اختلافها كان مدركًا أن الصحافة والفن يقتلان القضية إذا حوّلاها إلى مشاهد إخبارية مكثفة مغرقة بالانتهاك للكرامات، فكسر بدوره- على سبيل المثال- صورة اللاجئ البائس التي يحبها الإعلام الغربي وإعلام القواعد العسكرية ويودّ لو بيده أن يطلب من اللاجئ تمثيلها حتى، كي يحصل هو على المشهد الذي يخدم سرديته، والتي يصور فيها اللاجئ بشكل همجي بشع رجعي لا يقرأ ولا يكتب ويتصرف كحيوان عدواني، أطفاله حفاة بالضرورة وعراة ومتسخين شوارعه طينية محفرة يختلط طينها بمياه صرفها الصحي يتسول أي شيء عند رؤية أي وفد إعلامي شعره أشقر، هذه المشهدية التي ظل هذا الإعلام يحاول تصويرها كسرها غسان أدبيًا وبالتالي إعلاميًا؛ فأوصل صورة اللاجئ الإنسان العادي كأي إنسان لديه كرامة بل ويتشبث بها يمتلك القدرة على القرار ويتعلم ويحبّ ويتزوج ويحلم ويسافر ويحاول ويعمل بتفانٍ وينجح ويرسم ويغني ويحب المسرح ويتقدم في العمر ويزرع ويصنع من لجوئه سبيلًا للعودة، كما هو الواقع تمامًا؛ فمن المخيمات تخرج مهندسون وأطباء وفنانون وسياسيون وحرفيون وعمال كما أنجبت دائمًا الثائرين والمناضلين والقادة والشهداء، وهذه الصورة البديعة شديدة الإنسانية والجمال لا يريد لها إعلام الإغراق أن تظهر، بل يريد لها أن تطمس وتدفن وتختفي ونغرق نحن في وحل العتمة والزفاق واليأس والطوباوية.
كما لا يمكننا نسيان رسام الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي وشخصية حنظلة الشاهد الصامت الغاضب، حيث كان ناجي جبهة إعلامية لوحده وكانت رسوماته ردًّا بصريًا على الصحافة المرتهنة، فيدير ظهر حنظلة دائمًا للمشاهد والإعلام الفاسد ويجعله ينظر إلى الحقيقة التي لم يكن يرسمها للاستعراض، بل شكل بفنّه وخزًا للضمير وكشفًا للمؤامرات في كواليس الخبر وما وراء السردية ساخرًا من اللغة الخشبية للإعلام الرسمي ومقدمًا وعيًا بصريًا تحليليًا ناقدًا للواقع السياسي بدل التباكي السلبي، إلى أن أرادوا لإعلامه الفني الصارخ أن يصمت باستشهاده.
إنهم يغرقوننا بالمأساة بالانتهاك بامتهان كراماتنا، يشكلون وعينا بالهزيمة والتزييف والعبث، محاولين بذلك جعلنا ننسى، بل ويستخدموننا في تحقيق ذلك عندما يعمل أبناؤنا في قطاع الإعلام لدى قنوات القواعد العسكرية كمراسلين ومصورين ومنتجين وغير ذلك، وينخرطون في هذا السلاح ضدنا دون وعي، فيستخدم إعلام الهيمنة بذلك قوّتنا أي أبناءنا وعقولهم وإبداعهم ضدنا.
إن إدراك هذه السياسات بالبحث والشك والمتابعة اليومية الناقدة يشكل بوصلة فردية وجماهيرية تحصننا من الركود والاحتراق وتجعل صمودنا فاعل ومؤثر، فالانتصار في حرب الإعلام والمخيلة والوعي بالتحرر من الهيمنة على العقل هو سلاحنا الأول لاسترجاع الأرض والعدالة والسيادة.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
