Site icon

أهديتموا الكيان النصر الأكبر! د. عادل سماره

يثرثر العديد من الإعلاميين والمثقفين وأدوات الأنظمة والأنظمة نفسها بأن الكيان لم يحقق ما أعلنه من أهداف ضد غزة وضد لبنان وضد سوريا. وبمعزل عن ما في هذا من كذب، بل لو إفترضنا أن إبادة غزة، وتبرع نظام الإرهابي الجولاني بمزيد من الأرض العربية السورية للكيان، واصطفاف قرابة نصف لبنان الرسمي لصالح الكيان، والحرب بكل الوسائل ضد الضفة الغربية، بمعزل عن ان  كل هذه ليست إنتصارات للكيان، فإن الأنظمة العربية وكثير من المثقفين والشارع العربي قد أهدوا الكيان الإنتصار الأكبر والأخطر والتاريخي ليس في التطبيع فقط بل الإعتراف العملي بالكيان وتحويل فلسطين الى المحتل 1967 بل وأقل.


كيف!


إعلام ومثقفو وساسة كل قطر عربي يتحدث عن بلاده في علاقتها بالكيان، أي لا يذكر أحداً  منهم أن الكيان يحتل فلسطين، وبالتالي غاب الشعار الأهم وهو تحرير فلسطين، ومعلوم فكريا وذهنيا أن ما يتم تغييبه يتم نسيانه ليصبح جزءاً من ثقافة ومواقف سياسية  جديدة تنسى ما تم تغييبه.  فتغييب هذا الشعار من الخطاب والثقافة العرببية يعني أن هذه الأ​مة وصلت إلى إستدخال الهزيمة والإستسلام للكيان مما حوله إلى دولة عادية كأية دولة عربية، بل أكثر.


لذا، وارتكازا على هذا الإستسلام يعلن نتنياهو أنه سيغير خريطة ما يُدعى الشرق الأوسط ويقصد تحديدا الوطن العربي، وهذا ما أسميته منذ توقيع إتفاقات أوسلو 1993 “الإندماج المهيمن للكيان في الوطن العربي”.


هذا الإستسلام هو جوهريا إصطفاف عدواني لصالح الكيان ضد فلسطين، فالعدوان ليس شرطا ان يكون بالسلاح، ذلك لأن مجرد الحديث عن الصراع العربي الصهيوني خارج التحرير هو عدوان ضد فلسطين. لذا، ليسأل المرء نفسه: كم الذين يقولون ويؤمنون بانه صراع عربي صهيوني؟ أليس الدارج اليوم: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ لقد كتبت عام 1993 في مجلة كنعان العدد الثاني بأنني أتوقع تقزيم الصراع للقول الصراع بين الكيان وآل الحسيني.


شاهدوا أقوال الحكام، لا يتحدث أيٌ منهم فيما يخص الكيان سوى عن موقف بلاده منفردا من الكيان  دون ذكر فلسطين أبداً، وفي أحسن الأحوال ، إذا أُضطر هذا أو ذاك للتطرق للصراع فلا يتجاوز ما يسمى المبادرة العربية التي كتبها الصحفي الصهيوني فريدمان وأعطاها لملك السعودية حيث تُرجمت إلى العربية ووافق عليها جميع الحكام العرب صاغرين، ولم يعترض عليها سوى الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود والرئيس السوري بشار الأسد، حيث اضافا قضية اللاجئين، أما رئيس وزراء الكيان إريك شارون فرماها في سلة المهملات.  واليوم، حتى هذه المبادرة الإستسلامية أصبحت طي النسيان  علماً بأن سقفها لا يتعدى دويلة في أجزاء تتناقص من الضفة الغربية وربما قطاع غزة.


لا يعود هذا الإنحطاط إلى قوة الكيان الذي أعاد طوفان الأقصى الصراع إلى حقيقته على كل فلسطين، وأثبت طوفان الأقصى  ان الكيان محمية وليس حتى قاعدة للإمبريالية، ولا يعود الإنحطاط لضعف العرب حتى عسكريا، بل يعود إلى حلول ثقافة خطاب الإستسلام ، هزيمة الخطاب والثقافة بتجريدها من العروبة أي إنتصار  نظام الدولة القطرية على دولة الوحدة.
لذا، تلجأ السلطة القُطرية إلى تحالفات خارج الإطار العروبي، وهي تحالفات يكون القطر العربي هو التابع وذلك هروباً من تحالفات عربية عربية لأن كل نظام قُطري يعتبر الوحدة عدوه الذي يجرده من بلد يغتصبه بكل المعاني. فالوحدة تعني إلغاء 22 رئيس أو ملك أو أمير وهم جميعا من التفاهة بحيث يجب أن يُحاكموا بتهمة تفاهة شخوصهم ناهيك عن نواقص أخرى عديدة، أي باختصار فإن كل سلطة تُمسك بتلابيب قطر ومواطنيه كخدم له بالإرهاب المعمَّم وبرشوة وشراء أدوات من الجلاوزة والخدم والمطبلين…الخ إنها حالة إختطاف موصوفة.


يتحالف قطر بساسته ومثقفيه وبرجوازيته الكمبرادورية مع العدو التركي الذي يتوسع  في احتلال اقطار عربية من سوريا، للعراق إلى ليبيا إلىىالصومال إلى قَطر ولا يخفي ذلك، ويتحالف قُطر مع الكيان وآخر يتحالف مع باكستان حيث يُغدق عليها ريع النفط متوهماً أنها ستقاتل دفاعاً عنه، والجميع يتبع للولايات المتحدة ولا تتحالف هذه القطريات مع بعضها البعض كما أكدنا خوفا من ان الوحدة تجرد الأنظمة من ما إغتصبته.


ليس الخلل بالطبع في مواقف الحلفاء الذين تتبع لهم هذه الأنظمة، كيف لا؟ فهل يُعقل أن يسير إمرىءِ في جبل وعرٍ ويجد دابة ولا يركبها؟


في المقلب الآخر، تتجمع قوى الدينسياسي العربية حيث تتجاوز عن الأنظمة القطرية وتعادي العروبة وتحلم بوهم أمة إسلامية بعددها الهائل وبتناسلها أميبياً، وبتماسك معدوم. ورغم أن هذا الهُزال كان واضحاً منذ اغتصاب فلسطين عام 1948 وما تلاه من تقصير مقصود إلا أن إبادة غزة  كشفت كل هؤلاء بأنهم كجلد الثور أو كإجهاض ضخم.


قد يجادل البعض بأن دعوتنا للعروبة أيضاً هي وهم كما هي الأمة الإسلامية، ولكن هذا إعتراض يتنكر للوقائع، فقد حاول العرب الدفاع عن فلسطين عام 1948 ضد الكيان وخلفه الغرب الإمبريالي وكانت الجيوش حقيقية بينما الأنظمة تابعة غادرة خائنة، وحاولت مصر وسوريا  ومعهما الجزائر والعراق  أيضا تحرير فلسطين عام 1973 ومرة ثانية كان الصراع والحرب مع كامل الغرب الإمبريالي، وقدمت الجمهوريات العربية للمقاومة الفلسطينية مليارات الدولارات وفرص التدريب والتجنيد  وبعد طوفان الأقصى حارب العرب من لبنان واليمن صنعاء أيضا ضد النظام العالمي، أما الدول الإسلامية فلم تقاتل قط، بل إن تركيا لعبت الدور الأخطر في تدمير سوريا. صحيح أن إيران لم تقاتل لا في فلسطين ولا في لبنان، لكنها قدمت ما بوسعها سواء في التدريب والتسليح والتمويل. وهنا، يهمني التحذير من وجود شريحة من المثقفين الذين يتحولون إلى توابع لإيران مغادرين الإنتماء للعروبة، وهذه فئة تكرر التبعية بثوب آخر. وهي تبعية مرفوضة بل درجة من التخارج والخيانة للعروبة، هذا رغم أن إيران خامنئي غادرت إيران الخميني التي كانت تنادي بتصدير الثورة ، طبعا إلى اين؟ إلى العرب الشيعة، وخاصة في العراق، وكانت تعادي صدام حسين بحجة أنه يحاول إعادة مجد الأمويين، وتحالفت مع الإخوان المسلمين وليس مع القوى العروبية! الأمر الذي قاد إلى حرب ضروس.


وهنا لا يفوتنا التركيز على وجوب الوقوف مع إيران كلٌ بما يمكنه ضد العدوان الصهيمريكي لأن هذا يفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية الفارسية ويرد على عرب أمريكا الذين يرون إيران القوية عدو للعرب، وهذا موقف هزيل ومعيب وإستخذائي! فحتى لو لإيران اطماعا، فإن التفكك والتجزئة العربية والإرتباط بتحالفات إقليمية هشة من هذا القطر أو ذاك مع تركيا مثلا أو حتى مع الكيان أو التبعية للغرب تكشف العار الذي هو عدم الوحدة العربية. فإذا كنت عاجزاً عن مواجهة إيران، إن كانت توسعية فلماذالا تتحد عروبيا، وهذا يعني ان عدم الوحدة خيانة.


وماذا عن القوى السياسية؟


إن حصر النقد في الأنظمة السياسية والطبقات الحليفة معها بشرائحها الطفيلية والبيروقراطية والكمبرادورية يبقى موقفا مجزوءا وخبيثا لأنه يعفي القوى السياسية الحزبية والقطاعات والشرائح الشعبية كالمثقفين والإتحادات النسائية والعمالية والمهنية…الخ، فهذه جميعا، إن جاز لنا التعميم، متورطة في مساكنة مع الأنظمة سوءا تعلن ذلك أم تخفيه.  لذا، كان سقف تحركها منذ طوفان الأقصى سواء داخل كل قطر أو فيما يخص البعد العروبي محصور في السقف الذي تحدده مخابرات سلطة النظام القطري. ولذا عشنا عار تخلف الشارع العربي وراء الطلبة الأمريكيين وكثير من القوى الديمقراطية في الغرب. إن سقف الحراك في الشارع العربي مخزْ في تواضعه ووضاعته، لأنه إختار الإنحصار في إيديولوجيا النظم القٌطرية التي، عودة لبداية المقال، تُمرِّر إعتبار الكيان على أرض له لا للشعب العربي الفلسطيني.

هامش: في معرض للفنان العروبي المميز ناجي العلي في لندن 1986، قدَّم لي الصحفي العربي ناصر المطرقي عمه القادم من الأهواز المحتل وقال له عادل سماره من فلسطين المحتلة، فأجاب الرجل بل فلسطين المُهداة.

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….

Exit mobile version